التضامُن بين الدائنين

التضامُن بين الدائنين

يُعد التضامُن بين الدائنين أو ما يعرف بـ ” التضامُن الإيجابي” من الأمور النادرة الوقوع في العمل، وهو وصف يلحق بالإلتزام في جانبه الإيجابي يجعل لكل دائن الحق في أن يُطالب بكامل الدين دون أن تتوقف مُطالبته على ماله من حصة في الدين فقط، ويكون وفاء المدين لأي من الدائنين المُتضامنين وفاءً صحيحاً مُبرأً لذمته تجاه جميع الدائنين.

أولا: مصدر التضامُن بين الدائنين:

1- الإتفاق أو نص القانون:

2- التضامُن بين الدائنين لا يُفترض:

ثانيا: وحدة المحل وتعدد الروابط في الإلتزام التضامُني:

1- تعدد الروابط:

2- وحدة المحل:

ثالثا: الآثار التي تترتب على تضامُن الدائنين:

1-العلاقة بين الدائنين المُتضامنين والمدين:

أ- إنقضاء الدين بالوفاء:

ما الحكم في حالة وفاة أحد الدائنين المُتضامنين؟

ماهي أوجه الدفع التي يستطيع أن يتمسك بها المدين في مواجهة أي من الدائنين المُتضامنين؟

ب- إنقضاء الدين لأسباب إخرى غير الوفاء:

تجديد الدين:

المقاصة:

إتحاد الذمة:

الإبراء:

ج- النيابة التبادلية بين الدائنين المُتضامنين فيما ينفع لا فيما يضر:

2- العلاقة بين الدائنين المُتضامنين وبعضهم البعض:

ماهو الأساس القانون لرجوع كل دائن بحصته؟

رابعا: الدين المُشترك:

1- مصدر الدين المُشترك:

2- مقارنة بين الدين المُشترك والتضامُن:

3- الآثار المُترتبة على الإشتراك في الدين:

أ- في العلاقة بين الدائنين بالمدين:

ب- في العلاقة بين الدائنين وبعضهم البعض:

ج- حق الدائن في تأجيل الدين:

د- تصرف الدائن الشريك فيما قبضه من دين:

أولا: مصدر التضامُن بين الدائنين:

1- الإتفاق أو نص القانون:

تنص المادة المادة (412) من القانون المدني الأردني بأن (لا يكون التضامن بين الدائنين إلا بإتفاق أو بنص في القانون)، ويقابل هذا النص نص المادة (279) من القانون المدني المصري التي نصت على أن ( التضامن بين الدائنين أو بين المدينين لا يفترض، وإنما يكون بناءً على اتفاق أو نص في القانون).

فيتضح من مُطالعة النصين السابقين أن المشرع يجعل من الإرادة أو نص القانون مصدرين للتضامن بين الدائنئن، ولكن على الرغم من ذلك فنجد أن التضامُن بين المدينين من الجانب العملي لا يجد مصدره إلا في الإرادة فقط، فلم ينص المشرع المصري أو المشرع الأردني على إفتراض حالة للتضامُن بين الدائنين على عكس الوضع بالنسبة للتضامُن بين المدينين.

ويرجع السبب وراء ندرة وقوع التضامُن الإيجابي في العمل أن له مخاطر تفوق ما يجلبه من مكاسب، حيث بمقتضاه يتعرض الدائنون إلى إحتمالية أن يقبض أحدهم الدين بالكامل من المدين وتبرأ ذمة الأخير قبل جميع الدائنين ولا يكون للدائنين سوى مطالبة الدائن الذي قبض الدين.

ولدرء ذلك الخطر المُحتمل الوقوع فقد نص المشرع المصري في الفقرة الأولى من المادة (280) من القانون المدني على أن (إذا كان التضامن بين الدائنين، جاز للمدين أن يوفّى الدين لأي منهم، إلا إذا مانع أحدهم في ذلك)، وهو ذات الحكم الذي أورده المشرع الأردني بمقتضى نص المادة (413) من القانون المدني والتي نصت على أن (للمدين أن يوفى دينه إلى أي من الدائنين المتضامنين إلا إذا أنذره أحدهم بعدم وفائه له).

