مبدأ الأصل براءة الذمة

بحسب الأصل فإن الثابت فيما يتعلق بالمعاملات أو الحقوق الشخصية والالتزامات هو مبدأ براءة الذمة أو الأصل براءة الذمة، ومن يدعي خلاف هذا الأصل الثابت كأن يدعي شخص على شخص آخر دينًا، فإنه وجب عليه إثباته، لأنه ادعى خلاف الأصل فوقع عليه عبء الإثبات، وإظهار البينة. وقاعدة الأصل براءة الذمة تعتبر من القواعد في الإثبات التي تنص ان الأصل براءة الذمة ، ويقال الذمة بريئة ما لم يثبت انشغالها، اي ان براءة الذمة مفترضة والانشغال يحتاج لإثبات. فما هو مبدأ براءة الذمة، وما هو تعريف براءة الذمة وأصلها ومشروعيتها، القواعد القانونية المتعلقة بهذه القاعدة، ومدى إلزاميتها للقاضي ، واهم المبادئ القضائية المتعلقة بها.

تقديم وتمهيد :

والبراءة تعني الخلو من العيب والمكروه أما الأصل فيعني القاعدة المًستمرة. فمن ادعى على غيره التزامًا بعمل أو بدين مهما كان سببه، فعليه الإثبات إذا أنكر الخصم لأن هذا الخصم يتمسك بحالة أصلية وهي براءة الذمة.

وورد مبدأ براءة الذمة في عديد التشريعات باستخدام تعبيري الدائن والمدين، فقد جاء في القانون المدني الأردني مادة (73) من قواعد الإثبات العامة ما يلي : ” الأصل براءة الذمة وعلى الدائن ان يثبت حقه وللمدين نفيه “. وجاء في قانون الإثبات المصري في مادته رقم (1) : ” على الدائن إثبات الالتزام وعلى المدين إثبات التخلص منه “.

وقررت محكمة التمييز الأردنية : “ أن الأصل الثابت براءة الذمة..”. وقضت محكمة النقض المصرية في ذلك : ” الأصل هو خلوص الذمة وانشغالها عارض ومن ثم كان الإثبات على من يخالف الثابت أصلًا أو عارضًا، مدعيًا كان أو مدعى عليه “. ولذلك فهو مبدأ هام يُطبق في المجال المدني.

وسنتناول في مقالنا أصل القاعدة ومشروعيتها، والقواعد القانونية المتعلقة بها، وذلك كما سيأتي بيانه :

تعريف مبدأ الأصل براءة الذمة

نصت المادة (73)من القانون المدني الاردني على :”الأصل براءة الذمة وعلى الدائن ان يثبت حقه وللمدين نفيه”ومعنى ذلك ان تكون ذمة كل شخص بريئة غير مشغولة بأي التزام لشخص آخر ،وعلى كل من يدعي عكس ذلك أو يدعي انشغال ذمة شخص آخر ان يثبت ذلك أمام القضاء ،فإذا تمكن المدعي من إثبات انشغال ذمة خصمه ،فأن عبئ الإثبات ينتقل الى هذا الخصم إذا ادعى السداد .

أصل القاعدة ومشروعيتها :

أولًا : أصل القاعدة

تتبع هذه القاعدة من القاعدة الفقهية الكبرى : اليقين لا يزول بالشك وهي من أكثر القواعد تطبيقًا، فاليقين لا يزول إلا بيقين مثله، وما ثبت بيقين لا يرتفع بالشك والأصل بقاء ما كان على ما كان الا إذا قام دليل على خلافه، فالله سبحانه وتعالى خلق الذمم بريئة من المُطالبة الا بما ثبت به من بينة.

