التبليغات في اتفاقية الرياض

يكون اللجـوء إلـى طلـب التعـاون القضائـي الدولـي عـادةً حيـن يتعـذر علـى القاضـي الوطنـي القيـام ببعـض المهـام بنفسـه فيطلـب مـن نظيـره الأجنبـي القيـام بذلـك نيابةً عنـه، ومن ضمن المهام التي يمكن الإنابة بها الآتي: سـماع شـهود، إجـراء تفتيـش، سـماع خبـراء، جرد الحسابات البنكية لمتهميـن وممتلكاتهـم، تنفيـذ قـرارات الحجـز واسـترداد الموجودات، الحصــول علــى أصــول أو نســخ طبــق الأصـل لأحـكام وقـرارات قضائيـة، الحصــول علــى نســخ مــن ملــف الإجــراءات الخاصــة بالمتهــم، وكذلك الحصـول علـى نسـخ طبـق الأصـل لبعـض الوثائـق الإدارية الرسمية المتعلقــة بالقضـة.

ونظرًا للدور بالغ الأهمية الذي يقوم به التعاون القضائي الدولي في تنفيذ أي من الإجراءات المُشار إليها، ومع الانفتاح الدولي بين الدول العربية وبعضها البعض، والحاجة الماسة إلى تنفيذ بعض الإجراءات القضائية في إقليم دولة أخرى؛ لذا فقد تنبهت الدول العربية إلى أهمية التعاون القضائي “وإيمانًا منها بأن وحدة التشريع بين الدولة العربية هدف قومي ينبغي السعي الى تحقيقه انطلاقًا نحو الوحدة العربية الشاملة، واقتناعًا منها بأن التعاون القضائي بين الدول العربية ينبغي أن يكون تعاونًا شاملًا لكل المجالات القضائية على نحو يستطيع أن يسهم بصورة إيجابية وفعالة في تدعيم الجهود القائمة في هذا المجال، وحرصاً منها على توثيق علاقات التعاون القائمة بين الدول العربية في المجالات القضائية، والعمل على دعمها وتنميتها وتوسيع نطاقها، وتنفيذًا للإعلان الصادر عن المؤتمر العربي الأول لوزراء العدل المنعقد في الرباط عاصمة المملكة المغربية في الفترة من 14 – 16 ديسمبر/كانون أول 1977م”([1])، فقد انعقدت إرادة مجموعة من الدول العربية على إعداد اتفاقية دولية بينهما؛ لتنفيذ التعاون القضائي فيما بينهم، سميت هذه الاتفاقية باتفاقية الرياض للتعاون القضائي.

وقد عرف الإعلان أو التبليغ بأنه “وسيلة عِلم الشخص بما يتخذ ضده من إجراءات وأساسه فكرة المواجهة إذ لا يجوز اتخاذ إجراء ضد شخص دون تمكينه من الدفاع عن نفسه”([2]).

كما أن “الإعلان في حد ذاته قد يكون عنصرًا من عناصر العمل الإجرائي محل الإعلان بحيث لا يوجد هذا العمل بغيره، ومثاله إعلان ورقة الحجز الى المحجوز لديه، فبغير هذا الإعلان لا يوجد الحجز، وقد يكون الإعلان عملًا إجرائيا مستقلًا عن الواقعة محل الإعلان ومثاله إعلان الحكم القضائي، فعدم الإعلان لا يؤثر في صحة الحكم إذا تم في ذاته صحيحًا”([3]).

والإعلان عادةً يكون لوثائق أو أوراق قضائية أو غير قضائية؛ وهو ما يتعين معه معرفة ماهية الأوراق القضائية وغير القضائية، إذ يمكن تعريف الأوراق أو الوثائق القضائية بأنها: “أوراق إجرائية مثبتة لإجراءات الخصومة، سواء كانت هذه الإجراءات مما يتخذ قبل رفع الدعوى وقبل قيام الخصومة (كالتبليغات، والإنذارات)، أو كانت مما تقوم به الخصومة (كالاستدعاءات، وصحف الطعون) أو كانت مما يتخذ في أثناء الخصومة (كمحضر ضبط المحكمة، وجلسات التحقيق، والمعاينات)، أو مما يتخذ بعد انتهائها (كالأحكام، ومحاضر الحجز والبيع)”([4])، أما الأوراق غير القضائية فهي الأوراق الشخصية التي لا علاقة لها بالدعاوى القضائية.

