مبدأ الأصل براءة المتهم

هو مبدأ من أهم المبادئ القانونية المتعارف عليها في كافة الأنظمة القانونية، ويفترض هذا المبدأ براءة المتهم وأن يُعامل كذلك طوال المدة التي يستغرقها النظر في الدعوى الجزائية إلى أن تثبت إدانته بحكم نهائي بات ، وهذا المبدأ يسمى أحيانا قرينة البراءة ، اي ان البراءة بذاتها تعتبر قرينة ، وأحيانا يقال المتهم بريء حتى تثبت إدانته، وهو مبدأ الأصل براءة المتهم.

جدول المحتويات

تعريف بالمبدأ وأهميته

أصل المبدأ

ثانيًا: القواعد التي تُحكم هذا الأصل

أدلة هذا الأصل في المواثيق الدولية والاتفاقيات الإقليمية :

النتائج المترتبة على مبدأ الأصل براءة المتهم :

تعريف بالمبدأ وأهميته

أهمية المبدأ

ونظرًا لأهمية هذا المبدأ فقد عنيت معظم الدول على النص عليه في تشريعاتها، وهو مبدأ يُطبق في المجال الجنائي، والأصل في الإنسان البراءة هو مقصد من مقاصد التشريع الإسلامي يتعين الالتزام به والمحافظة عليه لحمايته للحقوق والحربات، فالشريعة الإسلامية وازنت بين حق المتهم في البراءة، وحق المجتمع في عقاب المجرمين.

ومن مبررات ذلك الأصل في القانون أنها من المسلمات وأنها حفظ للكرامة وحماية للحريات ولضعف الأفراد وملافاة للأخطاء القضائية.

وقد ورد في احدى قرارات محكمة التمييز الأردنية ما يلي : “إن الأصل براءة الإنسان ما لم يرد الدليل القاطع على إدانته وحيث لم يرد الدليل القاطع على الإدانة مما يستوجب والحالة هذه إعلان براءة المتهم ….. لعدم كفاية الدليل . “

وجاء في المادة (147) من أصول المحاكمات الجزائية الأردني فقرة (1) ما يلي : ” المتهم برئ حتى تثبت إدانته “.

وفي المادة (67) من الدستور المصري لعام 1973 نص على أن : كل متهم بريء حتى تثبت إدانته في محاكمة قانونية تكل له ضمانات الدفاع عن نفسه.

أصل المبدأ

وسنتناول في مقالنا أدلة هذا الأصل في الشريعة الإسلامية والقواعد الفقهية التي تحكمه، وكذلك أدلته في المواثيق الدولية والاتفاقيات الإقليمية وأخيرًا النتائج المترتبة على مبدأ الأصل براءة المتهم وذلك تباعًا كما يلي:

أدلة هذا الأصل في الشريعة الإسلامية والقواعد الفقهية التي تحكمه :

هناك أدلة ثابتة قاطعة على هذا الأصل من القران والسنة، وكذلك هناك قواعد فقهية استنبطها الفقهاء دليل على أصل البراءة.

أولًا : أدلة قاعدة الأصل في المُتهم البراءة في الشريعة الإسلامية

القرآن الكريم

قوله تعالى : ” ولا تزر وازرة وزر أخرى “

والآية دليل على أنه لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص وهذا ما تُعبر عنه الشرعية الموضوعية، وهذا دليل على أن الأحكام لا تثبت إلا بالشرع.

السنة النبوية الشريفة

قال صلى الله عليه وسلم : ” لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه “.

والحكمة من ذلك أن جانب المدعي ضعيف فكُلف بالحجة القوية، وجانب المدعى عليه قوي فيُكتفى منه باليمين، فكان ذلك منتهى الحكمة.

ثانيًا: القواعد التي تُحكم هذا الأصل

هناك ثلاثة قواعد تحكم هذا الأصل في الشريعة الإسلامية وهي على الترتيب قاعدة اليقين لا يزول بالشك، وقاعدة أصل براءة الذمة، وقاعدة الحدود تدرأ بالشبهات.