ومن ثم يكون كل من المشرع المصري والأردني قد منحا الدائنين مُكنة المُعارضة في وفاء المدين للدائن لتوقي هذا الخطر.

2- التضامُن بين الدائنين لا يُفترض:

إذا تعدد الدائنين في رابطة إلتزام فإن التضامُن بينهم لا يفترض بل يجب أن يُنَص عليه صراحة أو يُستخلص ضمناً من ملابسات ونصوص التعاقد، وفي حالة الإتفاق الضمني يجب أن يكون إستخلاص التضامُن بين الدائنين لا يدع مجالاً للشك في توافره، فإذا إكتنف الشك دلالة عبارات العقد وجب أن يؤول لنفي التضامُن رجوعاً على الأصل بعدم إفتراضه.

ولا يشترط لكي يكون هناك تضامُن بين الدائنين أن تُذكر كلمة “تضامُن” صريحة في العقد، بل يكفي إستعمال عبارات تشير بيقين إلى إتجاه إرادات طرفي العقد إلى الإتفاق على التضامن، كما لو تم الإتفاق على تمكين المدين من أن يوفي بكامل الدين إلى أي من الدائنين ويكون وفائه صحيحاً مبرأً لذمته تجاههم جميعاً.

ثانيا: وحدة المحل وتعدد الروابط في الإلتزام التضامُني:

1- تعدد الروابط:

لا يقدح في وجود تضامن بين الدائنين أن تكون هناك روابط متعددة تربط كل دائن بالمدين بصورة مستقلة عن الروابط الأخرى، وهو ما يترتب عليه إمكانية أن تكون رابطة أحد الدائنين بالمدين موصوفة في حين تكون الروابط الإخرى بسيطة، بمعنى أنه قد يكون أحد الدائنين دائناً تحت شرط واقف أو أن دينه مضاف إلى أجل واقف في حين يكون باقي الدائنين دينهم منجز، مما يترتب عليه أن الدائن تحت شرط أو المُضاف دينه إلى أجل لا يتسنى له مُطالة المدين إلا بعدما يتحقق هذا الشرط أو يحين موعد الأجل.

وهذا ما يؤكد عليه المشرع المصري بنصه في المادة (281/1) من القانون المدني على أن (يجوز للدائنين المتضامنين، مجتمعين أو منفردين، مطالبة المدين بالوفاء، ويراعى في ذلك ما يلحق رابطة كل دائن من وصف يعدّل من أثر الدين).

فضلاً عن أنه من الآثار المُترتبة على تعدد الروابط إمكانية أن تكون إحدى هذه الروابط قد شابها عيب من عيوب الرضا مما يوصمها بالبطلان دون أن يكون لهذا البطلان ثمة أثر على باقي الروابط الأخرى إذا كانت صحيحة، وليس للمدين أن يحتج على أي من الدائنين بالدفوع الخاصة المتعلقة بدائن آخر, ويؤكد على ذلك المشرع الأردني بنصه في المادة (415/2) من القانون المدني على أن (وليس للمدين أن يعترض على دين أحد دائنيه المتضامنين بأوجه الإعتراض الخاصة بدائن آخر وله أن يعترض باوجه الاعتراض الخاصة بهذا الدائن وبالأوجه المشتركة بين جميع الدائنين)، ويقابل هذا النص في التشريع المصري نص المادة (281/2) والتي نصت على أن (ولا يجوز للمدين إذا طالبه أحد الدائنين المتضامنين بالوفاء أن يحتّج على هذا الدائن بأوجه الدفع الخاصة بغيره من الدائنين، ولكن يجوز له أن يحتّج على الدائن المطالب بأوجه الدفع الخاصة بهذا الدائن، وبأوجه الدفع المشتركة بين الدائنين جميعاً).

ويترتب على ماسبق – كما سيأتي تفصيله – أنه من الممكن أن تنقضي إحدى الروابط وتبقى الروابط الأخرى قائمة.