وسنتناول في هذا المقال جزء هام جدًّا مما نصت عليه اتفاقية الرياض للتعاون القضائي في آلية تنفيذ التعاون القضائي بين الدول الموقعة على الاتفاقية فيما يخص إجراء إعلان الوثائق والأوراق القضائية وغير القضائية، وتبليغها، وذلك في العناصر الرئيسية الآتية:

أولًا: إمكانية الإعلان والتبليغ في القضايا المدنية والتجارية والإدارية وقضايا الأحوال الشخصية

ثانيًا: إمكانية الإعلان والتبليغ في القضايا الجزائية

ثالثًا: حالة عدم اختصاص الجهة المطلوب إليها الإعلان أو التبليغ

رابعًا: مرفقات طلب الإعلان أو التبليغ والبيانات الخاصة بهذه المرفقات

خامسًا: طريقة إعلان أو تبليغ الأوراق أو الوثائق القضائية

سادسًا: طريقة تسليم الوثائق والأوراق القضائية وغير القضائية

سابعًا: الرسوم والمصروفات المقررة لطلب الإعلان أو التبليغ

ثامنًا: إمكانية رفض الدولة المطلوب منها الإعلان أو التبليغ تنفيذ هذا الطلب

تاسعًا: حق المواطنين المقيمين في أحد الدولة المتعاقدة في إعلان أو تبليغ الأشخاص المقيمين لدى هذه الدولة

ونقدم شرح تفصيلي للعناصر الرئيسية المذكورة في الآتي:

أولًا: إمكانية الإعلان والتبليغ في القضايا المدنية والتجارية والإدارية وقضايا الأحوال الشخصية

لقد نصت اتفاقية الرياض للتعاون القضائي في المادة السادسة على أن: “ترسل الوثائق والأوراق القضائية وغير القضائية المتعلقة بالقضايا المدنية والتجارية والإدارية وقضايا الأحوال الشخصية المطلوب إعلانها أو تبليغها الى أشخاص مقيمين لدى أحد الأطراف المتعاقدة وذلك مباشرةً من الهيئة أو الموظف القضائي المختص الى المحكمة التي يقيم المطلوب إعلانه أو تبليغه في دائرتها”([5]).

ومن المعلوم أن إعلان الوثائق القضائية وغير القضائية وتبليغها يكون إما عن طريق السلطات الدبلوماسية أو عن طريق السلطة المختصة مباشرةً، وقد اختارت اتفاقية الرياض أن يكون إعلان الوثائق والأوراق القضائية وغير القضائية -في القضايا المدنية والتجارية والإدارية وقضايا الأحوال الشخصية- مباشرةً، عن طريق إرسال الهيئة أو الموظف المختص في الدولة المنيبة طلب الإعلان أو التبليغ المراد تنفيذه فيما يخص أي من القضايا المدنية والتجارية والإدارية وقضايا الأحوال الشخصية إلى المحكمة المختصة التي يٌقيم بها المطلوب إعلانه أو تبليغه في دائرتها.

وجاء اختيار هذه الطريقة في تنفيذ إجراء الإعلان والتبليغ الدولي في القضايا المدنية والتجارية والإدارية وقضايا الأحوال الشخصية؛ لما يحتاجه هذا الإجراء من سرعة في التنفيذ؛ لضمان الإعلان والتبليغ في أسرع وقت ممكن، وأقل عدد من الإجراءات، ذلك بعكس الإعلان أو التبليغ بواسطة الطريق الدبلوماسي الذي يستغرق العديد من الوقت والإجراءات؛ لذا فقد وفقت الاتفاقية في اختيار الطريق المباشر في تنفيذ إجراء الإعلان والتبليغ.

