حجية الأمر المقضي فيه

حجية الأمر المقضي فيه

الدفع بحجية الأمر المحكوم به يحتل الصدارة في كتب الفقه كواحدة من أهم مشكلات القانون، وقد أخذ القضاء في العديد من أحكامه بتطبيقها، ويوجد أصل لهذا المبدأ في السنة النبوية، فالأصل في الفقه الاسلامي أن الحكم القضائي يُصدر على قرينة الصحة والعدالة ومن ثم يستوجب تنفيذه وعدم جواز اعادة النظر أو البحث فيه مجددًا.

فمبدأ حجية الأمر المقضي به أمرًا مقررًا في القوانين الوضعية الحديثة، فإن تغير اجتهاد القضاء في مسألة معينة فذلك لا ينقض الحُكم الصادر في أمثالها سابقًا، ولكن يُعمل بهذا الاجتهاد في القضايا الجديدة.

فاحترام الأحكام القضائية واعطائها حجية تُطمئن المتقاضين، كما أنها تضع حدًا للنزاع وتمنع تجدده مرة أخرى إذا كان بين نفس الأطراف ونفس الموضوع ونفس السبب.

أولًا : تعريف القرينة القاطعة

ثانيًا : الأساس الذي تقوم عليه الحجة

ثالثًا: شروط اكتساب الحُكم لحجية الأمر المقضي به في القانون

الشروط الواجب توافرها في الحق المدعى به 

الشروط الفقهية لاكتساب حجية القضية المقضية :

وسوف نتناول في مقالنا تعريف القرينة القاطعة، والأساس الذي تقوم عليه تلك الحجة، وشروط اكتساب الحُكم لحجية الأمر المقضي به في القانون الوضعي.

أولًا : تعريف القرينة القاطعة

جاء في المادة (41) من القانون المدني الأردني تعريفًا خاصًا للقرائن القانونية القاطعة  حيث جاء فيها : ” الأحكام التي حازت الدرجة القطعية تكون حجة بما فصلت فيه من الحقوق ولا يجوز قبول دليل ينقض هذه القرينة ولكن لا تكون لتلك الأحكام هذه القوة إلا في نزاع ثار بين الخصوم أنفسهم دون أن تتغير صفاتهم وتعلق النزاع بالحق ذاته محلًا وسببًا “.

وفي المادة (1741) من مجلة الأحكام العدلية جاء تعريف القرينة القاطعة بأنها : ” القرينة القاطعة هي الإمارة البالغة حد اليقين “.

وباستقراء النصوص السابقة يُمكن القول أن الأحكام القاطعة التي يقوم القضاء بإصدارها حجة بما فصلت فيه، ولا يُمكن إثبات عكسها بوسائل الاثبات القانونية أو حتى الطعن بها بالطعون العادية، فالمشرع إذا اختار قرينة قاطعة فلا يجوز اثبات عكسها، فلم يكن هناك حد يُمكن الوقوف عنده لو أجاز القانون ذلك.

فلو سُمح بإعادة نزاع تم الفصل فيه إلى القضاء مرة أخرى لاستمرت الخصومات بين الناس ولأصبحت الأحكام القضائية متناقضة مما يسمح بضياع هيبة القضاء والقانون.

وصدر عن محكمة التمييز الأردنية العديد من الأحكام المتعلقة بحجية القضية المقضية وشروطها، ومن ضمن هذه الأحكام : ” إذا جرى استملاك جزء من قطعة الأرض وتم تنزيل الريع القانوني في هذا الاستملاك ثم جرى استملاك اخر واستغرق  كامل مساحة الأرض فيكون الاستملاك الأول الذي تم فيه تنزيل الريع القانوني والتعويض عن الاستملاك قد حاز قوة القضية المقضية ولا يجوز البحث فيه مرة أخرى ولا يعوض المالكون إلا عن المساحة المستملكة التي وقع عليها الاستملاك الثاني كما لا يجوز العودة للبحث عن الريع القانوني”.

