الطبيعة القانونية لحكم التحكيم

الطبيعة القانونية لحكم التحكيم

نشبت العديد من الخلافات الفقهية بين الفقهاء حول الطبيعة القانونية لحكم التحكيم، ويعتمد كل فريق أو اتجاه من الفقهاء على أسباب مختلفة لشرح ما يُعتقد أنه صحيح، ومضى بعضهم في القول أن لحكم التحكيم طبيعة تعاقدية، وذهبت مجموعة منهم للقول إنها ذات طبيعة قضائية، وذهب بعضهم للقول أن التحكم ذو طبيعة مستقلة، وآخرون ذهبوا للقول أنها ذات طبيعة مزدوجة أو مختلفة، وأخيرًا قد ذهب البعض إلى أنها ليست أحكامًا بالمعنى المقصود من اصطلاح الاحكام.

 وقضية أحكام التحكيم ذات أهمية كبيرة وتعزى أهميتها إلى الحاجة الواقعية والعملية المتزايدة التي يتسم بها والانتشار الكبير والنجاح الاستثنائي الذي حققه لتحكيم التجاري الدولي، بالإضافة إلى توفير الوقت والجهد، وفيما يلي  استعراض للنظريات التي انصرفت إليها آراء الفقهاء.

أولاً : الطبيعة التعاقدية للتحكيم.

ثانياً :الطبيعة القضائية للتحكيم.

ثالثاً :الطبيعة المختلطة للتحكيم:

رابعاً :الطبيعة المستقلة للتحكيم:

وسوف نتناول في مقالنا تلك الاتجاهات ومبرراتها، والانتقادات التي وجهت لكل منها، والترجيح في نهاية المقال.

أولاً : الطبيعة التعاقدية للتحكيم.

أنصار ذلك المذهب يرون أن التحكيم ذو طبيعة تعاقدية فالتحكيم ليس قضاءً بمعنى الكلمة لأنه عقد توافقي ملزم لكلا الجانبين، وعليه فإن قرار التحكيم يظهر حسب مؤيدي هذا الرأي كعنصر ثانوي في عملية التحكيم لأن اتفاق التحكيم يأخذ عملية التحكيم بأكملها بحيث يكون مبدئًا لتفسير جميع مراحلها حتى صدور القرار من قبل المحكم الذي يلتزم أطراف النزاع به، لذا فإن حكم التحكيم يكون متوافق مع هذه الطبيعة التعاقدية للتحكيم وينبني عليه مجرد تحديد محتوى عقد التحكيم بمعرفة غير المتعاقدين، وهم هنا المحكمون، على الرغم من أن قرارات التحكيم الهدف منها هو عملية التحكيم بأكملها من حيث تسوية النزاع.

ويعتمد مؤيدو هذا الرأي على عدة حجج أهمها :-

  1. إن أساس التحكيم هو الإرادة المشتركة للتوافق بين اللطرفين، فبالتالي فإن أطراف النزاع يملكون حق اللجوء إلى التحكيم واختيار المحكمين وعليه فإن الأهمية الخاصة بتحديد الطبيعة في اتجاه الطبيعة التعاقدية مركزة على انصراف رغبة الأفراد في حل النزاعات بطريقة ودية ، وذلك من خلال تنصيب شخص ثالث وهو (المحكم) على التحكيم بينهم وقبولهم لذلك التحكيم.
  2. المحكم عندما يقوم بدوره فيؤديها بصفته وكيلًا وليس طرفًا من أطراف النزاع والحكم الصادر هو بمثابة عقد يلتزم أطرافه بتنفيذ بنوده من خلال المحكمة المختصة.

3.إن الأفراد بموافقتهم على أساليب التحكيم ضمنياً يعد بمثابة تنازل عن الدعوى، وتفويض المحكم بأن يكون له سلطة عبر إرادتهم ، ولا يمكن أن تكون تلك السلطة بمثابة مرجع قضائي وذلك لأنها مبنية على إرادة ذوي الشأن، لأن الطبيعة الخاصة بالسند القانوني وهو العقد لا تبيح لأفراد لجنة التحكيم أي سلطات إضافية مثل القضاة، ولا يمنع القول بالطبيعة التعاقدية للتحكيم أن المحكم تعينه السلطة القضائية أحيانًا، لأن السلطة القضائية قد تتدخل في تعيينها للمحكم ، بل يمكن أن تحل محل الأفراد في استخدام حقهم في اختيار المحكم.

