شرط التحكيم ومشارطة التحكيم

شرط التحكيم ومشارطة التحكيم

التحكيم يُعتبر أحد الوسائل البديلة عن القضاء لتسوية المنازعات التجارية، والظروف الاقتصادية قد ساعدت في فرضه ووجوده وأخذ طريقه نحو الاعتراف به، بحيث أصبح اللجوء إلى التحكيم التجاري الدولي في عصرنا الحالي أمرًا ضروريًا. وفي هذا المقال سنبين ما هو شرط التحكيم وطبيعته و أهميته و شروط صحته ، وما هي مشارطة التحكيم ،وكذلك سنبين الفرق بين شرط التحكيم ومشارطة التحكيم .

وشرط التحكيم هو بند أساسي من بنود العقد الأصلي، والذي يرد في عقد مبرم بين طرفين بإحالة النزاع الذي قد ينشأ بينهما إلى التحكيم، ففي شرط التحكيم يكون الاتفاق على اللجوء إلى التحكيم مسبقًا قبل نشوء النزاع بالأساس.

جدول المحتوريات 

تعريف شرط التحكيم :

طبيعة شرط التحكيم :

أهمية شرط التحكيم :

خصائص شرط التحكيم :

شروط صحة الشرط التحكيمي :

أولًا : الشروط الشكلية

ثانيًا :الشروط الموضوعية

الفرق بين شرط التحكيم ومشارطة التحكيم

أوجه الاتفاق بين شرط التحكيم ومشارطة التحكيم :

أوجه الاختلاف بين شرط التحكيم ومشارطة التحكيم :

النزاع في الشرط التحكيمي ليس محددًا لحظة الاتفاق على التحكيم

وسوف نتناول في مقالنا، تعريف شرط التحكيم، وطبيعة شرط التحكيم، وأهمية شرط التحكيم، وخصائص شرط التحكيم، وشروط صحة الشرط التحكيمي.

تعريف شرط التحكيم :

سنتناول تعريف شرط التحكيم في الفقه ثم التشريعات المقارنة وذلك فيما يلي :

يُعرف شرط التحكيم بأنه الاتفاق الذي يُنص عليه في العقد الأصلي ويتفق الطرفان بموجبه على احالة النزاعات التي قد تنشأ بينهم إلى التحكيم.

ويُعرفه ابعض بأنه : اتفاق الأطراف على احالة ما ينشأ من نزاع حول تفسير العقد أو تنفيذه يفصل فيه بواسطة التحكيم، وقد يرد هذا الشرط في نفس العقد الأصلي – مصدر الرابطة القانونية – أو في اتفاق لاحق، بما يعني تنازل المتعاقدين مسبقًا وقبل نشوء النزاع بينهم على اللجوء للقضاء المختص.

ويُعرفه أخرون بأنه : الاتفاق الذي يكون مبرمًا ما بين أطراف الاتفاق على التحكيم بشأن الفصل في نزاع محتمل وغير محدد، يُمكن أن ينشأ في المستقبل عن تفسير العقد أو تنفيذه عن طريق هيئة التحكيم.

والمشرع المصري قد عرف شرط التحكيم في الفقرة الأولى من المادة العاشرة من قانون التحكيم رقم (27) لسنة 1994 على أنه :اتفاق التحكيم هو اتفاق الطرفين على الالتجاء إلى التحكيم لتسوية كل أو بعض المنازعات التي تنشأ أو يُمكن أن تنشأ بينهما بمناسبة علاقة قانونية معينة عقدية كانت أو غير عقدية.

والمشرع الأردني نص في المادة (11) من قانون التحكيم رقم 31 لسنة 2001 على أنه : يجوز أن يتم اتفاق التحكيم سابقًا على نشوء النزاعات سواء كان مستقلًا بذاته أو ورد في عقد معين بشأن كل المنازعات أو بعضها التي قد تنشأ بين الطرفين.