ثانيًا: إمكانية الإعلان والتبليغ في القضايا الجزائية

لم تجعل الاتفاقية إعلان الوثائق القضائية وغير القضائية وتبليغها في القضايا الجزائية بالطريقة ذاتها المنصوص عليها في إعلان الوثائق والأوراق القضائية وغير القضائية في القضايا المدنية والتجارية والإدارية وقضايا الأحوال الشخصية، فقد نصت الاتفاقية في المادة السادسة منها على أن: “تُرسَل الوثائق والأوراق القضائية وغير القضائية المتعلقة بالقضايا الجزائية مباشرةً عن طريق وزارة العدل لدى كل طرف متعاقد، وذلك مع عدم الإخلال بأحكام المواد الخاصة بتسليم المتهمين والمحكوم عليهم”([6])، ويظهر من نص المادة أن إرسال الوثائق القضائية وغير القضائية وتبليغها لن يكون عن طريق الجهة المختصة مكانيًّا في الدولة المطلوب إليها الإعلان أو التبليغ، وإنما عن طريق وزارة العدل في هذه الدولة، التي تتولى بدورها إعلان الوثائق إلى المطلوب إعلانه في إقليمها.

وأحيانًا قد يحدث خلاف بين الدولة طالبة الإعلان والدولة المطلوب إليها حول جنسية الًمرسل إليه، وقد قررت الاتفاقية في هذا الشأن أن تُحدد جنسية المُرسل إليه وفقًا لقانون الدولة المطلوب إليها الإعلان أو التبليغ، أي أنها هي التي تحدد جنسية المرسل إليه، وذلك وفقًا لما ورد في الفقرة الثالثة من المادة السادسة من الاتفاقية، بما نصها: “وفي حالة الخلاف حول جنسية المرسل اليه يتم تحديدها طبقاً لقانون الطرف المتعاقد المطلوب الإعلان أو التبليغ في إقليمه”([7])، ويكون على الدولة المُنيبة أن تعترف بالجنسية المُحددة من قِبَل الدولة المطلوب منها الإعلان أو التبليغ، دون أي اعتراض منها.

وأما عن حجية الإعلان أو التبليغ للوثائق القضائية وغير القضائية في إقليم الدولة المطلوب إليها الإعلان أو التبليغ، فيُعد كأنه قد تم في الدولة المُنيبة، وله الحجية ذاتها، وذلك استنادًا إلى ما نصت عليه الفقرة الرابعة من المادة السادسة من الاتفاقية: “يُعتبر الإعلان أو التبليغ الحاصل في إقليم أي من الأطراف المتعاقدة طبقًا لأحكام هذه الاتفاقية كأنه قد تم في إقليم الطرف المتعاقد طالب الإعلان أو التبليغ”([8])؛ لذا فلا يجوز للشخص المُعلن في أحد الدول الأطراف المتعاقدة الدفع بعدم إعلانه.

ثالثًا: حالة عدم اختصاص الجهة المطلوب إليها الإعلان أو التبليغ

فقد يحدث أن تكون الجهة المطلوب منها إعلان الوثائق والأوراق القضائية وغير القضائية أو تبليغها غير مختصة سواء نوعيًّا أو مكانيًّا أو ولائيًا بإبلاغ أو إعلان المطلوب منها إبلاغه أو إعلانه، وقد عالجت الاتفاقية هذه الحالة بما نصت عليه في المادة السابعة منها: “إذا كانت الجهة المطلوب إليها إعلان الوثائق والأوراق القضائية وغير القضائية أو تبليغها غير مختصة تقوم من تلقاء نفسها بإرسالها إلى الجهة المختصة في بلدها وإذا تعذر عليها ذلك تحيلها إلى وزارة العدل وتخطر فوراً الجهة الطالبة بما تم في الحالتين”([9])، فقد ألزمت الاتفاقية الجهة المطلوب منها الإعلان أو التبليغ في حال عدم اختصاصها أن تُرسل من تلقاء نفسها إلى الجهة المختصة بهذا الإعلان أو الإبلاغ داخل إقليمها، مع وجوب إخطار الجهة الطالبة بهذا الإجراء الذي اتخذته بشأن طلب الإعلان أو الإبلاغ. كما تنبه المشرع هنا لحال إذا تعذر على الجهة غير المختصة بالإعلان أو التبليغ تحديد الجهة المختصة بعينها، وفي هذه الحالة ألزم المشرع الجهة غير المختصة أن تُرسل طلب الإعلان أو الإبلاغ إلى وزارة العدل، كما أوجب عليها أيضًا إخطار الجهة الطالبة بهذا الإجراء الذي اتخذته بشأن طلب الإعلان أو الإبلاغ.