2- وحدة المحل:

العنصر المُميز للتضامن – سواء كان إيجابي أو سلبي – هو وحدة المحل الذي يجمع بين الدائنين المُتضامنين، حيث يكونوا جميعهم دائنين بنفس الدين وهذا يُمكن أي منهم من أن يُطالب المدين بكامل الدين ويكون وفائه لأي منهم وفائاً صحيحاً مبرأً لذمته في مواجهة جميع الدائنين.

وهذا ما تؤكده محكمة التمييز الأردنية في حكمها رقم 8079 لسنة 2019 – محكمة التمييز بصفتها الحقوقية الصادر بتاريخ 2020-03-17والتي قضت فيه بأن (وحيث إن الأصل بالتضامن بين المدينين أنه يحق للدائن أو المتضرر أن يطالب بدينه كل المدينين المتضامنين أو بعضهم إعمالاً لنص المادة (428/1) من القانون المدني والتي تنص على ما يلي : ( للدائن أن يطالب بدينه كل المدينين المتضامنين أو بعضهم مراعياً ما يلحق علاقته بكل مدين من وصف يؤثر في الدين)، مما يجوز معه وفق ذلك للمدعي مطالبة المدعى عليها بصورة منفردة بصفتها مالكة للمركبة المسببة للحادث بالأضرار التي لحقت بمركبته وضمن حدود المسؤولية التضامنية مع سائق المركبة وشركة التأمين وعليه فإن مطالبة المدعي في هذه الدعوى لا تخالف القانون).

ثالثا: الآثار التي تترتب على تضامُن الدائنين:

1-العلاقة بين الدائنين المُتضامنين والمدين:

أ- إنقضاء الدين بالوفاء:

من مطالعة نصوص القانون المدني الأردني والمصري السابق الإشارة إليها يتجلى لنا أنه يحق للمدين أن يوفي لأي من الدائنين المُتضامنين بكامل الدين ويكون وفائه صحيحاً مبرأً لذمته، ولا يحق للدائن الذي يشرع المدين للوفاء إليه أن يرفض هذا الوفاء بل لا يحق له أن يقتصر على إلزام المدين بالوفاء له بيدنه فقط – وذلك إذا كان المدين عارضاً للوفاء بكامل الدين – حيث يحق للمدين في هذه الحالة أن يعرض الوفاء عرضاً حقيقياً ويترتب على ذلك برائة ذمته من الدين.

وعلى الجانب العكسي، لا يجوز للمدين أن يرفض الوفاء لأحد الدائنين أو أن يتمسك بالوفاء الجزئي الذي يقتصر على حصة الدائن المُطالب له بالوفاء مالم يقبل الدائن بهذا الوفاء الجزئي.

وفي هذا الصدد يجب ملاحظة الحالة التي أشرنا إليها والتي بمقتضاها يستطيع الدائنين أن يُمانعوا في الوفاء لأحد الدائنين بإعلان إعتراضهم إلى الدائن، وهذا الإعتراض لا يشترط فيه أن يكون وفقاً لشكل قانوني معين، فيصح هذا الإعتراض حتى ولو تم بصورة شفوية ويمكن إثباته – بإعتباره واقعة مادية – بكافة طرق الإثبات.

 ما الحكم في حالة وفاة أحد الدائنين المُتضامنين؟

أجابت على هذا التساؤل الفقرة الثانية من المادة (280) من القانون المدني المصري والتي نصت على أن (مع ذلك لا يحول التضامن دون انقسام الدين بين ورثة أحد الدائنين المتضامنين، إلا إذا كان الدين غير قابل للانقسام).

يتضح إذن ان وفاة أحد الدائنين المُتضامنين يترتب عليها إنقسام الدين على الورثة، ومن ثم فلا يحق لأي وارث إلا أن يُطالب المدين بقيمة نصيبه في دين المورث، ومن الناحية العكسية لا يجوز للمدين أن يوفي بكامل الدين لأي من الورثة فلا يحق له إلا أن يوفي له بما يعادل حصته في دين مورثه فقط.

