الالتزام بالتبصير

إن الالتزام بالتبصير هو وسيلة وقائية لحماية الرضا، كي لا يقع لا في غلط أو تدليس أو غير ذلك من عيوب الإرادة، وهو الحالة التي يفرض فيها القانون على المهني أن يشعر المتعاقد الآخر بجوهر محل العقد ومكوناته.

تمهيد في الالتزام بالتبصير

يعتبر الالتزام بالتبصير أو بالإعلام (الإفضاء) أو بالإدلاء بالمعلومات والبيانات المتعلقة بالعقد من الموضوعات الحديثة التي خصها رجال القانون الوضعي بأهمية خاصة متأثرين في ذلك بالقضاء الفرنسي، الذي أثر بشكل مباشر في المشرع الفرنسي الشيء الذي جعله لا يتردد في الأخذ بهذا الاتجاه في مجموعة من النصوص القانونية المنظمة للعقود الخاصة.

  ولما لم تصل الشروط الموضوعة لحماية صحة الرضا في القانون المدني إلى حماية الثقة التي يقتضيها الضمير في المعاملات المختلفة، وتجلى قصور مثل هذه الوسائل التقليدية مع تطور معطيات الحياة المتعلقة بما يسمى النظام العام الاقتصادي الحديث وهي جميعا تدور في فلك فلسفة أساسية هي حماية المستهلك ، فغالبية الدول لجأت الى إصدار قوانين خاصة لحماية المستهلك و التي اشترطت و قننت التزام البائع أو المهني بتبصير المشتري أو المستهلك حول طبيعة السلعة  سعياً إلى مزيد من حماية المتعاملين العاديين، و التي ترقى في بعض القوانين و في حالات إلى صور خاصة هي الالتزام بالتحذير أحياناً، وبالنصيحة أحياناً أخرى، وصولاً إلى الالتزام بالامتناع عن التعاقد في بعض الحالات التي يكون التعاقد فيها ضاراً بالمستهلك أو لا يحقق مصالحه على نحو أفضل.

 ويتمثل الالتزام بإعلام المتعاقد من الالتزامات التي كثر الحديث عنها في الآونة الأخيرة وكأنها جزء لا يتجزأ من الواجبات الملقاة على عاتق أحد أطراف العقد (المهني)، أو هما معا.

الأخلال بالتبصير

إن للإخلال بالالتزام بالتبصير يؤثر في رضاء المدين، حيث يكون رضاؤه معيبا، فيرغب في وضع حد للعقد، بل قد يلحق بالدائن أضرارا بليغة فيرغب في مطالبة المدين بالتعويض عن هذه الأضرار.

إن الالتزام بالتبصير هو وسيلة وقائية لحماية الرضا، كي لا يقع لا في غلط أو تدليس أو غير ذلك من عيوب الإرادة، وهو الحالة التي يفرض فيها القانون على المهني أن يشعر المتعاقد الآخر بجوهر محل العقد ومكوناته

وقد عرف الفقه الفرنسي، الالتزام بالتبصير بأنه الحالة التي يفرض فيها القانون على المهني أن يشعر المتعاقد الآخر بجوهر محل العقد ومكوناته ويجد هذا الالتزام أساسه في انعدام التوازن في المعرفة بين المتعاقدين سواء بسبب انعدام المساواة في الاختصاص العلمي أو الكفاءة، كما هو الأمر مثلا بالنسبة للعلاقة التعاقدية بين المهني والمستهلك، ذلك أن التطور الذي تعرفه الصناعة من الناحية التقنية، خولت للمهني حنكة وتجربة لم يتسن للطرف المستهلك إدراكها وبلوغها، وهذا ما جعل جل التشريعات تفكر بجدية في إقرار مقتضيات تمدد بمقتضاها التزامات جديدة إلى الواجبات الملقاة على المهني، المتمثلة أساسا في الالتزام بالتبصير أو بمعنى آخر الالتزام بتوجيه إرادة المستهلك نحو الاختيار الواعي، وهي حماية تهدف إلى صيانة رضى هذا الأخير عن طريق افتراض قرينة الجهل لديه، مما يخوله الحق في التنوير والتبصير.

التبصير في عقود الإذعان والتأمين

لكن يجب ألا يفهم مما سلف أن الالتزام بالتبصير واجب على عاتق المهني بمفرده بل هناك قواعد خاصة تخرج عن القواعد العامة تمدد هذا الالتزام إلى الطرف المذعن كما هو الشأن مثلا بالنسبة للمؤمن له الذي يتحتم عليه الإدلاء بجميع البيانات والظروف التي من شأنها تخويل المؤمن صورة حقيقية وشاملة عن الخطر المراد تأمينه.

