دور محكمة الاستئناف في الرقابة على إجراءات التحكيم

إذا كان المشرع الأردني قد منح الأشخاص مكنة اللجوء إلى التحكيم وترك ساحات القضاء إلا أنه لم يجعل نظام التحكيم بمنأى عن رقابة السلطة القضائية، ذلك أن الأخيرة يكون لها دورًا فعال في الرقابة على الإجراءات السابقة على إصدار حكم التحكيم، فإذا لم تراع تلك الإجراءات فإن ذلك من شأنه أن يُعرض حكم التحكيم للإلغاء من خلال الحكم ببطلانه. وفي هذا المقال سنبين دور محكمة الاستئناف الرقابي على إجراءات التحكيم ومداه وكيفيته.

وسنلقي الضوء من خلال مقالنا على دور محكمة الاستئناف – المختصة – في الرقابة على إجراءات الخصومة التحكيمية:

أولًا: دور محكمة الاستئناف في الرقابة على مدة التحكيم:

ثانيًا: دور محكمة الاستئناف المختصة في مجال الإجراءات الوقتية والتحفظية:

ثالثا: دور محكمة الاستئناف في مجال الإثبات:

أولًا: دور محكمة الاستئناف في الرقابة على مدة التحكيم:

يجب على هيئة التحكيم أن تلتزم بالمدة التي حددها الخصوم للفصل في النزاع المعروض عليها، ذلك أن تلك الهيئة لا تعد جهاز قضائي من أجهزة الدولة وإنما تُعد هيئة تم تشكيلها لتحقيق غرض خاص متمثل في الفصل في النزاع الذي يعرضه الخصوم عليها وفقًا لإرادتهم.

1-كيفية تحديد مدة التحكيم؟

أجاب المشرع الأردني على هذا التساؤل بمقتضى نص المادة (37) من قانون التحكيم الأردني وذلك بنصه على أن: “على هيئة التحكيم إصدار الحكم المنهي للخصومة كلها خلال الموعد الذي اتفق عليه الطرفان فان لم يوجد اتفاق وجب أن يصدر الحكم خلال اثني عشر شهرًا من تاريخ اكتمال تشكيل هيئة التحكيم”.

يتضح إذن أن الخصوم هم من يملكون – وفقًا لإرادتهم المشتركة – أن يحددوا المدة التي ينبغي خلالها أن تصدر الهيئة التحكيمية حكمها الحاسم للنزاع، فضلًا عن أن الخصوم لهم الحق في تحديد ميعاد كل مرحلة من مراحل التحكيم فلهم – مثلًا – الاتفاق على انعقاد الهيئة كل عشرين يومًا وأن تصدر الهيئة حكمها خلال ستة أشهر من تاريخ انعقادها.

وجديرًا بالذكر أنه لا يؤثر على صحة اتفاق التحكيم إغفال الخصوم تحديد الميعاد المحدد لإصدار الحكم حيث يتعين في هذه الحالة على هيئة التحكيم أن تصدر حكمها خلال اثنتي عشر شهرا من تاريخ انعقادها وذلك وفقًا لنص المادة (37) من قانون التحكيم السابق الإشارة إليها.

إذن فإن الميعاد المُحدد بمقتضى اتفاق الأطراف أو بمقتضى نص القانون – في حالة إغفال الأطراف تحديد ميعاد – يبدأ منذ لحظة اكتمال تشكيل الهيئة التحكيمية، أما في القانون المصري فإن المشرع قد قرر بدأ تلك المدة من تاريخ بدء إجراءات التحكيم وذلك استنادًا إلى نص المادة (45) من قانون التحكيم المصري.

والواقع أن موقف المشرع المصري يعد خيرًا من موقف نظيره الأردني ذلك أن قد يوجد فارق زمني كبير بين اكتمال تشكيل الهيئة وبدء إجراءات التحكيم الأمر الذي يترتب عليه تضييع الغاية التي استهدفها المشرع وهي تقصير أمد النزاع المعروض أمام الهيئة التحكيمية.

فإذا انقضت المدة المحددة دون إصدار حكم التحكيم فيها فإن الحكم الذي سيصدر سيكون قابلًا للإبطال وذلك وفقًا لنص المادة (49/أ/1) من قانون التحكيم الأردني والتي نصت على أنه :”لا تقبل دعوى بطلان حكم التحكيم الا في أي من الحالات التالية .. 1- إذا لم يوجد اتفاق تحكيم صحيحا ومكتوبا أو كان هذا الاتفاق باطلا أو سقط بانتهاء مدته”..

