تشكيل المحكمة الجنائية الدولية

تشكيل المحكمة الجنائية الدولية

نظراً لحاجة المجتمع الدولي إلى نظام قضائي جنائي دولي دائم يختص بالعديد من الجرائم، ومنها جرائم الحرب وغيرها، فقد أدت هذه الحاجة إلى بزوغ الفكرة، إلى أن تم تطبيقها على أرض الواقع عام 1998، وإلغاء فكرة المحاكم الجنائية المؤقتة، ولهذه المحكمة كيان لابد أن تقوم عليه يتكون من مجموعة من القضاة والموظفين كأي نظام قضائي آخر. ويتم تشكيل المحكمة الجنائية الدولية من الأجهزة قضائية والتي تعني بتعيين القضاة وهيئة الرئاسة وشُعب المحكمة، أيضا لديها أجهزة إدارية تختص بالأعمال الإدارية للمحكمة والتي يتكون من مكتب المدعي العام ونوابه والمسجل ونائبه وقلم كتاب المحكمة والموظفون ومن خلال هذا المقال سوف نسهب في الحديث عن كل منهما على النحو التالي:

جدول المحتويات 

أولًا: القضاة وشروط اختيارهم

ثانيًا: هيئة الرئاسة

ثالثاً: شُعب المحكمة

رابعًا: استقلال القضاة وتنحيتهم

الأجهزة القضائية للمحكمة الجنائية الدولية:

حددت المادة (34) من نظام روما الأساسي الأجهزة المُكَونة للنظام القضائي للمحكمة الجنائية الدولية، حيث وفقًا لها تتكون من هيئة رئاسية، شعبة استئناف وشعبة ابتدائية وشعبة ما قبل المحاكمة.

وفيما يلي سنتحدث عن ذلك بالتفصيل:

أولًا: القضاة وشروط اختيارهم

بالنظر لما نصت عليه المادة (36) من نظام روما الأساسي نجد أنها قد نظمت بشكلٍ واضح وجلي شروط اختيار القضاة وكيفية انتخابهم، فيكون عدد قضاة المحكمة 18 قاضيًا، على أنه يجوز أن يزيد عدد القضاة بناءً على اقتراح من هيئة الرئاسة مع ضرورة تسبيب هذا الاقتراح، ويتم تعميم هذا الاقتراح على جميع الدول الأطراف وذلك خلال الاجتماع الذي يُعقد لجمعية الدول الأطراف كلما كان هناك ضرورة ملحة لانعقاده على ألا يقل عدد الاجتماعات عن مرة واحدة في السنة وفقاً لما تم ذكره بالمادة (112)، ويتم دخول هذا الاقتراح حيز التنفيذ إذا تمت الموافقة عليه بأغلبية ثلثي أعضاء جمعية الدول الأطراف.

من أهم الشروط التي يتم اختيار القضاة على أساسها:

  • أن يكونوا ذو أخلاقٍ رفيعة، ويتسمون بالنزاهة والحياد، وأن تتوافر لديهم جميع السمات التي تؤهلهم للوصول لأعلى المناصب القضائية لدى دولهم.
  • وأن يتوافر في كل مرشح الكفاءة اللازمة في مجال القانون الجنائي والإجراءات الجنائية، والخبرة المناسبة، لدى القضاة وأيضا المدعي العام والمحام.

إلى جانب الكفاءة في مجالات القانون الدولي كالقانون الإنساني الدولي، وقانون حقوق الإنسان، وأن يكون ذو خبرة مهنية واسعة في مجال العمل القانوني ذي الصلة بالعمل القضائي للمحكمة.

  • إتقان لغة واحدة على الأقل من اللغات السائدة والمتطلب التحدث بها خلال العمل بالمحكمة.

والجدير بالإشارة أنه يجوز لأي دولة من الدول الأعضاء بنظام روما الأساسي أن تقدم طلبات ترشيح لدخول انتخابات المحكمة.