وقانون اليونسترال النموذجي للتحكيم التجاري عرفه في المادة (7) في فقرتها الأولى على أن : اتفاق التحكيم هو اتفاق بين الطرفين على أن يحيلا إلى التحكيم، جميع أو بعض النزاعات التي نشأت أو قد تنشأ بينهما بشأن علاقة قانونية محددة سواء أكانت تعاقدية أو غير تعاقدية.

واتفاقية نيويورك لسنة 1985 نصت على شرط التحكيم في المادة الثانية على أنه : تعترف كل دولة متعاقدة باتفاق الأطراف المكتوب الذي يلزمهم بالالتجاء للتحكيم لحل منازعاتهم التي نشأت أو ستنشأ عن علاقة قانونية معينة بينهم، متى تعلقت بمسألة يجوز حلها بالتحكيم، ويقصد بالاتفاق المكتوب شرط التحكيم الوارد في عقد أو اتفاق تحكيم وقع عليه الأطراف أو تضمنته رسائل أو برقيات متبادلة بينهم.

طبيعة شرط التحكيم :

وفي الحديث عن طبيعة شرط التحكيم يُعتبر شرط التحكيم أمرًا عارضًا على العقد وهو أمر مستقبلي غير محقق الوقوع، وغير مخالف للنظام العام، وهو وارد على أمر جائز شرعًا وقانونًا لتسوية النزاع بواسطة التحكيم.

والجدير بالذكر أن طبيعة شرط التحكيم قد تم تكييفه لفتره طويلة من الزمن بأنه وعد بالتحكيم، أو وعد بالعقد يلتزم أطرافه بالقيام بعمل، ومن ثم يلاحظ أنه لا يمكن تطبيق أحكام الوعد بالتعاقد على شرط التحكيم، حيث إنه يجب في الوعد ايضاح جميع المسائل الجوهرية للعقد، وهذا لا يصح في شرط التحكيم لأنه أمر احتمالي، فمن الخطأ تكييف طبيعة شرط التحكيم بأنه وعد بالتعاقد.

ومهما اختلفت الآراء حول شرط التحكيم من ناحية التحكيم، فمن المؤكد أن شرط التحكيم عقد كامل ملزم لأطراف التحكيم دونما حاجة لإبرام المشارطة، ويتعين أن تتوافر فيه أركان العقد بشكل عام وشروطه الخاصة، وهذا هو التكييف المنطقي لطبيعة شرط التحكيم، علمًا بأن شرط التحكيم الذي يرد في العقد يُعتبر مستقلًا عن باقي شروط العقد الذي احتواه.

أهميته :

أغلب التشريعات العربية أجازت شرط التحكيم، وأطلقت عليه عديد التسميات، حيث سمي في القانون الأردني ( شرط التحكيم)، وفي القانون السعودي (الشرط الخاص)، وفي القانون اللبناني (البند التحكيمي)، وفي القانون الليبي ( الاتفاق التحكيمي).

وقد أصبح لشرط التحكيم أهمية كبيرة، حيث يُعتبر منبع التحكيم التجاري الدولي في أغلب الأحيان بحيث أننا نجد أن أكثر من (80%) من عقود التجارة الدولية تتضمن شرطًا تحكيميًا.

وأهمية اتفاق التحكيم تكمن بتنازل المتعاقدين عن اللجوء إلى القضاء العادي صاحب الاختصاص الأصيل وعرض نزاعهم على أشخاص يتم تعيينهم من قبلهم، اضافة إلى ذلك فإن لشرط التحكيم فائدة وقائية فهو يستبعد ذلك الاختلاف والتعطيل في مسار عرض النزاع الذي قد ينجم عند ابرام مشارطة التحكيم.