في غياب نص صريح للالتزام بالتبصير في التشريع الأردني، فما هي الأسس القانونية للالتزام بالتبصير المعتمدة في التشريع الأردني؟ وهل غياب هذا النص يحول هذا الالتزام من التزام قانوني إلى خانة-الالتزامات الأخلاقية-، وللإجابة على هذه الأسئلة وأسئلة أخرى فسنبين الأساس القانوني للالتزام بالتبصير وأهم صوره.

الأسس القانونية للالتزام بالتبصير في العقود.

في غياب نص قانوني عام وصريح يبين أحكام الالتزام بالإعلام في القانون الأردني، ويحدد جزاء الإخلال به، فإنه يمكن الاستناد إلى النظرية العامة للعقود في القانون المدني، ومن ثم يمكن القول إن الالتزام بالإعلام يرتكز في وجوده القانوني على عدة أنظمة قانونية بالأساس في عيوب الرضاء، والمسؤولية التقصيرية وضمان العيوب الخفية، والاستحقاق، وبمعنى آخر، يمكن أن يترتب على إهمال الإدلاء بمعلومات معينة إما عيبا في الرضاء، أو خطأ تقصيريا، أو عيبا خفيا، أو حتى استحقاقا.

فالنظرية العامة تعد إذن الأساس العام للالتزام بالإعلام، ولكن المقصود هنا هو الالتزام بالإعلام الذي له انعكاسات على رضاء المتعاقد، أو ما يسميه بعض الفقه بالالتزام قبل التعاقدي بالإعلام، ولانعدام عدم كفاية النظرية العامة في تحديد مغزى الالتزام بالإعلام، سعى المشرع إلى تكملتها بمقتضى قوانين لاحقة خاصة.

الالتزام بالتبصير وفقا لأحكام القانون المدني.

أولا: عيوب الرضاء.

قد يشوب إرادة المتعاقد عيب يؤثر في الرضاء، فتتجه الإرادة الموجودة إلى التعاقد وهي على غير بينة من حقيقة الأمر، ويقصد بعيوب الرضاء أمور تلحق إرادة أحد المتعاقدين أو كليهما، فتفسد الرضاء دون أن تجهز عليه، فرضاء المتعاقد هنا موجود. كل ما في الأمر أن إرادته لا تكون سليمة، ولم تصدر عن بينة واختيار. ولا يحول هذا دون وجود التصرف، إنما يكون لمن عيبت إرادته أن يطلب إبطال هذا التصرف، أي يكون التصرف قابلا للإبطال.

إن عيوب الرضاء التي يمكن اعتمادها لتوقيع الجزاء على من أخل بالالتزام بالإعلام تكمن بالخصوص في الغلط و الغبن أو التغرير لأنهما يرتبطان بهذا الالتزام ارتباطا وثيقا، فالالتزام بالتبصير يهدف إلى تقديم معلومات من أجل أن يكون الرضاء مستنيرا، ومن هذه الزاوية يظهر وكأنه نوع من الوقاية من العيوب، لأنه يعكس حاجة ملحة فيما يتعلق بنوعية الرضاء، كما أنه يضع قيودا ضمنية على مبدأ سلطان الإرادة، وذلك وفقا لأحكام المواد 143 الى 156 من القانون المدني الأردني و يشار هنا الى نص المادة 144 من القانون المدني و التي نصت يعتبر السكوت عمدا عن واقعة أو ملابسة تغريرا اذا ثبت ان المغرور ما كان ليبرم العقد لو علم بتلك الواقعة أو هذه الملابسة.

ثانيا: ضمان العيوب الخفية والاستحقاق

1- ضمان العيوب الخفية (المواد 512 الى 521 من القانون المدني )

البائع ملزم بتبصير المشتري بشأن العيوب الخفية لكي يبعد المسؤولية عنه، ومن ثم يمكن القول أن الالتزام بالتبصير المعاقب عليه على أساس ضمان العيوب الخفية له انعكاس على رضاء المتعاقد الآخر، ويضاف إلى ذلك أن البيانات الواجب الإدلاء بها هنا، لكي تكون ذات جدوى، ولكي ترفع عن العيب طابعه الخفي يجب الإدلاء بها قبل إبرام العقد، وهذا ما كرسته المادة 513 من القانون المدني، فالمشرع أوضح من خلال هذه المادة أن العيب لكي يكون مشمولا بالضمان يجب أن يكون مؤثرا، بمعنى يجب أن يصل حد من الجسامة، بحيث لو علم المشتري لما أقدم على الشراء أصلا، وأنه كان سيتفاوض وفقا لشروط أخرى، فالعيب المؤثر إذن ينقص من قيمة الشيء نقصا ملموسا أو يجعل الشيء غير صالح للاستعمال فيما أعد له، لذلك يمكن القول إن المشرع يقصد من كل هذا أن يتم الإدلاء بالمعلومات المتعلقة بالعيب المؤثر قبل إبرام العقد، فالمشتري بالطبع، لو علم مبدئيا بعدم صلاحية الشيء للاستعمال فيما أعد له لما أقدم على شرائه.