رابعًا: مرفقات طلب الإعلان أو التبليغ والبيانات الخاصة بهذه المرفقات

لقد ورد في المادة الثامنة من اتفاقية الرياض للتعاون القضائي المرفقات التي يجب إرفاقها في طلب الإعلان أو التبليغ والبيانات الخاصة بهذه المرفقات، وجاءت نص المادة صراحةً بما يأتي: “يجب أن تُرفق الوثائق والأوراق القضائية وغير القضائية بطلب يحتوي على البيانات التالية:

أ‌- الجهة التي صدرت عنها الوثيقة أو الورقة القضائية وغير القضائية.

ب‌- نوع الوثيقة أو الورقة القضائية وغير القضائية المطلوب إعلانها أو تبليغها.

ج – الاسم الكامل لكل من المطلوب إعلانهم أو تبليغهم ومهنة كل منهم وعنوانه، وجنسيته إن أمكن، والمقر القانوني للأشخاص المعنوية وعنوانها، والاسم الكامل لممثلها القانوني إن وجد وعنوانه”([10]).

فقد حددت المادة السابقة وجوب أن يُرفق بطلب الإعلان والتبليغ اسم الجهة الصادر عنها الوثيقة أو الورقة القضائية وغير القضائية، بالإضافة إلى نوع هذه الوثيقة أو الورقة القضائية وغير القضائية، كما حددت وجوب ذكر الاسم الكامل للمطلوب إعلانه أو إبلاغه، ومهنته، وعنوانه، وتجد الجهة طالبة الإعلان صعوبات كبيرة في ذكر هذه البيانات على وجهٍ دقيق، وكان الغرض من وجوب ذكر هذه البيانات؛ لتحديد الشخص المراد إعلانه تحديدًا نافيًّا للجهالة، لا لبس فيه؛ لتسهيل أمر الإعلان أو الإبلاغ على الدولة المطلوب منها إعلان ذلك الشخص، ولتحقيق الغرض المرجو من ذكر جميع هذه البيانات؛ فقد أضافت المادة إمكانية ذكر الاسم الكامل للمثل القانوني للشخص المطلوب إعلانه -إن وجد-.

وقد خصصت المادة الثامنة وجوب ذكر بيانات إضافية في القضائية الجزائية خاصةً، وتمثلت هذه البيانات في تكييف الجريمة المرتكبة، والمقتضى الشرعي أو القانوني المطبق عليه، وذلك بما نصه: “وفي القضايا الجزائية يضاف تكييف الجريمة المرتكبة والمقتضيات الشرعية أو القانونية المطبقة عليها”([11]).

أما فيما يخص اللغة المرسل بها الوثائق أو الأوراق القضائية أو غير القضائية، فتقدم هذه الأوراق أو الوثائق باللغة الرسـمية للدولة الطالبة وفي الغالب تكون اللغة العربية، ومرفقــة بترجمــة الــى اللغــة الرســمية للدولــة متلقيــة الطلــب في حال كانت اللغة الرسمية لها ليست اللغة العربية.

خامسًا: طريقة إعلان أو تبليغ الأوراق أو الوثائق القضائية

لقد نصت اتفاقية الرياض للتعاون القضائي على طريقة إعلان أو تبليغ الوثائق أو الأوراق القضائية، إذ ورد في المادة الحادية عشر منها ما نصه: “يجري إعلان أو تبليغ الوثائق والأوراق من قِبَل الجهة المختصة لدى الطرف المُتعاقد المطلوب إليه ذلك، وفقًا للأحكام القانونية المرعية لديه ويجوز تسليمها الى المطلوب إعلانه أو إبلاغه إذا قبلها باختياره”([12])، وهو ما يستفاد منه أن يكون الإعلان أو التبليغ للأوراق والوثائق القضائية وغير القضائية خاضعًا للأحكام والقوانين المطبقة في الدولة المطلوب منها تنفيذ طلب الإعلان أو التبليغ، كما أجاز النظام أن تسليم الأوراق أو الوثائق القضائية وغير القضائية إلى المطلوب إعلانه أو إبلاغه إذا قبلها باختياره.

