التعزير في النظام السعودي

المقدمة :  الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، وأفضل الصلاة والتسليم على سيدنا محمد المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. أما بعد: فإن موضوع التعزير في النظام السعودي موضوع بالغ الأهمية نظرا لانتشار الجرائم واستفحالها في مجالات الحياة المختلفة الشيء الذي أصبح يهدد الناس في أبدانهم وأموالهم وأعراضهم واستقرارهم، فكان لزاما أن تعطي الشريعة الإسلامية لولي الأمر الضوء الأخضر لتأديب الجناة وردعهم بما يناسبهم من عقوبات عدا تلك التي نص عليها الشارع بنصوص معلومة لا مجال فيها للاجتهاد   (حد السرقة وشرب الخمر والزنا و.).

فلما كانت عقوبات الحدود والقصاص تعالج جرائم مخصوصة، ولما كانت أيضا النفوس الضعيفة تميل للتمرد وتشتاق للإجرام وتبتكر منه ألوانا وأشكالا مختلفة في كل زمان ومكان وفقد وجب على الشريعة أن تبتكر تبعا لذلك العقوبات المناسبة لكل ما يجد في الزمان والمكان أيضا، وهنا تبرز قيمة التعزير ومكانته في التشريع الإسلامي عامة والجنائي منه خاصة.

ما هو التعزير:  تعريف التعزير:

التعزير لغة: المنع والرد ويأتي بمعنى النصرة مع التعظيم، كما في قوله تعالى: {وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ} [الفتح: 9]، فإنه يمنع المعادي من الإيذاء. كما يأتي بمعنى الإهانة، يقال: عزره بمعنى أدَّبه على ذنب وقع منه، فهو بذلك من الأضداد. والأصل فيه المنع.

واصطلاحاً: التأديب في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة.

حكم التعزير :التعزير يكون على كل معصية لا حد فيها ولا قصاص ولا كفارة.

وأما حكمه في الآخرة: فقد بَيَّنه الله تعالى في قوله: {وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ.

ويقام بحسب اجتهاد الإمام بما يحقق المصلحة، ويدفع المفسدة، سواء كان على ترك الطاعات، أو على فعل المحرمات، وسواء كان حقاً لله كاستمتاع لا حد فيه، وسرقة لا قطع فيها، أو كان حقاً للآدمي كجناية لا قود فيها.

مقدار التعزير:

لم يقدر الشارع حدّاً معيناً في عقوبة التعزير، وإنما المرجع في ذلك لاجتهاد الحاكم وتقديره لما يراه مناسباً للفعل، حتى إن بعض العلماء يرى أن التعزير قد يصل إلى القتل إذا اقتضت المصلحة. كقتل الجاسوس المسلم، والمفرق لجماعة المسلمين، وغيرهما ممن لا يندفع شرهم إلا بالقتل.

ماهي أنواع التعزير:

1- ما يتعلق بالأبدان، كالجلد والقتل.

2- ما يتعلق بالأموال؛ كالإتلاف والغرم، كإتلاف الأصنام وتكسيرها، وإتلاف آلات اللهو والطرب وأوعية الخمر.

3- ما هو مركب منهما؛ كجلد السارق من غير حرز مع إضعاف الغرم عليه، فقد قضى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على من سرق من الثمر المعلق قبل أن يؤويه الجَرِينُ: بالحدِّ وغَرَّمَه مرتين. والجرين: موضع تجفيف التمر.

4- ما يتعلق بتقييد الإرادة، كالحبس، والنفي.

5- ما يتعلق بالمعنويات؛ كإيلام النفوس بالتوبيخ، والزجر.

 مثال كتأديب الوالد لولده، وتأديب الزوج لزوجته، وتأديب السيد لعبده، وتأديب المعلم لتلاميذه، فهذا لا يجوز أن يزيد على عشرة أسواط.

   إما ترك واجب، أو فعل محرم.

فهذا تجوز فيه الزيادة للحاكم بحسب المصلحة والحاجة، وبحسب حجم المعصية وفحشها، وقلتها وكثرتها وضررها، وليس لها حد معين.

لكن إن كانت المعصية في عقوبتها مقدرة من الشارع كالزنا والسرقة ونحوهما، فلا يبلغ بالتعزير الحد المقدر، وإن لم تكن مقدرة اجتهد الحاكم في عقوبة تحقق المصلحة وتدفع المفسدة عن العباد والبلاد.

في حد الحرابة:

1- تعريف الحَرَابَة:

لغة: مأخوذ من حَرِبَ حَرَباً أي. أخذ جميع ماله.

وشرعاً: البروز لأخذ مال أو لقتل أو لإرهاب، مكابرة، اعتماداً على الشوكة، مع البعد عن مسافة الغوث، من كل مكلف ملتزم للأحكام، ولو كان ذمياً أو مرتدا.

وتسمى أيضاً: قطع الطريق.

2- حد الحرابة وعقوبة المحاربين:

الأصل في إقامة الحد على المحاربين وقطاع الطرق وعقوبتهم قوله تعالى: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ} [المائدة: 33].

وتختلف عقوبة المحاربين وحدُّهم باختلاف الجرائم التي ارتكبوها، وذلك على النحو التالي:

– من قتل منهم وأخذ المال: قتل وصلب، حتى يشتهر أمره، ولا يجوز العفو عنه بإجماع العلماء.

– ومن قتل منهم ولم يأخذ المال: قتل ولم يصلب.

– ومن أخذ المال ولم يقتل: قطعت يده ورجله من خلاف في آن واحد.

– ومن أخاف الناس والطريق فقط، ولم يقتل، ولم يأخذ مالاً، نفي من الأرض وشرد وطورد، فلا يُترك يأوي إلى بلد.

وهذا التفصيل في عقوبتهم مأخوذ من أن (أو) في الآية للتنويم في العقوبة وترتيبها لا للتخيير، وهو مرويٌّ عن ابن عباس رضي الله عنهما.

  شروط وجوب الحد على المحاربين:

يشترط لتطبيق الحد على المحاربين شروط، أهمها:

1- التكليف: فلابد من البلوغ والعقل حتى يعدَّ الشخص محارباً، ويقام عليه الحد. فالمجنون والصبي لا يُعَدَّان محاربين، ولا يقام عليهما الحد؛ لعدم تكليف واحد منهما شرعاً.

2- أن يأتوا مجاهرة، ويأخذوا المال قهراً. فإن أخذوه مختفين فهم سُرَّاق، وإن اختطفوه، وهربوا فهم منتهبون، فلا قطع عليهم.

3- ثبوت كونهم محاربين، إما بإقرارهم أو بشهادة عدلين، كما في السرقة.

4- أن يكون المال الذي يؤخذ في حرز، بأن يأخذه من يد صاحبه قهراً، فإن كان المال متروكاً ليس بيد أحد، لم يكن آخذه محارباً.

  سقوط الحد عن المحاربين:

يسقط حد الحرابة إذا تاب الجاني المحارب قبل القدرة عليه وتَمَكُّنِ الحاكم منه، كأن يهرب أو يختفي ثم يتوب؛ لقوله تعالى: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [المائدة: 34]، فيسقط ما كان واجباً لله، من النفي عن البلد، وقطع اليد والرجل، وتحتَّم القتل. إلا أن حقوق الآدميين من نفس أو طرف أو مال لا تسقط؛ لأنه حق لآدمي تعلق به فلا يسقط كالدَّين، إلا أن يعفو عنها مستحقها.

