مكافحة الاتجار بالبشر في الأردن

التزامات الأردن بالمعايير الدولية لمكافحة الاتجار بالبشر

وفي مقالنا سوف نلقى الضوء على بيان ماهية تلك الجريمة في بعض التشريعات ثم سنوضح التزامات المملكة الأردنية الهاشمية بالمعايير الدولية لمكافحة الاتجار بالبشر مع الإشارة إلى بعض أحكام محكمة التمييز الأردنية والنقض المصرية بخصوص تلك الجريمة.

تُعد جريمة الاتجار بالبشر واحدة من الجرائم التي تعود بنا إلى عصور الجاهلية والظلام عندما كان يسود الاسترقاق وتغليل العبيد وبيعهم في الأسواق، فلقد شهد المجتمع الدولي في الآونة الأخيرة توسع غير مألوف في ارتكاب جرائم الاتجار بالبشر التي تعد واحدة من أفظع الجرائم التي ترتكب في حق الإنسانية، لذلك كان لابد من تضافر الجهود الدولية للضرب على أيدي المتاجرين بالبشر بيد من حديد لمنع تلك الجريمة.

أولًا: تعريف جريمة الاتجار بالبشر

ثانيًا: التزامات الأردن بالمعايير الدولية لمكافحة الاتجار بالبشر

أولًا: تعريف جريمة الاتجار بالبشر

1-الاتجار بالبشر في القانون الاردني:

وفقًا المادة (3/أ) من قانون منع الاتجار بالبشر الأردني الصادر عام 2009 فإن جريمة الاتجار بالبشر تعرف بأنها (استقطاب أشخاص أو نقلهم أو إيوائهم أو استقبالهم بغرض استغلالهم عن طريق التهديد بالقوة أو استعمالها أو غير ذلك من أشكال القسر أو الاختطاف أو الاحتيال أو الخداع أو استغلال السلطة أو استغلال حالة ضعف ، أو بإعطاء أو تلقي مبالغ مالية أو مزايا لنيل موافقة شخص له سيطرة على هؤلاء الأشخاص ، أو  استقطاب أو نقل أو إيواء أو استقبال من هم دون الثامنة عشرة متى كان ذلك بغرض استغلالهم ولو لم يقترن هذا الاستغلال بالتهديد بالقوة أو استعمالها أو غير ذلك من الطرق الواردة في الفقرة السابقة).

وفي هذا الصدد قضت محكمة التمييز الأردنية في الحكم رقم 2468 لسنة 2020 – محكمة التمييز بصفتها الجزائية الصادر بتاريخ 26/10/2020 بالآتي: (أخطأت محكمة الجنايات الكبرى بتعديل وصف التهمة إلى جنحة الاتجار بالبشر ولا سيما أنه وحسب الواقعة الثابتة لدى المحكمة فإن المميز قد استغل حاجة المجني عليهن للعمل أسوأ استغلال حيث كان يطلب منهن ممارسة الجنس مع الزبائن بقوله )ابسطوا الزبون واطلعوا معه( على الرغم من امتلاكه مطعم فقط وقد أدانته المحكمة بجرم التكسب من البغي حيث إن هذه الأفعال تشكل كافة أركان جناية الاتجار  بالبشر وبما يتفق وأحكام المادة( 2/3/ب) من قانون الاتجار بالبشر وبدلالة المادة التاسعة من القانون نفسه ).

2- الاتجار بالبشر في البروتوكول الدولي لمنع وقمع ومعاقبة الاتجار بالأشخاص لعام 2000 (بروتوكول باليرمو):

دخل هذا البروتوكول حيز النفاذ في 29 سبتمبر عام 2003 ، وقد تناول البروتوكول تلك الجريمة بالتعريف بنص المادة (3/1) والتي نصت على الآتي: (يقصد بتعبير “الاتجار بالأشخاص” تجنيد أشخاص، أو نقلهم، أو ترحيلهم، أو إيواؤهم، أو استقبالهم بواسطة التهديد بالقوة أو استعمالها أو غير ذلك من أشكال القسر، أو الاختطاف، أو الاحتيال، أو الخداع أو استغلال السلطة أو استغلال حالة استضعاف، أو بإعطاء أو تلقي مبالغ مالية أو مزايا لنيل موافقة شخص له سيطرة على شخص آخر لغرض الاستغلال. ويشمل الاستغلال، كحد أدنى، استغلال دعارة الغير أو سائر أشكال الاستغلال الجنسي، أو السخرة، أو الخدمة قسرا، أو الاسترقاق، أو الممارسات الشبيهة بالرق، أو الاستعباد، أو نزع الأعضاء).