خصائصه :

يتميز شرط التحكيم بعدد من الخصائص وهي :

  • شرط التحكيم عقد رضائي بمعنى أن الرضا كافي لانعقاده.
  • شرط التحكيم عقد وقائي يتحاشى به الطرفان الوقوع في سلسلة من الاجراءات الطويلة خصوصًا في عقود التجارة الدولية.
  • شرط التحكيم عقد صحيح من العقود المسماة التي نظمها القانون بقواعد خاصة بالإضافة إلى القواعد التي تنظم العقد بوجه عام.
  • شرط التحكيم عقد مستقل عن العقد الأصلي، وقد استقر مبدأ استقلاليته في غالب التشريعات الوطنية والدولية المنظمة للتحكيم بحيث لو حكم ببطلان العقد الأصلي أو فسخه لا يكون لذلك ثمة تأثير على شرط التحكيم.
  • شرط التحكيم عقد ملزم للجانبين، بمعنى أنه يرتب التزامات متقابلة في ذمة كل من المتعاقدين، وهي حقوق لكل منهما في ذات الوقت، فكل منهما يمتنع عليه الالتجاء إلى القضاء في صدد النزاع المتفق على طرحه على المحكم، وكل منهما يلتزم بطرحه على المحكم ويُفرض عليه حكم المُحكم.

شروط صحة الشرط التحكيمي :

هناك شروط شكلية وشروط موضوعية لشرط التحكيم سنتناولها فيما يلي :

أولًا : الشروط الشكلية

يتعين أن يترجم اتفاق التحكيم في وثيقة مكتوبة أو بأية شكلية أخرى يكون من شأنها أن تقبل الاثبات بالكتابة، والخروج على هذه الشكلية ينتج عنه جزاء البطلان على تخلف هذه الشرط، والكثير هنا يتفق أنه يُقصد بالاتفاق المكتوب هو شرط التحكيم المدرج في العقد أو الاتفاق عن طريق وسائل الاتصال القابلة للإثبات بالكتابة.

بيد أن اتفاقية نيويورك لسنة 1958 حددت في المادة رقم (2) منها هذه الوسائل في البرقيات و الخطابات المتبادلة ، ونجد أن قانون التحكيم المصري هو أيضًا اشترط الكتابة في شرط التحكيم كما ذكر على سبيل المثال بعض وسائل الاتصال المكتوبة وهي الرسائل والبرقيات.

وعلى العكس نجد أن دولًا أخرى لا تشترط الكتابة في اتفاق التحكيم سواء أكان شرطًا أو مشارطة، مثل السويد والمانيا الاتحادية والدنمارك عندما يكون الاتفاق على التحكيم قد وقع بين التجار، وشرط الكتابة فيما سبق ذكره يُعتبر شرط للانعقاد وليس شرطًا للإثبات كما هو الحال في ايطاليا وانجلترا وبلجيكا.

وعن موقف الاتفاقيات الدولية من شرط الكتابة، فقد جاء في الفقرة الثانية من نص المادة السابعة من قانون اليونسترال النموذجي للتحكيم التجاري الدولي في اشتراط كتابة اتفاق التحكيم على أنه : يتعين أن يكون اتفاق التحكيم مكتوبًا.

وبخصوص الاتفاقية العربية للتحكيم التجاري فقد نصت في الفقرة الثانية من المادة الثالثة على أنه : يقترح ادراج الصيغة الثالثة على أنه : يقترح ادراج الصيغة التالية في العقود التي تخضع للتحكيم ( كل النزاعات الناشئة عن هذا العقد تتم تسويتها من قبل المركز للتحكيم التجاري وفقًا للأحكام الواردة في اتفاقية عمان العربية للتحكيم التجاري).

فمن خلال نص المادة الثالثة من الاتفاقية سالفة الذكر والتي اقترحت في شرطًا نموذجيًا يُمكن ادراجه في العقود التي يُراد اخضاع المنازعة الناشئة عنها للتحكيم، نستنتج أنها تستوجب الكتابة لإدراج الشرط في العقد أو لتنظيم اتفاق لاحق حول حسم النزاع بالتحكيم.

