تعارض المصالح في عقد الوكالة

تعارض المصالح في عقد الوكالة

يقوم العقد على فكرة تعارض المصالح حيث يسعى كل طرف من أطرافه إلى تحقيق مصالحه الشخصية، إلا أن الأمر في عقد الوكالة لا ينبغي أن يكون على هذا النحو، إذ يلتزم الوكيل بإعلاء مصلحة الموكل ورعاية مصالحة على نحو يحقق مصلحة الأخير، لذلك كان من الضروري أن يتدخل المشرع لوضع نصوص قانونية تُحافظ على حقوق الموكل في حال تعارضت مصلحته مع مصلحة الوكيل وذلك حتى يتم تحقيق الغرض من عقد الوكالة.

أولاً: تعريف عقد الوكالة:

ثانياً: شروط تحقق الوكالة:

ثالثاً: التزامات الوكيل تجاه الموكل:

رابعاً: حقوق الوكيل تجاه الموكل:

أولاً: تعريف عقد الوكالة:

الوكالة هي حلول إرادة شخص يسمى النائب أو “الوكيل” محل إرادة شخص آخر يسمى الموكل أو “الأصيل” في إبرام تصرف قانوني مُعين، في حين أن المشرع الأردني يُعرف الوكالة بمقتضى نص المادة (833) من القانون المدني والتي نصت على أن: (الوكالة عقد يقيم الموكل بمقتضاه شخصا آخر مقام نفسه في تصرف جائز معلوم)، أما المشرع المصري فيعرف الوكالة بمقتضى نص المادة (699) من القانون المدني بأنها: (الوكالة عقد بمقتضاه يلتزم الوكيل بأن يقوم بعمل قانوني لحساب الموكّل).

والوكالة قد تكون وكالة عامة وقد تكون وكالة خاصة، فالوكالة العامة هي التي تمنح الوكيل الحق في إدارة أموال موكله أو التصرف فيها، ولكن ينبغي ملاحظة أن الوكيل في الوكالة العامة لا يكون له الحق في أن يتبرع بالمال محل عقد الوكالة حيث إن التبرع يحتاج إلى بند خاص يجيزه، أما الوكالة الخاصة فهي التي تمكن الوكيل من إجراء تصرفات مُعينة على أموال الموكل، وذلك كالوكالة بالبيع، أو بالرهن، أو بالتأجير لأي مدة ،أو بالتبرع.

وفي هذا الصدد ينص المشرع الأردني في المادة (836) من القانون المدني على أن: (الوكالة تكون خاصة إذا اقتصرت على أمر أو أمور معينة وعامة إذا اشتملت كل أمر يقبل النيابة، فإذا كانت خاصة فليس للوكيل إلا مباشرة الأمور المعينة فيها وما يتصل بها من توابع ضرورية تقتضيها طبيعة التصرفات الموكل بها، وإذا كانت عامة جاز للوكيل مباشرة المعاوضات والتصرفات عدا التبرعات فلا بد من التصريح بها ).

مع ملاحظة أن الوكالة التي تنطوي على ألفاظ عامة هي وكالة لا تخول الوكيل سوى حق إدارة المال محل العقد فقط، فيلتزم الوكيل بأعمال الإدارة الحسنة فقط دون أن يتعداها إلى غيرها من التصرفات، وهذا ما يؤكده نص المادة (837) من القانون المدني الأردني والتي نصت على أن: (إذا كانت الوكالة بلفظ عام لم يقترن بما يوضح المقصود منه فلا تخول الوكيل إلا أعمال الإدارة والحفظ).

فيتضح إذن أن السلطات المخولة إلى الوكيل يكون مصدرها عقد الوكالة، ومن ثم فينبغي الرجوع إلى ذلك العقد لبيان ماهية التصرفات التي يتسنى للوكيل إبرامها.

ثانياً: شروط تحقق الوكالة:

1- حلول إرادة الوكيل محل إرادة الموكل:

فالوكيل إذن هو الذي يبرم التصرف بإرادته وليس بإرادة موكله، وفي هذا الصدد يختلف الوكيل عن الرسول إذ أن الأخير يقتصر عمله على مجرد نقل الإرادة إلى شخص ما، ومن ثم يكون التعاقد بواسطة الرسول هو تعاقد بين غائبين في حين أن تعاقد الوكيل هو تعاقد بين حاضرين.