وقد اعتبر القانون تلك الحجية من النظام العام تقضي به المحكمة من تلقاء نفسها، والمشرع المصري لم يورد تعريفًا لحجية الأمر المقضي فيه، ولكنه أشار إلى مضمونها في المادة (116) من قانون المرافعات حيث نصت هذه المادة على ” الدفع بعدم جواز نظر الدعوى لسبق الفصل فيها أمام المحكمة ولها أن تقضي به من تلقاء نفسها “

فحجية الأمر المقضي فيه تعني وفق النص السابق عدم جواز نظر الدعوى التي سبق وأن تم الفصل فيها أمام محكمة مختصة وتم سماع تلك الدعوى.

ثانيًا : الأساس الذي تقوم عليه الحجة

ترتكز هذه الحجة على أساس أنها قرينة قانونية  غير قابلة لإثبات العكس بمعنى أنها قرينة قانونية قاطعة لا يجوز قبول دليل لنقض هذه القرينة، ففي حال تمسك الشخص بحجية الشيء المحكوم به فلا يجوز للمحكمة المرفوع لها الدعوى النظر فيها مرة أخرى، بل عليها القضاء بعدم جواز نظر الدعوى لسابقة الفصل فيها وتقضي بذلك المحكمة من تلقاء نفسها.

وتقوم تلك الحجة على اعتبارين :

الاعتبار الأول : عدم تعارض الأحكام ، ففي حال أن أجاز القانون تجديد النزاع مرة أخرى فحينها قد يصدر حُكم يتعارض مع الحُكم الأول في نفس الموضوع وبين نفس الأطراف مما ينتج عنه صعوبة تنفيذ الحُكم، ومن ثم سيؤدي هذا التعارض لاهتزاز الثقة في القضاء.

الاعتبار الثاني : يقوم على وضع حد لتلك النزاعات، فلا يمتلك أحد من الخصوم رفع النزاع مرة أخرى ، ففي حال أن أجاز القانون ذلك، فالنزاع حينئذ لن يتوقف عند حد معين، لأن أي طرف سيكون له الحق في تجديد النزاع مرة أخرى ومن ثم لا تتحقق المصلحة العامة.

ثالثًا: شروط اكتساب الحُكم لحجية الأمر المقضي به في القانون

تنقسم شروط اكتساب الحُكم لحجية الأمر المقضي به إلى شروط تتعلق بالحق المدعى به، وشروط  يتعين توافرها في الحكم القضائي نفسه.

الشروط الواجب توافرها في الحق المدعى به :

نصت المادة (41) من قانون البينات الأردني على أنه : ” الأحكام التي حازت الدرجة القطعية تكون حجة بما فصلت فيه من الحقوق ولا يجوز قبول دليل ينقض هذه القرينة ولكن لا تكون لتلك الأحكام هذه القوة إلا في نزاع قام بين الخصوم أنفسهم دون أن تتغير صفاتهم وتعلق النزاع بالحق ذاته محلًا وسببًا”.

والمُلاحظ من النص السابق أن المشرع الأردني اشترط لقيام تلك الحجية ثلاثة شروط ، وقد صدر عن محكمة التمييز الأردنية العديد من الأحكام التي تؤكد ضرورة توافر شروط المادة سالفة البيان ومن ضمن تلك الأحكام ما جاء في حُكم لها على أنه : ” الحكم الاستئنافي المكتسب الدرجة القطعية الصادر بين نفس الخصوم وبنفس النزاع محلًا وسببًا يشكل قضية مقضية “.

وسنتناول فيما يلي أحكام كل شرط من الشروط الثلاثة باختصار كما سيلي :

وحدة الخصوم :

يُقصد بوحدة الخصوم أي اتحادهم بصفاتهم وليس بأشخاصهم، أي الخصوم الحقيقيين وأطراف النزاع القائم بينهم، فيجب حتى يتم اعتبار الحُكم حجة بما ورد فيه أن يكون الأشخاص الذين مثلوا في الدعوى الثانية هم انفسهم أشخاص الدعوى الأولى، وأن يكون تمثيلهم في الدعويين قد تم بالصفات ذاتها.

ولا يشترط أن يكون الخصوم بأنفسهم قد حضروا في الدعوى، بل يكفي اتحاد صفاتهم القانونية، ففي حال أن قام شخص ما يتوكل محامي للحضور نيابة عنه في أحد الدعاوي وتم رفض الدعوى، فلا يجوز له أن يرفع دعوى أخرى يزعم فيها أنه شخص آخر غير المحامي، وذلك لأن المحامي قد حضر ممثلًا عنه ووكيلًا له، ونستنتج من ذلك أن الحكم الذي يصدر من المحكمة في مواجهة الوكيل فإنه يكون حائزًا لحجية الأمر المقضي فيه بالنسبة للموكل.

