الدافع في الجريمة

الدافع لارتكاب الجريمة

ما المقصود بالدافع لارتكاب الجريمة؟

هو السبب أو الأسباب التي دفعت الجاني إلى ارتكاب الجريمة ، فالجرائم التي تُرتكب في المجتمع وعلى اختلاف أنواعها ، يقدم فيها  الجاني على فعله الجرمي لهدف أو غاية  ، وتتعدد هذه الأسباب أو الأهداف وتختلف من جاني إلى أخر ، ومن الصعب أن نجد جريمة بلا دوافع ، وإن كانت بعض الجرائم تُرتكب دون وجود أي دوافع للجاني وإنما تعود لأسباب نفسية تدفعه لارتكاب الجريمة ، كالأمراض النفسية والاضطرابات العقلية ، والسؤال الذي يدور حول الدافع في الجريمة ما رأي القانون بالدافع على ارتكاب الجريمة ، وما مدى تأثير الدافع في قيام المسؤولية الجنائية من عدمها ؟ ، وهل يؤخذ بعين الاعتبار الدافع  عند تقرير العقوبة ؟.

موقف المشرع الجزائي الأردني من الدافع

إن الجريمة هي كل فعل أو امتناع عن فعل يقرر له القانون عقاباً، وقد نص قانون العقوبات الأردني على الأفعال الإيجابية والسلبية التي تصدر عن الشخص وتعد جريمة، وقرر لها العقوبة التي تناسبها مع الأخذ بعين الاعتبار ظروف الواقعة الجرمية والظروف الشخصية المشددة أو المخففة أو المعفية من العقوبة، كما نص القانون على أعذار تعفي من العقوبة أو تخففها، فما رأي المشرع بالدافع؟، نص قانون العقوبات الأردني في المادة (67) منه على الدافع، حيث جاء فيها: –

(الدافع: – هو العلة التي تحمل الفاعل على الفعل، أو الغاية القصوى التي يتوخاها).

هل الدافع عنصر من عناصر التجريم في القانون الأردني؟

إن المشرع الأردني لا يعتبر الدافع عنصر من عناصر التجريم إلا في الأحوال التي ينص عليها القانون، سنداً لنص المادة (67/2) منه، وعليه فإن القانون الأردني يأخذ بالدافع على ارتكاب الجريمة في جرائم دون سواها، ولكن ما مدى أخذه بالدافع على ارتكاب الجريمة عن مُسألة الجاني ؟، لا بد أولاً أن ننظر أولاً في أي عنصر من عناصر التجريم يوجد الدافع على ارتكاب الجريمة ؟، وأنواع الدوافع، ورأي المشرع الأردني فيها.

الدافع عنصر من عناصر الركن المعنوي

إن الركن المعنوي لأي جريمة يتمثل بالقصد الجرمي لدى الجاني، أي مدى توافر القصد الجرمي لدى الجاني لارتكاب جريمته، وهو يتكون من العلم والإرادة والدافع، والعلم والإرادة من عناصر التجريم الأساسية في الركن المعنوي، أما الدافع لا يعد عنصراً أساسياً في الركن المعنوي إلا في الأحوال التي ينص فيها القانون على ذلك، والسبب الذي يجعل الدافع من عناصر الركن المعنوي أنه يدخل في الإرادة، فهو القوة المحركة للإرادة، والعامل النفسي الذي يدفع الى التفكير بالجريمة، والإقدام على تنفيذها.

أنواع الدوافع لارتكاب الجريمة

إن الدوافع أو البواعث على ارتكاب الجريمة تنقسم إلى نوعين: – دوافع سلبية ودوافع إيجابية، فما المقصود بكل منها.

1_الدافع السلبي: – وهو الهدف أو الغاية أو السبب الدنيء أو الشرير الذي دفع الجاني لارتكاب جريمته، كمن يرتكب الجريمة بقصد إلحاق الضرر بالغير، أو يضر بالغير بقصد جلب منفعة لنفسه متناسياً الضرر ومدى الإجرام الذي سيلحق بالمجني عليه، كمن يرتكب جريمة القتل بهدف الحصول على أموال المجني عليه.

2_ الدافع الإيجابي: – وهو الهدف أو الغاية المغلوطة لدى الجاني، أي أن يقدم الجاني على ارتكاب جريمته معتقداً أن فعله الجرمي مبرراً، كمن يقتل شخص مريض مرض الموت معتقداً بأنه بفعله الجرمي يريح المجني عليه من عناء المرض.