ويترتب على ذلك أنه يعتد بإرادة الوكيل وحده في إبرام التعاقد، فإذا ما شاب إرادته أي عيب من عيوب التراضي كالغلط أو التدليس أو الإكراه فإن ذلك من شأنه أن يجعل العقد قابل للإبطال لمصلحة الوكيل وهو ما يكون للأصيل أن يتمسك به، وهذا ما يقرره المشرع المصري بنص المادة (104/1) من القانون المدني والتي نصت على أن: (إذا تم العقد بطريق النيابة، كان شخص النائب لا شخص الأصيل هو محلّ الاعتبار عند النظر في عيوب الإرادة، أو في أثر العلم ببعض الظروف الخاصة، أو افتراض العلم بها حتماً).

2- إجراء التصرف باسم الموكل ولحسابه:

يتعين على الوكيل أن يحيط من يتعامل معه علماً بأنه ينوب عن شخص آخر حتى يُضاف هذا التصرف إلى ذمة الموكل، وفي هذا الصدد تنص المادة (106) من القانون المدني المصري على أن: (إذا لم يعلن العاقد وقت إبرام العقد أنه يتعاقد بصفته نائباً، فإن أثر العقد لا يضاف إلى الأصيل دائناً أو مديناً، إلا إذا كان من المفروض حتماً أن من تعاقد معه النائب يعلم بوجود النيابة، أو كان يستوي عنده أن يتعامل مع الأصيل أو النائب).

أما المشرع الأردني فقد نص في المادة (845) من القانون المدني على أن: (لا تشترط إضافة العقد إلى الموكل في عقود البيع والشراء والإجارة والصلح عن إقرار فإن أضافه الوكيل إلى الموكل في حدود الوكالة فإن حقوقه تعود للموكل وإن أضافه لنفسه دون أن يعلن أنه يتعاقد بوصفه وكيلا فإن حقوق العقد تعود إليه، وفي كلتا الحالتين تثبت الملكية للموكل).

وتوضيحاً للمعنى السابق نذكر حكم محكمة النقض المصرية رقم 1283 لسنة 48ق الصادر بجلسة 16-6-1979 والتي قضت فيه بأن: (مؤدى نص المادة 106 من القانون المدني أنه وإن كان الأصل أن يفصح النائب فيما يبرمه من عقود لحساب الأصيل عن اسم هذا الأخير باعتبار أن الأصيل دون النائب الذي يُعتبر طرفاً في التعاقد وإليه تنصرف جميع آثاره فيكسب مباشرة ما ينشأ عنه من حقوق ويقع على عاتقه كل ما يترتب عليه من التزامات إلا أنه ليس حقاً أن تنقلب الآية إذا ما باشر النائب هذه النيابة بأن تعاقد باسمه الشخصي رغم حقيقة نيابته، إذ تنصرف آثار العقد – رغم ذلك – إلى الأصيل – أخذاً بالأصل المقرر في النيابة – إذا ما كان التصرف مفروضاً في التعاقد مع النائب علمه بوجود النيابة أو كان يستوي عنده أن يتعامل مع الأصيل أو النائب).

فالتصرف إذن ينصرف إلى الموكل وليس إلى الوكيل وهذا – أيضاً – ما تؤكده محكمة صلح حقوق شمال عمان في حكمها رقم 724 لسنة 2016 الصادر بتاريخ 2016-05-18 والتي قضت فيه بأن (تجد المحكمة وبالرجوع لبينة المدعى عليه الثاني المتمثلة بالوكالة الخاصة المنظمة من قبل المدعى عليه الأول لصالح المدعى عليه الثاني والمبرزة بالمبرز م ع/1 أن المدعى عليه الثاني وكيلا عن المدعى عليه الأول في الإشراف والإدارة للشقة موضوع الدعوى الأمر الذي يترتب عليه انصراف حقوق العقد وآثاره وأحكامه للأصيل لا الوكيل سندا لأحكام المادة 112 من القانون المدني مما يستوجب رد الدعوى عن المدعى عليه الثاني محمد لعدم صحة الخصومة).