ولكن المشرع المصري يُعالج الحالة التي لا يكون فيها الدين قابل للإنقسام، وفي هذه الحالة يحق لأي وارث أن يطالب بكامل الدين، ويكون وفاء المدين بكامل الدين لأي من الورثة وفاءً صحيحاً مبرأ لذمته.

ماهي أوجه الدفع التي يستطيع أن يتمسك بها المدين في مواجهة أي من الدائنين المُتضامنين؟

من مطالعة نصوص كل من القانون المدني والأردني – سالفة البيان – يتجلى لنا أن هناك نوعين من الدفوع للمدين أن يتمسك بهم في مواجهة الدائن الذي يُطالبه بالوفاء وهما:

  • النوع الأول : وهى الدفوع المُستمدة من العلاقة الشخصية التي تربطه بالدائن، كأن تكون تلك العلاقة مشوبة بعيب من عيوب الرضا كالغلط أو الإكراه أو التدليس أو الإستغلال، أو أن يكون الدين قد إنقضى بينهم للوفاء أو مايقوم مقامه من تجديد أو مقاصة او نحو ذلك.
  • النوع الثاني : وهى الدفوع المُشرتكة بين الدائنين كأن يكون مصدر الإلتزام مشوب بالبطلان لنقصان أهلية المدين، أو أن محل الإلتزام غير مشروع.

أما فيما عدا ذلك فلا يحق للمدين أن يتمسك في مواجهة دائن بأوجه الدفوع المستمدة من علاقته بدائن آخر لقيام التضامن بين الدائنين – كما ذكرنا – على تعدد الروابط وإستقلالها، وهذا ما يؤكد عليه المشرع الأردني في نص المادة (415/2) من القانون المدني والتي نصت على أن (وليس للمدين ان يعترض على دين احد دائنيه المتضامنين باوجه الاعتراض الخاصة بدائن آخر وله ان يعترض باوجه الاعتراض الخاصة بهذا الدائن وبالاوجه المشتركة بين جميع الدائنين).

ب- إنقضاء الدين لأسباب إخرى غير الوفاء:

تنص المادة (430) من القانون المدني الأردني على أن (إذا إنقضت حصة أحد المدينين المتضامنين في الدين بطريق المقاصة أو اتحاد الذمتين أو الإبراء فإن الدين لا ينقضي بالنسبة لباقي المدينين إلا بقدر حصة هذا المدين)، وهذا النص يُقابله نص المشرع المصري في المادة (282/1) والتي نصت على أن (إذا برئت ذمة المدين قبل أحد الدائنين المتضامنين بسبب غير الوفاء، فلا تبرأ ذمته قبل باقي الدائنين إلا بقدر حصة الدائن الذي برئت ذمة المدين قبله).

يتضح إذن أن إنقضاء الدين لسبب غير الوفاء يقتصر أثره على حصة الدائن فقط الذي إنقضى الدين في مواجهته، فلو كان الدائن وكيلاً عن الدائنين في قبض الدين بكامله حال الوفاء فإنه لا يُعد كذلك فيما يقوم مقام الوفاء.

تجديد الدين:

يترتب على تجديد الدين إنقضائه، ويكون التجيد إما بتغيير محل الدين أو بتغيير مصدره أو بتغيير أي من الدائن أو المدين، ولا يكون لتجيد الدين أثر إلا في مواجهة الدائن فقط الذي جُدد الدين في مواجهته مع المدين، بحيث يترتب على ذلك أن يُستنزل حصته من الدين الأصلي.

ولكن يجب أن يُراعى – في هذا الصدد – نص المادة (286) من القانون المدني المصري والتي نتص على أن (يترتب على تجديد الدين بين الدائن وأحد المدينين المتضامنين أن تبرأ ذمة باقي المدينين، إلا إذا احتفظ الدائن بحقه قبلهم).

حيث يكون الدائن بالخيار إما في أن يكون للتجديد أثره في مواجهة جميع الدائنين ومن ثم يترتب على ذلك أن ينقضي الدين برمته وتبرأ ذمة المدين في مواجهة كافة الدائنين، أو أن يقرر أن آثار التجديد لا تلحق سواه بحيث يظل باقي الدين – بعد إستنزال حصته – مُعلق في ذمة المدين تجاه باقي الدائنين.

