جريمة مخالفة منع النشر

جريمة مخالفة منع النشر

شهدنا بالأبونة الأخيرة حدوث الكثير من القضايا المجتمعية التي أثارت الجدل في الرأي العام، وقد أصدرت فيها النيابة قرارات بمنع النشر، أي حظرت تداول أي معلومات عنها بين المواطنين وبأي وسيلة إعلامية أو عامة كانت، فما المقصود بمنع النشر، وما هي تلك الجريمة ، وما هي العقوبة المقررة على تلك الجريمة ، وما الغاية من تجريم هذا الفعل ؟

ما هو المقصود بمنع النشر؟

يقصد بمنع النشر في قضية هو منع المواطنين (الجمهور) بشكل عام ووسائل الأعلام بشكل خاص، من نشر معلومات معينة، وقد يكون هذا المنع مطلقاً أي محدد بحالات معينة بموجب التشريعات القانونية والأنظمة الخاصة، أو جزئي يصدر بأمر خاص من السلطات القضائية المختصة ويتعلق بمعلومات محددة، وعليه فإن مخالفة هذا المنع من شأنه أن يعرض فاعله إلى العقوبة، حيث يعد مرتكب لجريمة مخالفة منع النشر.

الغاية من منع النشر

لم تجرم القوانين من يخالف منع النشر الصادر بموجب القوانين أو القرارات القضائية عبثاً، بل قصد المشرع من هذا المنع حماية المصالح العامة، والمصلحة الخاصة بشخوص من تعلقت بهم قرارات منع النشر، كمنع النشر في القضايا التي تمس أمن الدولة، والتي تمس بشخص ما وقد يؤدي تعريضها للرأي العام الى تشويه سمعته أو تعريض حياته للخطر، أو تهدد مستقبله، كارتكاب القاصر لجريمة جنائية، فيمنع نشر أسمه أو صورته أو أية معلومات تدل على هويته.

مدى التناقض بين حرية التعبير ومنع النشر

وإن كان منع النشر في قضية يتعارض أو يخالف مبادئ الحرية وتحديداً حرية التعبير عن الرأي، ويمنع الإعلام من ممارسة حق الصحافة، فقد كفل الدستور الأردني حماية وسائل الإعلام والصحافة والمواقع الإلكترونية وكفل حرية الرأي والتعبير لكل مواطن حيث نصت المادة (15) من الدستور:
1- تكفل الدولة حرية الرأي لكل أردني يعرب بحرية عن رأيه بالقول والكتابة والتصوير وسائر وسائل التعبير بشرط أن لا يتجاوز حدود القانون.
2- تكفل الدولة حرية الصحافة والطباعة والنشر ووسائل الإعلام ضمن حدود القانون .

تنتهي حرية الفرد عندما تبدأ حرية الأخرين

كما يمنع الجمهور من حق المعرفة ، إلا أن القاعدة العامة هي :- تنتهين حرية الفرد عندما تبدأ حرية الأخرين ، فحرية التعبير حق ليس مطلق، بل مقيد بعدم الإساءة والتعدي على الأخرين ، كما أنه ليس من نطاق حرية التعبير الخوض في الأمور الشخصية والخاصة بالأشخاص ، وليس من حق الصحافة أن تتعرض لأمر وتقوم بنشره دون رقابة على المحتوى .

حيث نصت المادة (4) من قانون المطبوعات والنشر ا ( تمارس الصحافة مهمتها بحرية في تقديم الأخبار والمعلومات والتعليقات وتسهم في نشر الفكر والثقافة والعلوم في حدود القانون وفي اطار الحفاظ على الحريات والحقوق والواجبات العامة واحترام حرية الحياة الخاصة للأخرين وحرمتها ) ،  وعند النظر في الغاية من منع نشر ، نجد أنها تزيل أي تناقض ظاهري بين حرية التعبير ومنع النشر ، فمثلاً ليس من حق الصحافة أو أي شخص كان أن ينشر معلومات من محاكمات سرية ، فهي سرية بنص القانون ، ولهذه السرية هدف وهي مراعاة للنظام العام والآداب العامة .

ضرورة النشر

الكثير من الآراء التي تعارض مبدأ منع النشر، وترى أن النشر فيه تطبيق لمبدأ الحيادية بحيث لا يسمح لأحد التلاعب إجراءات التقاضي وإظهار مدى تطبيق قواعد العدالة في التحقيقات وجلسات المحاكمة، مما يعزز الثقة بين السلطات القضائية والمواطنين، خصوصاً بأن الكثير ممن يرون بمنع النشر وسيلة للتكتم على القضية التي أثارت جدل بين الرأي العام، وبالتالي نسيانها وقد لا يلقى المجرم أو المجرمون الجزاء المناسب، وبتالي سيشعر المواطن بأن لا وجود للعدالة القانونية في المجتمع .