ثانيًا :الشروط الموضوعية

الشروط الموضوعية لانعقاد شرط التحكيم هي نفسها الشروط الواجب توافرها في العقد، وسنتناولها على النحو التالي :

الرضا لانعقاد شرط التحكيم :

المقصود بالرضا في اتفاق التحكيم هو أن تتجه ارادة الأطراف بوضوح للجوء إلى التحكيم لحل المنازعات التي تنشأ أو ممكن أن تنشأ بمناسبة علاقة قانونية معينة، وليس أن تتجه ارادتهم فقط بالتنازل عن عدم اللجوء لقضاء الدولة.

ولكن يتعين ألا تكون الارادة باللجوء إلى التحكيم أمرًا مفروضًا على أطراف التحكيم، بل يجب أن يتم اللجوء للتحكيم بمحض ارادتهم، بدلًا عن اللجوء إلى قضاء الدولة صاحبة الاختصاص الأصيل بالنظر إلى منازعات الأفراد والجماعات.

ولم يرد نصًا في قانون التحكيم الأردني يحدد توافر الرضا في اتفاق التحكيم، بينما نلاحظ أن المشرع المصري اشترط توافر الرضا في اتفاق التحكيم حيث إن المادة (4/1) من قانون التحكيم المصري نصت على أنه : ينصرف لفظ التحكيم في حكم هذا القانون إلى التحكيم الذي يتفق عليه طرفا النزاع بإرادتهما الحرة سواء كانت الجهة التي تتولى اجراءات التحكيم بمقتضى اتفاق الطرفين منظمة أو مركز دائم للتحكيم أو لم يكن كذلك.

ويجب أن يكون التعبير عن الارادة من قبل أحد الأطراف يُطابق ارادة الطرف الآخر، حتى ينعقد الاتفاق،  وفي حال عدم تطابق الارادتين فإن الاتفاق يكون معرضًا للبطلان.

ولما كان الأساس القانوني الذي يبنى عليه نظام التحكيم هو رضا الأطراف بقبول التحكيم كوسيلة بديلة عن قضاء الدولة، فإذا توافرت شروط صحة هذا الاتفاق حسب ما هو منصوص عليه في القانون المدني، بالإضافة إلى الشروط الخاصة التي أفردها المشرع الأردني في قانون التحكيم الأردني وهي الكتابة، فإن اتفاق التحكيم ينعقد بشكل قانوني، ويلتزم الأطراف بما يترتب عليه من آثار.

ونجد أن المشرع الأردني قد جانبه الصواب في عدم تحديد توافر الرضا في أحد نصوصه كما فعل المشرع المصري في المادة (4/1) من قانون التحكيم المصري، حتى ينتج اتفاق التحكيم فاعليته سواء كان شرطًا كان أم مشارطة، لأن تعيب الارادة يترتب عليه أثر يطول حكم التحكيم الصادر من هيئة التحكيم، ويكون سببًا موجبًا لبطلان حكم التحكيم.

الأهلية لانعقاده :

يُقصد بالأهلية هنا أهلية التصرف وليس أهلية الوجوب، وهذا ما عبر عنه قانون التحكيم الأردني في المادة (9) بقوله : لا يجوز الاتفاق على التحكيم إلا للشخص الطبيعي أو الاعتباري الذي يملك التصرف في حقوقه.

وذلك يعني ضرورة توافر أهلية التصرف لدى أطراف اتفاق التحكيم ، فأهلية الأداء هي قدرة الشخص على مباشرة التصرفات القانونية التي من شأنها أن تكسبه حقًا أو تلقي على كاهله التزامًا على وجه يُعتد به قانونًا كالبيع والوصية والايجار أو غير ذلك من التصرفات. أو هي صلاحية الشخص لإنفاذ ارادته والتعبير عنها تعبيرًا تترتب عليه الآثار القانونية التي هدف إليها.  ومن ثم فإن مناط أهلية الشخص ليكون قادرًا على ابرام التصرفات القانونية هو الادراك والتمييز.