المقاصة:

تقتصر آثار المقاصة التي تقع بين المدين وأحد الدائنين المُتضامنين على حصة هذا الدائن فقط، حيث يتم إستنزال قيمة الدين المنقضي بسبب المقاصة من الدين الأصلي ولكن في حدود حصة هذا الدائن فقط.

إتحاد الذمة:

في حال إتحاد ذمة أحد الدائنين مع المدين فإن ذلك ليس من شأنه أن يترتب عليه إنقضاء كامل  الدين في مواجهة باقي الدائنين، حيث يظل لهم حق المُطالبة بدينهم بعد إستنزال حصة الدائن الذي إتحدت ذمته مع المدين.

الإبراء:

إذا أبرأ أحد الدائنين المُتضامنين المدين من الدين فإن هذا الإبراء يقتصر أثره على حصة هذا الدائن وحده، ومن ثم يكون لباقي الدائنين مُطالبة المدين بالدين بعد إستنزال حصة الدائن الذي صدر منه الإبراء.

ج- النيابة التبادلية بين الدائنين المُتضامنين فيما ينفع لا فيما يضر:

تنص المادة (282) من القانون المدني المصري على أن (ولا يجوز لأحد الدائنين المتضامنين أن يأتي عملاً من شأنه الإضرار بالدائنين الآخرين).

إن الأعمال النافعة التي يقوم بها أي دائن تعود بالنفع على باقي الدائنين بإعتباره وكيلاً عنهم، فإذا قطع أحد الدائنين التقادم في مواجهة المدين يترتب على ذلك أن التقادم ينقطع بالنسبة لكافة الدائنين الآخرين حتى ولو لم يشتركوا في الإجراء الذي إتخذه الدائن وأدى إلى قطع التقادم.

وينطبق ذات الأثر على الصلح الذي يجريه أحد الدائنين مع المدين ويترتب عليه تحسين في مركزه القانون، حيث يستفيد من هذا الصلح كافة الدائنين المُتضامنين، وأيضاً إذا ما أقر المدين لأحد الدائنين بوجود الدين فإن هذا الإقرار يكون سارياً في حق كافة الدائنين الآخرين.

أما فيما يتعلق بالأعمال الضارة فإن آثارها تقتصر فقط على الدائن الذي قام بإتخاذها، كما لو إرتكب أحد الدائنين خطأً إستوجب مسئوليته فإن هذا الخطأ لا يتعدى أثره إلى باقي الدائنين، وذات الحكم ينطبق على الإعذار الذي يوجهه المدين لأحد الدائنين فإن أثره يقتصر فقط على الدائن الذي وجه له.

وإذا نكل الدائن عن حلف اليمين التي وجهت له فلا يضار أحد غيره من هذا النكول، أما إذا حلف فإن باقي الدائنين يستفيدون من ذلك.

2- العلاقة بين الدائنين المُتضامنين وبعضهم البعض:

تتجلى ملامح تلك العلاقة من نص المادة (416) من التقنين المدني الأردني والتي نصت على أن (كل ما يؤدى من الدين لأحد الدائنين المتضامنين يعتبر من حقهم جميعا بالتساوي بينهم إلا إذا نص القانون أو إتفقوا على غير ذلك)، ويقابلها نص المادة (283) من التقنين المدني المصري والتي نصت على أن (كل ما يستوفيه أحد الدائنين المتضامنين من الدين يصير من حق الدائنين جميعاً ويتحاصون فيه، وتكون القسمة بينهم بالتساوي، إلا إذا وجد اتفاق أو نص يقضي بغير ذلك).

يتضح إذن أنه إذا كان الدين لا ينقسم في العلاقة بين الدائنين المُتضامنين والمدين فإنه ينقسم في العلاقة الداخلية بين هؤلاء الدائنين، فإذا إستوفى أحد الدائنين الدين من المدين كان لباقي الدائنين أن يرجعوا عليه ولكن كل بحسب حصته في الدين.