3- التزام الوكيل بحدود الوكالة:

وفقاً لنص المادة (840) من القانون المدني الأردني فإنه: (تثبت للوكيل بمقتضى عقد الوكالة ولاية التصرف فيما يتناوله التوكيل دون أن يتجاوز حدوده إلا فيما هو أكثر نفعا للموكل).

وهو ذات ما يقرره المشرع المصري بمقتضى نص المادة (703/1) من القانون المدني التي نصت على أن (الوكيل ملزم بتنفيذ الوكالة دون أن يجاوز حدودها المرسومة).

فمن النصوص السابقة يتجلى لنا أنه يجب على الوكيل أن يلتزم في تنفيذ الوكالة حدودها المرسومة فلا يخرج عن هذه الحدود، لا من ناحية مدى سعة الوكالة والتصرفات القانونية التي تتضمنها، ولا من ناحية طريقة التنفيذ التي رسمها له الموكل[1]، ولكن ينبغي ملاحظة أن الوكيل قد يخرج عن حدود الوكالة إذا كان من شأن ذلك أن يجعله يتعاقد بشروط أفضل تحقق مصلحة للموكل.

وفي هذا الصدد تقضي محكمة النقض المصرية في حكمها رقم ١٤٠٥٨ لسنة ٨٢ قضائية الصادر بجلسة 21/1/2016 والتي قضت فيه بأن: (المقرر– في قضاء محكمة النقض – أن المقرر طبقاً للمادتين ٦٩٩ ، ٧٠٤ من القانون المدني أن الوكالة هي عقد بمقتضاه يلتزم الوكيل بأن يقوم بعمل قانوني لحساب الموكل وأن الوكيل ملزم بتنفيذ الوكالة في حدودها المرسومة فليس له أن يجاوزها فإذا جاوزها فإن العمل الذي يقوم به لا ينفذ في حق الموكل).

ولكن تجدر الإشارة إلى أن الموكل له الحق في إجازة التصرفات التي يبرمها الوكيل وتكون خارجة عن حدود وكالته، وفي هذه الحالة تُعد هذه التصرفات وكأنها صدرت صحيحة استناداً إلى قاعدة الإجازة اللاحقة كالوكالة السابقة.

ثالثاً: التزامات الوكيل تجاه الموكل:

1- الامتناع عن استعمال مال الموكل لصالحه:

وفقاً لنص المادة (706) من القانون المدني المصري فإنه :(ليس للوكيل أن يستعمل مال الموكِّل لصالح نفسه، وعليه فوائد المبالغ التي استخدمها لصالحه من وقت استخدامها، وعليه أيضاً فوائد ما تبقى في ذمته من حساب الوكالة من وقت أن يعذر).

يتضح من النص السابق أن الوكيل عليه التزام بالامتناع عن استعمال مال موكله لتحقيق مآربه الشخصية، إذ أنه مُلزم بمقتضى عقد الوكالة بأن يستعمل هذا المال لتحقيق مصلحة الموكل وليس مصالحه الشخصية، وبناءً على ذلك فإذا ما استعمل الوكيل مال الموكل لتحقيق مصالحه الشخصية فإنه يكون مُلزم برد هذا المبلغ فضلاً عن دفع الفوائد القانونية لهذا المبلغ من وقت استعماله ودون حاجة إلى إعذاره في هذه الحالة.

إلا أنه يكون على الموكل في هذه الحالة أن يُثبت أن الوكيل قد استخدم المال الخاص به – أي بالموكل – في تحقيق مصالحه الشخصية، فضلاً عن أنه يجب عليه أن يثبت الوقت الذي استخدم فيه الوكيل هذا المبلغ لصالحه حتى يتحدد الوقت الذي يبدأ فيه سريان الفوائد القانونية التي يلتزم بها الوكيل.