أما من تاب بعد القدرة عليه، ورفعه إلى ولي الأمر، فلا يسقط الحد عنه، وإن كان صادقاً في توبته.

  في الردة:

 تعريف الردة: الردة في اللغة: الرجوع عن الشيء، ومنه الرجوع عن الإسلام.

وفي الاصطلاح: الكفر بعد الإسلام طوعاً بنطق، أو اعتقاد، أو شك، أو فعل.

   شروطها: أما شروطها: فالعقل والتمييز والاختيار.

فلا يحكم على مجنون، أو صبي غير مميز، أو مكره بالردة، إذا وقعت منهم.

3- حكم المرتد: أما حكمه في الدنيا: فهو القتل؛ لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «من بَدل دينه فاقتلوه». وينبغي قبل القتل أن يستتاب، ويدعى إلى الإسلام، وأن يضيق عليه ويحبس ثلاثة أيام، فإن تاب وإلا قتل؛ لحديث اليهودي الذي كان أسلم ثم ارتد. فقال معاذ رضي الله عنه لأبي موسى: لا أنزل عن دابتي حتى يقتل، فقتل. وفي رواية: (وكان قد استُتيب قبل ذلك). ولقول عمر رضي الله عنه لما بلغه أن رجلاً كفر بعد إسلامه فضربت عنقه قبل أن يستتاب: (فهلاَّ حبستموه ثلاثاً، فأطعمتموه كل يوم رغيفاً، واستتبتموه، لعله يتوب، أو يراجع أمر ربه. اللهم إني لم أحضر، ولم أرض إذ بلغني).

والذي يتولى قتله الإمام أو نائبه؛ لأنه حق لله تعالى فيكون إلى وليِّ الأمر. ولا يقتل الصبي المميز- ولو قيل بصحة ردته- حتى يبلغ.

مصدر التعزير في الفقه الإسلامي:

الأدلة على مشروعية التعزير:

التعزير مشروع بالكتاب والسنة والإجماع والعقل:

أولاً: الكتاب:

قوله تعالى: ﴿وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً﴾[1].

وجه الدلالة:

تفيد الآية الكريمة أن على الزوج في حالة عصيان زوجته له وعدم قيامها بحقوقه، أن يعظها أولاً بتذكيرها بحقوقه ويخوفها من عذاب الله جل وعلا، فإن لم ينفع معها ذلك فعليه أن يهجرها في المضجع، فإن لم ينفع معها ذلك فعليه أن يضربها ضرباً غير مبرح حتى ترجع إلى طاعته، فإذا أباحت الآية ذلك للزوج مع زوجته، فهذا دليل على مشروعية التعزير لأن الوعظ والهجر والضرب كلها من أنواع التعزير.

وحول تفسير هذه الآية يقول الإمام القرطبي – رحمه الله تعالى -: (أمر أن يبدأ النساء بالموعظة أولاً: ثم بالهجران، فإن لم ينجحا فالضرب، فإنه هو الذي يصلحها ويحملها على توفية حقه، والضرب في هذه الآية هو ضرب الأدب غير المبرح، وهو الذي لا يكسر عظماً ولا يشين جارحة ونحوها فإن المقصود منه الصلاح[2]).

ثانياً: السنة ومنها:

1- ما أخرجه البخاري بسنده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “لا عقوبة فوق عشر ضربات إلا في حد من حدود الله”[3].

2- وأخرج مسلم بسنده عن أبي بردة الأنصاري رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “لا يجلد أحد فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله”[4].

وجه الدلالة:

أن الحديث يفيد أنه يجوز في موجب الحدود الجلد فوق عشر جلدات، ولا يجوز في غيرها من المعاصي، ففهم منه أنه يجوز الجلد عشراً فأقل في غيرها وهو التعزير فالحديث إذاً دليل على مشروعية التعزير.

3- حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم: حبس رجلاً في تهمة ثم خلى عنه”؛ رواه الخمسة إلا ابن ماجه [5].

وجه الدلالة:

أنه لما جاز الحبس على التهم كما في الحديث، فلأن يجوز بالحبس على المعصية الثابتة التي ليس فيها حد ولا كفارة من باب أولى، والحبس من أنواع التعزير فكان دليلاً على مشروعية التعزير.

4- هجره صلى الله عليه وسلم وأصحابه الثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك، وهم كعب بن مالك، ومرارة بن الربيع، وهلال بن أمية، وأمره باعتزالهم ثم صفح عنهم بعد نزول القرآن بقبول توبتهم [6].

في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمْ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنْ اللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾[7]. فهجر الرسول صلى الله عليه وسلم من باب التعزير، والهجر من أنواع التعزير، فكان دليلاً على مشروعية التعزير.

5- عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التمر المعلق قال: “من أصاب منه بفيه من ذي حاجة غير متخذ خبنة فلا شيء عليه، ومن خرج بشيء فعليه غرامة مثليه والعقوبة، ومن سرق منه شيئا ً بعد أن يؤويه الجرين فبلغ ثمن المجن فعليه القطع” رواه النسائي وأبو داود [8].

وجه الدلالة:

أن الرسول صلى الله عليه وسلم جمع في توعده بين العقوبة المالية والبدنية وهما من أنواع التعزير فدل على مشروعية التعزير.

وهناك أدلة أخرى من الحديث النبوي وأقوال الصحابة رضوان الله عليهم وأفعالهم تدل على مشروعية التعزير، سنذكر بعضاً منها عند الحديث عن أنواع العقوبات التعزيرية كل منها على حدة بإذن الله تعالى.

ثالثاً: الإجماع:

فقد أجمع الفقهاء رحمهم الله من السلف والخلف على أن التعزير مشروع في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة، وقد أخذ به الصحابة وطبقوه في بعض الوقائع ولم ينكر بعضهم على بعض فكان إجماعاً.

رابعاً: العقل:

فإن العقل السليم حينما يرى انتشار الجرائم واستفحالها، ويرى انتشار الرذيلة وخراب المجتمع فإنه يهب بحثاً عن علاج ناجح لهذا المرض، وليس أنجح ولا أمنع للجريمة والفساد من التعزير بعد إقامة الحدود والقصاص، فإذاً العقل لا يمنع التعزير ما دام فيه مصلحة للمجتمع.

الحكمة في مشروعية التعزير “وتحديد عقوبة بعض الجرائم”

لو تفكر الإنسان في نفسه وفي هذا الكون الكبير الهائل، لوجد العجب العجاب، ولحار فكره وعقله في إبداعه وإتقانه، فسبحانه من إله عظيم عليم قدير..