4.أن التحكيم يختلف في غرضه عن القضاء، حيث أن القضاء يهدف إلى تحقيق المصلحة العامة، بينما يهدف التحكيم إلى تحقيق المصالح الخاصة لأطراف عقد التحكيم.

  1. يفترض القضاء أن أحد الطرفين لا يريد التقيد بالقاعدة القانونية التي تحمي مصلحة الطرف الآخر في مواجهته، بينما في التحكيم يرغب الأطراف بإرادتهم في إزالة أي شك في نطاق حقوقهم. ويدلل أصحاب المذهب بطبيعة التحكيم العقدية بإمكانية رفع دعوى أصليه ببطلان حكم المحكم بعكس حكم القضاء .

ومحكمة التمييز الأردنية في بعض أحكامها أشارت إلى الطبيعية العقدية ومنها الحكم رقم (1783) لسنة 2010 حين قضت بأن : ” التحكيم لا يخرج عن كونه عقدًا عاديًا يتم برضا الطرفين واختيارهم “.

وقضت كذلك في الحكم رقم (132) لسنة 1954 بصفتها الحقوقية بالآتي : ”  الاتفاق على التحكيم عقد عادي كونه عقدا يتم برضاء الطرفين واختيارهما ويعتبر عقدا صحيحا سواء تم أمام المحكمة أم خارجها وسواء أكانت المحكمة التي وقع الاتفاق أمامها مختصة بالنظر في اصل النزاع الذي أحيل على التحكيم أم لم تكن”.

وقد واجهت تك النظرية العديد من الانتقادات  حيث تم الرد على أصحاب تلك النظرية بما يلي:-

  1. لا تكفي الطبيعة التوافقية لنظام التحكيم لاعتباره نظامًا تعاقديًا. وبدلاً من ذلك ، ب يتعين التمييز بين المصدر والوظيفة لهذا النظام . فالتحكيم عقد يتم فيه تعيين المحكم قاضيًا بموجب قانون العقد. لأن المحكم ملزم باحترام قواعد النظام العام بالإضافة إلى العديد من القواعد الموضوعية والإجرائية.

2.هناك عدد من الأفعال التي تعتبر قضائية بطبيعتها، حتى وإن لم تكن لها علاقة بخصومة قضائية.

  1. يوجد مبالغة في إعطاء الدور الجوهري لإرادة الأطراف ، فالأطراف في الحقيقة هم الأفراد الذين لهم الحق في تقييم النزاع وتوجيهه إلى منصة التحكيم مما يعطي هيئة التحكيم أهمية ، غير أن المحكم يقوم بتسوية النزاع مما يجعل التحكيم مشابهًا لعقود التوفيق يخضع لموافقة قضائية.
  2. المحكم ليس وكيلًا نيابة عن الأطراف لأن الوكالة تفترض أن الإجراءات التي يتم تعيينها للوكيل يمكن أن يؤديها الموكل بنفسه ، وهذا لا ينطبق على أطراف النزاع غير القادرين على أداء وظيفة المحكم نفسه.

ثانياً :الطبيعة القضائية للتحكيم.

يعتقد بعض المفسرين أن التحكيم ذو طبيعة قضائية ، لذا فإن منصة التحكيم منصة إلزامية تلزم المتقاضين في حالة موافقتهم على اللجوء إليه كوسيلة لحل نزاعاتهم ومركز الثقل في نظام التحكيم لأصحاب هذا النوع هو حكم التحكيم وليس اتفاق التحكيم لأن المحكم ينفذ قواعد العدالة في إطار السيادة الخاصة بالدولة وبتفويض منها. لذا فإن نظرية الطبيعة القضائية لقرار التحكيم هي النظرية السائدة الحالية التي يتبناها الجمهور في الأغلب ويعتمد مؤيدو هذه النظرية على الحجج التالية:

  1. يعتبر المحكم قاضيًا لأنه يفصل في نزاع ويصدر حكمًا فيه كما أن حكم المحكم يحوز حجية الشيء المقضي به، وينفذ تنفيذاً جبرياً بعد صدور الأمر بهذا التنفيذ، شأنه شأن الحكم القضائي الصادر من السلطة القضائية في الدولة، ومما يؤيد الطبيعة القضائية للتحكيم ما درجت عليه القوانين المختلفة من إطلاق اصطلاح الأحكام على أحكام المحكمين والأحكام القضائية.
  2. يمارس المحكم سلطة الفصل في النزاع وذلك لا يرجع إلى اتفاق التحكيم وحده كما تنص نظرية الطبيعة التعاقدية، بل يرجع أيضًا إلى إرادة المشرع الذي يعترف به ويرفع أحكامه إلى منزلة الأحكام القضائية التي تم البت فيها وحازت حجية قضائية.