2- مد الميعاد عن طريق الخصوم:

يحق للخصوم (مجتمعين) الاتفاق على مد ميعاد التحكيم، ذلك أن مد الميعاد يُعد تعديلًا لاتفاق التحكيم وهو أمر غير جائز إلا بموافقة جميع الأطراف الذين ابرموا الاتفاق بغض النظر – بعد ذلك – إذا تم التعديل بواسطة الخصوم أو بواسطة محاميهم أو بتفويض شخص آخر بمد الميعاد كما في حالة المراكز التحكيمية التي تنص لائحتها الداخلية على حق رئيس المركز في مد الميعاد.

ومد الميعاد قد يتم باتفاق صريح أو ضمني كأن يستمر الخصوم في حضور الجلسات بعد انقضاء الميعاد المقرر لإصدار حكم التحكيم.

3- مد الميعاد عن طريق هيئة التحكيم:

وفقًا لنص المادة (37) من قانون التحكيم الأردني فإنه يجوز لهيئة التحكيم مد الميعاد وذلك استنادًا إلى النص التالي : “وفي الأحوال جميعها يجوز ان تقرر هيئة التحكيم قبل انقضاء المدة تمديدها مدة أو مدداً أخرى على ان لا يزيد مجموعها على اثني عشر شهرا ما لم يتفق الطرفان على مدة تزيد على ذلك”.

وبالتالي يحق لهيئة التحكيم مد الميعاد المقرر لإصدار الحكم لمدة أو مدد أخرى لا تتجاوز في مجموعها أثني عشر شهرًا وذلك مالم يتفق الأطراف على مد أمد النزاع لمدة أطول من ذلك.

3-مد الميعاد بقوة القانون:

قد تقف أو تنقطع خصومة التحكيم لأي سبب عارض ويترتب على ذلك أن تضاف مدة الوقف أو الانقطاع للمدة المحددة لإصدار حكم التحكيم – فمثلًا – إذا تم الاتفاق على إصدار الحكم خلال ستة أشهر وتوقفت الخصومة لمدة شهر فإن المدة المتعين فيها إصدار الحكم ستكون سبعة أشهر في هذه الحالة.

ومن أسباب وقف الخصومة التحكيمية أن يتمسك أحد الخصوم بدفع أمام الهيئة التحكيمية مثيرًا لمسألة أوليه تخرج عن ولاية المحكمين وتكون لازمة للفصل في النزاع فتتوقف الخصومة التحكيمية لحين الفصل في تلك المسألة الأولية بحكم قطعي من الجهة المختصة بها.

أما عن انقطاع الخصومة التحكيمية فيكون ذلك بأحد الأسباب التي حددها القانون تحديدًا حصريًا وهي :

  • وفاة أحد الخصوم.
  • فقد أحد الخصوم لأهليته.
  • زوال صفة النائب في الدعوى.

ويترتب على الانقطاع ذات الأثر المترتب على الوقف وهو إضافة مدة الانقطاع
إلى المدة المحددة لإصدار حكم التحكيم.

4-دور محكمة الاستئناف في حال انتهاء الميعاد دون صدور حكم:

بين المشرع الأردني في المادة (37/ب) دور محكمة الاستئناف حال انتهاء الميعاد دون صدور حكم من الهيئة التحكيمية وذلك بنصه على : ” إذا لم يصدر حكم التحكيم خلال الميعاد المشار اليه في الفقرة (أ) من هذه المادة جاز لأي من طرفي التحكيم أن يطلب من القاضي المختص أن يصدر أمراً لتحديد موعد إضافي أو أكثر أو بإنهاء إجراءات التحكيم وذلك بعد سماع أقوال الطرف الآخر، فإذا صدر القرار بإنهاء تلك الإجراءات يكون لأي من الطرفين رفع دعوى إلى المحكمة المختصة أصلاً بنظرها”.

