جربوا و لن تندموا يا معالي الوزير \ نشرت في مجموعة من الصحف

جربوا و لن تندموا

في ذاكرتي ذاك الخبيران الكنديان اللذين اعرفت عليهم و اللذان كانا يعملان في احد المناطق في المملكة في صناعة و استكشاف أحد المعادن المهمة فبعد ان رحلا الى بلدهم بقيت على تواصل معهم لفترة قصيرة بواسطة الايميل ، وقد كانا كبيران في السن اعمارهم تتجاوز الستين و ما يخلد في ذاكرتي تلك الرسالة التي وصلتني منهما يحدثاني فيها عن اخبارهما و ادهشني قولهما انهما قد قبلا الاحالة على التقاعد ولم ينتهي الخبر بل انتهت الرسالة بقولهما انهما حاليا متطوعان لتدريس الأطفال في مدارس حكومية .

ومن يومها و كثيرا ما يخطر ببالي ما سيعلمان الأطفال ، هل يعقل ان يعلموهم كيف يكتبوا A, B , C ؟ أم سيعلمانهم نشيدة بابا ماما ؟ طبعا لا ، بل هم يعلموهم ما هو أبسط من ذلك، انهم يعطون للأطفال دروسا قليلة موضوعها مثلا ، كيف تصبح عالما ، كيف تصبح خبيرا ، كيف تصبح انسانا ناجحا ، هم فقط يعطون الأطفال تلك الخلاصات النقية من الخبرات العظيمة لكيفية النجاح و كيفية تحديد الأهداف و طريقة الوصول الى الهدف بأقصر الطرق و أنجع السبل ، و غيره من الدروس التي يستوعبها الاطفال الصغار من أولئك العلماء الأفذاذ ، فتصور نفسك طالبا صغيرا على ذاك الكرسي لترى ذاك العالم الفذ يروي لك قصصا كيف نجح و كيف كان مثابرا و كيف أصبح مهندسا ومن ثم أعلى فأعلى فأعلى ، ذاك مايستحق ان يشرب للأطفال في صغرهم، ذاك ما يخلد في ذاكرة الطفل فتبقى تلك الحصة في ذاكرته الى الأبد بعكس حصصه الأخرى عن الأحرف و كيفية كتابتها و و و .

حاولت مؤخرا أن أتذكر حصة مدرسية علقت في ذاكرتي فلم أتذكر الا تلك الحصص التي كنا نشاغب فيها أو تلك التي كنا نهرب منها عن السور أو بعض حصص الرياضة و غيره مما يضر و لا ينفع ، المهم انني حاولت ان اتذكر أي حصة من المنهاج فلم أتذكر فتمنيت لو كنت طالبا في تلك المدرسة التي درّس فيها أيا من الخبيرين .

خلاصة القول في بلدي مئات العلماء و الاف المحامين وعشرات الاف المهندسين و الأطباء و الوزراء و السفراء و الأبطال و و و ، أنا أعتقد أن أيا منهم يتمنى أن يعطي يوما حصة للأطفال ليعلمهم كيف يصبح وزيرا و غيره يعلمه كيف يصبح محاميا و غيره يعلمهم كيف يصبح بطلا رياضيا عالميا ، هو ليس فقط سيعلم ابناء الناس بل سيعلم الناجحون رفاقه أبناؤه كذلك .

فلو عرض على أولئك الناجحون العمل التطوعي فأنا متأكد أن كل منهم سيهب الى خدمة ذاك الجيل القادم لكي لا يبقي النجاح سرا حبيس صدورهم ، و لكي يكشف كل ناجح لذاك الجيل أقصر الطرق للوصول الى الأهداف ومفاتيح النجاح ، و ما يبرهن ذلك أن من تتلمذوا على أيدي كبار علماء المسلمين أصبحوا علماء و كثيرا منهم من تفوق على استاذه، ، و من تدرب على يد محام ماهر أو مهندس موهوب أو طبيب بارع ليس كمثل من تدرب على يد فاشل ، و قس على ذلك في كل المجالات .

بعكس من لم يحالفهم الحظ و بقوا أسارى الروتين القاتل و الذهاب و الاياب الى المدرسة و البرنامج الاسبوعي المقيت و ذاك المعلم الذي لا يتغير وجههه أبدا طيلة العام الدراسي و الذي يرى مهنة التدريس عقاب و فشل ويرى ان وجوده في المدرسة ذنب فلا راتب يحسد عليه و لا مكانة ولا سلطة و لا نقابة و لا و لا حرمان … بحرمان و فشل… بفشل ، فكيف يسقي الطلاب شربة نجاح ,,,, فسيبقى الأطفال عطشى لا أحد يروي لهم قصة نجاح ،،،، و الأمّر من ذلك ، أن يخلو بيت الطفل من ذاك النبع فسيبقى فكر الطفل يجف و يضمحل حتى تجده تراكم فشل على فشل ، فشل الاباء و فشل المدراس وفشل المدرسين و فشل المجتمع ، الى ان يأتيه ذاك الوزير الى المدرسة ليروي له كيف أصبح وزيرا فيحب المدرسة و يحب أن يتعلم ,,, فيخضر و يزهر ,,,, الأطفال كالورود في المدارس ،،،، و يتغير في الأمر شيء.

و أخيرا لا يوجد ما يضير وزير التربية الحالي من أن يكفر عن ذنوبه و يفكر في مشروع كهذا و يبدأ بمناداة و مراسلة تلك النخب من أبناء المجتمع يطلب من كل منهم أن يعطي على الأقل حصة و احدة في العام الدراسي وفق برنامج مدروس فما يمر على الطالب شهر الى و يأتي الى غرفة صفه أحد هؤلاء ولا أقول الى المدرسة ليقرأ كلمة كريهة مكتوبة تقرأ على ذاك الميكرفون البذيء على بعد مئات الأمتار تسمع منه كل الصافرات و الزوامير الا صوت المتكلم ، متى ستكون دائما المدرسة مستعدة و نظيفة و مرتبة بانتظار الضيف المهم القادم ليعطي حصة للصف الرابع أو غيره .

جربوا و لن تندموا يا معالي الوزير
كتبها المحامي سامي العوض بني دومي
عمان 20 حزيران 2010

اترك رد