أما إذا انتهت الوكالة وتبين أنه مازال هناك مبالغ للموكل في ذمة الوكيل فيكون على الوكيل أن يردها إلى الموكل كما هي دون فوائد، فإذا تأخر في رد تلك المبالغ فإنه يلتزم بردها بالإضافة إلى الفوائد القانونية من وقت إعذاره بالرد، ومن ثم ففي هذه الحالة تسري الفوائد القانونية من وقت الإعذار وليس من وقت التأخير عن الرد.

وجديراً بالذكر أن امتناع الوكيل عن رد ما تحت يده من مال إلى الموكل يكون مملوكاً للأخير فإنه بذلك يُعد مُرتكباً لجريمة خيانة أمانة “ذلك أن الوكيل يرتكب هذه الجريمة إذا اعتدى على ملكية الأشياء التي سلمت له بصفته وكيلاً لكي يستعملها في مصلحة موكله ولحسابه” وهذا ما أكدت عليه محكمة جنوب عمان في حكمها رقم 334 لسنة 2019 – بداية جنوب عمان بصفتها الاستئنافية الصادر بتاريخ 23/1/2019.

2- الالتزام بثمن الشراء وثمن البيع المحدد:

أ- بالنسبة لثمن الشراء:

يلتزم الوكيل بالشراء بالثمن الذي عينه الموكل له وذلك ليس إلا تطبيقاً لعدم جواز خروج الوكيل عن حدود وكالته، فإذا قام الوكيل بالشراء بثمن غير الذي حدده له الموكل فإننا سنكون بصدد فروض ثلاث:

  • الفرض الأول : إذا عين الموكل ثمناً للوكيل فإن الأخير مُلزم بالشراء بهذا الثمن، فإذا تجاوز الثمن المحدد فإن الوكيل يكون هو المُلزم بالشراء وليس الموكل، أي أن العقد لا ينفذ في حق الموكل.
  • الفرض الثاني : إذا كان الوكيل قد وكل بالشراء دون بيان للثمن المُلزم به فإنه يتعين عليه أن يشتري بثمن المثل أو يثمن يزيد زيادة يسيره على ثمن المثل – أي بغبن يسير – وذلك إذا كان الشيء الذي يلتزم بشرائه ليس له سعر مُحدد في السوق.
  • الفرض الثالث : فإذا كان للشيء الموكل بشرائه سعر محدد فإنه يلتزم بهذا السعر دون أن يكون له الحق في شرائه بسعر زائد، حتى لو زيادة يسيرة.

وهذا ما تؤكد عليه محكمة استئناف عمان في حكمها رقم 3897 لسنة 2016 – استئناف عمان الصادر بتاريخ 14/11/2017 والتي قضت فيه بأن: (نصت المادة (848) من القانون المدني على أنه (للوكيل بشراء شيء دون بيان قيمته أن يشتريه بثمن المثل أو بغبن يسير في الأشياء التي ليس لها سعر معين فإذا اشترى بغبن يسير في الأشياء التي لها سعر معين أو بغبن فاحش مطلقاً فلا ينفذ العقد بالنسبة للموكل)، ونصت المادة (850) من القانون ذاته على أنه (يكون الشراء للوكيل: 1- إذا عين الموكل الثمن واشترى الوكيل بما يزيد عليه. 2- إذا اشترى الوكيل بغبن فاحش. 3- إذا صرح بشراء المال لنفسه في حضور الموكل)، وباستعراض هذين النصين نجد أن شراء الوكيل المال لصالح موكله بغبن فاحش لا ينفذ بحق الموكل تحت كل الظروف ويكون الشراء في هذه الحالة للوكيل وهو الملزم بدفع الثمن للغير).

ب- بالنسبة لثمن البيع:

تنص المادة (852) من القانون المدني الأردني على أن :(للوكيل الذي وكل ببيع مال موكله بصورة مطلقة أن يبيعه بالثمن المناسب، وإذا عين له الموكل ثمن المبيع فليس له أن يبيعه بما يقل عنه، فإذا باعه بنقص دون إذن سابق من الموكل أو إجازة لاحقه وسلم إلى المشتري فالموكل بالخيار بين استرداد المبيع أو إجازة البيع أو تضمين الوكيل قيمة النقصان).

