مبدأ سمو الدستور

مبدأ سمو الدستور

مبدأ سمو الدستور يُقصد به اعتبار الدستور هو القانون الأعلى في الدولة ولا يعلوه أي قانون آخر، وهذا السمو أصبح مبدأ مسلم به بغض النظر إن نصت عليه الدساتير أو لم تنص، وترجع فكرة سمو الدستور في أصلها النظري إلى كتابات مفكري العقد الاجتماعي في القرنين السابع عشر والثامن عشر، وظهرت على صعيد الواقع بعد نجاح الثورتين الفرنسية والأمريكية.

فالدستور يتمتع بعلوية على الحكام وأيضًا علوية على قوانين الحكام، والسلطات العامة عليها واجب الالتزام بقواعد الدستور وأحكامه، والقواعد الدستورية تسري على الحكام وعلى المحكومين على حد سواء، وذلك لأنها تحتل قمة الهرم القانوني في الدولة.

أنواع السمو الدستوري :

ضمانات مبدأ سمو الدستور :

أنواع الرقابة القضائية :

وسوف نتطرق في مقالنا للحديث عن أنواع السمو الدستوري، وضمانات مبدأ سمو الدستور.

أنواع السمو الدستوري :

هناك نوعين للسمو الدستوري، الأول وهو السمو الموضوعي ويستند بسموه وعلوه إلى موضوع القواعد الدستورية ومضمونها، والثاني وهو السمو الشكلي ويرتبط بالشكل والاجراءات التي توضع بها القواعد الدستورية.

السمو الموضوعي للدستور :

سمو القواعد الدستورية وعلوها على ما عداها من القواعد القانونية من الناحية الموضوعية يتحقق في كون الدستور هو الأصل والمصدر لكل نشاط قانوني في الدولة، فكان من الضروري أن يكون أعلى من جميع أشكال هذا النشاط.

وهذا السمو ينصرف إلى علوية القواعد الدستورية على  القواعد القانونية الأخرى من ناحية الموضوع، فالدستور يحدد الفكرة القانونية السائدة وينظم السلطات ويكفل الحقوق، ومن ثم لا يمكن للتشريعات التي تُصدر من البرلمان أو الحكومة أن تخالف ما جاء في الدستور.

فعلى سبيل المثال إذا نص الدستور على أن الشريعة الاسلامية هي المصدر الأساسي للتشريع، فلا يجوز للسلطة التشريعية أو التنفيذية أن تصدر تشريعات تخالف قيم الشريعة الاسلامية أو أحكامها.

والسمو الموضوعي يتجلى في مظهرين :

 المظهر الأول : أن الدستور هو السند الشرعي لوجود الهيئات الحاكمة في الدولة وهو الذي يُحدد اختصاصاتها، ومن هنا كان على كافة السلطات والهيئات الحاكمة أن تخضع لأحكام الدستور وأن تحترم أحكامه في كل ما يصدر عنه من أعمال وتصرفات، بحكم سموه وعلوه عليها ، فهو الذي أنشأها ومنحها اختصاصاتها.

المظهر الثاني : يمكن في تحديد الفكرة القانونية للدولة، فالدستور هو الذي يتولى تحديد الفكرة القانونية السائدة في الدولة، والفلسفة أو الأيدولوجية التي يقوم عليها النظام القانوني في الدولة سواء من الناحية الاقتصادية أو الاجتماعية أو السياسية.

ويبنى على ما تقدم شرحه أن كل نشاط يخالف الدستور أو يخرج عن حدوده المرسومة يُعد باطلًا، بحيث أن أي قاعدة لا تُعد صحيحة الا بالقدر الذي تلتزم فيه بالضوابط والحدود التي تقرها القواعد الأعلى، ويترتب على السمو الموضوعي للقواعد الدستورية عدة نتائج أبرزها أن السمو الموضوعي للدستور يؤكد مبدأ المشروعية ويوسع نطاقه، ويرفع تدرج القاعدة القانونية إلى درجة أخرى أعلى ممثلة في درجة القاعدة القانونية الدستورية، فاحترام القاعدة القانونية يشمل القواعد الصادرة عن السلطة التشريعية وكذلك احترام القواعد الدستورية.

وبما أن الأمة أو الشعب هو مصدر السلطات، فيترتب على السمو الموضوعي أن هذه الأمة تمارس سلطتها حسب بنية الدستور، فتوزيع الوظائف على السلطات العامة في الدولة يعني أن تقوم كل سلطة بما يعهد إليها من وظائف، ولا يجوز لها أن تفوض غيرها بالقيام بذلك، لأن كل سلطة تقوم بعملها وفق اختصاصاتها التي قامت الأمة بتفويضها اياها بواسطة الدستور.