والجدير بالملاحظة أن المشرع الأردني في المادة (9) من قانون التحكيم الأردني نص على ضرورة توافر الأهلية الكاملة، فقد سمح المشرع الأردني لكل من توافرت فيه الأهلية الكاملة، سواء كان شخصًا طبيعيًا أو اعتباريًا ابرام اتفاق التحكيم لمن يملك حق التصرف في حقوقه، ولكن في حال كان الشخص ممنوعًا من اجراء تصرفًا قانونيًا أو اتفاقًا، فحينها لا يكون له حق أن يقوم بإبرام الاتفاق التحكيمي.

وفيما يتعلق بهذا الأمر فقد نص المشرع المصري في المادة رقم (11) بقوله : لا يجوز الاتفاق على التحكيم إلا للشخص الطبيعي أو الاعتباري الذي يملك التصرف في حقوقه، ولا يجوز التحكيم في المسائل التي لا يجوز فيها الصلح. وبالتالي نلاحظ أن كلًا من المشرعين الأردني والمصري قد رتبا البطلان على اتفاق التحكيم نتيجة تخلف شرط الأهلية.

وطالما أن قانون التحكيم الأردني لم يتضمن نصًا صريحًا بخصوص اتفاق التحكيم، فيما يتعلق بتحديد أهلية الشخص الطبيعي والشخص الاعتباري، ففي هذه الحالة يكون المرجع للقواعد العامة للقانون المدني الأردني، والجدير بالذكر أن القواعد العامة فيما يتعلق بالشخص الطبيعي في تحديد أهليته نجدها في المواد (30-49) وفيما يتعلق بأهلية الشخص الاعتباري نجدها في المواد (50-52) من نفس القانون.

بيد أننا نجد أن الأنظمة القانونية قد اختلفت في تحديد قواعد الاهلية بحيث يوجد نظامان في العالم، فالقانون الشخصي قد يكون قانون البلد الذي يحمل الشخص جنسيتها أو الشخص الذي يقيم في أرض دولة ويزاول عمله بصورة طبيعية، أو قد تخضع قواعد الأهلية لقانون العقد مثلما عليه الحال في الولايات المتحدة الأمريكية ماعدا ولاية لويزيانا.

ويقصد بالأهلية هي الأهلية اللازمة للاتفاق على حسم النزاع بالتحكيم، ولا تثبت أهلية الشخص بحسب الأصل إلا لمن يبلغ سن الرشد مالم يكن قد أصيب الشخص بعارض من عوارض الأهلية كالجنون أو العته أو السفه أو الغفلة.

المحل لانعقاده :

يتعين أن يرتبط وجود اتفاق التحكيم مع وجود محل المنازعة، ومحل اتفاق التحكيم يُمكن أن يكون في صورة شرط تحكيم وارد ضمن بنود العقد الأصلي يتفق الأطراف في حال حدوث النزاع باللجوء إلى التحكيم، وفي هذه الحالة يُمكن أن يكون محل اتفاق التحكيم موجود مستقبلًا عند حدوث النزاع.

والمحل في شرط التحكيم يتحقق بوجود العقد الذي يتضمن الشرط، لأن طبيعة الشرط تتعلق بمنازعات مستقبلية وليس بمنازعات قائمة بين أطراف اتفاق التحكيم، ومن ثم فالمحل في شرط التحكيم يُعتبر ممكن الوجود مستقبلًا وغير مستحيل الوجود، ويشترط أيضًا في محل التحكيم سواء كان شرطًا أو مشارطة تحكيم، أن تكون المسائل التي يُراد حلها بواسطة التحكيم من المسائل والموضوعات التي يشملها التحكيم، وطالما أن اتفاق التحكيم عقد كسائر العقود الأخرى، فإن محل الاتفاق منصوص عليه بالقواعد العامة في القانون المدني.