غير أن الرأي الأخر يرى بالنشر وسيلة تأثير في مبدأ حيادة التحقيقات فقد يؤثر الرأي العام وانتشار الآراء المختلفة إلى التأثير على سير التحقيقات أو المحاكمات وانحرافها عن طريق العدالة ومن هنا يرى البعض منع النشر في القضايا التحقيقية .

أركان جريمة مخالفة منع النشر

الركن القانوني: – وهي النصوص القانونية المتعلقة بأمر منع النشر في مختلف التشريعات القانونية، وأساسها المادة (225) من قانون العقوبات الأردني.

الركن المادي للجريمة: – وهو السلوك الجرمي المتمثل بقيام الفاعل بمخالفة الأمر بمنع النشر، ونشر ما يحظر منعه، بغض النظر عند الوسيلة المستخدمة في النشر سواءً عبر وسائل الإعلام المرئي أو المسموع أو عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي أو تطبيقات الهواتف.

الركن المعنوي للجريمة: – القصد الجرمي بعنصريه العلم والإرادة، أن يعلم الفاعل أن ما قام بنشره يعد ممن يُحظر نشره، وأنه بصدد ارتكاب جريمة معاقب عليها بالقانون، وأن تتجه نيته إلى ارتكاب الجريمة، ولا يتوافر القصد الجرمي إذا نشر شخص معلومات بتحقيق وهو لا يعلم بقيام التحقيق أو بأنه محظور نشره.

محل جريمة مخالفة منع النشر

بالاستناد إلى نص المادة (225) نجد أن أوامر منع أو حظر النشر تدور حول التحقيقات الجزائية، والمحاكمات السرية، والمحاكمات في دعوى السب، وكل محاكمة منعت المحكمة نشرها، ويقصد بالتحقيقات الجزائية هي الجنائية أو الجنحية، وفي مرحلة التحقيق الابتدائي الذي يحظر نشر أخباره وهو التحقيق الذي تجريه النيابة العامة، ويشمل محاضر التحقيق نفسها بما فيها أقوال الشهود ومحضر استجواب المشتكى عليه، ومحاضر الانتقال والمعاينة، وتقارير الخبراء (الطب الشرعي) وغيرها من إجراءات التحقيق.

اقتران جريمة مخالفة منع النشر بجرائم أخرى

إذا تضمن النشر وقائع أو عبارات تمس شرف الأشخاص أو تمس اعتبارهم أو تلوث سمعتهم، فإن من قام بالنشر تتوافر في حقه المسئولية الجزائية عما يتضمنه هذا النشر من الذم أو القدح، هذا فضلاً عن مسئوليته الجزائية عن جريمة مخالفة حظر النشر في حد ذاتها.

الفرق بين ما يحظر نشره وبين ما هو ممسوح نشره في موضوع الجرائم الجزائية

إن منع النشر لا يعني عدم نشر وتداول أي معلومات تتعلق بالجرائم، فالجريمة سلوك غير مشروع منتشر في مختلف أرجاء المجتمع، ولا يمكن إنكاره، ولا بد من الإشارة إليه ليكون رادع مجتمعي، فمن ينشر أخبار عامة موضوعها وقوع جريمة أو أن جريمة وقعت ولم يتم التطرق إلى شخوصها أو إلى إجراءات التحقيق فيها، فلا يعد مرتكب لجريمة مخالفة منع النشر.

هل يحق للمتضرر المطالبة بالتعويض ممن يرتكب جريمة مخالفة منع النشر؟

نعم للمتضرر من جريمة مخالفة منع النشر المطالبة بالتعويض عن الأضرار المادية والمعنوية وتشهير، إذا ثبت أن ما تم نشره يعد من محظورات النشر.

النصوص القانونية المتعلقة بمخالفة منع النشر

 نصت المادة (225) من قانون العقوبات الأردني على أنه:

يعاقب بالغرامة من خمسة دنانير إلى خمسة وعشرين ديناراً من ينشر:

1 – وثيقة من وثائق التحقيق الجنائي أو الجنحي قبل تلاوتها في جلسة علنية.
2 – محاكمات الجلسات السرية.
3 – المحاكمات في دعوى القدح.
4 – كل محاكمة منعت المحكمة نشرها.

نص المادة 39 من قانون المطبوعات والنشر

حظر نشر مراحل التحقيق

نصت المادة (39) من قانون المطبوعات والنشر الأردني على أنه:

أ. يحظر على المطبوعة الصحفية نشر محاضر التحقيق المتعلقة بأي قضية قبل إحالتها إلى المحكمة المختصة، إلا إذا أجازت النيابة العامة ذلك.