كما أنه لو تفكر في هذا الشرع الحكيم، وتلك الأوامر والنواهي والضوابط التي وضعها الله جل وعلا لعباده لظهرت له قدرة الله وحكمته واضحة جلية، فالله جل شأنه لما خلق الخلق وشرع الأوامر والنواهي لم يترك الإنسان هملاً إن شاء فعل الأوامر واجتنب النواهي، وإن شاء ترك الأوامر وارتكب النواهي، وإنما جعل الله له مرغبات يجدها في الدنيا وفي الآخرة تدفعه إلى فعل الواجب وترك المحرم، كما جعل له أيضاً مرهبات وزواجر وجزاءات يلقى بعضها في الدنيا وبعضها في الآخرة، إذ هو ترك واجباً أو أتى منهياً، فإن من طبيعة البشر حب السيطرة والتعالي على الغير وحب الانتقام وإشباع الغرائز والرغبات المادية والجنسية له، واتباع أهوائه وشهواته وما يلائم طبيعته دون مراعاة لدين أو خلق أو ضمير، ودون احترام لكبير أو رحمة لصغير أو شفقة على ضعيف، لذلك فقد حرم الشارع كل جريمة ومخالفة فيها إضاعة للمجتمع وإفساد للدين والدولة، وشرع من العقوبات ما يزجر البغاة والمفسدين ويقي الأمة من شرورهم وجرائمهم، ومن تلك الجرائم ما هو خطير جداً، لذا فقد تولى الشارع تحديد عقوبته، وتلك الجرائم هي القتل والزنى، والقذف به، وشرب الخمر، والسرقة، والحرابة، والبغي والردة، لأن هذه الجرائم فيها اعتداء على المجتمع أو اعتداء على الكليات الخمس التي جاء الإسلام بحفظها، وحرص على صيانتها فإن هذه الجرائم إما اعتداء على الدين كما في الردة، وإما اعتداء على النفس كما في القتل، وإما اعتداء على العرض كما في الزنى والقذف به، وإما اعتداء على المال كما في السرقة والمحاربة، وأما اعتداء على العقل كما في شرب الخمر، فلذلك حدد الشارع عقوبتها..

ومن الجرائم ما فيه خطر وضرر عظيمين، ولكن دون ما ذكر فلم يقدر الشارع عقوبته، وهذا القسم هو ما يسمى بالتعزيرات وهو يشتمل على جميع الجرائم والمخالفات التي لم يرد فيها عقوبة مقدرة، ولما كانت تلك الجرائم والمخالفات لا يمكن حصرها لكثرتها وتفاوتها في العظم والخفة، وتجددها بتجدد الزمن والمكان والأمم كان من حكم الشارع أن وكَّل تقدير عقوبتها إلى ولاة الأمر حسبما يرونه كافياً للردع والزجر ومحققاً للمصلحة العامة، مع مراعاة الحالات والأوقات ليكون بذلك أشد في الردع والزجر عن ارتكاب الجرائم فيمتنع الفساد، ويصلح الكون، وتعمر الأرض، ويسود الهدوء السكون أرجاء الدنيا.

وبهذا يتبين مدى صلاحية الشريعة الإسلامية لكل زمان ومكان وشمولها لجميع جوانب الحياة، وكذلك شمول عقوباتها لجميع الجرائم التي توجد على وجه الأرض، فإنه ليس لقائل إن يقول إن الشريعة لم تحدد سوى عقوبات بعض الجرائم، أما الباقي فقد تركته هملاً. فإن إسناد عقوباتها إلى ولي الأمر يجعلها شاملة لكل جريمة تحدث خصوصاً إذا علمنا أن أغلب العقوبات التعزيرية لها ما تدخل تحته من القواعد الكلية في الشريعة الإسلامية[9].

التعزير في الفقه الإسلامي

وقال في “الإفصاح”: “واختلفوا هل التعزير فيما يستحق التعزير في مثله حق الله تعالى واجب أم لا؟

فقال الشافعي[2]: لا يجب؛ بل هو مشروع.

وقال أبو حنيفة[3] ومالك[4]: إذا غلب على ظنه أنه لا يصلحه إلا الضرب وجب فعله، فإن غلب على ظنه صلاحه بغير ضرب لم يضرب.

وقال أحمد[5]: إذا استحق بفعله التعزير وجب فعله.

واختلفوا فيما إذا عزَّر الإمام رجلًا فمات منه:

فقال أبو حنيفة[6] ومالك[7] وأحمد[8]: لا ضمان عليه.

وقال الشافعي[9]: عليه الضمان، فأما الأب إذا ضرب ولده، والمعلم إذا ضرب الصبي ضرب التأديب فمات، فقال مالك[10] وأحمد[11]: لا ضمان عليه، وقال أبو حنيفة[12] والشافعي[13]: عليه الضمان.

واختلفوا هل يبلغ بالتعزير الحدَّ؟

فقال أبو حنيفة[14] والشافعي[15] وأحمد[16]: لا يبلغ به.

وقال مالك[17]: ذلك إلى رأي الإمام “إن رأى[18]” أن يزيد عليه فعل.

واختلفوا هل يختلف التعزير باختلاف أسبابه؟

فقال أبو حنيفة[19] والشافعي[20]: لا يبلغ بالتعزير أدنى الحدود في الجملة، وإن الحد عند أبي حنيفة[21]: أربعون في شُرب الخمر في حق العبد، وعند الشافعي[22] وأحمد[23]: عشرون، فيكون على مذهب أبي حنيفة[24] أكثر التعزير بضعة وثلاثون، وعند الشافعي[25]: تسعة عشر.

وقال مالك[26]: للإمام أن يضرب في التعزير أي عدد أدى اجتهاده إليه.

وقال أحمد[27]: هو مختلفٌ باختلاف أسبابه، فإن كان بالفرج كوطء الشريك الجارية المشتركة، أو طء الأب جارية ابنه، أو وُجد في فراش معه أجنبية، أو وطئ جارية نفسه بعد تزويجها، أو وطئ جارية زوجته بعد إذنها له في الوطء مع علمه بالتحريم، وأو وطئ فيما دون الفرجِ، فإنه يُزاد على أدنى الحدود، ولا يبلغ به أعلاها، فيُضرب مئة سوط إلا سوطًا واحدًا.

وإن كان بغير الفرج كسرقة أقل من النصاب، أو القُبلة، أو شتم إنسانًا فإنه لا يبلغ به أدنى الحدود، وهل يتقدر نقصانه عن أدنى الحدود أم لا؟ على روايات:

إحداها[28]: يتقدر بعشر جلدات.

والثانية[29]: بتسع جلدات.

والثالثة[30]: ينقُص عن أدنى الحدود بسوط وأحد، كما نقص عن أعلاها، وعن أحمد[31] رواية أخرى – ذكرها الخرقي – وهي: أنه لا يبلغ بالتعزير أدنى الحدود في الجملة كمذهب الشافعي وأبي حنيفة”[32].

وقال في “الاختيارات”: “ومن التعزير الذي جاءت به السُّنة ونص عليه أحمد[33] والشافعي[34]: نفي المخنث، وحلق عمر رأس نصر[35] بن حجاج ونفاه لما افتتن به النساء[36]، فكذا من افتتن به الرجال من المردان “بل هو أولى”[37].

ولا يُقدر التعزير، بل بما يردع المُعزر، وقد يكون بالعزل والنيل من عرضه مثل أن يقال له: يا ظالم، يا مُعتدي، وبإقامته من المجلس، والذين قدروا التعزير من أصحابنا إنما هو فيما إذا كان تعزيرًا على ما مضى من فعل أو ترك، فإن كان تعزيرًا لأجل ترك ما هو فاعلٌ له فهو بمنزلة قتل المرتد والحربي وقتل الباغي والعادي، وهذا تعزير ليس يُقدر، بل ينتهي إلى القتل كما في الصائل لأخذ المال يجوز أن يُمنع من الأخذ ولو بالقتل.