ومحل التحكيم له أهمية بارزة لصحة اتفاق التحكيم أو عدم صحته، وأن ما أورده المشرع الأردني في المادة (9) سابقة الذكر، يتمثل في قابلية جميع المسائل والموضوعات للتحكيم، إلا أنه استثنى بعض المسائل والموضوعات كمسائل الأحوال الشخصية كالميراث والمسائل المتعلقة بالنظام العام كحالة الشخص وأهليته، وهذا ما اشارت إليه المادة (49/ب) من قانون التحكيم الأردني بقولها : تقضي المحكمة المختصة التي تنظر دعوى البطلان من تلقاء نفسها ببطلان حكم التحكيم فيما تضمن ما يخالف النظام العام في المملكة أو إذا وجدت أن موضوع النزاع من المسائل التي يجوز التحكيم فيها.

السبب لانعقاده :

أشار المشرع الأردني في المادة (165) من القانون المدني الأردني على أن : ” 1. السبب هو الغرض المباشر المقصود من العقد .

  1. ويجب ان يكون موجودا وصحيحا ومباحا غير مخالف للنظام العام او الآداب.” ونصت أيضًا المادة (166) من نفس القانون على أنه : ” 1. لا يصح العقد اذا لم تكن فيه منفعة مشروعة لعاقديه.
  2. ويفترض في العقود وجود هذه المنفعة المشروعة ما لم يقم الدليل على غير ذلك .”

ويتضح لنا من النص السابق أن السبب الذي يعتد به المشرع الأردني هو الغاية المباشرة أو الغرض المباشر الذي يقصد الملتزم الوصول إليه.

وهناك جانب من الفقه يرى أن الغرض المباشر من اتفاق التحكيم هو التزام كل طرف باللجوء إلى التحكيم وتنفيذ التزامه،  ومنح الفصل في النزاع لهيئة تحكيم واستبعاد ولاية قضاء الدولة من نظر النزاع ، فهذا يعد سببًا مشروعًا دائما، مالم يكم هناك دليل ثبت بالفعل بأن قصد الأطراف من اللجوء للتحكيم هو التهرب من أحكام القانون، ومن ثم يُعتبر هذا السبب غير قانوني أو شعري ويترتب على ذلك مستقبلًا رفض الاعتراف بقرار هيئة التحكيم أو رفض تنفيذه.

ونتفق مع ما ذهب إليه جانب من الفقه أن الهدف من سبب اتفاق التحكيم هو تحريك اتفاق التحكيم دائمًا، لذلك يفترض قيام النزاع فعلًا بين الطرفين، حتى تستطيع هيئة التحكيم السير في مباشرة اجراءات التحكيم وتحديد القانون الواجب التطبيق على النزاع الذي اتفق الأطراف عليه، ومن ثم الفصل فيه، ولكي يُعتد باتفاق التحكيم يجب أن يكون السبب صحيحًا، ويُبطل الاتفاق إذا خالف سببه النظام العام أو الآداب أو كان غير مشروعًا.

الفرق بين شرط التحكيم ومشارطة التحكيم

الفقه والقضاء قد استقرا على أن اتفاق التحكيم يكون في احدى صورتين، الأولى تكون باتفاق الأطراف على اللجوء لفض المنازعات التي ستنشأ بينهما في المستقبل، وهذه الصورة يُطلق عليها شرط التحكيم، وقد يتفق طرفي العلاقة القانونية عندما يدب النزاع بينهما بشأن هذه العلاقة، ويأخذ صورة مشارطة تحكيم، وهذا يقتضي بيان أوجه الاختلاف بين شرط التحكيم ومشارطة التحكيم، أوجه الإتفاق بين شرط التحكيم ومشارطة التحكيم.

التحكيم هو عبارة عن نظام خاص للتقاضي في المسائل الإدارية والتجارية والمدنية – التي يجوز فيها الصلح ولا تتعارض مع النظام العام – واللجوء للتحكيم يكون باتفاق طرفي النزاع، فبحسب الرأي الراجح في الفقه فإن التحكيم هو عبارة عن نظام قضائي خاص حيث يتفق الطرفان على اللجوء للتحكيم بدلًا من قضاء الدولة بمقتضى شرط في العقد الأصلي الذي يربط بينهما، أو اتفاق خاص يسمى مشارطة تحكيم.