ومن ثم يتضح من النص المُتقدم أن الوكيل بالبيع إذا لم يُحدد له ثمن للبيع فعليه أن يبيع الشيء بالثمن المُناسب الذي يختلف في هذه الحالة عن ثمن المثل، ومن ثم فمن الممكن أن يكون ثمن البيع المُناسب أقل من ثمن المثل.

 وهذا ما تؤكده محكمة التمييز الأردنية في حكمها رقم 2822 لسنة 2010 – محكمة التمييز بصفتها الحقوقية الصادر بتاريخ 15/3/2011 والتي قضت فيه بأن: (الوكالة المعطاة من المدعي جون للمدعى عليه عليان هي وكالة تمت بصورة مطلقة ولم يقيده بأي ثمن ولم يعين له ثمن معين في الوكالة وبالتالي فإن الفقرة الأولى حسب المادة 852 من القانون المدني هي التي تنطبق في هذه الوكالة وأن الثمن الواجب البيع به هو الثمن المناسب وليس ثمن المثل وأنه قد جرى اجتهاد محكمة التمييز على أن للوكيل بالبيع بموجب وكالة مطلقة أن يبيع مال موكله بالثمن المناسب دون قيد أو شرط لكن لو أن الموكل عيّن للوكيل ثمن المبيع فليس للوكيل أن يبيعه بما يقل عنه وهذا الحكم منحصر في حالة الوكالة التي يعين فيها الموكل ثمن المبيع ولا يتناول أحكام الفقرة الأولى من المادة 852 من القانون المدني لأن أحكام هذه الفقرة قد تركت أمر مناسبة الثمن للوكيل ولذا فالقول أن حكم الفقرة الثالثة من المادة 852 يشمل الفقرة الأولى منها لا يستند إلى أساس).

أما إذا كان هناك تحديد من الموكل بالثمن المتعين البيع به فلا يحق للوكيل في هذه الحالة أن يبيع الشيء بثمن أقل وإن جاز له أن يبيعه بثمن أعلى.

فإذا تجاوز الوكيل حدود وكالته وباع الشيء بثمن أقل من الثمن الذي حدده له الموكل فإن الأخير يكون بالخيار في أن يسترد المبيع من المشتري أو أن يجيز البيع فيكون العقد نافذاً في مواجهته أو أن يرجع على الوكيل بباقي الثمن.

وفي هذا الصدد تقضي محكمة التمييز الأردنية في حكمها رقم 493 لسنة 2016 – محكمة التمييز بصفتها الحقوقية الصادر بتاريخ 21/6/2016 والتي قضت فيه بأنه: (يستفاد من نص المادة (852) من القانون المدني أن للوكيل بالبيع بموجب وكالة مطلقة أن يبيع مال موكله بالثمن المناسب دون قيد وشرط إلا أنه إذا باعه بنقص دون إذن سابق من الموكل أو إجازة لاحقة وسلم للمشتري فالموكل بالخيار بين استرداد المبيع أو إجازة البيع أو تضمين الوكيل قيمة النقصان وفق ما تقضي به أحكام الفقرة الثالثة من المادة سالفة الإشارة، وحيث من الثابت لمحكمة الاستئناف أن المدعي وكل المدعى عليه الأول ببيع قطعة الأرض موضوع الدعوى وأن الموكل قد باع هذه القطعة بمبلغ عشرة آلاف دينار لكامل الحصص المباعة وذلك كما هو مبين بعقد البيع رقم 566/2013 تاريخ 1/4/2013 وحيث ثبت من العقد ذاته أن القيمة الحقيقية للعقار موضوع الدعوى من قبل دائرة الأراضي بتاريخ العقد هو (25010) خمسة وعشرين ألفاً وعشرة دنانير أي المدعى عليه الأول باعها بثمن يقل بكثير عن الثمن المناسب مما يعطي المدعي مالك الأرض المبيعة وفق أحكام الفقرة الثالثة من المادة (852) من القانون المدني سالفة الإشارة الحق في طلب استرداد العقار موضوع الدعوى).