السمو الشكلي للدستور :

السمو الشكلي يعني لزوم اتباع اجراءات وأشكال معينة في تعديل الدستور، تختلف عن تلك المتبعة في تعديل القوانين العادية، ومن ثم فإنه من غير الممكن الحديث عن السمو الشكلي في ظل الدساتير المونة الجامدة، على اعتبار أن الدساتير غير المدونة والمدونة المرنة لا تتمتع إلا بالسمو الموضوعي.

وهناك جانبًا من الفقه يذهب إلى القول بأن  السمو الشكلي ( جمود الدستور) هو الذي يضفي على القواعد الدستورية سموًا وعلوًا، ويهيئ لها مركزًا خاصًا أمسى من القواعد القانونية الأخرى، فتحتل المكانة العليا في سلم التدرج الهرمي والنظام القانوني للدولة.

ونستنتج مما سبق أن الجمود هو الذي يعطي للقواعد الدستورية مركزًا أسمى ووضعًا أعلى بين ما عداها من القواعد  القانونية، والسمو الشكلي للدستور يشمل كافة الأحكام الواردة في الدستور، وذلك بغض النظر إذا ما كانت دستورية من حيث موضوعها وجوهرها أو لم تكن، بيد أنها لا تشمل الأحكام الصادرة من المشرع العادي وإن كانت أحكامًا دستورية من حيث جوهرها وموضوعها، فالعبرة في هذا السمو هو للشكل لا للموضوع والجوهر.

والجدير بالذكر أن السمو الشكلي يمتد إلى كافة نصوص الدستور بغض النظر عن طبيعتها أو مضمونها، وبالمقابل فالسمو الشكلي لا يمتد إلى القواعد القانونية العادية، وإن كانت ذات طبيعة دستورية كقانون مجلس النواب وقانون السلطة التنفيذية، فالجمود الشكلي هو الذي يعطي للقواعد الدستورية مركزًا أسمى ووضعًا أعلى بين ما عداها من القواعد القانونية النافذة.

وعلى ما تقدم يترتب عديد النتائج :

  • ثبات القواعد الدستورية.
  • القوانين الدستورية لا يُمكن الغائها إلا بقوانين دستورية مماثلة.
  • عدم جواز تعارض القوانين العادية مع القوانين الدستورية، وإلا عدت تلك القوانين باطلة وغير دستورية.

ووجب التنويه أن نظرية الضرورة تُعد استثناءًا أو قيدًا يرد على مبدأ سمو الدستور والنتائج المترتبة عليه، وهذه النظرية تستمد مدلولها من القاعدة الرومانية القديمة التي تقول ” ان سلامة الشعب فوق القانون “، فحالة الضرورة تجيز للدولة متمثلة في احدى هيئاتها التنفيذية كرئيس الدولة أو الحكومة تعليق كل أو بعض نصوص الدستور ، أو ممارسة عملية تشريع القوانين خلال فترة زمنية محددة.

ضمانات مبدأ سمو الدستور :

كما سبق القول فإن سمو القواعد الدستورية يعني أن القواعد الدستورية هي أعلى القواعد في الدولة فجميع القواعد القانونية في الدولة تخضع للدستور ومن ضمنها القوانين العادية، وهذا السمو هو حكمة دون أي معنى إذا لم يتحقق ضمان واحترام لهذا السمو الذي يتمتع به الدستور وذلك عن طريق الرقابة على جميع القوانين التي صدرها المشرع العادي.

وهناك نوعين من الرقابة على دستورية القوانين سنتطرق إليهم فيما يلي :

الرقابة السياسية على دستورية القوانين :

وهذا النوع من الرقابة يُمارس من قبل هيئة سياسية منفصلة عن باقي سلطات الدولة، وفي الغالب يُراعى في تشكيل هذه الهيئة تنوع الخبرات فيها، بحيث يجرى العمل أن تضم هذه الهيئة في عضويتها خبرات قانونية واقتصادية وسياسية.

ويتم تشكيل هذه الهيئة عن طريق التعيين من قبل السلطة التشريعية أو التنفيذية أو بالانتخاب من قبل الشعب، وأيًا كان الطريق المتبع في تشكيل هذه الهيئة، فأهم ما يميزها هو أنها غير مقيدة بوجود العناصر القضائية.

وهناك العديد من دول العالم التي أخذت بالرقابة السياسية على دستورية القوانين لكنها اختلفت في الجهة المختصة بالرقابة إلى اتجاهات متعددة.