شرط التحكيم يتميز عن المشارطة بالعديد من الفوارق التي تميزهما عن بعضهما البعض، وهذا هو موضوع مقالنا، وسنتناول فيما يلي أوجه الاتفاق والاختلاف بينهما .

أوجه الاتفاق بين شرط التحكيم ومشارطة التحكيم :

يتلاقى شرط التحكيم مع مشارطة التحكيم في عديد النقاط منها :

في كلا من مشارطة التحكيم وشرط التحكيم سواء أكان التحكيم عادي أم تحكيم إلكتروني يتم الالتجاء على إحالة النزاع الذي يتعلق بتنفيذ عقد من العقود إلى جهة غير المحاكم لتقوم بالفصل فيه، والقرار التحكيمي الذي سيصدر من هيئة التحكيم يكون ملزمًا للأطراف التي لجأت لهذا التحكيم.

ويتعين أن يكون محل التحكيم مشروعًا، ويُقبل الفصل فيه عن طريق التحكيم، بمعنى أن يرد اتفاق التحكيم سواء في شرط التحكيم أو المشارطة عل مسألة يجوز الفصل فيها عن طريق التحكيم.

فالمسائل المتعلقة بالنظام العام أو حالة الأشخاص وأهليتهم لا يجوز التحكيم فيها ، كما أنه لا يجوز للأشخاص المعنوية العامة أن تطلب التحكيم، باستثناء ما يتعلق بعلاقاتها الاقتصادية الدولية أو في اطار الصفقات العمومية.

فكل ما يتعلق بالنظام العام من مسائل لا يجوز اللجوء فيها للتحكيم، بيد أن مسألة النظام العام في حال حديثنا عن التحكيم الدولي تختلف من دولة لأخرى، واتفاقية نيويورك لسنة 1958 والتي تتعلق باعتماد القرارات التحكيمية الأجنبية وتنفيذها قد نصت على حق الدولة في رفض تنفيذ حكم المحكمين إذا خالف النظام العام.

مبدأ الرضائية والاتفاق

من أهم مميزات وسمات التحكيم أن شرط التحكيم ومشارطة التحكيم يقومان على مبدأ الرضائية والاتفاق ، فالعقد شريعة المتعاقدين لذا فإنهما يشتركان في أنهما يقومان على مبدأ الرضائية، فالتزام الخصوم بالحكم الصادر من المحكم أو المحكمين المعنيين يستند إلى إرادة ورغبة الخصوم أنفسهم والثابتة بموجب شرط أوعقد المشارطة، حيث ارتضوا بكامل إرادتهم الخضوع للتحكيم وللحكم الذي سينتج عنه.

ومما يتفق عليه كذلك هو ضرورة تعلقهما على منازعة لم تُحسم بشكل نهائي بإحدى وسائل إنهاء النزاع سواء عن طريق حكم قضائي حاسم، أو عن طريق حكم تحكيمي نهائي صادر عن هيئة تحكيم.

واتفاق التحكيم يقضي بالتزام الخصوم بسلب الاختصاص من المحاكم المعنية ثم طرحه على هيئة تحكيمية أو محكم، بحيث تصدر حكمًا فيه يترتب عليه إنهاء النزاع المعني، لكن من المعلوم أن التحكيم لا ينهي النزاع بمجرد إبرام الاتفاق على التحكيم، بل ينتهي النزاع عندما يُمارس المحكم المختار لمهنته ويُصدر حكمًا فيه.

ويتعين أن وجود اتفاق واضح في الشرط أو المشارطة يحيل إلى التحكيم، وإن كانت غالبية الاتفاقيات الدولية وتشريعات الدول تشترط أن يرد هذا الاتفاق كتابة.

أوجه الاختلاف بين شرط التحكيم ومشارطة التحكيم :

من حيث زمان الاتفاق على التحكيم تتميز مشارطة التحكيم عن شرط التحكيم أنها عبارة عن اتفاق يُبرم بين الأطراف الخصوم بعد حدوث النزاع بينهم، فالمشارطة تعني عدم ورود الاتفاق على التحكيم في العقد، فهي اتفاق مستقل بين المتنازعين بعد وقوع النزاع، فالمشارطة تتعلق بنزاع وقع بالفعل، وهي الصورة الأسبق ظهورًا واعترافًا بها.