ويُلاحظ تقارب التعريف الوارد بالقانون الأردني مع التعريف الوارد في البروتوكول مع وجود بعض الاختلافات وذلك مثل تجاهل المشرع الأردني النص على تجريم فعل الترحيل عكس ما ورد في البرتوكول.

3-الاتجار بالبشر في القانون المصري:

عرف المشرع المصري جريمة الاتجار بالبشر بمقتضى نص المادة (2) بالقانون رقم 64 لسنة 2010 بحيث نص على ما يلي: (يعد مرتكباً لجريمة الاتجار بالبشر كل من يتعامل بأية صورة في شخص طبيعي بما في ذلك البيع أو العرض للبيع أو الشراء أو الوعد بهما أو الاستخدام أو النقل أو التسليم أو الإيواء أو الاستقبال أو التسلم سواء في داخل البلاد أو عبر حدودها الوطنية , إذا تم ذلك بواسطة استعمال القوة أو العنف أو التهديد بهما ، أو بواسطة الاختطاف أو الاحتيال أو الخداع ، أو استغلال السلطة ، أو استغلال حالة الضعف أو الحاجة ، أو الوعد بإعطاء أو تلقى مبالغ مالية أو مزايا مقابل الحصول علي موافقة شخص علي الاتجار بشخص آخر له سيطرة عليه – وذلك كله – إذا كان التعامل بقصد الاستغلال أيا كانت صورة بما في ذلك الاستغلال في أعمال الدعارة وسائر أشكال الاستغلال الجنسي ، واستغلال الأطفال في ذلك وفي المواد الإباحية أو السخرة أو الخدمة قسراً ، أو الاسترقاق أو الممارسات الشبيهة بالرق أو الاستعباد ، أو التسول، أو استئصال الأعضاء أو الأنسجة البشرية ، أو جزء منها).

ويلاحظ على تعريف المشرع المصري للجريمة بأنه تعريف يتسم بالعمومية والمرونة، حيث يتسع ليشمل أشكالًا متعددة تندرج تحت جريمة الاتجار بالبشر ويتضح ذلك من خلال استهلاله لنص المادة السابقة بعبارة (يعد مرتكباً لجريمة الاتجار بالبشر كل من يتعامل بأية صورة في شخص طبيعي …) وتلك العبارة تحمل في طياتها معظم صور – إن لم تكن كافة صور – الاتجار بالبشر.

وتأكيدًا على ذلك فقد قضت محكمة النقض المصرية في حكمها رقم 5386 لسنة ٨٢ قضائية الصادر بجلسة 9/1/2014 والتي قضت فيه بالآتي: (يبين مما أورده الحكم على نحو ما تقدم أنه بين واقعة الدعوى بما تتوافر به كافة العناصر القانونية لجريمة الاتجار بالبشر بأن تعامل في شخص طبيعي وهو الطفل …. بقصد استغلاله جنسياً كما هي معرفة في المادة ٢٩١ من قانون العقوبات ودان الطاعن بها وأورد على ثبوتها في حقه أدلة سائغة من شأنها أن تؤدي إلى ما رتبه الحكم عليها وجاء استعراضه لأدلة الدعوى على نحو يدل على أن المحكمة محصتها التمحيص الكافي وألمت بها إلماماً شاملاً يفيد أنها قامت بما ينبغي عليها من تدقيق البحث لتعرف الحقيقة ، فإن النعي على الحكم في هذا الشأن لا يكون له محل).

ثانيًا: التزامات الأردن بالمعايير الدولية لمكافحة الاتجار بالبشر

1-التزامات مصدرها القانون الدولي:

غني عن البيان وجود ارتباط وثيق بين هجرة العمال والقضايا المتعلقة بالاتجار بالبشر، ذلك أن فئة العمال الهاجرين هم أكثر فئة تعرضًا لأن يكونوا محلًا لجريمة الاتجار بالبشر لذلك كان ولابد من وجود تنظيم دولي لحماية هؤلاء العمال بمقتضى الاتفاقيات الدولية ومذكرات التفاهم بين الدول.