ماهو الأساس القانون لرجوع كل دائن بحصته؟

لما كان الدائنين شركاء في مصلحة واحدة وهى إستيفاء الدين فإنه يُمكن أن يُستخلص من ذلك ضمنياً أن بينهم وكالة، ومن ثم يكون رجوع الدائنين على الدائن الموفى له بمقتضى أحكام دعوى الوكالة.

أما إذا تعذر إستخلاص وجود وكالة ضمنية بين الدائنين المُتضامنين فيكون رجوع الدائنين بحصتهم على الدائن الموفى له بمقتضى قواعد الإثراء بلاسبب وخاصة قواعد الفضالة.

وتجدر الإشارة إلى أنه أياً كانت الدعوى التي سيرجع بها الدائنين على الدائن الموفى له فإنه لا يُمكن أن يستند هذا الرجوع إلى قواعد الحلول حيث يقتصر الأمر على الرجوع بالدعوى الشخصية.

ويكون رجوع كل دائن على الدائن الموفى له بمقدار حصته في الدين، وهذه الحصة غالباً ما تتحدد بمقتضى إتفاق خاص بين الدائنين المُتضامنين، فإن تخلف مثل هذا الإتفاق فإن المشرع قد إفترض أنهم متساوين في الحصص وعلى من يدعى خلاف ذلك أن يشرع في إثباته.

رابعا: الدين المُشترك:

يُعد الدين المُشترك صورة خاصة من صور التضامن الإيجابي بين الدائنين، وهى صورة مأخوذة من الفقه الإسلامي الحنيف.

1- مصدر الدين المُشترك:

تنص المادة (417) من القانون المدني الأردني على أن (يكون الدين مشتركاً اذا اتحد سببه او كان دينا آل بالارث الى عدة ورثة او مالاً مستهلكاً مشتركاً او بدل قرض مستقرض من مال مشترك).

ومن ثم يُصبح ديناً مشتركاً إذا كان له مصدر واحد ترتب عليه أيلولة مال إلى عدة أشخاص يكون ملكهم على الشيوع ، وفي هذه الحالة قد يكون الدين مشتركاً من البداية كما في حالة إذا كان للمورث دين فإن الحق في هذا الدين يؤول إلى الورثة بإعتباره ديناً مُشتركاً.

وقد ينشأ الدين المُشترك في وقت لاحق كما لو آلت عين إلى الورثة فملكوها على الشيوع وقرروا بيعها، فإن ثمن العين يكون ديناً مشتركاً بين الورثة.

2- مقارنة بين الدين المُشترك والتضامُن:

كما سبق وبينا فإن التضامن من الناحية العملية لايجد له مصدر إلا في الإتفاق بين أطراف العلاقة القانونية، أما الدين المُشترك فقد يكون مصدره القانون – كما في حالة الدين المُتعلِق بالتركة – وقد يكون مصدره الإتفاق كما في حالة بيع مال مملوك لمجموعة أشخاص على الشيوع.

3- الآثار المُترتبة على الإشتراك في الدين:

أ- في العلاقة بين الدائنين بالمدين:

وفقاً لنص المادة (418) من القانون المدني الأردني فإن (لكل من الشركاء في الدين المشترك أن يطلب حصته فيه ويكون ما قبضه مالا مشتركا بين جميع الشركاء لكل بقدر نصيبه).

فيتضح إذن أن الدائن في الدين المُشترك لا يتمكن سوى من المُطالبة بحصته في الدين فقط وذلك على عكس ماهو عليه الحال في التضامُن بين الدائنين، الأمر الذي يترتب عليه إنتفاء فكرة النيابة التبادلية بين الدائنين بدين مُشترك لعدم وجود مصلحة مُشتركة بين الدائنين المُشتركين في ذات الدين.

ب- في العلاقة بين الدائنين وبعضهم البعض:

“يكون ماقبضه الدائن من مال مُشترك بين جميع الشركاء كلً بقدر نصيبه” ثم يرجعون – وهو معهم – على المدين بالقدر المُتبقي من الدين، وكذلك يكون للدائنين أن يتركوا الدائن الذي قبض حصته ويرجعوا على المدين بما تبقى لهم كلً بحسب حصته، فإذا كان المدين مُعسراً فإنهم يستطيعون الرجوع على الدائن الذي قبض دينه ليحملوه نصيبه من تبعة الإعسار.

