موانع تنفيذ حكم التحكيم الأجنبي التي تقضي بها المحكمة من تلقاء نفسها

لهيئات التحكيم والأحكام الصادرة عنها أهمية بالغة في تسوية المنازعات سواء التي تنشأ بين الدول أو بين الأشخاص اعتبارية كانت أو طبيعية، ونظرًا للأهمية البالغة التي احتلتها أحكام التحكيم على المستوى الدولي فقد تم تناولها بالتنظيم الدولي التشريعي من خلال العديد من المعاهدات الدولية، وتعد اتفاقية نيويورك لعام 1958 من أهم تلك المعاهدات حيث قد انضمت اليها ما يزيد عن مائة وخمسين دولة من دول العالم. وسنبين هنا موانع تنفيذ حكم التحكيم الأجنبي التي تقضها بها المحكمة من تلقاء نفسها، وأثر النظام العام الداخلي على حكم التحكيم، وكذلك عدم قابلية النزاع للتحكيم، وبيان ما يترتب على مخالفة حكم التحكيم للنظام العام

جدول المحتويات 

أولا: عدم قابلية موضوع النزاع للتحكيم:

ثانيا: مخالفة حكم التحكيم للنظام العام:

وسنوضح في هذا المقال الموانع الحائلة دون تنفيذ حكم التحكيم الأجنبي وفقًا للقانونين المصري والأردني :

الحالات التي تقضي فيها المحكمة من تلقاء نفسها بعدم جواز تنفيذ حكم التحكيم :

قضت اتفاقية نيويورك الصادرة عام 1958 في كل من المادة (3 و5) على أنه يحق لدولة القاضي في الدولة المستقبلة أن يمتنع عن تنفيذ الأحكام المقدمة اليه إذا قدم الخصم الطاعن في حكم التحكيم ما يفيد أن قانون البلد المراد تنفيذ الحكم فيها لا يجيز تسوية النزاع من خلال التحكيم أو أن الاعتراف بحكم التحكيم أو تنفيذه ينطوي على مخالفة للنظام العام والآداب في الدولة المراد تنفيذ الحكم فيها.

فمن مطالعة ما قضت به المواد المذكورة يتجلى لنا الأحوال التي يمتنع فيها تنفيذ حكم التحكيم الأجنبي وسنتناولها بشيء من التفصيل على النحو التالي:

ولأعدم قابلية موضوع النزاع للتحكيم:

من موانع تنفيذ حكم التحكيم الأجنبي عدم قابلية موضوع النزاع للتحكيم إذ أنه ليست كل المنازعات تكون صالحة لتسويتها من خلال التحكيم فهناك عدة مسائل يحظر فيها اللجوء إلى التحكيم لتسويتها ويعد هذا الحظر من النظام العام الأمر الذي يترتب عليه بطلان أي اتفاق يخالفه بطلانًا مطلقًا.

ولكن من الأهمية بمكان الإشارة إلى أن المسائل التي يحظر فيها اللجوء إلى التحكيم لتسويتها ليست واحدة في مختلف بلدان العالم إذ يحق لكل دولة تعداد المسائل التي يحظر فيها اللجوء إلى التحكيم, لذلك نصت اتفاقية نيويورك في المادة (5/2/أ) على أنه ( يجوز للسلطة المختصة في البلد المطلوب إليها الاعتراف وتنفيذ حكم المحكمين أن ترفض الاعتراف والتنفيذ إذا تبين لها أن قانون البلد لا يجيز تسوية النزاع عن طريق التحكيم ), وهذا – أيضًا – ما أكدت عليه اتفاقية الرياض حيث نصت في المادة (37/1) على أنه لا يجوز للهيئة القضائية المختصة لدى الطرف المتعاقد المطلوب إليه التنفيذ أن تبحث في موضوع التحكيم ولا أن ترفض تنفيذ حكم التحكيم إلا في الحالات الآتية:

أ-إذا كان قانون الطرف المتعاقد المطلوب اليه الاعتراف أو تنفيذ حكم التحكيم لا يجيز حل موضوع النزاع عن طريق التحكيم.