وبناء على ما تقدم فإن المملكة الأردنية تلتزم بموجب الاتفاقيات والمواثيق الدولية التي تعد طرفًا فيها بأن تكفل حماية العمال المهاجرين إلى الأردن بحثًا عن العمل دونما تمييز بينهم سواء لجنس، أو عرق، أو لون، أو لغة، أو ديانة، ويجب كذلك أن تلتزم الأردن بتنفيذ تلك المعاهدات وفقًا لمقتضيات حسن النية، ولا يتسنى لها أن تتذرع بقانونها الداخلي لتتجاهل التزام دولي بمقتضى تلك الاتفاقيات.

ومن ضمن الاتفاقيات التي انضمت إليها الأردن فيما يتعلق بحماية العمال المهاجرين ما يلي:

  • اتفاقية بشأن توظيف العمال بين الأردن ونيبال لسنة 2017 ، حيث تهدف تلك الاتفاقية إلى تعزيز التعاون بشأن مسائل العمل من خلال توفير إطار قانوني لتوظيف العمالة من أجل حماية حقوقها وتعزيزها والوفاء بها، فضلًا عن وضع آلية لمناقشة وتبادل وجهات النظر حول المشاكل المتعلقة بالعمل وحل القضايا العالقة، وكذلك أيضًا تبادل المعلومات بين الطرفين حول أفضل الممارسات المتعلقة بالعمالة المهاجرة لتحقيق المنفعة المتبادلة، وذلك وفقًا لنص المادة (1) من تلك الاتفاقية.
  • اتفاقية حول استخدام وتوظيف العمالة الأوغندية بين الأردن وأوغندا لسنة 2016، حيث تهدف تلك الاتفاقية إلى انشاء آلية لضمان حماية الحقوق الأساسية للعمال الأوغنديين، وتعزيز وإنفاذ حقوقهم كعمال في المملكة الأردنية الهاشمية.
  • مذكرة تفاهم حول توظيف العمال الأثيوبيين بين الأردن وأثيوبيا لسنة 2012، ويكون الهدف من تلك المذكرة هو تعزيز التعاون في مسائل العمل وتوفير الإطار القانوني لتوظيف العمال الأثيوبيين من اجل حماية وتعزيز وإنفاذ حقوقهم كعمال في المملكة الأردنية الهاشمية.

2-التزامات مصدرها الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان:

انضمت المملكة الأردنية إلى العديد من الاتفاقيات الدولية بشأن حقوق الإنسان وذلك مثل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي اشتمل على حقوق وحريات الإنسان الأساسية كحقه في الحياة والحرية الشخصية، فضلًا عن حقه في عدم التعذيب أو الخضوع للعقوبات التي تنال من كرامته، وأيضًا الحق في التنقل واختيار محل أقامته في أي دولة.

بالإضافة إلى انضمام الأردن إلى العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية والعهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وكذلك انضمام الأردن إلى اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب.

فضلًا عن انضمام الأردن إلى الاتفاقية الدولية لمكافحة الجريمة عبر الوطنية لعام 2000 والبروتوكولات المعدلة لها وعلى وجه أخص بروتوكول حظر ومنع الاتجار بالبشر خاصة النساء والأطفال.

إن هذه الاتفاقيات – وغيرها – المتعلقة بحقوق الإنسان وحرياته الأساسية تضع حد أدنى للحقوق التي يجب أن يتمتع بها كل أنسان حي فلا يجوز لأي دولة أن تنال من تلك الحقوق وإلا تعرضت للمسئولية الدولية، وهذا ما تم التأكيد عليه من قبل المفوض السامي لحقوق الإنسان بتقريره الصادر عام 2007.

وجدير بالذكر أن المملكة الأردنية لم توقع على الاتفاقية الدولية لحماية حقوق العمال المهاجرين وأسرهم لعام 1990 والتي دخلت حيز النفاذ عام 2003، على الرغم من أن هذه الاتفاقية تعد من الاتفاقيات الأساسية في هذا المجال، فعلى الرغم من قلة عدد الدول التي انضمت إليها حيث لم يتجاوز عددهم (43) دولة بيد أنها أصبحت جزءًا من القانون الدولي العرفي.

3-قرار مجلس الأمن 2331 لعام 2016:

نظرًا لما تعانيه المنطقة العربية من نزاعات مسلحة تنال من الاستقرار الأمني وعلى وجه الخصوص في سوريا والعراق، فضلًا عن تنامي الإرهاب الأمر الذي دفع العديد من اللاجئين إلى التدفق نحو الأردن – وغيرها من الدول – مما جعلهم أرضًا خصبة ليكونوا محلًا لجريمة الاتجار بالبشر من قبل العصابات المنظمة الضالعة في تلك الجريمة.