وقد أجازت الفقرة الثانية من المادة ذاتها -المشار إليها سابقًا- بإمكانية أن يكون إجراء الإعلان أو التبليغ بطريقة خاصة تحددها الجهة طالبة الإعلان، ولكن بشرط عدم تعارض هذه الطريقة الخاصة مع القوانين المعمول بها لدى الجهة المطلوب منها تنفيذ الإعلان أو التبليغ، وذلك وفقًا للنص الآتي: “ويجوز إجراء الإعلان أو التبليغ وفقًا لطريقة خاصة تحددها الجهة الطالبة بشرط ألا تتعارض مع القوانين المرعية لدى الجهة المطلوب إليها القيام بذلك”([13]).

سادسًا: طريقة تسليم الوثائق والأوراق القضائية وغير القضائية

لم تنص اتفاقية الرياض للتعاون القضائي على طريقة معينة لتسليم الأوراق أو الوثائق القضائية أو غير القضائية إلى الشخص المطلوب إعلانه أو تبليغه، وإنما قصرت الاتفاقية دور الدولة المطلوب إليها الإعلان أو التبليغ على تسليم الأوراق أو الوثائق محل الطلب إلى المُرسل إليه أيًّا كانت طريقة المسلم بها، وذلك وفقًا لما نصت عليه المادة (12) من الاتفاقية: “تقتصر مهمة الجهة المختصة لدى للطرف المتعاقد المطلوب إليه تسليم الوثائق والأوراق على تسليمها الى المطلوب إعلانه أو إبلاغه”([14]).

أما فيما يخص إثبات تنفيذ الإعلان أو التبليغ، فقد نصت الاتفاقية على أن يكون إثبات تسليم الأوراق أو الوثائق القضائية أو غير القضائية إلى المُرسل إليه باتخاذ إحدى الطريقتين الآتيين:

  1. توقيع الشخص المرسل إليه على صورة الوثيقة أو الورقة محل طلب الإعلان أو التبليغ، مع ذكر تاريخ تسلمه هذه الورقة أو الوثيقة.
  2. إرسال شهادة معتمدة -تُعدها الجهة المختصة بتنفيذ الإعلان أو التبليغ- إلى الجهة طالبة التنفيذ، على أن يُوضح بهذه الشهادة كيفية تنفيذ الطلب والشخص الذي سُلمت إليه الورقة أو الوثيقة، تاريخ تسليمه.

وذلك وفقًا لما نصت عليه الفقرة الثانية من المادة (12) من اتفاقية الرياض للتعاون القضائي: “ويتم إثبات التسليم بتوقيع المطلوب إعلانه أو إبلاغه على صورة الوثيقة أو الورقة وتاريخ تسلمه أو بشهادة تعدها الجهة المختصة يوضح بها كيفية تنفيذ الطلب وتاريخ التنفيذ والشخص الذي سلمت إليه، وعند الاقتضاء السبب الذي حال دون التنفيذ”([15])، وقد أضافت هذه الفقرة في حال عدم القدرة على تنفيذ طلب الإعلان أو الإبلاغ، فيكون على الجهة المطلوب منها التنفيذ أن تُرسل شهادة مُعتمدة منها بعدم قدرتها على تنفيذ الطلب، مع بيان الأسباب التي حالت بينها وبين تنفيذ طلب الإعلان أو التبليغ.