ولا تقتصر حجية الحُكم في ذات الخصوم، وإنما تتعدى هذه الحجية لتشمل خلفهم العام والخاص، فالخلف العام هو من يخلف سلفه بالنسبة لذمته المالية كالوارث والموصي له، والخلف العام يتحقق بطريقتين وهما الميراث والوصية، أما الخلف الخاص وهو المشتري أو الذي يخلف سلفه في حق عيني.

وحدة الموضوع ( المحل ) :

فيُعتبر محل الدعوى هو موضوعها، فهو الحق الذي يطالب به المدعي في لائحة دعواه أو المصلحة أو المركز القانوني الذي يسعي لحمايته من اللجوء للتقاضي، بغض النظر عن تعلق  هذا الموضوع بشيء مادي، منقول أو غير منقول، أو غير مادي كمركز قانوني أو مصلحة.

فحتى يتم الدفع بحجية الأمر المقضي به قد اشترط القانون عدم تكرار موضوع الدعوى الأولى التي فصل فيها الحكم في الدعوى الثانية التي يثار فيها الدفع بحجية ذلك الحُكم.

وقد أكدت محكم التمييز الأردنية في العديد من أحكامها على شرط وحدة المحل، حيث قالت بهذا الخصوص ”  وبالتالي فإن إقامة دعوى جديدة ضد المدعى عليهما نفسهما للمطالبة بالتعويض نفسه الذي أعطي للمدعي وعن قطعة الأرض نفسها غير مسموعة لسبق الفصل فيها بحكم قطعي حاز قوة الشيء المحكوم به بين الخصوم أنفسهم ويتعلق بالحق ذاته محلاً وسبباً وهو ما توصلت إليه محكمة الاستئناف في قرارها المطعون فيه فعليه يكون قرارها في محله”.

ولكن في حال وأن اختلف موضوع الدعويين فلا يكون هناك مجالًا للاحتجاج بالحُكم الصادر في الدعوى الأولى أمام المحكمة التي يُعرض أمامها الدعوى اللاحقة، وذلك نظرًا لاختلاف مطالب الدعوى الثانية عن مطالب الدعوى الأولى.

اتحاد السبب :

حتى يكون للحكم حجية الأمر المقضي به فلابد من توافر وحدة السبب، وما يُمكن اعتباره سببًا في الدعوى وفق الرأي الراجح للفقه والقضاء يتمثل في الواقعة القانونية التي ينبثق عنها موضوع الدعوى، أو المصدر القانوني للحق المدعى به، وذلك المصدر قد يكون فعلًا ماديًا أو نصًا في القانون، أو تصرفًا قانونيًا صادرًا عن ارادة واحدة أو أكثر من ارادة.

فالسبب في دعوى البطلان هو انعدام الرضا أو الشكل، وفي دعوى الابطال هو الأهلية، وفي دعوى المطالبة بالأجرة هو عقد الايجار، وفي دعوى المطالبة بثمن المبيع هو عقد البيع، فوحدة السبب هي الشرط الثالث لاكتساب الحكم حجية الأمر المقضي به، فاختلاف السبب في الدعويين لا يُعطي الحُكم تلك الحجية وان توافرت شروطها الأخرى.

الشروط الفقهية لاكتساب حجية القضية المقضية :

اضافة إلى الشروط سالفة البيان، فقد أضاف الفقه ثلاثة شروط أخرى في الحُكم الحائز حجية القضية المقضية، وتلك الشروط تتمثل في :

أن يكون الحُكم قضائيًا :

وذلك بأن يكون صادرًا عن جهة قضائية مختصة بموجب سلطتها القضائية، وذات ولاية أيضًا في الحكم الذي أصدرته، ويتماثل في الجهة القضائية أن تكون تجارية أو شرعية أو مدنية أو مالية أو إدارية  أو أن تكون ابتدائية أو استئنافية، وأيضًا الحُكم الصادر من المحاكم الخاصة التي يتم تشكيلها بقوانين خاصة ولأهداف محددة كمحكمة ضريبة الدخل ومحكمة الجمارك، أو عن المحاكم الاستثنائية كمحاكم أمن الدولة أو المحاكم العسكرية بشرط ألا تتجاوز حدود اختصاصاتها.