وبشيء من الإمعان يتضح أن نطاق الالتزام بضمان العيوب الخفية أضيق من نطاق الالتزام بالإعلام، ذلك أن الالتزام الأول يقتصر على الحالات التي يعتري فيها الشيء عيبا خفيا وقديما يؤثر على أدائه لوظيفته، بينما نطاق الالتزام الثاني أوسع من ذلك، إذ يمتد ليشمل كافة الحالات التي يتسم فيها المبيع ببعض الخطورة بسبب حدته أو طبيعته أو كونه دقيقا في تركيبه أو صعبا في استعماله، فالنقص في البيانات المتعلقة بكيفية استخدام المبيع، أو التحذير من مخاطره، أو حتى عدم ملاءمته لأغراض المشتري يشكل خرقا للالتزام بالإعلام يستحق عنه المدين الجزاء، فالخطورة الكامنة في الشيء لا تمثل عيبا خفيا، ولكن تشكل إحدى البيانات التي يجب الإفضاء بها إلى الطرف الآخر على أساس الالتزام بالإعلام، يدل هذا الاختلاف في النطاق على أن الدعوى الناشئة عن الالتزام بضمان العيوب الخفية قاصرة عن استيعاب الدعوى الناشئة عن الإخلال بالالتزام بالتبصير.

2- ضمان الاستحقاق المواد 503 الى 511 من القانون المدني.

ويسري نفس الحكم إذا كانت العين مثقلة بحقوق ارتفاق غير ظاهرة أو بحقوق أخرى لم يصرح بها عند البيع”.

يمكن استنتاج أن الالتزام بالإعلام الذي يقع تحت الجزاء على أساس ضمان الاستحقاق ينعكس بدون شك على رضاء المتعاقد.

يشمل ضمان الاستحقاق إذا الضمان الواجب للمشتري ضد الاتفاقات والتكاليف غير الظاهرة والحقوق غير المصرح بها وكل ما يمكن أن يشوش عليه الانتفاع الهادئ بالشيء المبيع، وهكذا يتضح أن ضمان الحقوق والتكاليف غير المصرح بها يمكن أن يشكل أساسا لتطبيق الالتزام بالإعلام الذي له تأثير على رضاء المتعاقد، فالبائع عليه الالتزام بالإعلام الذي له تأثير على رضاء المتعاقد، فالبائع عليه التزام حقيقي يتجلى في إطلاع المشتري المحتمل بالتكاليف والاتفاقات التي تثقل الشيء المبيع، فلا شك أن هذه المعلومات لها تأثير على رضاء المشتري، ولكن إلزام البائع بأن يضمن للمشتري الاستحقاق الذي يقع على كل المبيع أو جزء منه أو التكاليف التي تثقل هذا المبيع، إذا لم يصرح بها، سيلتزم جهل المشتري بخطر الاستحقاق، فعلمه به يمنعه من الاستفادة من مقتضيات الضمان، ولكن هذا القول لا يؤخذ على إطلاقه، إذ ليس من الضروري دائما أن يكون المشتري غير عالم وقت البيع بالاستحقاق الجزئي للاستفادة من الضمان فقد يكون عالما به ولكنه يعتقد أن البائع سيدرأه عنه، كما لو كان المبيع مرهونا للوفاء بدين معين، وأكد له البائع بأنه سيقوم بالوفاء بالدين ويشطب على الرهن.

ثالثا: المادة 202 من القانون المدني  كأساس للالتزام بالتبصير.

حيث نصت المادة 202- 1- يجب تنفيذ العقد طبقا لما اشتمل عليه وبطريقة تتفق مع ما يوجبه حسن النية.

ومبدأ حسن النية يتطلب من المدين القيام بكل ما يساعد الدائن في الانتفاع التام بعمله القانوني، كما أن الدائن بدوره يجب عليه، وفقا لنفس المبدأ، أن يسهل على المدين تنفيذ التزاماته، ويتعين على كل منهما أن يعبر على أكثر قدر من التعاون والعناية وكذلك المساعدة خلال مرحلة تنفيذ العقد.

وبعبارة أوضح، إن الالتزام بالتعاون يفرض على كل طرف تنبيه الطرف الآخر-أثناء تنفيذ العقد- إلى كل الوقائع التي تقتضي مصلحته الإلمام بها من أجل تنفيذ العقد، ويسود هذا التعاون طيلة فترة تنفيذ العقد، وخاصة بالنسبة للعقود المتراخية التنفيذ.