3.هناك عدد من المصطلحات التي نصت عليها التشريعات تدل على الطبيعة القضائية بالنسبة لقرار التحكيم ، على سبيل المثال ، يتم استخدام مصطلح (حكم) للإشارة إلى قرار المحكم ، وستحكم المحكمة (عدم الاختصاص) إذا تم الالتزام باتفاق التحكيم المقدم إليها.

4.توجد أوجه شبه كثيرة بين حكم القاضي وقرار التحكيم من حيث الشكل ، مثل: الكتابة والتأكيد والتوقيع ، وهي متشابهة في طبيعتها القانونية.

5.لكي يوصف العمل بأنه عمل قضائي ، يجب أن تكون هناك دعوى ونزاع والعضو المكلف بالعمل، ونجد أن ذاك ينطبق على التحكيم ، حيث يحسم التحكيم نزاعًا يستخدم فيه صلاحيات القاضي في حل النزاع.

6 – أن يعطي القاضي الأمر بتنفيذ حكم التحكيم كما يفعل في حكم محكمة أجنبية. وبعض من يؤيدون  الشبه القضائي لحكم التحكيم  قد اشترطوا صدور أمراً بتنفيذه بما يحقق اطلاق صفة العمل القضائي عليه. وبناءً على هذا الرأي ، قبل إصدار هذا الأمر ، لا يمكن اعتبار قرار التحكيم إجراءً قضائيًا.

ورغم سلامة ومنطق الطبيعة القضائية للتحكم، إلا أنها لم تسلم من النقد، فيعاب عليها بما يلي :-

1- إن التشابه بين نظامي التحكيم والقضاء على الرغم من أنه قد جاء نتيجة لعدد من القواعد المشتركة إلا أنه يجب التفريق بين المصدر المؤسس لكل منهما والوظيفة أيضًا فالتحكيم عقد بين متعاقدين يخول طرفيه للجوء إلى محكم له سلطة إصدار قرارات لحل النزاعات بدور قضائي.

2- تتمتع كثير من الأعمال بالطابع القضائي على الرغم من كونها ليست عملًا قضائيًا لذا لا يكفي القول بأن عمل المحكم كعمل القاضي فوظيفة المحكم تختلف اختلافًا كليًا عن وظيفة القاضي فالأخير وظيفته قانونية مرتبطة بالتشريعات الوطنية متمثلة في حماية الحقوق والمراكز القانونية أما المحكم فوظيفته اجتماعية من الطراز الاول لضمان استمرار العلاقات الإنسانية.

3- لا يعتبر المحكم قاضيًا خاصًا أو عامًا وفقًا للتشريعات بدليل أنه تم تنظيم قواعد خاصة بالقضاة تختلف كليًا عن القواعد الخاصة بالمحكمين.

4- الحكم القضائي لا يتطلب لتنفيذه سوى صدوره من القاضي، وذلك على خلاف حكم التحكيم,  فالقانون لا يجيز تنفيذ حكم التحكيم إلا بعد صدور أمر بتنفيذه من الجهة القضائية المختصة.

ثالثاً :الطبيعة المختلطة للتحكيم:

يعتقد مؤيدو النظرية المختلطة أن “الخلل المشترك في النظريتين السابقتين هو نقل خاصية واحدة إلى نظام التحكيم ككل ، بينما هو نظام مختلط يبدأ باتفاق وينتهي بسلطة قضائية هي حكم التحكيم تجد الطبيعة التعاقدية أساسها في اتفاق الطرفين على اللجوء إلى التحكيم لتسوية النزاع بينهما من حيث الطبيعة التعاقدية والقضائية للتحكيم وهذا يقتضي احترام هذه الاتفاقية على أساس احترام مبدأ سلطان الإرادة، وتجد الطبيعة القضائية أساسها في تسوية هذا النزاع وفق الإجراءات القضائية التي يصدر على أساسها حكم قضائي، وهذه النظرية تؤيدها جماعة من الفقه للتوفيق بين النظريات الفقهية والقضائية، انطلاقا من الإقرار بأن :-

  1. التحكيم مختلط، يبدأ بالاتفاق ، ويمر بإجراءات وينتهي بحكم ، وفي كل مرحلة من هذه المراحل الثلاث يرتدي لباسًا مختلفًا.