وهذا ما يقرره المشرع الأردني بنصه في المادة (419) من القانون المدني والتي تنص على أن (إذا قبض أحد الشريكين بعض الدين المشترك فللشريك الآخر أن يشاركه فيه بنسبة حصته ويتبعان المدين بما بقي، أو أن يترك ما قبضه على أن يتبع المدين بحصته، فإذا إختار الشريك متابعة المدين فليس له أن يرجع على شريكه إلا إذا هلك نصيبه ، وله ان يرجع عليه بنسبة حصته فيما قبض).

ج- حق الدائن في تأجيل الدين:

لا يحق للدائن في الدين المُشترك أن يؤجل إستحقاق الدين كله إلا بموافقة كافة الدائنين الآخرين، ولكن يحق له أن يؤجل دينه الخاص به وفي هذه الحالة لا يكون له حق مُشاركة الدائنين اللآخرين فيما قبضوه، وهذا ما يؤكده نص المادة (425) من القانون المدني الأردني والتي نصت على أن (لا يجوز لاحد الشركاء في دين مشترك تأجيله وحده دون موافقة الباقين على هذا التاجيل، ويجوز له ان يؤجل حصته دون موافقة الباقين وفي هذه الحالة ليس له أن يشاركهم فيما يقبضون من الدين).

د- تصرف الدائن الشريك فيما قبضه من دين:

ينص المشرع الأردني في المادة ( 420) على أن (إذا قبض أحد الشركاء حصته في الدين المشترك ثم تصرف فيها أو استهلكها فللشركاء الآخرين أن يرجعوا عليه بانصبائهم فيها، فإذا تلفت في يده بلا تقصير منه فلا ضمان عليه لأنصبة شركائه فيها ويكون قد إستوفى حصته وما بقي من الدين بذمة المدين يكون لشركائه الآخرين).

يتضح من النص السابق أن المشرع يفرق في حالة قبض أحد الدائنين الشركاء جزء من الدين يُعادل حصته بين حالتيتن:

  • الحالة الأولى : أن يتصرف هذا الدائن في الجزء الذي قبضه بأي صورة من صور التصرف سواء كان هبة أو بيع أو غير ذلك، أو أن يكون قد إستهلك هذا الجزء، ففي هذه الحالة يحق لباقي الشركاء أن يرجعوا عليه بنسبة حصة كل منهم.
  • الحالة الثانية : إذا كان الهلاك الجزء الذي قبضه راجع إلى سبب أجنبي لا يد له فيه ففي هذه الحالة لا يكون لباقي الشركاء حق الرجوع عليه، ويكون لهم حينئذ الرجوع على المدين بنسبة حصة كل منهم.

وينبغي الإشارة إلى أنه إذا إشترى أحد الشركاء بحصته التي قبضها من المدين مالا فيكون شركائه في هذه الحالة بالخيار إما أن يضمنوه ما أصاب حصصهم من ثمن ما إشتراه، أو أن يرجعوا على المدين بقدر ماتبقى لهم من دين في ذمته، ولكن في جميع الأحوال فليس لهم أن يشتركوا مع الدائن فيما إشتراه إلا إذا إرتضوا بذلك.

 وهذا ما يؤكده المشرع الأردني بنصه في المادة (422) على أن (إذا اشترى أحد الشركاء بنصيبه في دين مشترك مالا من المدين فللشركاء أن يضمنوه ما اصاب حصصهم من ثمن ما إشتراه أو أن يرجعوا بحصصهم على المدين ولهم ان يشاركوه ما أشتراه إذا إتفقوا على ذلك).

إعداد/ أحمد منصور.

مراجعة وتدقيق/ المحامي سامي العوض.

اذا كان لديك ملاحظة اكتبها هنا

error: حقوق الطبع والنشر محفوظة لشركة حماة الحق © Copy Right Protected