وقد قررت الفقرة الثالثة من المادة ذاتها أن يكون إرسال صورة الورقة أو الوثيقة الموقعة من المُرسل إليه بعد استلامه بصورة مباشرة بين الجهة المطلوب إليها الإعلان والتبليغ والجهة طالبة الإعلان أو التبليغ، والأمر ذاته في إرسال الشهادة المُعتمدة من الجهة المطلوب إليها الإعلان أو التبليغ، وذلك بناءً على ما نصت عليه الفقرة المُشار إليها سابقًا، بما نصها: “وترسل صورة الوثيقة أو الورقة الموقع عليها من المطلوب إعلانه أو إبلاغه أو الشهادة المثبتة للتسليم للطرف الطالب مباشرة”([16])، ويرجع سبب اختيار المشرع لطريقة الإرسال المباشر بين الجهة طالبة الإعلان أو التبليغ أو الجهة المطلوب إليها؛ لضمان سرعة وصول الرد إلى الجهة طالبة الإعلان أو التبليغ.

سابعًا: الرسوم والمصروفات المقررة لطلب الإعلان أو التبليغ

لقد حظرت اتفاقية الرياض للتعاون القضائي على الجهة المطلوب إليها الإعلان أو التبليغ اقتضاء أي مقابل مادي نظير تنفيذ هذا الطلب من الجهة طالبة الإعلان أو التبليغ، وذلك وفقًا لما نصت عليه المادة (13): “لا يرتب إعلان أو إبلاغ الوثائق والأوراق القضائية وغير القضائية للجهة المطلوب إليها الإعلان والتبليغ الحق في اقتضاء أية رسوم أو مصروفات”([17]).

ثامنًا: إمكانية رفض الدولة المطلوب منها الإعلان أو التبليغ تنفيذ هذا الطلب

لقد فرضت اتفاقية الرياض للتعاون القضائي على الدول المتعاقدة وجوب تنفيذ طلب الإعلان أو التبليغ المُرسل إليها من الدولة المتعاقدة الأخرى، وهذا وفقًا لما نصت عليه المادة العاشرة من الاتفاقية، بما نصها: “لا يجوز رفض تنفيذ طلب الإعلان أو التبليغ وفقًا لأحكام هذه الاتفاقية إلا إذا رأى الطرف المتعاقد المطلوب إليه ذلك أن تنفيذه من شأنه المساس بسيادته أو بالنظام العام فيه”([18])، وقد نصت الاتفاقية على حالة واحدة يمكن عند توافرها أن ترفض الدولة تنفيذ الإعلان أو التبليغ المطلوب إليها تنفيذه، وتتمثل هذه الحالة إذا ما كان من شأن تنفيذ طلب الإعلان أو التبليغ المساس بسيادة هذه الدولة أو نظامها العام.

كما تنبه المشرع في اتفاقية الرياض فيما يخص إعلان أو تبليغ الأوراق أو الوثائق القضائية إلى بعض الحجج التي تتذرع بها الدول في سبيل الهروب من تنفيذ طلب الإعلان أو التبليغ، ومن هذه الحجج أو الأعذار ما تدفع به بعض الدول من اختصاصها القضائي وحدها -دون سواها- بنظر الدعوى المطلوب فيها التبليغ أو الإعلان، وكذلك الدفع بعدم معرفة الأساس القانوني المبني عليه طلب الإعلان أو التبليغ، وقد نصت الفقرة الثانية من المادة العاشرة على هذه الحالات تحديدًا، بما نصها: “ولا يجوز رفض التنفيذ بحجة أن قانون الطرف المتعاقد المطلوب اليه ذلك يقضي باختصاصه القضائي دون سواه بنظر الدعوى القائمة أو أنه لا يعرف الأساس القانوني الذي يبني عليه موضوع الطلب”([19]).

وفي حال رفضت الجهة المطلوب إليها تنفيذ طلب الإعلان أو التبليغ بناءً على أسباب مشروعة وفقًا لما نصت عليه المادة العاشرة؛ فقد حددت الفقرة الثالثة من المادة ذاتها الإجراء الواجب اتخاذه في هذه الحالة بأنه يجب على الجهة رافضة تنفيذ الطلب أن تُخطر الجهة الطالبة برفض تنفيذ الطلب، مع وجوب ذكر أسباب الرفض، وذلك بما نصه: “وفي حالة رفض التنفيذ، تقوم الجهة المطلوب إليها ذلك بإخطار الجهة الطالبة فورًا مع بيان أسباب الرفض”([20]).