أن يكون الحُكم قطعيًا :

الحُكم القطعي هو الذي يفصل في موضوع الدعوى كله أو بعضه أو في دفع أو دفاع متعلق به وفيما يتعلق بما تم الفصل فيه، وذلك كالحكم ببطلان أي تصرف قانوني أو الحكم بثبوت الدين أو الوفاء به، ويكتسب الحُكم حجية القضية المقضية إذا كان قطعيًا وتم الفصل في مطالب الخصوم موضوع الدعوى عن طريق المحكمة بصفتها القضائية،  ويكون الحُكم قطعيًا وتثبت له حجية الأمر المقضي به سواء كان غيابيًا أو ابتدائياً، أو الحكم برفض الدعوى سواء تم الفصل في الموضوع أو الشكل.

أن تكون الحجية في منطوق الحكم وليس في أسبابه :

اتفق الفقه والقضاء على أن العبرة في الحجية لمنطوق الحكم وليس في أي جزء آخر فيه كالوقائع أو الأسباب مثلًا، فقوة الشيء المحكوم به تقع على الجزء المنطوق من الحكم، ولكن يُمكن الرجوع عنه للتوضيح أو لتفسير المنطوق إذا كانت عباراته غير واضحة في حال أن كانت الأسباب جوهرية ولها ارتباط وثيق بالحكم، والتي من غيرها لا يكون الحُكم قائمًا أو مسببًا.

شروط القضية المقضية في القانون الأردني

وحدة الخصوم: بان يكون النزاع قائما بين الخصوم انفسهم .
وحدة المحل: اي ان يكون النزاع متعلقا بالحق ذاته محلا وان يكون موضوع الدعوى الذي صدر فيها الحكم الاول هو ذاته في الدعوى الحالية .
وحدة السبب .

تنص المادة (109) من قانون اصول المحاكمات المدنية على انه: (1. للخصم قبل التعرض لموضوع الدعوى ان يطلب من المحكمة اصدار الحكم باي من الدفوع التالية شريطة ان يقدم جميع ما يرغب باثارته منها في طلب واحد مستقل خلال المدد المنصوص عليها في المادتين (59) و(60) من هذا القانون:
ا. عدم الاختصاص المكاني.
ب. وجود شرط او اتفاق تحكيم.
ج. مرور الزمن.
د. بطلان تبليغ اوراق الدعوى.
2. على المحكمة ان تفصل في الطلبات المشار اليها في البنود (ا) و(ب) و(د) من الفقرة السابقة، ولها ان تفصل في الطلب المشار اليه في البند (ج) من تلك الفقرة او ان تقرر ضمه الى الموضوع.
تنص المادة (41) من قانون البينات على انه: ((1- الاحكام التي حازت الدرجة القطعية تكون حجة بما فصلت فيه من الحقوق ولا يجوز قبول اي دليل ينقض هذه القرينة ولكن لا تكون لتلك الاحكام هذه القوة الا في نزاع قام بين الخصوم انفسهم دون ان تتغير صفاتهم وتعلق النزاع بالحق ذاته محلا وسببا.
2- ويجوز للمحكمة ان تاخذ بهذه القرينة من تلقاء نفسها)).

متى يعتبر الحكم الأجنبي بحكم القضية المقضية

1- لا يجيز القانون تنفيذ الحكم الأجنبي في المملكة الأردنية إلا بإقامة دعوى لتنفيذه أمام المحكمة المختصة وأن يصدر حكم بإكسائه صيغة التنفيذ وذلك وفقاً لنص المادة (3) من قانون تنفيذالأحكام الأجنبية .

2- تُعتبر القضية مقضية في حال توفر شروطها وهي أن تكون الدعوى بين نفس الأطراف وتتعلق بنفس الموضوع وأن تكون تلك الأحكام قطعية بمواجهتهم وذلك وفقاً لأحكام المادة (1/41) من البينات .

اذا كان لديك ملاحظة اكتبها هنا

error: حقوق الطبع والنشر محفوظة لشركة حماة الحق © Copy Right Protected