·        قاعدة اليقين لا يزول بالشك

والمعنى الإجمالي لتلك القاعدة أنه إذا ثبت أمرًا من الأمور ثبوتًا راجحًا أو جازمًا، ثم طرأ بعد ذلك وهم أو شك في زوال أو انتهاء هذا الأمر الثابت، فإنه يُحكم ببقاء الأمر الثابت على ما ثبت عليه، ولا يُلتفت إلى الشك والوهم.

ومن أدلة تلك القاعدة من القرآن الكريم قوله تعالى : ” وما يتبع أكثرهم إلا ظنًا إن الظن لا يُغني عن الحق شيئًا إن الله عليم بما يفعلون “

فاليقين حُكما قطعيًا جازمًا هو أقوى من الشك ولا ينقطع بالشك، فليس الظن كاليقين.

ويؤخذ من تلك القاعدة عدة أمور أن الشك يُفسر لصالح المُتهم، وافتراض براءة المتهم، فلا يصح الحُكم بالعقوبة إلا بعد التثبت من أن الجاني ارتكب الجريمة، فالمتهم برئ مما نُسب إليه حتى يُثبت عكس ذلك باليقين.

·        قاعدة الأصل براءة الذمة

وتلك القاعدة في معناها الإجمالي أن المُتيقن أن الإنسان خُلق خاليًا من المسؤوليات والالتزامات وكذلك من حقوق الأخرين، وبالتالي فإن الأصل براءة ذمته من الحقوق، وبراءة جسده من الحدود والقصاص والتعزيزات، فلا يقوم التزام ما على شخص الا بعد قيام دليل مُثبت لسبب هذا الالتزام في حقه.

ومن أدلة تلك القاعدة قوله صلى الله عليه وسلم : ” قضى أن اليمين على المدعي عليه “.

فالرسول صلى الله عليه وسلم لم يطلب من المدعي عليه سوى اليمين مما يدل أن الأصل براءة الذمة، وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم البينة في جانب المدعي.

وتلك القاعدة لا تُطبق في المجال الجنائي فحسب، بل تمتد لتشمل سائر التكاليف، ومدلول تلك القاعدة أن الإنسان ذمته بريئة من أي شيء إذا كان متهمًا ، لأن هذا هو الأصل وبناء على ذلك فالإنسان يبقى بريئًا حتى يثبت إدانته بدليل يقيني، فالأصل في المتهم البراءة، حتى إذا وجهت ضده اليمين في الدعوى فنكل عن اليمين فلا يُعتبر نكوله إدانة له.

·        قاعدة درء الحدود بالشبهات

المعنى العام لتلك القاعدة أنه لا يُمكن أن تسقط أو تُقام العقوبات المُقدرة أو الحدود على وجود شبهة أو التباس بالمحل أو الفعل، ولكن يُشترط في الشبهة أن تكون قوية، وفيما يخص حقوق العباد فإنها لا تسقط بالشبهة.

ومن أدلة تلك القاعدة ما روى عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنها قالت : ” أدرئوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فإن كان له مخرجًا فخلوا سبيله، فإن الإمام أن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة “

وهذه القاعدة لها ارتباط وثيق بقاعدة الأصل في المتهم البراءة وذلك لأن نتائج قاعدة درء الحدود بالشبهات تؤدي لدرء العقوبة وتبرئة المتهم مما نُسب إليه من فعل.

أدلة هذا الأصل في المواثيق الدولية والاتفاقيات الإقليمية :

أولًا : المواثيق الدولية

اعترفت الجمعية العامة للأمم المتحدة بهذا الأصل أو الحق في إعلانها العاشر من شهر ديسمبر لعام 1948 م ، وجاء في الفقرة الأولى من المادة الحادية عشر من هذا الإعلان ما يلي : كل شخص مُتهم بجريمة يُعتبر بريئًا إلى أن تثبت إدانته قانونًا بمحاكمة علنية تؤمن له فيها الضمانات الضرورية للدفاع عنه “.

وقد صدقت الجمعية العامة للأمم المتحدة في 6 ديسمبر عام 1966 م على اتفاقية الحقوق المدنية والسياسية التي دخلت حيز التنفيذ في العام 1976.

وقد نصت الفقرة الثانية من المادة الرابعة عشر من هذه الاتفاقية على أنه : لكل فرد متهم بجريمة بتهم جنائية الحق في أن يُعتبر بريئًا مالم تثبت إدانته طبقًا للقانون “.