ويمكن تفصيل ذلك النص المجمل على النحو التالي:

أ-دور محكمة الاستئناف في تحديد ميعاد إضافي:

يكون تحديد محكمة الاستئناف لميعاد إضافي في هذه الحالة بناء على طلب من الخصوم فقط دون أن يمتد هذا الحق إلى الهيئة التحكيمية وذلك على عكس ما فعله المشرع الفرنسي عندما منح الهيئة التحكيمية هذا الحق.

والواقع أن المشرع الأردني لم يلزم المحكمة بمدة معينة حيث إن الأمر يخضع لسلطتها التقديرية، فهي تحدد تلك المدة على ضوء مأتم اتخاذه من إجراءات سابقة.

وننوه هنا إلى أن المشرع الأردني لم يبين مدى جواز الطعن على حكم محكمة الاستئناف الصادر بتمديد المدة الأمر الذي يدعو إلى ضرورة تدخل تشريعي لحسم هذه المسألة.

بقي أن نشير إلى أن ممارسة محكمة الاستئناف لهذا الاختصاص – بتمديد المدة – لا يتوقف على نوع المدة المنتهية سواء كانت مدة محددة باتفاق الخصوم أو بواسطة القانون أو بواسطة الهيئة التحكيمية.

ب-دور محكمة الاستئناف في أنهاء إجراءات التحكيم:

وفقا لنص المادة (37/ب) السابق بيانه يتجلى لنا أن محكمة الاستئناف قد يتضح لها عدم جدوى تمديد مدة التحكيم الأمر الذي يجعلها تقضي بإنهاء إجراءات التحكيم شريطة الاستماع إلى أقوال الطرف الآخر، وما يجعلها تلجأ إلى إصدار مثل هذا الحكم هو – مثلًا – ضئال الإجراءات التي اتخذت في المدة المنتهية بالمقارنة إلى ما تبقى من إجراءات.

وأيضًا فإن المشرع الأردني لم يبين مدى جواز الطعن على حكم محكمة الاستئناف بإنهاء إجراءات التحكيم الأمر الذي يتطلب تدخل تشريعي لحسم تلك المسألة.

ويترتب على حكم المحكمة بإنهاء إجراءات التحكيم سقوط الخصومة التحكيمية وعودة الاختصاص إلى القضاء العادي وذلك وفقًا لنص المادة (37/ب) من قانون التحكيم الأردني.

ثانيًا: دور محكمة الاستئناف المختصة في مجال الإجراءات الوقتية والتحفظية:

قد تقوم محكمة الاستئناف – في بعض الأحيان – إذا اقتضت الظروف باتخاذ بعض التدابير الوقتية أو التحفظية أثناء نظر الخصومة التحكيمية:

1-المقصود بالتدابير الوقتية والتحفظية:

لا يوجد تعريف جامع مانع لتلك التدابير وذلك لتعدد أنواع الحماية التي تعد انعكاسًا لاتخاذ تلك التدابير إذ أنها تعد النوع الثالث لإجراءات التقاضي والتنفيذ، وإزاء عدم وجود تعريف منضبط لها فقد قسمها الفقه إلى الأقسام التالية:

  • أولًا: تدابير خاصة بحفظ الأدلة اللازمة للفصل في النزاع.
  • ثانيًا: تدابير تتعلق بحفظ توازن العلاقات القانونية بين الخصوم.
  • ثالثًا: تدابير تحفظية لضمان تنفيذ الحكم.

وذهب جانب من الفقه إلى القول بأن التدابير التحفظية لها معنيان : أحدهما ذات معنى واسع يتضمن كافة التدابير الوقتية التي ترمي إلى تأمين سير الخصومة بشكل طبيعي، والآخر ذو معنى ضيق يقتصر على التدابير السابقة لتنفيذ الحكم.

وذهب جانب فقهي آخر إلى إيثار عدم وضع تقسيم لتلك التدابير والاكتفاء بوضع عدة أمثلة عليها وذلك مثل تعيين حارس على العقار أو سماع شاهد مشرف على الموت أو مغادرة البلاد لفترة طويلة أو استدعاء خبير أو التحفظ على السلع موضوع النزاع خشية تهريبها.