أما عن المواضيع التي لا يجوز فيها التحكيم في كل من القانونين المصري والأردني فهي:

1-   مسائل الأحوال الشخصية البحتة:

بداية يجب الإشارة إلى أنه لا يوجد تعريف موحد لقانون الأحوال الشخصية فهناك بعض الدول تعتنق تعريفًا موسعًا للأحوال الشخصية والبعض الآخر من الدول يعتنق تعريفًا مضيقًا.

فنجد مثلًا في فرنسا أن مدلول الأحوال الشخصية يشتمل على فكرة الأهلية أما في إيطاليا فمدلول الأحوال الشخصية يتسع ليشمل الحالة، والأهلية، والوصايا، والهبات.

أما محكمة النقض المصرية فقد قضت في حكمها الصادر( بجلسة ٢٠١٦/٠٤/١٢ الطعن رقم ١٤٨ لسنة ٧٦ قضائية) بأن الأحوال الشخصية هي مجموعة ما يتميز به الإنسان عن غيره من الصفات الطبيعية أو العائلية التي رتب القانون عليها أثراً قانونياً في حياته الاجتماعية ككونه إنساناً ذكراً أو أنثى ، وكونه زوجاً، أو أرملاً، أو مطلقاً، أو أباً، أو ابناً شرعياً ، أو كونه تام الأهلية ،أو ناقصها لصغر سن ،أو عته، أو جنون ، أو كونه مطلق الأهلية ،أو مقيدها بسبب من أسبابها القانونية.

والواقع أن الفقه قد أجمع على أن مسائل الأحوال الشخصية تنقسم إلى نوعين وهما:

النوع الأول وهي مسائل الأحوال الشخصية البحتة وهي التي تتعلق بالنسب والزواج والطلاق والأهلية وأحكامها وتلك المسائل لا يجوز فيها الصلح وذلك من الأمور المتعلقة بالنظام العام مما يترتب عليه عدم جواز التحكيم في الخصومات الناشئة عن تلك الأنواع من المسائل كالخصومات المتعلقة بحضانة الطفل الرضيع.

أما النوع الثاني فهي مسائل الأحوال الشخصية المتصلة بمصالح مالية وهذا النوع من الجائز التصالح فيه مما يترتب عليه جواز التحكيم في المنازعات الناشئة عن تلك المسائل وذلك مثل جواز التحكيم في دعوى التعويض المترتب على فسخ الخطبة أو النزاع حول تقسيم التركات.

2- مسائل الجنسية:

الجنسية هي رابطة قانونية وسياسية تربط الفرد بدولته، وتُعد الجنسية مظهر من مظاهر سيادة الدولة الأمر الذي يترتب عليه عدم جواز التحكيم في المنازعات المتصلة بالجنسية سواء تعلقت المنازعة باكتسابها أو أسقاطها أو سحبها، مع ملاحظة أنه يجوز التحكيم في الدعاوى التي يكون محلها المطالبة بتعويض عن قرار أداري صدر بالمخالفة لأحكام قانون الجنسية.

3-المسائل الجنائية:

ليس للمحكم ثمة اختصاص بإصدار جزاء جنائي لذلك فمن غير الجائز اللجوء إلى التحكيم في تلك المنازعات وكذلك لا يجوز التحكيم في تحديد النص الواجب التطبيق من قانون العقوبات ولا يجوز التحكيم – أيضًا – بشأن تحديد مسؤولية الجاني وهذا ما قضت به محكمة النقض المصرية في حكمها الصادر( بجلسة 10/11/2002 الطعن رقم ٢٤٧٥ لسنة ٥٨ قضائية) بأنه لا يجوز التحكيم بصدد تحديد مسؤولية الجاني عن الجريمة الجنائية وإلا عُد باطلًا لمخالفته للنظام العام وإذ كانت المسألة التي انصب عليها التحكيم وبالتالي كانت سببًا للالتزام في السند إنما تتناول الجريمة ذاتها وتستهدف تحديد المسؤول عنها وهي من المسائل المتعلقة بالنظام العام فلا يجوز أن يرد الصلح عليها وبالتالي لا يصح أن تكون موضوعًا للتحكيم وهو ما يستتبع أن يكون الالتزام المثبت في السند باطلًا لعدم مشروعية سببه.