ثانيًا : مشروعية القاعدة

الأصل براءة الذمة ما بين الفقه الإسلامي والقانون

يوجد توافق ما بين الفقه الإسلامي والقانون على تقرير مبدأ الأصل براءة الذمة ،حيث قرر كلاهما ان الأصل هو براءة الذمة في حدود الحقوق الشخصية (الالتزامات)،فإذا ادعى احد على آخر بوجود دين بينهما فأنه يتوجب عليه أثابته ،لأنه ادعى شيئا خلاف ما هو ثابت وهو مشغولية ذمة خصمه ،باعتبار ان الأصل هو براءة الذمة ،كما يشمل أيضا ذلك حالات عديدة اختار القانون فيها وضعا اعتبره هو الأصل ،فمن تمسك بها لا يكلف بإثبات شيء ،ومن ادعى خلافه فيقع عليه عبئ الإثبات ومثال ذلك الأهلية وعيوب الإرادة.

اما إذا كان الالتزام الذي أمام الدائن الدليل على قيامة التزاما بتحقيق نتيجة ،فانه يستلزم الأمر منه إثبات هذا الالتزام ،وينتقل عبئ الإثبات الى المدين لإثبات تحقق نتيجة هذا الالتزام .

1 : القرآن الكريم

قوله تعالى : ” فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون “

ووجه الدلالة أن الله سبحانه وتعالى يبين للمؤمنين حرمة الربا، وقد كانوا قد اكتسبوا أموالا قبل ذلك من الربا قبل نزول التحريم،  فالآية تبين أن الله سبحانه وتعالى لن يؤاخذهم على ما سبق على التحريم، فلا تحريم إلا ببيان.

2 : السنه

عن ابن عباس رضى الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ” لو يعطى الناس بدعواهم لادعى رجال أموال قوم ودمائهم، ولكن البينة على المدعي، واليمين على من أنكر “

ووجه الدلالة أن براءة ذمة الإنسان هي الأصل والظاهر فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم جانب المدعى عليه قوي فيكتفى منه باليمين، بخلاف المدعي فإنه لا تُقبل دعواه إلا ببينة.

3 : الاستصحاب

تهدف تلك القاعدة إلى حماية أموال الناس وحقوقهم وأعراضهم ودمائهم من الاعتداء عليها فهذه القاعدة من مقاصد الشريعة الإسلامية، فمن ادعى لا عبرة بادعائه الا بدليل وبينة فالأصل هو براءة ذمة المدعي عليه، وذلك لأن المُنكر متمسك بالأصل والمدعي خارج عن الأصل فلزم عليه البينة.

القواعد القانونية المتعلقة بقاعدة الأصل براءة الذمة:

أولًا : قاعدة البينة على من ادعى واليمين على من أنكر

وهي قاعدة عامة مقررة شرعًا تسري على المواد المدنية والمواد الجنائية، فالأصل في المجال المدني هو براءة ذمة المدين، فالمدعي يدعي أمرًا خفيًا فيحتاج إلى إظهاره ببينة ودليل لأن جانبه ضعيف فكُلف بالحجة القوية، وأما المدعي عليه فيكتفي منه باليمين فقط لأنه يتمسك بالظاهر والثابت والأصل وجانبه قوي.

ثانيًا : قاعدة البينة على من يدعي خلاف الأصل

فالأصل الشرعي أن البينة تُقام على من يدعي فكما جاء عن الأمام مالك أن الحضانة تكون للنساء والأم هي الأحق شرعًا لحضانة ولدها ثم لأمها وان علت ما دامت شروط الحضانة تنطبق عليها، ومن شروط الحضانة الأمانة، والعقل، والبلوغ، والقدرة على تربية المحضون وصيانته خلقيًا وصحيًا.

فإذا أرادت الجدة لأب أن تثبت عدم انطباق أحد تلك الشروط على الأم حتى تكون هي المُستحة للحضانة، فعليها تقديم ما يُثبت ذلك من شهود وأدلة أخرى، وإلا فلا عبرة لادعائها.