وعلى الرغم من تعذر وضع تعريف جامع مانع لتلك التدابير إلا أنه يلاحظ اشتراكها في العديد من الخصائص وهي:

  • تعد تدابير وقتية وليست نهائية أي أنها ترتبط بالخصومة الأصلية وجودًا وعدمًا.
  • تتسم بالتبعية حيث لا يمكن اتخاذها على وجه الاستقلال، بل لابد – أولًا – من وجود خصومة.
  • لا تهدف الى وضع حد للنزاع – كما هو الهدف من الخصومة الأصلية – ولكنها تهدف إلى كفالة تنفيذ الحكم الذي سيصدر في الخصومة الأصلية.

2-دور محكمة الاستئناف في مجال التدابير الوقتية والتحفظية:

يتجلى دور محكمة الاستئناف إزاء تلك التدابير في الحالة التي تصدر فيها هذه التدابير عن الهيئة التحكيمية ويحجم المحكوم ضده عن الشروع في تنفيذ ما أمرت به الهيئة التحكيمية:

أ-دور محكمة الاستئناف في تنفيذ ما أمرت به هيئة التحكيم من تدابير وقتية:

وفقا لنص المادة (23/أ) من قانون التحكيم الأردني فإنه : ” يجوز لطرفي التحكيم الاتفاق على ان يكون لهيئة التحكيم ، سواء من تلقاء نفسها أو بناء على طلب أي من طرفي التحكيم ، ان تأمر أيا منهما باتخاذ ما تراه من تدابير مؤقتة أو تحفظية تقتضيها طبيعة النزاع ، وان تطلب تقديم ضمان كاف لتغطية نفقات هذه التدابير”.

فلابد – إذن – من توافر شرطين لكي ينعقد الاختصاص لهيئة التحكيم بإصدار تلك التدابير وهما :

  • وجود نص صريح في اتفاق التحكيم على منح الاختصاص للهيئة التحكيمية بإصدار تلك التدابير.
  • أن يتقدم أحد طرفي النزاع بطلب للهيئة بإصدار أمر باتخاذ تلك التدابير.

ويترتب على ذلك عدم جواز أن تصدر الهيئة من تلقاء نفسها أمرًا باتخاذ تلك التدابير، حتى لو وجدت أثناء سير النزاع ما يقتضي ذلك، إلا أن المشكلة تظهر عندما تصدر الهيئة أمرًا باتخاذ تلك التدابير ويمتنع من صدر الأمر ضده عن تنفيذ أمر الهيئة، وفي هذا الصدد نص المشرع الأردني في المادة (23/ب) على أن : “وإذا تخلف من صدر اليه الأمر عن تنفيذه ، يجوز لهيئة التحكيم بناء على طلب الطرف الأخر ان تأذن لهذه الطرف في اتخاذ الإجراءات اللازمة لتنفيذه بما في ذلك حقه في الطلب من القاضي المختص إصدار أمره في التنفيذ”.

يتجلى هنا دور محكمة الاستئناف في ظل انعدام سلطة هيئة التحكيم في إجبار الأطراف على تنفيذ ما أمرت به لأنها لا تعد جهاز من أجهزة الدولة، فكل ما تسطيع فعله أن ترفع الأمر إلى قاضي الأمور المستعجلة بـاتخاذ التدبير الوقتي أو التحفظي الذي يكفل تنفيذ ما أمرت به الهيئة وذلك استنادًا لنص المادة (13) من قانون التحكيم الأردني والتي قضت بأنه: ” لا يمنع اتفاق التحكيم أي طرف الطلب من قاضي الأمور المستعجلة سواء قبل البدء في إجراءات التحكيم أو أثناء سيرها ، اتخاذ أي إجراء وقتي أو تحفظي وفقا للأحكام المنصوص عليها في قانون أصول المحاكمات المدنية ويجوز الرجوع عن تلك الإجراءات بالطريقة ذاتها”.

ب-دور محكمة الاستئناف باتخاذ التدابير المؤقتة والتحفظية:

يقتصر دور محكمة الاستئناف على الأمر بتنفيذ ما أمرت به الهيئة التحكيمية من تدابير وقته أو تحفظية، بمعنى آخر فإنه لا يجوز لمحكمة الاستئناف أن تصدر هي بذاتها تلك التدابير ذلك أن المشرع الأردني قد اسند هذا الاختصاص إلى قاضي الأمور المستعجلة وفقًا لنص المادة (13) من قانون التحكيم الأردني.