ثانيًا : الاتفاقيات الإقليمية

جاء في الميثاق العربي لحقوق الإنسان الذي تم اعتماده ونشره في العام 1997 م في مادته السادسة على : ” لا جريمة ولا عقوبة الا بنص قانوني، ولا عقوبة على الأفعال السابقة لصدور ذلك النص، وينتفع المتهم بالقانون اللاحق إذا كان في صالحه “.

وفي المادة رقم (7) من نفس الميثاق نص على الآتي : ” المتهم برئ إلى أن تثبت إدانته بمحاكمة قانونية تؤمن له بها الضمانات الضرورية للدفاع عنه “.

وفي نيودلهي عقدت الجمعية الدولية لرجال القانون عام 1959 مؤتمرًا أُكد وتقرر فيه أن تطبيق الشرعية ينطوي على الاعتراف بقاعدة أن المُتهم برئ حتى تثبت إدانته.

وجاء في الفقرة الثانية من المادة السادسة من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان والتي تم التوقيع عليها في روما عام 1950 م ما يلي : ” أن كل شخص يُتهم في جريمة يُعتبر بريئًا حتى تثبت إدانته طبقًا للقانون “.

النتائج المترتبة على مبدأ الأصل براءة المتهم :

أولًا : اليقين القضائي أساس الحُكم بالإدانة

فإذا كان الأصل في الإنسان البراءة، فهذا الأصل لا يزول إلا بيقين مثله أو اقوى منه، وبالتالي فالأحكام التي تصدر بالإدانة يجب أن تبنى على اليقين لا الشك، فالأصل لا يزول إلا بيقين مثله أو أقوى منه، فالقاضي إذا لم يصل إلى اليقين مبرر للإدانة، فهذا يعني أن الشك يؤدي إلى الحُكم بالبراءة.

ونشير إلى أن يقين القاضي هو يقين نسبي يتفق قدر المُستطاع مع الحقيقة الواقعة، وقضت محكمة التمييز الأردنية: “ إن قرينة البراءة من النتائج المباشرة لمبدأ الاقتناع الشخصي للقاضي “.

فيتعين على القاضي قبل إصدار حكمه التأكد بشكل جازم مبني على اليقين لا على الظن والتخمين فالقضاء يُقام على الظاهر أما بواطن الأمور فعلمها الحقيقي عند الله، فعدم معاقبة مذنب خير من معاقبة بريء.

وفي ذلك قضت محكمة النقض المصرية : “لا تصح أن تقام الإدانة على الشك والظن، بل يجب أن تؤسس على الجزم واليقين” وعلى ذلك يتبين أن الحُكم بالإدانة لا يتحقق إلا باليقين.

ثانيًا: تفسير الشك لصالح المُتهم

في البداية نشير أن الشريعة الإسلامية عرفت هذا المبدأ قبل أن يتقرر في القانون وذلك تحت قاعدة ( درأ الحدود بالشبهات)، أما القانون الحديث فلم يعرف مبدأ تفسير الشك لصالح المُتهم إلا في العصر الحديث.

وقد روي أنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم أحدهم مُعترفًا بالزنا يقصد من ذلك الإقرار، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم : ” لعلك قبلت، لعلك لمست، لعلك غمزت) فكان الرسول صلي الله عليه وسلم يُلقن المُقر حتى يعدل قراره، وذلك لأن الحدود تدرأ بالشبهات، والعدول عن الإقرار شبهة في عدم صحة الإقرار.

وجاء في قرارات محكمة التمييز الأردنية ما يلي : “وحيث إن القاضي لا يتطلب للحكم بالبراءة دليلاً قاطعاً على ذلك وإنما يكفي أن يتشكك القاضي فــــــــــــــي صحة إسناد التهمة للمتهم كي يقضي له بالبــــــــــــــــراءة حيث إن قرينة البراءة مفترضة فلا يُشترط في أدلة النفي القطع بعدم وقوع الجريمة أو نسبتها إلى الفاعل، بل يكفي أن تُثير الشكوك في ذهن المحكمة لأن الشك يُفسر لمصلحة المتهم”.