ومن أهم الإجراءات المُتَبعة من قبل الدول الأطراف لتقديم ترشيحاتها للانتخاب للمحكمة:

  • الإجراءات الخاصة بتسمية مرشحين للتعيين في أعلى المناصب القضائية في الدولة المعنية.
  • إتباع الإجراءات الخاصة بتسمية مرشحين وفقًا لما هو منصوص عليه بالنظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية، على أن يتم تقديم ما يفيد قيام المُرشح بما هو منصوص عليه بالفقرتين السابقتين.
  • يحق لكل دولة من الدول الأطراف أن تُقدم مرشحًا واحدًا، حتى وإن لم يكن من رعايا تلك الدولة، لكنه من الضروري أن يكون من بين رعايا الدول الأطراف.
  • إذا كان هناك ضرورة لتشكيل لجنة استشارية تختص بالترشيحات، فتقوم جمعية الدول الأطراف بتحديد تشكيل اللجنة وولايتها.

عند اختيار القضاة، يجب أن يُراعى عدم وجود أكثر من قاضي يتبع دولة واحدة، ويجب أن يُراعى أيضًا من قِبَل الدول الأطراف من خلال مرشحيها ” تمثيل النظم القانونية الرئيسية في العالم، والتوزيع الجغرافي العادل، والتمثيل العادل للإناث والذكور من القضاة “.

بالإضافة إلى النظر إلى الخبرة القانونية في مسائل محددة مثل مسألة العنف ضد النساء أو الأطفال.

ويتم تعيين القضاة لمدة تسع سنوات، على أن يُراعى اختيار ثلث القضاة المنتخبين للعمل لمدة ثلاث سنوات ويتم اختيار ثلث القضاة المنتخبين للعمل لمدة ست سنوات ويعمل الباقي لمدة تسع سنوات، ولا يتم إعادة انتخاب القضاة لمدة اختصاص كاملة إلا إذا كان مِمن تم اختيارهم لمدة ثلاث سنوات فقط.

ثانيًا: هيئة الرئاسة

بعد أن تتم عملية الاقتراع ويُعين القضاة البالغ عددهم 18 قاضيًا، يتم انتخاب الهيئة الرئاسية المؤلفة من رئيس ونائبين له بالأغلبية المطلقة التي لا تقل نسبتها عن 51٪ من بين الجمعية العمومية المُشكلة من ال 18 قاضياً، وذلك لمدة ثلاث سنوات أو حتى نهاية خدمته كقاضٍ أيهما أقرب، ويجوز إعادة انتخابهم لمرة واحدة.

في حالة غياب الرئيس لأي سبب، أو عدم صلاحيته المهنية ،أو وجود سبب طبي، أو تنحيه عن نظر قضية معينة يقوم النائب الأول بمهامه لحين عودته، كما يجوز للنائب الثاني القيام بتلك المهام إذا توافرت الشروط سالفة البيان بالرئيس ونائبه الأول.

ومن المهام المنوطة بهيئة الرئاسة:

  • العمل على تنظيم إدارة المحكمة بشكلٍ سليم، دون مكتب المدعي العام.
  • كل ما يتم ذكره بالنظام الأساسي من المهام التي تعهد بها للهيئة.

وفي سبيل القيام بعملهم يحق لهم التنسيق مع المدعي العام من أجل الوقوف على المسائل موضع الاهتمام المشترك وموافقته عليها.

وتقوم هذه الهيئة بتقديم تقريران السلوك المهني فيما يُعرف ” بمدونة السلوك المهني ” للمحامين متولي الدفاع في القضايا المنظورة أمام المحكمة، ولا يتم ذلك إلا بناءً على اقتراح يتم تقديمه من قِبل مسجل المحكمة، بعد التشاور مع المدعي العام، ومنه يُحال إلى جمعية الدول الأطراف ليتم اعتماده، حتى يتم تنفيذه.

ومن الجدير بالذكر أن نظام روما الأساسي قد أعطى قضاة المحكمة الحصانات والامتيازات التي تنأى بهم عن أية ضغوطات تؤثر على عملهم بالسلب من خلال التأثير على استقلاليتهم وبالتالي نزاهتهم، ولهيئة الرئاسة أن تعفي أياً من قضاة المحكمة إن رأت ما يؤثر على استقلاليتهم ونزاهتهم.

ثالثاً: شُعب المحكمة

تضم شُعب المحكمة الجنائية الدولية ثلاث شُعب وهم شعبة ابتدائية، واستئنافية، وتمهيدية، ويتم توزيع القضاة على تلك الشُعب وفقًا لمؤهلات وخبرات كل منهم، وأيضًا على أساس طبيعة المهام الموكلة إلى كل شعبة، لذا نجد أن كل شعبة تضم مزيجًا من الخبرات المختلفة في القانون الجنائي، وقانون الإجراءات الجنائية، بالإضافة إلى القانون الدولي.