فالرقابة السياسية هي رقابة تباشرها هيئة ذات صفة سياسية ينص عليها الدستور ويعين اختصاصاتها في الرقابة، وبمعنى آخر فالرقابة السياسية هي تولي هيئة سياسية مهمة التأكد من مدى موافقة مشروعات القوانين ( القوانين قبل صدورها) لأحكام الدستور، فإن وافقته أخذت القوانين طريقها إلى الصدور ونزلت إلى حيز التطبيق، وإن خالفته أعيدت إلى البرلمان ( السلطة التشريعية) لإعادة النظر فيها ومحو المخالفات.

والرقابة السياسية على دستورية القوانين تتميز بأنها رقابة منطقية تعمل على اجهاض مشروع القانون المخالف للدستور قبل صدوره، فهو بمثابة رقابة وقائية، وإن كان الغالبية العظمى من الفقه تفضل طريق الرقابة القضائية عن الرقابة السياسية لعديد الأسباب من ضمنها أن الهيئة السياسية تخضع بطبيعتها للأهواء والنزوات السياسية  والمثيرات الحزبية التي تسير على عمل كل من السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية، وهو الأمر الذي يؤدي بالأصل للخروج على الدستور.

الرقابة القضائية على دستورية القوانين :

الرقابة القضائية يُقصد بها قيام القضاء بالتحقق من مدى مطابقة القانون لأحكام الدستور، فالقاضي هنا عمله لا يتوقف عند فحص القانون الواجب التطبيق على القضية المعروضة أمامه بل يتعداها إلى التأكد من مدى مطابقة القانون للدستور.

والرقابة القضائية تُعتبر سلاحًا فعالًا يمتلكه الأفراد تجاه السلطات العامة وبمقتضاها يلجأ الأفراد إلى جهة مستقلة تتمتع بضمانات قوية لإلغاء أو تعديل أو التعويض عن الاجراءات التي اتخذتها السلطات العامة بما يخالف القواعد القانونية المقررة واستقلال السلطة القضائية، وما يتمتع به من ضمانات كافية لصيانة هذا الاستقلال، لهو أمر ضروري وهام لتحقيق رقابة فعالة ومنتجة.

أنواع الرقابة القضائية :

الفقه الدستوري يعرض لثلاثة أطُرق لممارسة الرقابة القضائية على دستورية القوانين، فقد تتحقق هذه الرقابة بالامتناع عن اصدار القانون إذا لم يصدر بعد، أو بعدم تطبيقه على النزاع، أو بإلغائه بعد اصداره. وسوف نتطرق لذلك تفصيلًا

فيما يلي :

الرقابة عن طريق الدعوى المباشرة ( رقابة الالغاء ) :

رقابة الالغاء أو كما يُطلق عليها أحيانًا الرقابة عن طريق الدعوى الأصلية يُقصد بها قيام صاحب الشأن الذي يُمكن أن يتضرر من القانون بالطعن به أمام المحكمة المختصة ابتداءًا ودون أن ينتظر تطبيق القانون عليه طالبًا من تلك المحكمة الحكم بإلغاء ذلك القانون لمخالفته أحكام الدستور، وفي حال اتضح للمحكمة المختصة بالرقابة على دستورية القوانين صحة ما يدعيه الطاعن قامت بإلغائه كأن لم يكن، ولكن إذا اتضح للمحكمة غير ذلك فإنها تقضي برفض الدعوى ويبقى القانون مطبقًا وساري المفعول.

الرقابة عن طريق الدفع بعدم الدستورية ( الدفع الفرعي) :

ويُطلق عليها كذلك رقابة الامتناع، وهي الرقابة التي تمتنع فيها المحكمة عن تطبيق القانون المخالف للدستور وذلك بناء على دفع يتقدم به من له مصلحة، أو بمبادرة فيها بقضية منظورة أمامها اعمالًا بتغليب حُكم القانون الأعلى على حُكم القانون الأدنى في سلم التدرج الهرمي للنظام القانوني في الدولة.

الرقابة عن طريق الدفع المقترن بدعوى عدم الدستورية ( الجمع بين الالغاء والامتناع) :

بعض الدساتير تقر نظام الجمع بين طريقي الالغاء والامتناع وبناء على هذا الأسلوب فمن الجائز الطعن في دستورية قانون ما أثناء نظر دعوى قضائية مرتبطة بتطبيق القانون المتنازع في دستوريته، وذلك يكون عن طريق دفع يتقدم به صاحب المصلحة أو الشأن للمحكمة التي تقوم بنظر القضية المرتبطة بالتشريع المطعون فيه بعدم الدستورية.

ويجوز للمحكمة التي تقوم بنظر القضية أن تثير من تلقاء نفسها مسألة دستورية القانون، وفي تلك الحالتين توقف المحكمة نظر الدعوى وتحيل الطعن في دستورية التشريع للمحكمة المختصة.

اذا كان لديك ملاحظة اكتبها هنا

error: حقوق الطبع والنشر محفوظة لشركة حماة الحق © Copy Right Protected