وعلى هذا: فإذا كان المقصود دفع الفساد ولم يندفع إلا بالقتل قُتِل، وحينئذ فمن تكرر منه فعل الفساد ولم يرتدع بالحدود المقدرة، بل استمر على ذلك الفساد فهو كالصائل الذي لا يندفع إلا بالقتل فيُقتل.

قيل: ويمكن أن يُخرج قتل[38] شارب الخمر في الرابعة على هذا، ويُقتل الجاسوس الذي يُكرر التجسس، وقد ذكر شيئًا من هذا الحنفية[39] والمالكية[40]، وإليه يرجع قول ابن عقيل[41]، وهو أصل عظيم في صلاح الناس، وكذلك تارك الواجب فلا يزال يُعاقب حتى يفعله، ومن [فر[42]] إلى بلاد العدو ولم يندفع ضرره إلا بقتله قُتل.

والتعزير بالمال سائغ إتلافًا وأخذًا وهو جار على أصل أحمد[43]؛ لأنه لم يختلف أصحابه أن العقوبات في الأموال غير منسوخة كلها، وقول الشيخ أبي محمد المقدسي: ولا يجوز أخذ مال المعزر فإشارة منه إلى ما يفعله الولاة الظلمة.

ومن وطئ امرأة “أمة[44]” مشتركة قدح ذلك في عدالته وأُدِّب.

والتعزير يكون على فعل المحرمات وترك الواجبات، فمن جنس ترك الواجبات: من كتم ما يجب بيانه كالبائع المدلس، والمؤجر المدلس[45] والناكح وغيرهم من العاملين[46]، وكذا الشاهد والمخبر والمفتي والحاكم ونحوهم، فإن كتمان الحق مشبهٌ بالكذب، وينبغي أن يكون سببًا للضمان، كما أن الكذب سبب للضمان، فإن ترك[47] الواجبات عندنا في الضمان كفعل المحرمات، حتى قلنا: لو قدر على إنجاء شخص بإطعام أو سقي فلم يفعل فمات ضمنه.

فعلى هذا: فلو كتم شهادة كتمانًا أبطل بها حق مسلم ضمنه، مثل أن يكون عليه حق ببينة، وقد أداه حقه وله بينة بالأداء فكتم الشهادة حتى يغرم ذلك الحق، وكما لو كانت وثائق لرجل فكتمها أو جحدها حتى فات الحق، ولو قال: أنا أعلمها ولا أؤديها فوجوب الضمان ظاهر، وظاهر نقل حنبل وابن منصور: سماع الدعوى والإعذار[48] والتحليف في الشهادة.

ومن هذا الباب: لو كان في القرية أو المحلة أو البلدة رجل ظالم فسأل الوالي أو الغريب عن مكانه ليأخذ مه الحق، فإنه يجب دلالته عليه بخلاف ما لو كان قصده أكثر من الحق، فعلى هذا: إذا كتموا ذلك حتى تلف الحق ضمنوه ويملك السلطان تعزير من ثبت عنده أنه كتم الخبر الواجب، كما يملك تعزير المُقر إقرارًا مجهولًا حتى يُفسره، أو من كتم الإقرار، وقد يكون التعزير بتركه المستحب، كما يُعزر العاطس الذي لم يحمد الله بترك تشميته، وقال أبو العباس في موضع آخر: والتعزير على الشيء دليل على تحريمه.

ومن هذا الباب: ما ذكره أصحابنا[49]، وأصحاب الشافعي: من قتل الداعية من أهل البدع كما قُتل الجعد بن درهم والجهم بن صفوان وغيلان القدري، وقتل هؤلاء له مأخذان:

أحدهما: كون ذلك كفرًا كقتل المرتد ردة مجردة أو مغلظة، وهذا المعنى يعم الداعي إليها وغير الداعي إذا كفر فيكون قتلهم من باب قتل المرتد.

والمأخذ الثاني: لما في الدعاء إلى البدعة من إفساد دين الناس؛ ولهذا كان أصل الإمام أحمد[50] وغيره من فقهاء الحديث وعلمائهم يفرقون بين الداعي إلى البدعة وغير الداعي في رد الشهادة، وترك الرواية عنه، والصلاة خلفه وهجره؛ ولهذا تُرك في الكتب الستة و”مسند أحمد” الرواية عن مثل عمرو بن عبيد ونحوه، ولم يترك عن القدرية الذين ليسوا بدعاة، وعلى هذا المأخذ: فقتلهم من باب قتل المفسدين المحاربين؛ لأن المحاربة باللسان كالمحاربة باليد، ويشبه قتل المحاربين للسنة بالرأي قتل المحاربين لها بالرواية، وهو قتل من يتعمد الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قتل النبي صلى الله عليه وسلم الذي كذب عليه في حياته[51]، وهو حديث جيد لما فيه من تغيير سنته، وقد قرَّر هذا أبو العباس مع نظائر له في “الصارم المسلول[52]” كقتل الذي يتعرض لحرمه أو يسبه ونحو ذلك، وكما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتل المفرق بين المسلمين لما فيه من تفريق الجماعة[53].

ومن هذا الباب: الجاسوس المسلم الذي يُخبر بعورات المسلمين، ومنه: الذي يكذب بلسانه أو بخطِّه، أو يأمر بذلك حتى يقتل به أعيان الأمة، علماؤها وأمراؤها، فتحصل أنواع من الفساد كثيرة، فهذا متى لم يندفع فساده إلا بقتله فلا ريب في قتله، وإن جاز أن يندفع وجاز ألا يندفع قتل أيضًا، وعلى هذا: جاء قوله تعالى: ﴿ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ ﴾ [المائدة: 32] وقوله: ﴿ إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا ﴾ [المائدة: 33].

وأما إن اندفع الفساد الأكبر بقتله لكن قد بقي فساد دون ذلك: فهو محل نظر.

قال أبو العباس: وأفتيت أميرًا مقدمًا على عسكر كبير في الحربية[54]: إذا نهبوا أموال المسلمين ولم ينزجروا إلا بالقتل أن يقتل من يكفون بقتله ولو أنهم عشرة؛ إذ هو من باب دفع الصائل، قال: وأمرت[55] أميرًا خرج لتسكين الفتنة الثائرة بين قيس ويمن، وقد قتل بينهم ألفان أن يقتل من يحصل بقتله كفُّ الفتنة، ولو أنهم مئة.

قال: وأفتيتُ ولاة الأمور – في شهر رمضان سنة أربع “وسبعمئة[56]” – بقتل من أُمسك في سوق المسلمين وهو سكران، وقد شرب الخمر مع بعض أهل الذمة، وهو مجتاز بشقة لحم يذهب بها إلى ندمائه، وكنت أفتيتهم قبل هذا بأن يعاقب عقوبتين عقوبة على الشرب، وعقوبة على الفطر، فقالوا: ما مقدار التعزير؟

فقلت: هذا يختلف باختلاف الذنب، وحال المذنب وحال الناس، وتوقفت عن القتل فكبر هذا على الأمراء والناس حتى خفت أنه إن لم يقتل ينحل نظام الإسلام على انتهاك المحارم في نهار رمضان، فأفتيت بقتله فقتل، ثم ظهر فيما بعد أنه كان يهوديًا وأنه أظهر الإسلام.