2.كانت النظريات العقدية والقضائية خاطئة عندما حاولت إضفاء الطابع الخاص على نظام التحكيم ككل ، والطبيعة الخاصة لإحدى مراحل هذا النظام ، وإهمال المراحل الأخرى هذا لأن كل مرحلة تؤثر على المرحلة الأخرى من التحكيم ، لذلك فهي في الواقع ليست ذات طبيعة تعاقدية بحتة ، ولا تعتبر ذات طبيعة قضائية بحتة، بل هي نظام مختلط يبدأ باتفاق ، ويمر عبر إجراء وينتهي بحكم.

3.قالوا أيضاً: إن الطبيعة التعاقدية والقضائية موجودة في جميع مراحل التحكيم على الوظيفة الثانوية لاتفاق التحكيم بعد اتفاق الأطراف على حل النزاع عن طريق التحكيم ، يبدأ المحكم مهمته في تسوية النزاع وفق مقتضيات الموقف القضائي ، ويلتزم بتطبيق شروط اتفاق التحكيم ، كما أنه هو نفسه بصفته القاضي يعتمد على تسوية النزاع المعروض عليه بشأن شروط العقد المتعلق بهذا النزاع، وهنا تظهر الوظيفة الثانوية لاتفاق التحكيم.

ومع ذلك فهذه النظرية أيضًا، رغم أنها حاولت التوفيق بين النظريتين السابقتين ، إلا أنها تعرضت للنقد ، ومن بين هذه الانتقادات التي وجهت لهذه النظرية ما يلي:

1.القول بأن الطبيعة المختلطة محاولة للهروب من تعريف حقيقي وواضح لطبيعة حكم التحكيم ، حيث اقتصر مؤيدو النظرية المختلطة على تحديد العناصر التعاقدية والقضائية في كل من النظريتين السابقتين  دون إجراء دراسة تحليلية لطبيعة نظام التحكيم وأسباب الخلاف حوله.

2- إن إدخال النظرية المختلطة يؤدي إلى كثير من التناقضات، حيث يصعب الجمع بين نظامين مختلفين ، حيث يتطلب أن يخضع التحكيم للقواعد القانونية للعقود، والعناصر التي تحكمها قواعد القضاء، والقول بالطبيعة المختلطة للتحكيم يؤدي إلى خلط بين حجية حكم التحكيم وبين قوته التنفيذية ، فحجية الأمر المقضي تثبت لحكم التحكيم بمجرد صدوره وهي أمر أخر غير القوة التنفيذية التي لا يحوزها حكم التحكيم إلا بصدور أمر قضائي بتنفيذه .

رابعاً :الطبيعة المستقلة للتحكيم:

ويرى مؤيدو هذه النظرية أن “نظام التحكيم له طبيعة خاصة ويجب النظر إليه بشكل مستقل عن القضاء ولا يمكن أن يفسر في ظل المبادئ التقليدية لمحاولة ربطه بالعقد أو بالحكم القضائي الصادر عن القضاء في البلاد ..” ولقد استند أنصارالتحكيم إلى ما يلي:

1.التحكيم أداة متميزة في حل الخلافات بين الأطراف ، لذلك فهو ليس قريب من النظرية العقدية للتحكيم كما لا يتم دائمًا تعيين المحكمين باتفاق الأطراف ، ولكن يمكن تعيينهم من قبل المحكمة المختصة  أو مراكز التحكيم. لكن هذا لا يعني أن التحكيم يفقد استقلاليته واندماجه في القضاء كما تراه النظرية القضائية ، لأن القضاء سلطة عامة ضمن صلاحيات الدولة التي يمارسها القاضي بهدف تحقيق سيادة القانون على المصالح المتعارضة في العلاقات الاجتماعية. أما التحكيم ، فيهدف إلى التعايش السلمي بين أطراف الصراع في المستقبل ، فضلاً عن العدالة.

  1. يرى أن ظهور القضاء لحق ظهور التحكيم في المجتمعات البدائية، وخرج مستقلًا، واستمر في الوجود بعد ظهور القضاء لأنه يشبع حاجة اجتماعية مختلفة لا يستطيع القضاء تحقيقها. وهذا يقتضي تمييزه عن القضاء وإخضاعه لنظام خاص يحفظ مرونته بعيداً عن النظام القضائي بضماناته المتعددة وقواعده الصارمة.

