خرجت و لم تعد

بسم الله الرحمن الرحيم

خرجت ولم تعد

في نهايات عام 1995 و عندما كنت طالبا في الجامعة الأردنية ، وفي دراستي لمتطلب اجباري في الجامعة للغة العربية ، فلا زال تعلق في ذاكرتي تلك المحاضرة التي كان موضوعها عن الأخطاء الشائعة في اللغة العربية و من بينها المثال الذي ساقه الدكتور على ذلك عندما قال أن الجرائد في الاعلانات عن خروج خادمة و عدم عودتها تستخدم جملة ( خرجت و لم تعود) و قال أن الصواب ( خرجت و لمّا تعد) و بين لنا أن حرف لم يفيد الجزم القاطع اي بأنه ما حدث في الماضي و لن يحدث في المستقبل أي ان استخدام كلمة (لم) تعني لن تعود مطلقا أما ( لمّا) اي حتى هذه اللحظة ….ولكن من الممكن أن تعود

و بعد تلك السنين الطويلة وجدت ان استاذي كان مخطئا و الصواب ما تقوله الجرائد( خرجت و لم تعد ) لأن الخادمة اذا خرجت ( لم ولن ) تعود ، بل أن الجرائد لا زالت تستخدم جمل فادحة الخطأ تستخدم حاليا مثل ( وفاة خادمة ) و الصواب ان يقال ( انتحار خادمة ) و جملة (سقوط خادمة من الطابق ال ) و الصواب أن يقال ( محاولة انتحار خادمة ) و غيرها من الأخطاء التي لا تغتفر للجرائد.

قبل ايام و أثناء ركوبي المصعد للوصول إلى مكتبي في الدور الخامس فقد صادفت جاراً لي في العمارة صاحب مكتب استقدام خادمات وبرفقته خادمة صغيرة لا يزيد طولها عن طول طفلة صغيرة في العاشرة من عمرها ، و أثناء ركوبنا المصعد فقد كان صاحب مكتب الاستقدام يوبخ الخادمة باللغة الانجليزية و يلومها و يقول لها انت غبية كيف تحاولي ان تقتلي نفسك كيف تحاولي ان تلقي بنفسك من الشباك و غيرها من جمل الاهانة و التوبيخ ، و فضولا مني قلت له :لولا الظلم الذي ذاقته لما جاءت من تلك البلاد البعيد لتنتحر .. بل أجزم أنها جاءت وفي رأسها ألف حلم وأمل….فسكت هنيهةً، ثم قال :صدقت فصاحبة البيت الذي تعمل فيه هذه الخادمة بيتها مكون من ثلاثة طوابق لها و لأبنائها فعليها أن تنظف الطوابق الثلاث وتقوم على تلبية طلبات المقيمين في كل طابق ….

نظرت إلى جسدها النحيل ووجهها الشاحب البائس ….وصمتها المخنوق …فقلت أقسم أنها لا تتكلم خوفا من أشباح أسيادها التي تلاحقها… أو مات صوت الظلم في أعماقها …وماتت معه آلاف الأحلام والآمال حبيسة رأسها…

مسكينة تظن أنها جاءت إلى بلد الذهب والنفط……مسكينة تظن أنها جاءت إلى بلاد المسلمين حيث العدل والرحمة والرأفة…مسكينة باعت ما ادخرته سنين عمرها لدفع عمولة مكتب الاستقدام لتجد ….
مئات المكانس و المساحات و فوط الأطفال و الشطف و الكنس و المسح و الطبخ و البيبي و تلبيس الصغار و الترضيع و و غسل الملابس و كيها و خدمة العائلة جميعا و حميع اصدقاء و صديقات صاحبتها و أقاربها حتى الدرجة العاشرة ، عدا الضرب و السب و الشتم والنوم في الكردور و التأهب و الاستعداد النفسي و الجسدي للخدمة على مدار الأربعة و عشرون ساعة سبعة ايام في الاسبوع ، فإذا أكلت وضعوا في طعامها طعم الإهانة … وإذا نامت وضعوا تحت وسادتها إياك أن تتأخري… تضيق قصورهم عليها لتنام في الممر أو في الحمام أو في المطبخ ..وعلى أحسن الأحوال في مكان يسمى غرفة الخادمة و ما أدراك ما غرفة الخادمة ….

ويعجبون إذا انتحرت والعجب من عجبهم…
ويسردون قصص الخادمات في السرقة والهرب والانتقام من صغارهم … والعجب مما يسردون
لو أنهم قدموا قسطاً من رحمة الإسلام لما كان هذا ….

نعم … قدمتم من أموالكم لترتاحوا … لكنها قدمت من عمرها وجسدها ومالها لترتاح حين تعود لا لكي تنتحر فلا تعود….ولا لكي تظلم فتختنق آمالها وأحلامها قبل أن ترى الوجود….

و برغم كل تلك الاخبار و المئاسي فلا رقيب و لا عتيد فلربة البيت ان تتفنن في استعباد و تعذيب و إرهاق تلك الخادمة و كم من الخادمات من انتحرن دون أن ينشر لهن خبر فلا خرجت و لا بقيت .

و أخيرا أقول لربات و أرباب البيوت أن يتقوا الله فيهن وأن يتذكروا ان تلك الخادمة انسانة وأن يعاملوها بإحسان لا لكي لا تنتحر فقط و إنما لكي تخدمهم بإخلاص و لا تنتقم منهم بالصغار فإذا تعبت قولوا لها خذي قسطاً من الراحة وإذا نعست قولوا لها نامي واذا ….واذا….. تذكروا أنها من بني الإنسان و تذكروا ما
قاله عمر بن الخطاب رضي الله عنه ( متى استعبدتم الناس و قد ولدتهم أمهاتهم أحرارا ) ، و أتوجه لوزارة العمل بمراقبة أوضاع الخادمات باستمرار و عمل مقابلات دورية مع الخادمات ، و عدم السماح لأي شخص باستقدام عاملة الا بعد الكشف على المنزل و التأكد من وجود مكان لائق للخادمة كـإنسانة لا أن تنام في الكردور اأو المطبخ أو الحمام كما يحصل في الشقق و حتى في القصور الفارهة فيضيق القصر على الخادمة لتنام في الحمام.

المحامي سامي العوض بني دومي
عمان 26/5/2010

اترك رد