والمطلوب له ثلاثة أحوال:

أحدها: براءته في الظاهر، فهل يحضره الحاكم؟ على روايتين[57]، وذكر أبو العباس في موضع آخر: أن المدعي حيث ظهر كذبه في دعواه بما يُؤذي به المدعى عليه عُزر لكذبه ولأذاه، وأن طريقة القاضي رد هذه الدعوى على الروايتين، بخلاف ما إذا كانت ممكنة، ونص أحمد[58] في رواية عبد الله فيما إذا علم بالعرف المطرد: أنه لا حقيقة للدعوى لا يعديه، وفيما لم يعرف واحد من الأمرين يعديه كما في رواية الأثرم، وهذا التفريق حسن.

والحال الثاني: احتمال الأمرين، فإنه يحضره بلا خلاف.

والحال الثالث: تهمته، وهو قيام سبب يوهم أن الحق عنده فإن الاتهام افتعال من الوهم وحبسه هنا بمنزلة حبسه بعد إقامة البينة وقبل التعزير[59]، أو بمنزلة حبسه بعد شهادة أحد الشاهدين.

فأما امتحانه بالضرب كما يجوز ضربه؛ لامتناعه من أداء الحق الواجب دينًا أو عينًا، ففي المسألة حديث النعمان بن بشير في “سنن أبي داود” لما قال: إن شئتم ضربته، فإن ظهر الحق عنده وإلا ضربتكم، وقال: هذا قضاء الله ورسوله[60]، وهذا يشبه تحليف المدَّعي إذا كان معه لوث، فإن اقتران اللوث بالدعوى جعل جانبه مرجحًا فلا يستبعد أن يكون اقترانه بالتهمة يبيح مثل ذلك.

والمقصود: أنه إذا استحق التعزير وكان متهمًا بما يوجب حقًا واحدًا، مثل أن يثبت عليه هتك الحرز ودخوله ولم يُقر بأخذ المال وإخراجه، أو يثبت عليه في الحراب خروجه بالسلاح وشهره له، ولم يثبت عليه القتل والأخذ، فهذا يُعزز لما فعله من المعاصي، وهل يجوز أن يفعل ذلك أيضًا امتحانًا لا غير فيجمع بين المصلحتين؟ هذا قوي في حقوق الآدميين.

فأما في حدود الله تعالى عند الحاجة إلى إقامتها فيحتمل، ويقوي ذلك: إذا أنكر الجميع ثم قامت البينة ببعض ما أنكر فإنه يصير لوثًا، ونظير ذلك: أن يُعاقب الإمام من استحق العقوبة بقتل، ويوهم العامة: أنه عاقبه ببعض الذنوب التي يريد الحذر عنها، وهذا “يشبه أنه صلى الله عليه وسلم[61]” إذا أراد غزوة ورى بغيرها[62]، والذي لا ريب فيه: أن الحاكم إذا علم كتمانه الحق عاقبه حتى يُقربه كما يُعاقب كاتم المال الواجب أداؤه، فأما إذا احتمل ألا يكون كاتمًا فهذا كالمتهم سواء.

وخبر من قال له جني بأن فلانًا سرق كذا، كخبر إنسي مجهول، فيفيد تهمة، وإذا طُلب المتهم بحق فمن عرف مكانه دل عليه.

والقوادةُ التي تُفسد النساء والرجال أقل ما يجب عليها[63] الضرب البليغ، وينبغي شهرة ذلك بحيث يستفيض هذا في النساء والرجال، وإذا أُركبت دابة وضُمت عليها ثيابها ونُودي عليها هذا جزاء من يفعل كذا وكذا كان من أعظم المصالح، فإن جريمة هذه من أعظم الجرائم، إذ هي بمنزلة عجوز السوء – امرأة لوط – وقد أهلكها الله مع قومها.

ومن قال لمن لامه الناس: تقرؤون تواريخ آدم، وظهر منه قصد معرفتهم بخطيئته عُزر ولو كان صادقًا، وكذا من يُمسك الحية ويدخل النار ونحوه، وكذا من نقص مسلمًا بأنه مسلماني أو أباه مسلماني مع حسن إسلامه، ومن غضب فقال: ما نحن مسلمون، إن أراد ذم نفسه لنقص دينه فلا حرج فيه ولا عقوبة، ومن قال لذمي: يا حاج، عُزر؛ لأن فيه تشبيه قاصد الكنائس بقاصد بيت الله، وفيه تعظيم لذلك، فهو بمنزلة من يشبه أعياد الكفار بأعياد المسلمين، وكذا يُعزر من يُسمي من زار القبور والمشاهد حاجًا، إلا أن يُسمى حاجًا بقيد كحاج الكفار والضالين، ومن سمى زيارة ذلك حجًا أو جعل له مناسك فإنه ضال مضل، إذ ليس لأحد 977ب أن يفعل في ذلك ما هو من خصائص حج البيت العتيق، وإن اشترى اليهودي نصرانيًا فجعله يهوديًا عزر على جعله يهوديًا ولا يكون مسلمًا.

ولا يجوز للجذمى مخالطة الناس عمومًا، ولا مخالطة أحد معين إلا بإذنه، وعلى ولاة الأمور منعهم من مخالطة الناس، كأن يسكنوا في مكان مفرد لهم ونحو ذلك، كما جاءت به سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفائه، وكما ذكره العلماء، وإذا امتنع ولي الأمر من ذلك أو المجذوم أثم بذلك.

وإذا أصر على ترك الواجب مع علمه به فُسق، ومن دُعي عليه ظلمًا له أن يدعو على ظالمه بمثل ما دعا به عليه، نحو: أخزاك الله، أو لعنك، أو يشتمه بغير فرية، نحو: يا كلب، يا خنزير، فله أن يقول له مثل ذلك، وإذا كان له أن يستعين بالمخلوق من وكيل ووال وغيرهما فاستعانته بخالقه أولى بالجواز، ومن وجب عليه الحد بقتل أو غيره فسقط عنه بالتوبة، فظاهر كلام أصحابنا: لا يجب عليه التعزير، كقولهم: هو واجب في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة، وذكر أبو العباس في موضع آخر: أن المرتد إذا قبلت توبته ساغ تعزيره بعد التوبة.

فصل: ويُقام الحد ولو كان من يقيمه شريكًا لمن يقيمه عليه في المعصية أو عونًا له؛ ولهذا ذكر العلماء: أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يسقط بذلك[64]، بل عليه أن يأمر وينهى، ولا يجمع بين معصيتين.

والرقيق إن زنى علانية وجب على السيد إقامة الحد عليه، وإن عصى سرًا فينبغي ألا يجب عليه إقامته، بل يُخير بين ستره أو استتابته بحسب المصلحة في ذلك، كما يُخير الشهود على من وجب عليه الحد بين إقامتها عند الإمام وبين الستر عليه واستتابته بحسب المصلحة، فإن ترجح أنه يتوب ستروه، وإن كان في ترك إقامة الحد ضررٌ على الناس كان الراجح فعله.

ويجب على السيد بيع الأَمة إذا زنت في المرة الرابعة، ويجتمع الجلد والرجم في حق المحصن، وهو رواية عن أحمد[65]، اختارها شيوخ المذهب”[66].

وقال البخاري: “باب كم التعزير والأدب؟”.

حدثنا عبد الله بن يوسف، حدثنا الليث، حدثني يزيد بن أبي حبيب، عن بُكير بن عبد الله، عن سليمان بن يسار، عن عبد الرحمن بن جابر بن عبد الله، عن أبي بُردة رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: “لا يجلد فوق عشر جلدات إلا في حد من حدود الله”[67].