فميزة المشارطة أنه يتم إبرامها بعد قيام النزاع سواء قبل رفع الدعوى أمام القضاء – وهو الأمر الغالب- أو بعد رفع الدعوى، وهذا يعني أن الأطراف في هذه الحالة ويتنازلون عن اللجوء لقضاء الدولة أي ترك الخصومة أمام القضاء أي بعد نشوء النزاع، والتنازل أيضًا عن الأحكام القضائية السابقة التي صدرت لصالح أحد الخصوم قبل إبرام المشارطة، إلا في حال تحفظ أحد الخصوم في المشارطة على التمسك بما قد صدر لصالحه من أحكام قضائية قبل إبرام اتفاقية التحكيم.

أما في الشرط التحكيمي فيتم التنازل عن اللجوء للقضاء قبل نشوء النزاع، فإنهم في هذه الحالة يستبقون الأحداث ويتنازلون مسبقًا عن اللجوء لقضاء الدولة.

بيد أن شرط التحكيم هو ما يرد في العقد المبرم بين طرفيه بإحالة النزاع الذي ينشأ مستقبلًا بين الطرفين إلى التحكيم، فشرط التحكيم يرد على نزاع وقوعه مسألة محتملة مستقبلًا، أي سابق على قيام المنازعة، وقد يقع مثل هذا النزاع فعلًا فيحال إلى التحكيم وقد لا يقع فلا يُعمل بشروط التحكيم، ويرد شرط التحكيم في العقد الأصلي في بدايته أو نهايته أو في أي مكان آخر بينهما، إلا إذا تبين من الشرط أنه يُقصد به منازعات معينة ناشئة عن العقد وليس جميعها، كما قد يرد شرط التحكيم في عقد مستقل عن العقد الأصلي.

النزاع في الشرط التحكيمي ليس محددًا لحظة الاتفاق على التحكيم

وشرط التحكيم يختلف عن مشارطة التحكيم على اعتبار أن موضوع النزاع في الشرط التحكيمي ليس محددًا لحظة الاتفاق على التحكيم، بيد أن هذا لا يمنع من أن يتم تحديده مستقبلًا في حالة قيام نزاع بينهم، إذ يبرمون اتفاق خاصًا للفصل فيه عن طريق هيئة تحكيم تتشكل من أفراد عاديين أو هيئات غير قضائية، أما في اتفاقية المشارطة فيتم تحديد موضوع النزاع وأسماء المحكمين وكذلك إجراءات التحكيم، فعدم تحديد موضوع النزاع في المشارطة يؤدي لبطلان الاتفاق، إضافة إلى أنه قد ينص على القانون الواجب التطبيق.

والجدير بالإشارة أن مشارطة التحكيم يتم إبرامها في وقت لا تسوده روح الود لأن هناك نزاعًا قد نشأ بين الأطراف، بينما شرط التحكيم يتم إبرامه في وقت تسوده روح الود بين أطراف العلاقة القانونية.

والتفرقة وأوجه الاختلاف بين شرط التحكيم ومشارطة التحكيم، وبيان أوجه الإتفاق بين شرط التحكيم ومشارطة التحكيم تبرز أهميتها بشكل خاص في أن بعض القوانين الوطنية تستلزم في عقد المشارطة أن يتم تحديد طبيعة النزاع الذي وقع بالفعل والمسائل التي يشملها التحكيم تحت طائلة بطلان الاتفاق، ومثل هذه القوانين القانون المصري والقانون الجزائري، وذلك بعكس شرط التحكيم الذي يتعلق بنزاع مستقبلي.

اذا كان لديك ملاحظة اكتبها هنا

error: حقوق الطبع والنشر محفوظة لشركة حماة الحق © Copy Right Protected