وفيما يلي شرحًا توضيحيًا لبيان تقسيم شُعب المحكمة:

1-    الشُعبة الابتدائية:

لا يقل عدد قضاة الشُعبة الابتدائية عن 6 قضاة، وقد يتم تشكيل أكثر من دائرة ابتدائية إذا لزم الأمر، واقتضت الحاجة، على أن يتم تعيينهم لمدة ثلاث سنوات، أو حين الانتهاء من البت في قضية تم البدء في نظرها، ويُعهد لثلاث قضاة العمل بمهام الدائرة.

2-    الشُعبة الاستئنافية:

يتم تشكيل الدائرة الاستئنافية من رئيس و4 قضاة، ويظلون بهذه الشعبة طوال مدة ولايتهم، وتختص بالنظر في الطعون للأحكام الصادرة من كلًا من الدائرة الابتدائية والتمهيدية، ويجوز لكل من المدعي العام والمتهم الطعن أمام الدائرة الاستئنافية في حالات الخطأ في الواقع والقانون والإجراءات، والطعن في قرارات البراءة والإدانة وأيضًا ما يخص قرار العقوبة الغير متناسبة مع حجم الجريمة المرتكبة، وأيضًا الطعن على كل ما يخص اختصاص المحكمة وقبول الدعوى أو عدم قبولها، وكل ما يجوز فيه الطعن وفقًا لما ينظمه نظام روما الأساسي.

3-    الشعبة التمهيدية:

تتكون الشُعبة التمهيدية للمحكمة مما لا يقل عن 6 قضاة، على أن تتألف الدائرة التمهيدية من ثلاثة قضاة أو قاض واحد، وتشترك مع الشعبة الابتدائية من حيث مدة تعيينهم، حيث يتم تعيين القضاة لمدة ثلاث سنوات في كلًا الشعبتين الابتدائية والتمهيدية، وإن كانت هناك قضية تُنظر أمامها بعد انتهاء مدة الثلاث سنوات يتم انتهاء المدة بعد البت في القضية.

وأيضًا ليس هناك ما يمنع من تشكيل أكثر من دائرة تمهيدية إذا اقتضت الظروف ذلك، إلى جانب إمكانية السماح لأي من قضاة الدائرة التمهيدية بالاشتراك في عمل الدائرة الابتدائية والعكس، إلا فيما يخص القضايا التي تم نظرها أمام الدائرة التمهيدية أو الابتدائية للقاضي الذي سبق وأن نظر نفس القضية أمام دائرته، لأنه قد سبق وإن أبدى رأياً فيها، وذلك لضمان نزاهة واستقلالية القضاء.

رابعًا: استقلال قضاة محكمة الجنايات الدولية وتنحيتهم

مما هو معروف في أي نظام قضائي يجب أن يتمتع القاضي بالاستقلالية، فلا يجوز له أن يمارس أية وظائف أو نشاطات أخرى.

كما أنه يجب أن يتم إبعاده أو تنحيه عن نظر أية قضايا يُرى منه فيها أي ميل لطرف من أطراف القضية، كما يحق لكل من المدعي العام، ولأي من طرفي الدعوى طلب تنحي القاضي مع إبداء أسباب ذلك، ويتم البت في مسألة تنحيه وذلك بالأغلبية المطلقة، ويبدي القاضي رأيه وملاحظاته دون أي مؤثرات خارجية تؤثر في رأيه.

ننتقل الآن للحديث عن نقطة أخرى وهي:

 الأجهزة الإدارية للمحكمة الجنائية الدولية:

هناك بعضًا من الأجهزة التي تسهم في تشكيل المحكمة وأداء دورها المنوطة به ومن هذه الأجهزة الإدارية (مكتب المدعي العام، قلم كتاب المحكمة، وجمعية الدول الأطراف)

وسوف نلقي الضوء على كل منهم بالتفصيل الآتي بيانه:

أولًا: مكتب المدعي العام

تنظم المادة (42) من نظام روما الأساسي كل ما يخص عمل المكتب ولا يدخل مكتب المدعي العام ضمن شُعب المحكمة ودوائرها.