أثر الدافع على الجريمة والعقوبة

في الجريمة

بالعودة إلى رأي المشرع الأردني بالأخذ بالدافع كعنصر من عناصر التجريم أم لا، نجد أن المشرع الأردني لم ينظر إلى الدافع الذي دفع المجرم لارتكاب الفعل الجرمي، ففعله مجرم بغض النظر عما إذا كان الدافع سلبي أو إيجابي في الجريمة المرتكبة، فلا ينظر للدافع لإثبات الفعل الجرمي من عدمه، فالجريمة جريمة مهما كان الدافع على ارتكابها.

في العقوبة

إلا أنه ينظر في بعض الحالات بالدافع على ارتكاب الجريمة، ويأخذه بعين الاعتبار عند تقدير العقوبة وهنا تكمن أهمية النظر إلى نوع الدافع على ارتكاب الجريمة، فإذا كان الدافع سلبي سيؤثر في العقوبة بشكل سلبي بحيث يشدد العقوبة، أما إذا كان الدافع إيجابي سيؤثر بشكل إيجابي على العقوبة بحيث يخفض العقوبة، فالدافع الإيجابي يقترن بالجرائم ذات الأعذار المُحلة والأعذار المخففة للعقوبة، والتي جاءت على سبيل الحصر في القانون العقوبات الأردني في المواد (98,97,96,95).

الدافع في جريمة الإجهاض

إن خير مثال على توضيح رأي المشرع الأردني بالدافع على ارتكاب الجريمة هو النظر إلى الدافع على ارتكاب جريمة الإجهاض عند تقدير العقوبة، فجريمة الإجهاض تقوم بغض النظر عما إذا كان الدافع إيجابي أو سلبي، وبغض النظر إذا أجهضت المرأة نفسها أو بواسطة غيرها، وقد سبق وأن تحدثنا في مقال سابق عن جريمة الإجهاض بكافة أركانها وعقوبتها، إلا أننا نُعنا هنا بالدافع على ارتكابها.

فقد جاء بنص المادة (323) من قانون العقوبات وتعديلاته، بالفقرة الأولى منها: – 1) من تسبب عن قصد بإجهاض امرأة دون رضاها، عوقب بالأشغال مُدة لا تزيد على عشر سنوات، فالقصد هنا دافع سلبي من شأنه تشديد العقوبة.

وجاء بنص المادة (324) من ذات القانون، تستفيد من عذر مُخفف، المرأة التي تُجهض نفسها مُحافظة على شرفها ويستفيد كذلك من العذر نفسه من ارتكب إحدى الجرائم المنصوص عليها في المادتين (322و323) للمحافظة على شرف إحدى فروعه أو قريباته حتى الدرجة الثالثة، فهنا الدافع على ارتكاب الجريمة دافع إيجابي فقد برر الجاني لنفسه ارتكاب الفعل الجرمي بقصد المحافظة على الشرف، فيستفيد من عُذر مخفف للعقوبة.

أثر الدافع على الأسباب المخففة المتروكة لسلطة القاضي التقديرية

إن الدافع غير مؤثر على الأسباب المخففة المتروكة لسلطة القاضي التقديرية ، وعلى القاضي ان لا يلتفت له  في تكوين قناعاته ،  ولا في إصدار أحكامه ، إلا بالأحوال التي نص عليها القانون وهي جرائم ذات الأعذار المحلة أو المخففة ، أما بالأسباب المخففة المتروكة لسلطته التقديرية ، فلا ينظر القاضي إلى الدافع ولا يعتبره من الركن المعنوي للجريمة ، وهذا مأخذ على المشرع الأردني فلماذا لا يسمح للقاضي بالنظر إلى الدافع على ارتكاب الجريمة فقد يستخلص من وقائع الدعوى فيما إذا كان الدافع المتولد لدى الجاني  سلبي أو إيجابي فيخفض العقوبة أو يشددها تبعاً لذلك ، فيكون لسلطته التقديرية دوراً في تقدير العقوبة ن غير أنه أخرج ذلك من سلطة القاضي وحصر الأخذ بالدافع كأحد الأعذار المخففة أو المُحلة في الجرائم المنصوص عليها في قانون العقوبات الأردني .

النصوص القانونية المتعلقة بموضوع الدافع على ارتكاب الجريمة

قانون العقوبات الأردني مع كامل التعديلات 

المادة (67): –

1_ الدافع: هو العلة التي تحمل الفاعل على الفعل، أو الغاية القصوى التي يتوخاها.

2_ لا يكون الدافع عنصراً من عناصر التجريم إلا في الأحوال التي عينها القانون.