حدثنا عمرو بن علي، حدثنا فُضيل بن سليمان، حدثنا مسلم بن أبي مريم، حدثني عبد الرحمن بن جابر، عمن سمع النبي صلى الله عليه وسلم قال: “لا عقوبة فوق عشر ضربات إلا في حد من حدود الله”[68].

حدثنا يحيى بن سليمان، حدثني ابن وهب، أخبرني عمرو: أن بُكيرًا حدثه، قال: بينما أنا جالس عند سليمان بن يسار إذ جاء عبد الرحمن بن جابر فحدث سليمان بن يسار، ثم أقبل علينا سليمان بن يسار فقال: حدثني عبد الرحمن بن جابر، أن أباه حدثه: أنه سمع أبا بُردة الأنصاري، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: “لا تجلدوا فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله”[69].

حدثنا يحيى بن بُكير، حدثنا الليث، عن عُقيل، عن ابن شهاب، حدثنا أبو سلمة: أن أبا هريرة رضي الله عنه قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوصال، فقال له رجال من المسلمين: فإنك يا رسول الله تواصل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أيكم مثلي [978ب]؟ إني أبيت يُطعمني ربي ويسقين”، فلما أبوا أن ينتهوا عن الوصال واصل بهم يومًا، ثم يومًا، ثم رأوا الهلال، فقال: “لو تأخر لزدتكم”، كالمنكل بهم حين أبوا، تابعه شعيب ويحيى بن سعيد ويونس، عن الزهري، وقال عبد الرحمن بن خالد، عن ابن شهاب، عن سعيد، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم[70].

حدثني عياش بن الوليد، حدثنا عبد الأعلى، حدثنا معمر عن الزهري، عن سالم، عن عبد الله بن عمر: أنهم كانوا يُضربون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اشتروا طعامًا جزافًا أن يبيعوه في مكانهم حتى يؤووه إلى رحالهم[71].

حدثنا عبدان، أخبرنا عبد الله، أخبرنا يونس، عن الزهري، أخبرني عروة، عن عائشة رضي الله عنها قالت: ما انتقم رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه في شيء يُؤتى إليه، حتى ينتهك من حرمات الله فينتقم لله”[72].

قال الحافظ: “قوله: “باب” بالتنوين “كم التعزير والأدب؟”.

التعزير: مصدر عزَّره، وهو مأخوذ من العزر، وهو الرد والمنع، واستعمل في الدفع عن الشخص، كدفع أعدائه عنه ومنعهم من إضراره.

ومنه: ﴿ وَآَمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ ﴾ [المائدة: 12] وكدفعه عن إتيان القبيح.

ومنه: عزره القاضي، أي: أدبه لئلا يعود إلى القبيح، ويكون بالقول وبالفعل بحسب ما يليق به، والمراد بالأدب في الترجمة: التأديب، وعطفه على التعزير؛ لأن التعزير يكون بسبب المعصية، والتأديب أعم منه.

ومنه: تأديب الولد، وتأديب المعلم، وأورد الكمية بلفظ الاستفهام إشارة إلى الاختلاف فيها كما سأذكره.

وقد ذكر أحاديث:

الأول: قوله: “لا يُجلد فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله”، ظاهره: أن المراد بالحد: ما ورد فيه من الشارع عدد من الجلد أو الضرب، مخصوص أو عقوبة مخصوصة، والمتفق عليه من ذلك: أصل الزنى والسرقة، وشرب المسكر والحرابة 979أ، والقذف بالزنى والقتل، والقصاص في النفس والأطراف، والقتل في الارتداد.

واختُلف في تسمية الأخيرين حدًا، واختلف في أشياء كثيرة يستحق مرتكبها العقوبة، هل تُسمى عقوبته حدًا أو لا؟ وهي جحد العارية، واللواط، وإتيان البهيمة، وتحميل المرأة الفحل من البهائم عليها والسحاق، وأكل الدم والميتة في حال الاختيار ولحم الخنزير، وكذا السحر والقذف بشرب الخمر، وترك الصلاة تكاسلًا، والفطر في رمضان، والتعريض بالزنى.

وذهب بعضهم: إلى أن المراد بالحد في حديث الباب: حق الله.

قال ابن دقيق العيد[73]: بلغني أن بعض العصريين قرر هذا المعنى: بأن تخصيص الحد بالمقدرات المقدم ذكرها أمر اصطلاحي من الفقهاء، وأن عرف الشرع أول الأمر كان يُطلق الحد على كل معصية، كبرت أو صغرت، وتعقبه ابن دقيق العيد: أنه خروج عن الظاهر ويحتاج إلى نقل، والأصل عدمه.

قال: ويرد عليه: أنا إذا أجزنا في كل حق من حقوق الله أن يزاد على العشر لم يبق لنا شيء يختص المنع به؛ لأن ما عدا المحرمات التي لا يجوز فيها الزيادة هو ما ليس بمُحرم، وأصل التعزير: أنه لا يشرع فيما ليس بمحرم، فلا يبقى لخصوص الزيادة معنى.

قال الحافظ: والعصري المشار إليه أظنه: ابن تيمية، وقد نقل صاحبه ابن القيم المقالة المذكورة فقال: الصواب في الجواب: أن المراد بالحدود هنا: الحقوق التي هي أوامر الله ونواهيه، وهي المراد بقوله: ﴿ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ [البقرة: 229] وفي أخرى: ﴿ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ﴾ [الطلاق: 1] وقال: ﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا ﴾ [البقرة: 187] وقال: ﴿ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا ﴾ [النساء: 14].

قال: فلا يزاد على العشر في التأديبات التي لا تتعلق بمعصية كتأديب الأب ولده الصغير.

قال الحافظ: ويحتمل أن يفرق بين مراتب المعاصي، فما ورد فيه تقدير لا يُزاد عليه، وهو المستثنى في الأصل، وما لم يرد فيه تقدير فإن كانت كبيرة جازت الزيادة فيه، وأُطلق عليه اسم الحد، كما في الآيات المشار إليها، والتحق بالمستثنى 979ب، وإن كان صغيرة فهو المقصود بمنع الزيادة، فهذا يدفع إيراد الشيخ تقي الدين على العصري المذكور إن كان ذلك مراده، وقد أخرج ابن ماجه من حديث أبي هريرة بالتعزير بلفظ: “لا تُعزروا فوق عشرة أسواط”[74].

وقد اختلف السلف في مدلول هذا الحديث، فأخذ بظاهره الليث وأحمد[75] في المشهور عنه، وإسحاق، وبعض الشافعية[76].

وقال مالك[77] والشافعي[78] وصاحبا أبي حنيفة[79]: تجوز الزيادة على العشر.

ثم اختلفوا، فقال الشافعي[80]: لا يبلغ أدنى الحدود.

وهل الاعتبار بحد الحُر أو العبد؟ قولان، وفي قول أو وجه[81]: يُستنبط كل تعزير من جنس حده ولا يجاوزه، وهو مقتضى قول الأوزاعي: لا يبلغ به الحد، ولم يفصل، وقال الباقون: هو إلى رأي الإمام بالغًا ما بلغ، وهو اختيار أبي ثور.

وعن عُمر: أنه كتب إلى أبي موسى: لا تجلد في التعزير أكثر من عشرين[82].