ثالثًا : قاعدة عبء الإثبات يقع على من يدعي خلاف الظاهر والمفروض والأصل

من يخالف الأصل فعليه أن يتحمل عبء الإثبات وبيان الحجة القوية الدامغة لأن جانبه ضعيف ويدعي خلاف الظاهر، ومن يتمسك بالأصل والظاهر وهو المدعي عليه فجانبه قوي لموافقته لأصل البراءة فيكتفى منه باليمين فقط ومن ثم فإنه يعفى من تحمل عبء الإثبات.

رابعًا : صاحب الدفع يقع عليه عبئ الإثبات

المُقرر قانونًا أن عبء إقامة الدليل على الواقعة المدعى بها يقع على صاحب الدفع أما المحكمة فعليه إثبات دفعه وتقديم الأدلة التي تؤكد وتثبت ما يدعيه، ولا تُكلف المحكمة المدعى عليهم أو الخصوم بتقديم الدليل وذلك لأن الأصل هو براءة ذمتهم.

خامسًا : النظر القضائي يتجه للنظر للظاهر دون الباطن

القاضي لا يعلم حقيقة الباطن ولا ينظر إليه والبواطن تُترك لله تعالى وترتبط بالحساب والعقاب في الآخرة، فالنظر يتجه للظاهر وذلك لأن القضاء في الإسلام يقع وفق الإثبات المُظهر لحقيقة الواقعة أمام القاضي.

هل مبدأ الأصل براءة الذمة مبدأ إلزاميا للقاضي؟

هذا المبدأ –القاعدة إلزاميا للقاضي يجب عليه الأخذ به ،فلا يستطيع ولا يمكن له ان يبني حكمه على واقعة محل شك ،فلو أقيمت دعوى على شخص فأنه يكون مجرد مدعى عليه حتى يقيم من ادعى عليه الدليل القاطع وإلا فأنه في نظر القانون بريء ،فهذه القاعدة وان كانت من الناحية النظرية بسيطة من حيث عباراتها ،إلا أنها من حيث التطبيق في ساحات القضاء لها تطبيقات واسعة .

مبدأ البينة على من ادعى واليمين على من أنكر

يتفرع هذا المبدأ عن مبدأ الأصل براءة الذمة ،ويقوم على ان من يريد ان يثبت خلاف ما هو ثابت أصلا يتحمل عبء هذا الإثبات ،فإذا لم يستطيع فأن له توجيه اليمين الى خصمه حولها ،وقد نصت المادة (77)من القانون المدني الاردني على هذا المبدأ .

هل مبدأ الأصل براءة الذمة مقصور على الناحية المدنية؟

إذا كان الأصل ان ذمة كل شخص بريئة من الناحية المدنية ،فمن باب أولى من الناحية الجزائية ان يكون كذلك ما لم يقم دليل على خلاف ذلك ،فالأصل في المتهم هو البراءة ،فإذا وقع الشخص أسير الاتهام وقامة الشبهات حوله ،واتخذت الإجراءات القانونية بحقه فيجب التعامل معه بأنه لم يرتكب الجريمة الى ان يقام الدليل على خلاف ذلك .

ما هي الطرق التي يمكن من خلالها إثبات براءة الذمة أو انشغالها؟

نصت المادة (72)من القانون المدني الاردني على الطرق /الأدلة التي يلجأ اليها كل من الدائن والمدين لإثبات انشغال الذمة من براءتها وهي :