أما المشرع المصري فقد اتخذ موقف مغاير لنظيره الأردني حيث قرر أن لمحكمة الاستئناف أن تتدخل مباشرة بإصدار أمر باتخاذ التدابير الوقتية أو التحفظية بناء على طلب أحد الخصوم.

ثالثا: دور محكمة الاستئناف في مجال الإثبات:

بداية نوضح أن للإثبات معنيان أحدها لغوي والآخر اصطلاحي:

فالتعريف اللغوي يعني التأكيد وثبوت الحق بالبيانات، فيقال ثبت الأمر ثباتًا وثبوتًا.

أما في الاصطلاح فيعرف بأنه إقامة الدليل أمام القضاء بالطرق التي رسمها القانون على الوقائع المتنازع فيها على نحو يؤثر في الفصل في الدعوى.

ويجب أن ينصب الإثبات على الوقائع القانونية سواء تمثلت تلك الوقائع في تصرفات قانونية كصحة أبرام عقد – مثلًا – أو وقائع مادية كمرور الزمن المترتب عليه اكتساب الحق بالتقادم.

وغني عن البيان مدى الأهمية التي يتمتع بها الإثبات في شتى فروع القانون ذلك أن مدعي الحق يخسر دعواه إذا عجز عن إثبات ما يدعيه، فالحق يصبح هو والعدم سواء إذا تعذر إقامة الدليل عليه.

ونظرًا لافتقار هيئة التحكيم إلى سلطة الإلزام فهي دائمًا تكون في حاجة لمعاونة القضاء لتتمكن من الحصول على أدلة الإثبات كاستدعاء الشهود والإنابة القضائية وإلزام الخصم بتقديم مستند تحت يده.

وسنبين فيما يلي موقف المشرع الأردني من تدخل محكمة الاستئناف لكفالة تيسير مهمة الإثبات أمام الهيئة التحكيمية:

1-استدعاء الشهود:

تعرف الشهادة بأنها إخبار الأنسان بحق على غيره لغيره، ويعد أداء الشهادة من الواجبات الاجتماعية، بل والدينية حيث يقول الله تعالى (ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا) وكذلك يقول جل وعلى (ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فانه اسم قلبه والله بما تعملون عليم).

وتعد الشهادة – كأحد وسائل الإثبات – ذات حجية نسبية حيث إنها لا تلزم القاضي الذي يكون له مطلق السلطة التقديرية في الأخذ بشهادة الشاهد أو أن يضرب بها عرض الحائط، ويحق للمحكمة استدعاء الشاهد سواء كان بناء على طلب أحد الخصوم أو من تلقاء نفسها، ويكون سماع المحكمة للشهود بعد أدائهم لليمين.

ويحق لهيئة التحكيم أن تطلب المساعدة القضائية في حال تخلف الشاهد عن الحضور أمام الهيئة التحكيمية للإدلاء بشهادته وهذا ما قرره المشرع المصري في المادة (37) من قانون التحكيم المصري بنصه على أن: “يختص رئيس المحكمة المشار إليها في المادة (9) من هذا القانون بناءً على طلب هيئة التحكيم بما يأتي:(أ) الحكم على من يتخلف من الشهود عن الحضور أو يمتنع عن الإجابة بالجزاءات المنصوص عليها في المادتين 78و 80من قانون الإثبات المواد المدنية والتجارية”.

2-الإنابة القضائية:

في بعض الأحيان قد يتطلب الأمر اتخاذ إجراء خارج المحكمة كسماع شاهد أو إجراء خبرة أو عمل معاينة، وفي هذه الحالة يحق للقاضي الذي ينظر النزاع أن ينتدب محكمة أخرى للقيام بهذا الإجراء وهنا تسمى الإنابة بالإنابة الداخلية، وقد يكون الإجراء المتطلب اتخاذه في دولة أخرى فهنا يطلب القاضي الوطني من نظيره الأجنبي اتخاذ هذا الإجراء وفي هذه الحالة نكون بصدد إنابة دولية.

والمشرع المصري لم يمنح لهيئة التحكيم أن تصدر أمر مباشر للمحكمة بعمل الإنابة القضائية، ولكنه بدلا عن ذلك أعطاها الحق في أن تطلب من المحكمة المختصة أن تصدر أمرًا بالإنابة إلى أي محكمة أخرى لتتولى القيام بالإجراء المطلوب.