بعض الاجتهادات لمحكمة التمييز حول جرم التحريض على ارتكاب جريمة:

الحكم رقم 2361 لسنة 2020 – محكمة التمييز بصفتها الجزائية: –

جاء القرار المطعون فيه مشوباً بعيب الخطأ في تأويل القانون وتفسيره وبالتالي في تطبيقه على الوقائع ذلك أن الواقعة التي توصلت إليها المحكمة إنما تشكل كامل أركان وعناصر الجناية المسندة إليه حيث إن القصد الجرمي المطلوب لقيام جناية هتك العرض هو القصد العام وطالما أنه قد ثبت اتجاه نية المميز ضده إلى تجريد المجني عليه من ملابسه وكشف عورته فلا عبرة للباعث الدافع على هذا الفعل.

في ذلك نجد أن محكمة الجنايات الكبرى وبصفتها محكمة موضوع صاحبة صلاحية في وزن البينة وتقدير الأدلة شريطة أن تكون النتائج المستخلصة سائغة ومقبولة.

وفي الحالة المعروضة نجد أن محكمة الجنايات الكبرى استعرضت واقعة الدعوى والبينات المقدمة فيها كما قامت بتطبيق القانون على واقعة الدعوى وتوصلت من مجمل البينات المقدمة بالدعوى والقدر المتيقن من شهادة المجني عليه ووالده  بأن نية المتهم اتجهت إلى تفتيش المجني عليه لغايات التأكد من عدم وجود مخدرات بحوزته كون المجني عليه من أقارب المتهم وبالتالي انتفاء القصد الجرمي وأشارت المحكمة بقرارها إلى أن انهدام الركن المعنوي ينبني عليه انهدام الركن القانوني كون أفعال المميز ضده تصبح غير مجرمة مما يوجب معه إعلان عدم مسؤولية المتهم كون ما قام به من أفعال لا تؤلف جرماً ولا تستوجب عقاباً تبعاً لذلك وحيث إن محكمة الجنايات الكبرى عللت قرارها التعليل الكافي وكما تتطلبه المادة (237) من قانون أصول المحاكمات الجزائية فإن ما ود بسبب التمييز لا يرد على القرار المميز مما يتعين رده .

لذلك نقرر رد التمييز وتأييد القرار المميز وإعادة الأوراق إلى مصدرها.

الحكم رقم 1751 لسنة 2020 – محكمة التمييز بصفتها الجزائية: – (الدافع ليس عنصراً من عناصر التجريم في جرائم الإرهاب).

تشير المحكمة بهذا الخصوص إلى أن الإرهاب لا تتمثل غايته في النتيجة المادية البحتة التي تنجم عن ذلك (قتلاً أو اعتداءً على الحرية أو تخريباً) وإنما في خلق حالة من الخوف والرعب في محيط مجتمع معين أو مجرد احتمال تحققها والواقع أن هذا العنصر السيكولوجي يغدو على جانب كبير من الأهمية في تمييز جريمة الإرهاب وبالتالي مسؤولية مرتكبيها عن الجرائم الأخرى فالإرهاب على خلاف الظواهر الإجرامية الأخرى ينفرد بتأثيره السيكولوجي الذي يتأثر به كل فرد من أفراد مجتمع ما أو جماعة معينة داخل المجتمع البشري سواء كان بشكل مباشر أو غير مباشر بالنسبة للأفراد أو المجتمع غير المقصودين.

فهؤلاء حتماً يتأثرون بالإرهاب حتى لو كان هذا التأثير بمناسبة اتجاه الحكومة أو الدائرة الموجه إليها العنف أو التهديد بالعنف إلى رفع مستوى الاستجابة الأمنية التي تساعد بدورها على فعل الإحساس بالخطر لجمهور الناس ثم أنه لا يعتد بالغاية التي توخاها المتهم بنفسه ذلك أن المشرع الأردني في المادة (2) من قانون منع الإرهاب قد استخدم عبارة (أياً كانت بواعثه وأغراضه) فلا أهمية للدافع أو للباعث الذي حمل الفاعل على اقتراف وإتيان فعله، إذ إن الدافع في مثل هذه الأحوال ليس عنصراً من عناصر التجريم انسجاماً وتوافقاً مع ما تقرره أحكام المادة (67) من قانون لعقوبات وبالتالي فإن الأفعال الثابتة بحق المتهم جاءت لتشكل بمجملها كافة أركان وعناصر التهمة الأولى المسندة للمتهم وهي جناية التهديد بالقيام بأعمال إرهابية مما يقتضي معه تجريمه بهذه الجناية .

إعداد المحامية: – ليلى خالد.

error: حقوق الطبع محفوظة لشركة المحامي سامي العوض © Copy Right Protected