  • الكتابة :-وهي الدليل المحرم كتابتا بقصد إثبات التصرف القانوني أو الواقعة القانونية ،ويأتي الدليل الكتابي على ثلاث أنواع وهي المحررات الرسمية ومثالها سندات تسجيل الأراضي ،والنوع الثاني هو المحررات العرفية (الأسناد العادية)ومثالها العقود كعقد البيع ،والنوع الثالث هو المحررات غير الموقعة أو غير المعدة للإثبات ومثالها الدفاتر التجارية .
  • الشهادة :-وهي أخبار الإنسان في مجلس القضاء بحق لشخص على آخر ،ويلزم فيها ان يكون ما يدلي به الشاهد مما اتصل بعلمه بشكل مباشر ،وإدراكه بحواسه عن طريق السمع أو البصر ،ويسبق الإدلاء بالشهادة حلف اليمين على الصدق أمام المحكمة .
  • المعاينة والخبرة :-والمعاينة هي ان يقوم القاضي بنفسه بالاطلاع على عقار أو منقول أو غيره ليتمكن من الفصل في الدعوى ،اما الخبرة فتعني اللجوء الى ذوي الاختصاص لبيان الأمور الفنية المتعلقة بالواقعة موضوع النزاع .
  • القرائن :-وهي افتراض يحقق امرأ معينا اذا تحقق امر آخر ،وذلك على أساس انه يغلب ان يتحقق الأمر الأول اذا تحقق الأمر الثاني ،وتأتي القرائن على نوعين الأول قرائن قانونية ومثالها اذا وجد سند الدين تحت يد المدين كانت تلك قرينة على انه سدد الدين ،والنوع الثاني قرائن قضائية مثل ان يجد القاضي واقعة قرابة تربط بين المدين والمتصرف اليه يستخلص منها حقيقة ما يدعيه الدائن من صورية هذا التصرف .
  • الإقرار :-وهو إخبار الإنسان عن حق عليه لشخص آخر ،ويتمثل باعتراف الشخص أو شهادته على نفسه بأن في ذمته حق لغيرة .
  • اليمين :-ويلجأ اليها المدعي عندما يفقد جميع طرق الإثبات السابقة ،فيتجه حينها الى الاحتكام الى ذمة خصمه ،واليمين تأتي على نوعين هما اليمين الحاسمة واليمين المتممة .

اجتهادات محكمة التمييز الأردنية على مبدأ الأصل براءة الذمة

قرار محكمة التمييز الأردنية بصفتها الحقوقية رقم 2398/2020 فصل 25/8/2020 (الأصل براءة الذمة)

“……….. ولما كان الأصل براءة الذمة وللدائن ان يثبت حقه وعلى المدين نفيه أعمالا لأحكام المادة (73)من القانون المدني وحيث ان (المدعى عليه)المميز كان قد أنكر توقيعه على الكشف المحاسبي مسلسل رقم (1)من البينة الخطية أمام محكمة الاستئناف والتي أجرت الخبرة على هذا الكشف بالمضاهاة والاستكتاب بواسطة خبير الخطوط المنتخب من قبلها بعد ان ترك الطرفان امر انتخاب الخبير لها وتسليمه الأوراق الصالحة للمضاهاة والاستكتاب.

والذي بعد أفهامه المهمة الموكلة اليه وتحلفه القسم القانوني وإفصاحه بأنه لا يوجد ما يمنع من إجراء الخبرة ولا توجد اي علاقة تربطه بأطراف الدعوى والهيئة الحاكمة تمنعه من إجراء الخبرة وقدم تقريره ويقع على صفحه واحده وجاء فيه بالنتيجة ان توقيع المنكر الوارد على كشف الحساب المسلسل رقم (1)يعود للمستأنف ولما ثبت من خلال الخبرة الجارية وفقا للأصول والقانون بأن التوقيع على كشف الحساب هو توقيع (المدعى عليه)المميز فتكون المدعية (المميز ضدها)قد اثبت مديونية المميز لها بالمبلغ المدعى به وان المدعى عليه لم يقدم ما يثبت قيامة بوفاء هذا المبلغ أو جزء منه وبالتالي فهو حجه عليه بكل ما اشتمل عليه ويكون حكم محكمة الاستئناف والحالة هذه واقعا في محله وموافقا لقانون مما يتعين رد هذا الطعن وتأييد القرار المميز وإعادة الأوراق الى مصدرها “.

التسوية والحل الودي