وعلى الرغم من إغفال المشرع الأردني لتنظيم مسألة الإنابة إلا أنه يوجد لها أحكام مفصلة في اتفاقية الرياض العربية للتعاون القضائي في الباب الثالث منها، وبالتالي يمكن الرجوع إليها لبيان أحكام مسألة الإنابة.

3-إلزام الخصم أو الغير بتقديم مستند تحت يده:

وفقًا لنص المادة (33/ج) من قانون التحكيم الأردني فإنه : “إذا تخلف أحد الطرفين عن حضور أي من الجلسات أو عن تقديم ما طلب منه من مستندات يجوز لهيئة التحكيم الاستمرار في إجراءات التحكيم وإصدار حكم في النزاع استنادا الى الأدلة المتوافرة لديها”.

وبإمعان النظر في هذا النص نجد أنه عديم الجدوى فهو لا يحمل أي صفة إلزامية أو جزائية توقع على من يتخلف عن الامتثال لأمر الهيئة التحكيمية بتقديم ما تحت يده من مستندات، وإزاء صمت المشرع عن إمكانية لجوء الهيئة التحكيمية للمحكمة المختصة لتتولى إلزام الخصم بتقديم تلك المستندات فإن الحل الأمثل هو أن يتفق أطرف الخصومة التحكيمية – مسبقًا – على إمكانية اللجوء للقضاء في شأن تقديم المستندات التي بحوزتهم.

4-الخبرة

تعد الخبرة من الإجراءات التي تهدف إلى الحصول على معلومات ضرورية في أي فرع من فروع المعرفة من خلال الاستعانة بذوي الخبرة والاختصاص في هذا المجال وذلك لتتمكن الهيئة التحكيمية من البت في المسائل الفنية المتعلقة بموضوع النزاع.

ووفقا لنص المادة (34/أ) من قانون التحكيم الأردني فأنه: “يكون الخبير المعين من قبل هيئة التحكيم شخصاً واحداً أو أكثر طبيعيا أو اعتباريا لإجراء الخبرة على أي مال منقول أو غير منقول أو لأي أمر ترى لزوم إجراء الخبرة عليه”.

ويجوز أن يكون تقرير الخبير كتابة أو شفاهه بشرط أن يثبت في محضر الجلسة، ويتعين على الهيئة أن تبلغ قرارها لأطراف النزاع بتعيين الخبير والمهمة المسندة اليه.

ويتعين على طرفي النزاع أن يقدموا إلى الخبير كافة المعلومات المتعللة بالنزاع وأن يمكناه من الاطلاع على ما يطلبه من وثائق أو بضائع أو أموال.

ويحق لأي من طرفي النزاع أن يتقدم بطلب لهيئة التحكيم برد الخبير إذا قام في شأنه أي سبب من أسباب الرد، وفي هذا الصدد يرى البعض عدم جواز تقديم ذلك الطلب إلى الهيئة التحكيمية لخروج تلك المسألة عن ولايتها حيث يتعين أن يقدم هذا الطلب إلى المحكمة المختصة بالنزاع الأصلي.

ولكن يمكن الرد على هذا الرأي بأنه طالما كان من حق هيئة التحكيم تعيين الخبير فيحق لها رده ، ولا يقدح في ذلك كون الخبير ليس طرفًا من أطراف النزاع ذلك أن مصدر صلاحية الهيئة في اختيار الخبير هو نص القانون، فضلًا عن أن قبول الخبير للمهمة المسندة إليه يجعل منه طرفًا ذو صلة بالخصومة، ومن ثم يحق للهيئة التحكيمية أن تتحقق من أمانته التي قد تبني حكمها عليها مما يجيز لها – ذلك – رده إذا طرأ ما يقدح في تلك الأمانة أو النزاهة التي يتعين على الخبير أن يتحلى بها.

وأخيرًا نود أن نشير إلى أن قانون التحكيم الأردني لم يمنح الهيئة سلطة الطلب من المحكمة المختصة لإلزام الخصوم على الانصياع لأوامر الخبير، فضلًا عن عدم وجود ثمة جزاءات توقع على من يغض الطرف عن أوامر الخبير لذلك فإن هذا الفراغ التشريعي يحتاج إلى تدخل من المشرع الأردني لمعالجته.

أعداد: أحمد منصور والمحامي سامي العوض