أما عن التعويض المطالب به جراء الأضرار التي ألحقتها الجريمة بالمجني عليه فلا يوجد ثمة ما يمنع من أجراء التحكيم بشأنه.

ثانيا: مخالفة حكم التحكيم للنظام العام:

إن النظام العام فكرة مرنة متغيرة تتغير بتغير المكان والزمان فما يعتبر من النظام العام في دولة قد لا يعد كذلك في دولة أخرى، وإذا كان للأطراف حرية اختيار القانون الواجب التطبيق على النزاع الناشئ بينهم فهم قد يختارون قانون وطني وهو بذلك يكون متناسق مع النظام العام للدولة مصدرة هذا القانون، ولكنهم قد يختارون قانونًا أجنبيًا يكون له نظامًا عامًا مستقلًا قد يخالف أحكام النظام العام الوطني.

ويترتب على مخالفة حكم التحكيم للنظام العام بطلانه بطلانًا مطلقًا الأمر الذي يؤدي إلى عدم جواز تنفيذه, وهذا ما أكدته محكمة التمييز الأردنية في ( الحكم رقم 47 لسنة 1991 – محكمة التمييز بصفتها الحقوقية ) الصادر بتاريخ( 28-8-1991) والتي قضت فيه بأن أجازت المادة 5/2/ب من اتفاقية نيويورك المتعلقة بقرارات التحكيم رفض الاعتراف بقرار التحكيم وتنفيذه أو إحالة النزاع على التحكيم، اذا كان الاعتراف بذلك يناقض السياسة العامة لذلك البلد و ان السياسة العامة للمملكة الأردنية الهاشمية في المجال المتعلق بالوكالات التجارية هو حماية المواطن وتأكيد السيادة الوطنية، إذ جاء في المادة (20) من قانون الوسطاء والوكلاء التجاريين ” بالرغم من كل اتفاق مخالف تعتبر محاكم المحل الذي يمارس فيه الوكيل نشاطه هي المختصة في النزاعات الناشئة عن عقد الوكالة التجارية” وعليه فتعتبر محكمة بداية عمان مختصة بالنظر بالدعوى التي أقامتها الشركة المميزة لمطالبة المميز ضدهم بالتعويض عن العطل والضرر نتيجة لإنهائهم وكالتها التجارية ما دامت المميزة تمارس أعمالها داخل المملكة وفي مدينة عمان بالذات.

1-مفهوم النظام العام:

مخالفة النظام العام مانع من موانع تنفيذ حكم التحكيم الأجنبي، والنظام العام يعرف بأنه مجموعة المصالح والأسس الأساسية للجماعة التي يقوم عليها بناء الجماعة وكيانها بحيث لا يتصور بقاء كيان الجماعة سليمًا دون استقراره على تلك الأسس.

وعرفته محكمة النقض المصرية في الطعن (رقم 13313 لسنة 81 قضائية الصادر بجلسة 12/5/2015 ) بأنه القواعد التي ترمي إلى تحقيق المصلحة العامة للبلاد سواء من الناحية السياسية أو الاجتماعية أو الاقتصادية والتي تتعلق بالوضع الطبيعي المادي والمعنوي لمجتمع منظم وتعلو فيه على مصالح الأفراد.

والواقع أن كافة التعريفات المتعلقة بالنظام العام ليست كافية لتحديد ماهيته لأنه – كما ذكرنا – هو فكرة نسبية تختلف باختلاف المكان والزمان، فقواعد القانون ليست جميعها تتعلق بالنظام العام، بل أن القواعد الآمرة ذاتها التي لا يجوز الاتفاق على مخالفتها لا تتعلق جميعها بالنظام العام.