3.أن التحكيم يختلف في بنيته الداخلية عن النظام القضائي ، حيث ينظم قانون المرافعة القضاء المدني إجرائياً من خلال قواعد عامة مجردة، وهذا يحدد قواعد النظام ومباشرتها وآثارها ، وأن المحكم ليس سوى شخص مخول من قبل الطرفين لحل النزاع القضائي للمحاكم المختلفة وكذلك قواعد الاختصاص بالنسبة للقضايا التي تقع ضمن اختصاص كل محكمة ، وقواعد التقاضي المحددة في قانون المرافعة ، بمعنى أن الطريقة القضائية هي طريقة إجرائية عامة لحماية الحقوق التي تخضع لقواعد مجردة ، بينما التحكيم هو طريقة محددة ومفصلة وعضوية وإجرائية لتسوية نزاع معين.

  1. اعتبار المحكم قاضيًا خاصًا يحرمه من قواعد القانون الوضعي التي تخضع المحكم لنظام قانوني مختلف يخضع له القاضي ، من حيث سلطته ومسؤوليته ، بحيث لا يكون المحكم ملزمًا من حيث العمر أو الجنسية أو الجنس أو المؤهلات أو الخبرة ، فقد يكون المحكم أجنبياً أو امرأة ، أو غير قانوني أو غير كفء على الإطلاق ، كما لا يجوز أن يقسم اليمين قبل أن يبدأ عمله.

ولا يعد منكرًا للعدالة كل من يمتنع عن الحكم، بل خاضع للقواعد العامة للمسئولية المدنية في حال إذا رفض دون مبرر أو عذر، فلا تسأل عنه الدولة،  لذلك لا يجوز له أن يفرض غرامات على الخصوم أو الشهود أو أن يحضر غيرهم في الخصومة أو إلزامه بتقديم مستند، بل في بعض الحالات قد يلجأ للقضاء للحصول على مثل هذه الأوامر.

5- إن اعتراف القانون بالتحكيم لا يزيل تلقائياً الطبيعة القضائية له ، ولا يعني أنه أصبح المصدر المباشر والواقعي لصلاحيات المحكمين، كما أن الأفراد أحرار في الموافقة على التحكيم أو عدم الاتفاق عليه، كما أن لهم صلاحية اختيار المحكم وتحديد نطاق صلاحياته ومسؤولياته وحدوده، ويمكن للأطراف أيضًا الاتفاق على إعفاء المحكم من الالتزام بقواعد القانون الموضوعي (التحكيم بالتكوين) ، بالإضافة إلى جواز اتفاقهم على عدم الالتزام بقواعد إجرائية معينة.

وتلك النظرية قد شابتها بعد الانتقادات كما هو واقع الحال نعرضها كالآتي:

  1. عدم قبول النظريات السابقة بنظرتها ودلائلها المنطقية في تحديد طبيعة التحكيم لا يعني قبولنا لنظرية استقلال التحكيم لأنه في حال عدم لجوئه للقانون فإنه ملتزم بالأعراف وقواعد العدالة والنظام العام والآداب بالإضافة إلى أن المحكمين لا يحبذون الخروج على القانون إلا في حالات ضيقة ومعدودة.
  2. رجح العديد من الفقهاء أن الوضع الخاص بالمحكم يعطيه مكانة القاضي الخاص لأنه يبحث في القانون عن حكم سريع وخاص مقتصد للنفقات ويتسم بالسرية والجدية والإلزامية في الوقت ذاته.
  3. بما أن أنصار استقلالية التحكيم يؤيدون وجهة نظرهم بان التحكيم أقدم نشأة من القضاء فإنه يثور تساؤل حول كيفية اكتساب الأقدم خصائص الأحدث وتلك الحجة مردود عليها أن التحكيم عند ظهوره لم يجد دولة تتبناه وتشرف عليه.

وأخيراً نرى بعد عرض النظريات وبالرجوع لقانون التحكيم الأردني  التي قيلت في تحديد طبيعة حكم التحكيم وتقديم الآراء والأدلة لكل رأي نرى أن الطبيعة المختلطة التعاقدية والقضائية هي ما يمكن أن تنطبق على قرار التحكيم، لأنه أقرب إلى جوهره ومحتواه، حيث أنها نظام مختلط يبدأ باتفاق الطرفين على اللجوء إلى التحكيم لتسوية النزاع بينهما وتنتهي بقضاء وهو حكم التحكيم.

إعداد/ أميــــرة سعيد والمحامي سامي العوض.

اذا كان لديك ملاحظة اكتبها هنا

error: حقوق الطبع والنشر محفوظة لشركة حماة الحق © Copy Right Protected