لذلك جاء قرار مجلس الأمن رقم 2331 الصادر في الجلسة رقم 7847 لعام 2016 والمتعلق بمكافحة الاتجار بالبشر وعلى وجه الخصوص حال النزاعات المسلحة وما يتمخض عنها من اندلاع حالات الاستغلال الجنسي وجرائم الاتجار بالبشر، حيث أكد مجلس الأمن في قراره على ضرورة تقديم المساعدات للاجئين من قبل الدول وتوفير الخدمات التي تكفل تعافيهم البدني والنفسي والاجتماعي.

وكذلك أكد مجلس الأمن على ضرورة التزام الدول بالتصديق على اتفاقيات الأمم المتحدة لمكافحة الاتجار بالبشر وعلى وجه الخصوص بروتوكول منع وقمع ومعاقبة الاتجار بالأشخاص، فضلًا عن التزام الدول بتقديم المساعدات لضحايا الاتجار بالبشر خاصة اللاجئين وعدم جواز تعريضهم للمسائل القانونية عما أكرهوا عليه من أفعال.

ونشير في هذا الصدد إلى أن الأردن تعمل على تنفيذ تلك الالتزامات ويتجلى ذلك على سبيل المثال في نص المادة (11) من نظام دور إيواء المجني عليهم والمتضررين من جرائم الاتجار بالبشر حيث نصت على أن تستقبل الدار المجني عليه بموافقته أو المتضرر بموافقة من يمثله لغايات لإيواء في أي من الحالتين التاليتين:

  • إذا تبين للمدعي العام أن الشخص قد وقعت عليه أي من جرائم الاتجار بالبشر وفق أحكام القانون.
  • إذا قرر المدعي العام التوقف عن ملاحقة المجني عليه أو المتضرر إذا كان مرتكبا لأي من جرائم الاتجار بالبشر أو مشاركا أو متدخلا فيها أو محرضا عليها وذلك وفق أحكام الفقرة (أ) من المادة (12) من القانون.

4-التزامات مصدرها اتفاقيات العمل الدولية:

نظرا لانضمام الأردن لعدد من اتفاقيات العمل الدولية مثل اتفاقية حرية تكوين جمعيات واتفاقية الاعتراف بحق المفاوضة الجماعية واتفاقية القضاء على أعمال السخرة أو العمل القسري واتفاقية الغاء عمل الأطفال، فتلك الاتفاقات ترتب التزامات على عاتق الدول المنضمة إليها – ومنها المملكة الأردنية – التي ينبغي عليها أن تعدل تشريعاتها الداخلية حتى تتفق وأحكام تلك المعاهدات الدولية.

ولقد أكددت المملكة الأردنية في العديد من المناسبات الدولية على سمو الاتفاقيات الدولية على التشريعات الوطنية، وأن تلك الاتفاقيات ملزمة للسلطة التشريعية والقضائية، وهذا أيضًا ما يؤكد عليه العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الصادر عام 1966 والذي يتضح من نص المادة (2) والتي نصت على أن : (تتعهد كل دولة طرف في هذا العهد بأن تتخذ، بمفردها وعن طريق المساعدة والتعاون الدوليين، ولا سيما على الصعيدين الاقتصادي والتقني، وبأقصى ما تسمح به مواردها المتاحة، ما يلزم من خطوات لضمان التمتع الفعلي التدريجي بالحقوق المعترف بها في هذا العهد، سالكة إلى ذلك جميع السبل المناسبة، وخصوصا سبيل اعتماد تدابير تشريعية).

وعلى الرغم من أن الدستور الأردني أغفل النص على القيمة القانونية للاتفاقيات الدولية، إلا أن القضاء الأردني تواتر على إعطاء الاتفاقيات الدولية قيمة أسمى من القوانين الداخلية، ويتجلى ذلك في قضاء محكمة التمييز في حكمها رقم 1315 لسنة 2016 – محكمة التمييز بصفتها الجزائية الصادر بتاريخ 16/8/2016 والتي قضت فيه بالآتي : (أخطأت محكمة الاستئناف بعدم تطبيق قاعدة تدرج التشريعات ذلك أن الاتفاقيات الدولية التي صادقت عليها المملكة تعلو على التشريعات الداخلية وهي واجبة التطبيق).

إعداد : احمد منصور و المحامي سامي العوض

Scroll to Top