تاسعًا: حق المواطنين المقيمين في أحد الدولة المتعاقدة في إعلان أو تبليغ الأشخاص المقيمين لدى هذه الدولة

رغم أن الاتفاقية قد حددت طريق مُعين في إعلان أو تبليغ الأوراق والوثائق القضائية وغير القضائية بين الدول الأطراف في الاتفاقية، إلا أن الاتفاقية قد أعطت الحق للمواطنين المقيمين في أحد الدول المتعاقدة إعلان أو إبلاغ الأفراد المقيمين في هذه الدولة بأنفسهم دون حاجة إلى اللجوء إلى طلب إعلانهم عن طريق الجهات المختصة، وهذا ما نصت عليه المادة التاسعة من اتفاقية الرياض للتعاون القضائي، بما نصها: “لا تحول أحكام المواد السابقة دون حق مواطني كل طرف من الأطراف المتعاقدة المقيمين في إقليم أي من الأطراف الأخرى، في أن يعلنوا أو يبلغوا الى الأشخاص المقيمين فيه جميع الوثائق والأوراق القضائية وغير القضائية في القضايا المدنية أو التجارية أو الإدارية أو الأحوال الشخصية، وتطبق في هذا الشأن الإجراءات والقواعد المعمولة بها لدى الطرف المتعاقد الذي يتم فيه الإعلان أو التبليغ”([21])، وقد اقتصرت الاتفاقية هذا الحق على الأوراق والوثائق القضائية وغير القضائية الخاصة بالقضايا المدنية والتجارية والإدارية والأحوال الشخصية، وبالطبع استثنت القضايا الجزائية حيث يكون الإعلان أو الإبلاغ من حق ممثل النيابة العامة في الدولة المتعاقدة. كما أخضعت الاتفاقية الإعلان أو التبليغ في هذه الحالة لقانون الدولة المتعاقدة الذي يقع بها الإعلان أو التبليغ.

—————

[1] مقدمة اتفاقية الرياض للتعاون القضائي

[2] د. حيدر احمد دفع الله، قانون الإجراءات المدنية السوداني 1994م، الجزء الأول، ص (8)

[3] د. نبيل إسماعيل عمر د. احمد خليل د. احمد هندي، قانون المرافعات المدنية والتجارية ص (319)

[4] د/ هندي أحمد، أصول المحاكمات المدنية والتجارية، ص (249).

[5] الفقرة الأولى من المادة السادسة من اتفاقية الرياض للتعاون القضائي

[6] الفقرة الثانية من المادة السادسة من اتفاقية الرياض للتعاون القضائي

[7] الفقرة الثالثة من المادة السادسة من اتفاقية الرياض للتعاون القضائي

[8] الفقرة الرابعة من المادة السادسة من اتفاقية الرياض للتعاون القضائي

[9] المادة السابعة من اتفاقية الرياض للتعاون القضائي=

[10] الفقرة الأولى من المادة الثامنة من اتفاقية الرياض للتعاون القضائي

[11] الفقرة الثانية من المادة الثامنة من اتفاقية الرياض للتعاون القضائي

[12] الفقرة الأولى من المادة الحادية عشر من اتفاقية الرياض للتعاون القضائي

[13] الفقرة الثانية من المادة الحادية عشر من اتفاقية الرياض للتعاون القضائي

[14] الفقرة الأولى من المادة الثانية عشر من اتفاقية الرياض للتعاون القضائي

[15] الفقرة الثانية من المادة الثانية عشر من اتفاقية الرياض للتعاون القضائي

[16] الفقرة الثالثة من المادة الثانية عشر من اتفاقية الرياض للتعاون القضائي

[17] المادة الثالثة عشر من اتفاقية الرياض للتعاون القضائي

[18] الفقرة الأولى من المادة العاشرة من اتفاقية الرياض للتعاون القضائي

[19] الفقرة الثانية من المادة العاشرة من اتفاقية الرياض للتعاون القضائي

[20] الفقرة الثالثة من المادة العاشرة من اتفاقية الرياض للتعاون القضائي

[21] المادة التاسعة من اتفاقية الرياض للتعاون القضائي

إعداد: المحامي سامي العوض ومحمد محمود