وعن عثمان: ثلاثين، وعن عُمر: أنه بلغ بالسوط مئة، وكذا عن ابن مسعود.

وعن مالك وأبي ثور وعطاء: لا يُعزر إلا من تكرر منه، ومن وقع منه مرة واحدة معصية لا حد فيها فلا يُعزر.

وعن أبي حنيفة[83]: لا يبلغ أربعين، وعن ابن أبي ليلى وأبي يوسف[84]: لا يُزاد على خمس وتسعين جلدة، وفي رواية عن مالك[85] وأبي يوسف[86] لا يبلغ ثمانين، وأجابوا عن الحديث بأجوبة:

منها: ما تقدم، ومنها: قصره على الجلد، وأما الضرب بالعصا مثلًا وباليد فتجوز الزيادة، لكن لا يجاوز أدنى الحدود، وهذا رأي الإصطخري من الشافعية[87]، وكأنه لم يقف على الرواية الواردة بلفظ الضرب.

ومنها: أنه منسوخ، دل على نسخه إجماع الصحابة.

ورُد: بأنه قال به بعض التابعين، وهو قول الليث أحد فقهاء الأمصار.

ومنها: معارضة الحديث بما هو أقوى منه، وهو الإجماع[88] على أن التعزير يخالف الحدود 980أ وحديث الباب يقتضي تحديده بالعشر فما دونها، فيصير مثل الحد، وبالإجماع على أن التعزير موكول إلى رأي الإمام فيما يرجع إلى التشديد والتخفيف، لا من حيث العدد[89]؛ لأن التعزير شُرع للردع، ففي الناس من يردعه الكلام، ومنهم من لا يردعه إلا الضرب الشديد، فلذلك كان تعزير كل أحد بحسبه.

وتُعقِّب: بأن الحد لا يُزاد فيه ولا يُنقص فاختلفا، وبأن التخفيف والتشديد مسلم، لكن مع مراعاة العدد المذكور، بأن الردع لا يُراعى في الأفراد، بدليل: أن من الناس من لا يردعه الحد، ومع ذلك لا يجمع عندهم بين الحد والتعزير، فلو نظر إلى كل فرد لقيل بالزيادة على الحد، أو الجمع بين الحد والتعزيز، ونقل القرطبي[90]: أن الجمهور قالوا بما دل عليه حديث الباب، وعكسه النووي[91] وهو المعتمد، فإنه لا يعرف القول به عن أحد من الصحابة، واعتذر الداودي فقال: لم يبلغ مالكًا هذا الحديث، فكان يرى العقوبة بقدر الذنب، وهو يقتضي: أنه لو بلغه ما عدل عنه، فيجب على من بلغه أن يأخذ به.

الحديث الثاني: حديث النهي عن الوصال، والغرض منه: قوله: “فواصل بهم كالمنكل بهم”.

قال ابن بطال[92] عن المُهلب: فيه: أن التعزير موكول إلى رأي الإمام؛ لقوله: “لو امتد الشهر لزدت”، فدل على أن للإمام أن يزيد في التعزير ما يراه، وهو كما قال، لكن لا يُعارض الحديث المذكور؛ لأنه ورد في عدد من الضرب أو الجلد فيتعلق بشيء محسوس، وهذا يتعلق بشيء متروك، وهو الإمساك عن المفطرات، والألم فيه يرجع إلى التجويع والتعطيش وتأثيرهما في الأشخاص متفاوت جدًا، والظاهر: أن الذين واصل بهم كان لهم اقتدار على ذلك في الجملة، فأشار إلى أن ذلك لو تمادى حتى ينتهي إلى عجزهم عنه لكان هو المؤثر في زجرهم.

ويُستفاد منه: أن المراد من التعزير ما يحصل به الردع، وذلك ممكن في العشر بأن يختلف الحال في صفة الجلد أو الضرب، تخفيفًا وتشديدًا، والله أعلم.

نعم؛ يُستفاد منه: جواز التعزير بالتجويع ونحوه من الأمور المعنوية 980ب.

الحديث الثالث: قوله: “عن عبد الله بن عمر: أنهم كانوا يُضربون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اشتروا طعامًا جزافًا أن يبيعوه في مكانهم حتى يُؤووه إلى رحالهم”.

ويُستفاد منه: جواز تأديب من خالف الأمر الشرعي، فتعاطى العقود الفاسدة بالضرب، ومشروعية إقامة المحتسب في الأسواق، والضرب المذكور: محمول على من خالف الأمر بعد أن علم به

الحديث الرابع: قوله: “ما انتقم رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه في شيء يُؤتى إليه، حتى ينتهك من حرمات الله فينتقم لله”[93].

وقال البخاري أيضًا: “باب: من أظهر الفاحشة واللطخ والتهمة بغير بينة”. وذكر حديث سهل بن سعد في المتلاعنين[94]. وحديث القاسم بن محمد قال: ذكر ابن عباس المتلاعنين، فقال عبد الله بن شداد: هي التي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لو كنت راجمًا امرأة من غير بينة؟”، قال: لا، تلك امرأة أعلنت[95]، وفي رواية: تلك امرأة كانت تُظهر في الإسلام السوء[96]”.

وقال الحافظ: “قوله: باب: من أظهر الفاحشة واللطخ والتهمة بغير بينة”، أي: ما حكمه؟ والمراد بإظهار الفاحشة: أن يتعاطى ما يدل عليها عادة من غير أن يثبت ذلك ببينة أو إقرار، واللطخ: هو – بفتح اللام والطاء المهملة بعدها خاء -: الرمي بشر، يُقال: لطخ فلان بكذا، أي: رُمي بشر، ولطخه بكذا مُخففًا ومثقلًا: لوثه به.

والتهمة بضم المثناة وفتح الهاء: من يتهم بذلك من غير أن يتحقق فيه ولو عادة، وذكر فيه حديثين:

أحدهما: حديث سهل بن سعد في قصة المتلاعنين، أورده مختصرًا، وقد تقدم شرحه في كتاب اللعان مستوفى، ولفظه: “إن جاءت به أحمر قصيرًا كأنه وحرة فلا أراها إلا قد صدقت وكذب عليها، وإن جاست به أسود أعين ذا أليتين[97] فلا أراه إلا قد صدق عليها وكذبت عليه”[98]، كأنه قال: إن جاءت به 981أ أحمر فزوجها كاذب فيما رماها به، وإن جاءت به أسود فزوجها صادق.

ثانيهما: حديث ابن عباس، قوله: “تلك امرأة كانت تُظهر في الإسلام السُّوء”، في رواية عروة عن ابن عباس – بسند صحيح – عند ابن ماجه: “لو كنت راجمًا أحدًا بغير بينة لرجمت فلانة، فقد ظهر فيها الريبة في منطقها، وهيئتها، ومن يدخل عليها”[99].

قال المهلب: فيه: أن الحد لا يجب على أحد بغير بينة أو إقرار ولو كان مُتهمًا بالفاحشة.

وقال النووي[100]: معنى تُظهر السوء: أنه اشتهر عنها وشاع، ولكن لم تقم البينة عليها بذلك، ولا اعترفت، فدل على أن الحد لا يجب بالاستفاضة.