وجاء أيضًا في أحد أحكام محكمة النقض المصرية : وتطبيقًا لذلك قضت محكمة الموضوع إذا كان لها أن تقضي بالبراءة متى تشككت في ثبوت التهمة أو في صحة إسنادها للمُتهم، إلا أن ذلك مشروط بأن يشتمل حُكمها على ما يفيد أنها محصت الدعوى وأحاطت بظروفها وبأدلة الثبوت التي قام الاتهام عليها عن بصر وبصيرة، ووازنت بينها وبين أدلة النفي فرجحت دفاع المتهم أو داخلتها الريبة في صحة عناصر الإثبات .

والنتيجة المنطقية للأصل الثابت وهو براءة المتهم إلى غاية ثبوت إدانته هي أن الشك يُفسر لصالح المتهم، وبالتالي فإن أي غموض يظهر على النص القانوني الجزائي فإنه يُفسر لصالح المُتهم، ولا يُدان المتهم إلا بناء على أدلة قاطعة جازمة لا تقبل الشك.

فالحكم ببراءة المتهم يختلف عن الحُكم بإدانته، فللمحكمة أن تُبرأ المُتهم لمجرد تشككها في أدلة الإثبات المُتوفرة لديها دون الحاجة لأدلة قطعية لإثبات البراءة، وذلك على اعتبار أن البراءة هي الأصل، أما الحُكم بإدانة المتهم فإنه على العكس يجب أن يحتوي على أدلة إثبات قطعية خالية من أي شك.

وقاعدة تفسير الشك في المجال الجنائي لصالح المتهم في حالة غموض النص هي قاعدة مٌتفق عليها، ونشير أنه إذا تعادلت أدلة الإثبات وأدلة البراءة فإنه يجب على القاضي تغليب أدلة البراءة.

      ثالثًا : عدم التزام المُتهم بإثبات براءته

مبدأ الأصل براءة المتهم يفترض دومًا براءة المتهم، ولا يُمكن إدانته إلا إذا لم يتوفر أي سبب من الأسباب التي تؤدي للبراءة، فحتى يُمكن إدانة المُتهم فلا يكفي توافر الركن المادي للجريمة فقط وذلك إذا ما وجد مانع من موانع المسؤولية، أو لغيرها من الأسباب التي من شأنها أن تنفي مسؤولية المُتهم في ارتكاب الجريمة.

ومبدأ البينة على من ادعى يُعتبر نتيجة منطقية لمبدأ براءة المُتهم، ويحمل المدعي وحده عبء إثبات ادعائه وذلك لأن ادعائه مخالف للأصل الثابت، ولذلك فهو مُلزم بإثبات ما يدعيه، ولا يلزم المدعي عليه تقديم أدله على براءته لأن الأصل هو براءته.

وتبحث النيابة العامة والمحكمة عن الحقيقة دون أن تحملا المتهم عبء إثبات براءته لأن البراءة أمر مُفترض فيه.

    رابعًا : ضمان الحرية الشخصية للمتهم

المتهم في مرحلة جمع الاستدلالات وجميع مراحل الدعوى الجزائية يُعامل بصفته بريئًا، لأن هذا هو الأصل، وذلك حتى يضمن حقه في حماية حريته الشخصية.

وحتى لا يتصادم مبدأ الأصل براءة المتهم مع حق المجتمع في تتبع المجرمين، فيتم توفير ضمانات قانونية عند اتخاذ أي إجراء ضد المتهم، وهي ضمانات الحرية الشخصية للمتهم.

فيحق للمتهم الطعن على الحُكم إذا رأى أن أحد حقوقه القانونية قد تم التغافل عنها أو إهمالها، ومن حق المتهم أن يتم معاملته طوال فترة الحبس المؤقت بما يتماشى مع الأصل وهو افتراض براءته.

كما يحق للمتهم أن يحظى بحق سرية التحقيق وهي ضمانة حتى لا تسبب له ضررًا معنويًا أو تشهيرًا يُلحق بسمعته الضرر.

وفي حال أن حُبس المتهم حبسًا مؤقتًا غير مبرر حُكم بعدها ببراءته، فيُمكن أن يًمنح له تعويضًا عن الحبس التعسفي الذي تعرض له.

للاطلاع على مقال عن الأصل براءة المتهم 

مقال عن الإدانة 

مقال عن قرينة البراءة 

مقال عن حكم البراءة 

مقال عن حكم عدم المسؤولية