2-أمثلة علي القواعد المتعلقة بالنظام العام:

يعد من قواعد النظام العام تلك المتعلقة بالحريات العامة كحرية الرأي وحرية التنقل والحرية الشخصية. وكذلك فإن قواعد الاختصاص القضائي – فيما عدا قواعد الاختصاص المحلي – تعد متعلقة بالنظام العام.

وتعتبر أيضًا قواعد الأهلية من النظام العام وكذلك القاعدة المتعلقة بمبدأ التقاضي على درجتين وتلك المتعلقة بكفالة حقوق الدفاع.

فكل القواعد السابقة تُعد أمثلة على القواعد المتعلقة بالنظام العام ولا يجوز الاتفاق على مخالفتها وإلا وقع الاتفاق تحت مغبة البطلان المطلق.

3-أثر النظام العام الداخلي على حكم التحكيم:

النظام العام الداخلي لدولة ما يتمثل في مجموعة الأسس والمصالح الأساسية التي لا ينصلح حال الدولة إلا بأتباعها ويترتب على ذلك أن كل اتفاق فردي أو جماعي يخالف النظام العام يكون مصيره البطلان المطلق الذي لا يحتاج إلى من يتمسك به حيث يحق لقاضي المحكمة المطروح أمامها النزاع أن تقضي بالبطلان من تلقاء نفسها دون حاجة لتمسك الخصوم بهذا البطلان.

ولذلك لم يكن غريبا على المشرع الأردني أن يقضي في المادة (49/ب) بأن المحكمة المختصة التي تنظر النزاع عليها ان تقضي ببطلان حكم التحكيم من تلقاء نفسها إذا تضمن الحكم ما يخالف النظام العام في المملكة أو إذا وجدت المحكمة أن موضوع النزاع من المسائل التي لا يجوز التحكيم فيها.

وهو الأمر ذاته الذي انتهجه المشرع المصري عندما نص في المادة (53/2) من قانون التحكيم على أن المحكمة التي تنظر الدعوى تقضي ببطلان حكم التحكيم إذا تضمن الحكم ما يخالف النظام العام في جمهورية مصر العربية.

4-اثر النظام العام الدولي على حكم التحكيم:

بادئ ذي بدء نشير إلى أن جانبًا من الفقه ذهب إلى أن مصطلح النظام العام الدولي هو مصطلح مضلل وغير منضبط الأمر الذي جعل أغلب مشرعي دول العالم يعزفون عن التمييز بين النظام العام الداخلي والنظام العام الدولي، وهذا المصطلح (النظام العام الدولي) يشير إلى مجموعة الأصول والقيم والمبادئ التي تفرضها القيم الإنسانية العالمية وذلك كالمبادئ العامة التي أقرتها الأمم المتمدينة مثل مبدأ عدم جواز التعسف في استعمال الحق، ومبدأ حسن النية ومبدأ إبطال الغش.

وقد اتسعت هذه القيم في الأون الأخيرة لتشمل حماية الأثار وحماية البيئة وتجريم الاتجار بالبشر ومكافحة الإرهاب الدولي، فضلًا عن تغلغل فكرة النظام العام الدولي في مجال الإجراءات وذلك بوجوب أن يخضع المتهم لمحاكمة عادلة والالتزام بتحقيق المساواة بين الخصوم.

ولم يكن هناك اتفاق بين الفقه في تحديد الأثر المترتب على مخالفة حكم التحكيم للنظام العام الدولي حيث ذهب جانب فقهي الى أن ليست كل القواعد الأمرة المتعلقة بالنظام العام في القانون الوطني تعد من قبيل النظام العام الدولي فالنظام العام الدولي أضيق نطاقًا من النظام العام الداخلي.

أما الاتجاه الثاني فهو يضرب بعرض الحائط فكرة النظام العام الدولي ذلك أنها – في وجهة نظرهم- يترتب عليها طمس الهوية القومية للدولة المراد تنفيذ حكم التحكيم فيها.

إعداد : الأستاذ أحمد منصور والمحامي سامي العوض