وجهات النظر في التعزير:

الجلد عقوبة تعزيرية مقررة في الشريعة الإسلامية في بعض جرائم الحدود، فعقوبة الزاني غير المحصن مثلا مائة جلدة، وعقوبة القذف ثمانين جلدة، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال “لا يجلد فوق عشرة أسوط إلا في حد من حدود الله” رواه داود في سننه، ورغم الاختلاف في تفسير هذا الحديث من قبل العلماء، والاختلاف في المذاهب الأربعة على الحد الأعلى لعقوبة الجلد في الجرائم التعزيزية، إلا أن هذا الخلاف لم يصل إلى العدد الذي يحكم به بعض القضاة الآن، فهناك إسراف ومبالغة واضحة في العقوبات قد تصل إلى 2000 جلدة على سبيل المثال، وهذا التفاوت الملحوظ في أحكام القضاة في عقوبة الجلد هو نتيجة حتمية لغياب أي ضابط أو معيار أو نظام للعقوبات.

السجن والجلد:

ويقول الشيخ عبدالمحسن العبيكان إن اشتراط الفقهاء في ضوابط وحدود وتنفيذ آلية التعزير في الجلد الشرعي هو أن يكون بسوط لا جديد ولا خلق، بحيث لا يؤذي المجلود ولكنه يؤلمه ألماً محدوداً، وأيضاً أن يتم الضرب في مواقع في الجسد التي يكثر فيها اللحم كالفخذين ونحو ذلك، بحيث لا تشوه له خلقة ولا تكسر له عظماً، ولا بد من ملاحظة قوة بدن الشخص المجلود أو ضعفه، فالعلماء قالوا: “لا يرفع يد الجلاد بالسوط بحيث يرى أبطه”، فالقصد من الجلد الإيلام بالزجر وليس الإتلاف أو التعذيب، مشيراً إلى أن الجلد هو جزء من أجزاء التعزير ومنه التوبيخ والإيقامة من المجلس، واللوم، والحبس، وحرمان الإنسان من شيء، وكل ذلك من التعزير.

و لا نعرف في سلفنا الصالح من العلماء الأجلاء انه كان يضرب المجرم ويجلد إلى عدد كبير من الجلدات يصل إلى الآلاف، فعمر بن الخطاب قد قام بجلد من زور خاتمه 100 جلدة واعتبرت هذه في وقتها كثيرة ومن المبالغة فيها، فإصدار أعداد الجلد إلى حد الآلاف لا نعرفه في الشريعة والرسول صلى الله عليه وسلم جلد 80 جلدة والقرآن ذكر 100 جلدة بحق الزاني، أما المبالغة بآلاف فهذا أمر غير مستساغ في الأحكام ويكتفى من العدد الكبير من الجلد بالسجن، فالتعزير بابه واسع ولكن من المؤسف أننا نلاحظ عدداً من القضاة لا يعرفون في التعزير سوى الجلد والسجن والجمع بينهما يسجن ويجلد وهذه نراها في أغلب القضايا التي تصدر الآن ليس هذا مسلكاً سديداً وهذا خلاف المطلوب، فينبغي أن يحدد لكل جريمة عقوبة ولكل جنحة عقوبة مناسبة لها.

وقال الشيخ محمد الدباش مستشار الدعوة والإرشاد بوزارة الشؤون الإسلامية: إن التعزير يعود للاجتهاد، لأنه لم يرد فيه نص شرعي ويخضع الحكم لاجتهاد القاضي، بما يناسب الجرم، حتى لو وصل لحد القتل كمروجي المخدرات فيقتلون تعزيزاً، فليس هناك عقوبة محددة على القاضي التقيد بها، ولكن عليه أن يراعي الله في نفسه وأن يصدر أحكاماً تعزيرية وعقوبات فيها نوع من اللطافة وتقويم السلوك للشخص المقام عليه الحد.

و ستباشر قريباً محاكم الاستئناف أعمالها وتقوم بمباشرة القضايا التي أصحابها ليسوا مقتنعين بالأحكام الصادرة بحقهم، وهناك أيضاً محكمة التميز ومجلس القضاء يستطيعون الحد من المبالغة في بعض الأحكام وخاصة الجلد، مشيراً إلى أن الأحكام التعزيرية تتبع مصلحة الشخص والمجتمع من حيث كيفيتها وحجمها، فقد يحكم قاض بالشمال على جرم أحد الأشخاص بمقدار أعلى من حكم القاضي بالجنوب بنفس الجرم، وذلك لكون الأمر يخضع لعقوبة تقديرية اجتهادية، وفي نظري لا ينبغي أن يكون هناك تحديد أو تقنين وأن تبقى المسألة اجتهادية مفتوحة للقاضي يحكم بها بما يخدم المصلحة العامة.

العبيكان: بعض القضاة لا يعرف من التعزير سوى الجلد والسجن!

ويقول المحامي د. محمد المشوح حين نعرف أن القضايا التعزيرية هي مناط وموضع اجتهاد القاضي فمن المتوقع أن تجد التفاوت والتباين، وذلك لأمرين اختلاف آراء القضاة واختلاف أحوال المحكوم عليهم.

و أن الشارع ترك للعباد مساحة وفسحة للرأي والاجتهاد ولقد اختلف أهل الرأي في أولوية التقنين من عدمه، والحقيقة أن التقنين في التعزير يختلف عن التقنين في الشريعة، وذلك أن الأول مبني على اجتهاد الحاكم أو القاضي بينما الثاني قطعي الدلالة والثبوت فتقنين التعزير بمثل هذا الزمان وهذه الأوقات تظهر منفعته وأهميته من جوانب عدة منها مساعدة للقضاة في إنجاز قضاياهم وسرعة إنهائها، وكذلك توعية الناس في العقوبة المنتظرة ليكون رادعاً وزاجراً ومحذراً للمجرمين، إضافة إلى أن التقنين يساعد على ضبط الأحكام من عواطف بعض القضاة فطبيعة كل قاض تختلف عن الآخر في حزمه ولينه وتقديره وتحليله وتهويله وتهوينه، كذلك التقنين يساعد على الحفظ من التهم التي تنال القضاء والقضاة في أحكامهم وتفاوتها بينهم مما يشكك في عدالة القضاء ونزاهته عند الآخرين كذلك يساعد على ضبط الجرائم فتتكرر جرائم متشابهة في أوقات متقاربة تتباين وتتفاوت فيها الأحكام مما يدعو ويثير التساؤل وهناك غيرها من الأسباب التي تدعو إلى تقنين التعزير بمثل هذا الوقت والزمان.

التعزير في النظام السعودي :

فالواقع الحالي يشير إلى تفاوت بين القضاة في تقدير العقوبة التعزيرية وبالتالي تفاوت الأحكام القضائية الصادرة فلا توجد ضوابط محددة للتعزير مما يخشى معه من هز الثقة برجال القضاء، فعلى سبيل المثال لو ارتكب شخصان ذات الجريمة وبذات الظروف والملابسات مع الاختلاف في مكان الجريمة، فلا نستغرب أن نسمع أن القاضي في المدينة (أ) قد أصدر حكما مشددا، بينما القاضي في المدينة (ب) قد أصدر حكما مخففا، تبعاً لاجتهاد كل قاضي وتقديره الشخصي.

والنظام السعودي في هذه الفترة ألغيت فيه عقوبة الجلد واستبدلت بالسجن أو الغرامة أو كلاهما.

كتابة: المحامية المتدربة السعودية سهلة المدني