ب. للمطبوعة الصحفية حق نشر محاضر جلسات المحاكم وتغطيتها ما لم تقرر المحكمة غير ذلك حفاظا على حقوق الفرد، أو الأسرة، أو النظام العام ،أو الآداب العامة.

ج. تنطبق أحكام الفقرة (أ) من هذه المادة على مراسلي وسائل الإعلام الخارجية وتطبق عليهم العقوبات المنصوص عليها في الفقرة (ج) من المادة (46) من هذا القانون.

المادة 12 من قانون انتهاك حرمة المحاكم

نصت المادة (12) من قانون انتهاك حرمة المحاكم على أن:

كل من نشر بإحدى الطرق المتقدم ذكرها في الدعاوى الحقوقية اون الجزائية التي قررت المحاكم سماعها في جلسة سرية أو في الدعاوى المتعلقة بالجرائم التي تقع بواسطة الصحف أو دعاوى الذم والقدح والسب وإفشاء الأسرار أو في دعاوى الطلاق والهجر والبنوة الطبيعية يعاقب بالحبس مدة لا تتجاوز سنة وبغرامة لا تقل عن عشرين ديناراً ولا تزيد على المائة دينار أو بإحدى هاتين العقوبتين .
لا يعاقب على مجرد نشر موضوع الشكوى أو على مجرد نشر الحكم ومع ذلك ففي الدعاوى التي لا يجوز فيها إقامة الدليل على الأمور المدعى بها يعاقب على إعلان الشكوى أ و على نشر الحكم بالعقوبة المنصوص عليها في هذه المادة ما لم يكن نشر الحكم أو الشكوى قد حصل بناء على طلب الشاكي أو أذنه .

 نص المادة 38 من قانون المطبوعات والنشر 

 نصت المادة 38 من قانون المطبوعات والنشر على يحظر نشر أيا مما يلي:

أ-ما يشتمل على تحقير أو قدح أو ذم احدى الديانات.

ب-ما يشتمل على التعرض أو الإساءة لأرباب الشرائع.

ج-ما يشكل إهانة الشعور أو المعتقد الديني.

د-ما يشتمل على ذم أو قدح أو تحقير للأفراد.

بعض قرارات الأحكام المتعلقة بجريمة مخالفة منع النشر

(جنحة نشر ما تم منع نشره خلافاً لأحكام المادة (12) من قانون انتهاك حرمة المحاكم).

1_ الحكم رقم 10343 لسنة 2020 – صلح جزاء عمان

بالنسبة لجرائم التأثير في سير العدالة ونشر ما تم منعه من النشر فتجد المحكمة أن النيابة لم تقدم أية بينة من شأنها أن تثبت أن المشتكى عليه قد ارتكب أي فعل من شأنه التأثير فيس سير العدالة أو نشر ما يمنع نشره وحيث إن الأحكام الجزائية تبنى على الجزم واليقين لا على الشك والتخمين مما يقتضي إعلان براءة المشتكى عليه من هذه الجرائم لعدم قيام الدليل.

(نشر ما يشكل إثارة النعرات المذهبية أو العنصرية)

وفقا لأحكام المادة (38/ج) من قانون المطبوعات والنشر وبدلالة المادة (39) حظر نشر مراحل التحقيق من القانون ذاته. الحكم رقم 2690 لسنة 2020 – بداية جزاء – جنح عمان

  • وبتطبيق القانون على وقائع هذه الدعوى الثابتة تجد المحكمـة،

أن ما قام به الأظناء من أفعال تمثلت بقيامهم بنشر معلومات تتعلق بقضية تحقيقية بمقتل فتاة في منطقة عين الباشا وكيفية تعرضها للقتل من قبل والدها بالرغم من صدور قرار من قبل النيابة العامة لدى محكمة الجنايات الكبرى متضمنا حظر النشر في تلك القضية وتم تسطير كتاب بذلك الى هيئة الإعلام فان أفعالهم تشكل كافة أركان وعناصر الجرم المسند إليهم.

لذا وتأسيساً على ما تقدم تقرر المحكمة ما يلي:

عملا بأحكام المادة (177) من قانون أصول المحاكمات الجزائية إدانة الأظناء بجرم نشر ما يشكل إثارة النعرات المذهبية أو العنصرية وفقا لأحكام المادة (38/ج) من قانون المطبوعات والنشر وبدلالة المادة (39) من القانون ذاته والحكم عليهم وعملا بأحكام المادة (46/ج) من ذات القانون بالغرامة ثلاثة الأف دينار والرسوم بحق كل واحد منهم.

error: Alert: Content is protected !!