ويتمتع مكتب المدعي العام بالاستقلالية التامة عن أية تأثيرات خارجية من شأنها عرقلة العمل داخل المحكمة،

1-    المدعي العام:

لا يضطلع المدعي العام بأية تعليمات توجه إليه من جهات خارجية، وتتلخص المهام الموكلة إليه في تلقي الإحالات وجميع المعلومات الموثقة والخاصة بالجرائم المنظورة أمام المحكمة حتى يتم دراستها وإعدادها للتحقيق.

ومن الشروط اللازمة للتعيين في منصب المدعي العام ” الأخلاق الرفيعة، والكفاءة العالية، إلى جانب توافر قدرٍ كبيرٍ من الخبرة في مجالي الادعاء والمحاكمة فيما يخص القضايا الجنائية، وأن يتحدث بطلاقة لغة من اللغات اللازمة للعمل بالمحكمة”.

ويتم انتخابه بطريق الاقتراع السري بالأغلبية المطلقة للدول الأعضاء بجمعية الدول الأطراف ويتم تعيين نائب المدعي العام وعدد لا بأس به من الموظفين لمعاونته في العمل المنوط به.

2-    نائب المدعي العام:

لا تختلف شروط اختيار النائب عن شروط اختيار المدعي العام، ويقوم نائب المدعي العام بمعاونته حتى وإن اختلفت جنسياتهم، ويحق لهيئة الرئاسة استبعاد أو إعفاء أي من المدعي العام أو أحد نوابه بناءً على طلبهم، كما أنه من الممكن تنحي أي منهم في حال كان هناك شيء من الشك حيال حيادهم مع إبداء أسباب هذا التنحي، كما يحق للمتهم طلب رد القاضي ويتم الفصل في هذه المسألة من قبل شعبة الاستئناف.

3-    الموظفون:

يتوافر لتعيين الموظفين داخل المحكمة نفس الشروط اللازمة لاختيار المدعي العام ونائبه من أخلاقٍ رفيعة وخبرة واسعة، ويتم الإشراف عليهم من قِبَل مكتب المدعي العام، ويوكل إليهم المهام التي يكلفهم بها المكتب، مدة عملهم تكون 9 سنوات مع جواز إنهائها عن طريق طلب يُقدم إلى المدعي العام، وتختص بالفصل في تلك المسألة شُعبة الاستئناف.

ثانيًا: قلم كتاب المحكمة

تضمنت المادة (43) من نظام روما الأساسي النص على النظام الذي يتألف منه قلم كتاب المحكمة وهما ” المسجل ونائبه والموظفون “

وسنوضح فيما يلي مهام المسجل ونائبه، ثم ننتقل إلى كيفية اختياره على النحو التالي:

1-    المسجل ونائبه:

يجب أن يتميز المسجل بالأخلاق العالية، وأن يكون ذو كفاءة، ويتحدث لغة واحدة من اللغات اللازمة للعمل في المحكمة وبطلاقة.

ويعمل المسجل ونائبه لمدة 5 سنوات، ويُعاد انتخابه لمرة واحدة، أما نائبه لا يتم انتخابه إلا وقت الحاجة إليه، ويمارس المسجل المهام الموكلة إليه تحت إشراف رئيس المحكمة، ويرأس قلم كتاب المحكمة، وهو المسئول الإداري والرئيسي للمحكمة، كما أنه المسئول عن الأعمال غير القضائية والتي تخرج عن اختصاص المدعي العام.

2-    كيفية اختيار المسجل:

ويتم اختيارهم بالأغلبية المطلقة عن طريق الاقتراع السري.

ثالثًا: جمعية الدول الأطراف

وهو الجهاز المسؤول عن كل ما يخص الإشراف وإدارة المحكمة الجنائية الدولية، والقواعد الإجرائية، وقواعد الإثبات، والمسئولية كذلك عن تمويل المحكمة، ومراجعة الميزانية والتصديق عليها، وتنظيم علاقتها بغيرها كالأمم المتحدة ودولة المقر أو ما يطلقه عليها البعض بأنها مديرة المحكمة الجنائية الدولية، ما يوازي مدير الجمعية لشئون الأمم المتحدة.

وهي المنوط بها تنظيم عملية انتخاب وتعيين القضاة، ولا تعد جمعية الدول الأطراف من قبيل أجهزة المحكمة؛ بل هي المنوط بها تنظيم العمل وكل ما يخص المحكمة أي أنها مدير المحكمة كما ذكرنا.

كتابة نسمة مجدي و المحامي سامي العوض

error: حقوق الطبع محفوظة لشركة المحامي سامي العوض © Copy Right Protected