3- الالتزام بعدم الشراء للنفس:

ينص المشرع الأردني في المادة (849) من القانون المدني على أن: (لا يجوز لمن وكل بشراء شيء معين أن يشتريه لنفسه ويكون الشراء للموكل ولو صرح بأنه يشتريه لنفسه، ولا يجوز للوكيل بالشراء أن يبيع ماله لموكله).

ومن ثم فلا يكون للوكيل الحق في أن يشتري المال الموكل في شرائه لموكله لنفسه، ذلك أنه مُلزم بتحقيق مصلحة الموكل وإتباع تعليماته ولا يجوز له أن يُعلي من مصلحته على مصلحة موكله، وهذا أيضاً ما دعا المشرع الأردني إلى منع الوكيل بالشراء أن يشتري لموكله ما يكون مملوك له حتى لا يحدث تعارض في المصالح بينهم.

وهذا ما تؤكده محكمة استئناف أربد في حكمها رقم 19056 لسنة 2017 الصادر بتاريخ 2018-03-25 والتي قضت فيه بأن (المادة 849 من القانون المدني نصت أنه لا يجوز لمن وكل بشراء شيء معين أن يشتريه لنفسه ويكون الشراء للموكل لو صرح بأنه يشتريه لنفسه ولا يجوز للوكيل بالشراء أن يبيع ماله لموكله، وحيث أن الثابت من البينة المقدمة من المدعي والتي لم يرد ما يدحضها أو يثبت عكسها من المدعى عليه بأن المدعى عليه قد قام بشراء قطع الأراضي التي وكله المدعي بشرائها لنفسه وأن هذا التصرف ( أي الشراء ) يجب أن يكون لشخص الموكل وليس للوكيل، وعليه فإن المدعى عليه قد تجاوز حدود وكالته التي وكل بها وبالتالي فهو ملزم بإعادة المبلغ المدعى به للمدعي ( الموكل)).

والعلة من هذا التحريم هو درء مواطن الشك والريبة الراجعة إلى تضارب المصالح بين طرفي العقد وهما الوكيل والموكل، لأنه من الأمور الغريزية أن يؤثر الوكيل مصلحته على مصلحة موكله لذلك كان لزاماً أن يضع المشرع مثل هذا الحظر.

4- الالتزام بعدم التعاقد مع النفس:

القاعدة العامة أنه لا يجوز من حيث الأصل أن يتعاقد الشخص مع نفسه سواء تم التعاقد لحساب نفسه كما لو كان موكلاً ببيع شيء معين فاشتراه لنفسه، أو تعاقد لحساب غيره وكان نائباً عن طرفي التعاقد كما لو كان موكلاً ببيع شيء معين فاشتراه لحساب شخص وكله في الشراء[2].

وهذا ما يكرسه المشرع الأردني بمقتضى نص المادة (853) والتي نصت على أن: (لا يجوز للوكيل بالبيع أن يشتري لنفسه ما وكل ببيعه، وليس له أن يبيعه إلى أصوله، أو فروعه، أو زوجه، أو لمن كان التصرف معه يجر مغنما أو يدفع مغرما إلا بثمن يزيد عن ثمن المثل، ويجوز البيع لهؤلاء بثمن المثل إذا كان الموكل قد فوضه بالبيع لمن يشاء).

إذن فالقاعدة السابقة يتم تقويضها إذا ما صرح الموكل للوكيل بجواز أن يتعاقد مع نفسه، ذلك أن القاعدة المُشار إليها ليست سوى قاعدة مُكملة فيجوز لطرفي العقد الاتفاق على ما يُخالفها استناداً إلى قاعدة أن العقد شريعة المُتعاقدين.

ويتضح من النص السابق أن الوكيل له أن يتعاقد مع نفسه في حالات مُحددة وهي:

  • أن الموكل يجيز له ذلك،
  • أن يكون البيع للأصول أو الفروع بثمن يزيد على ثمن المثل،
  • أو أن يكون البيع بثمن تم تحديده مُسبقاً من الموكل.

ففي الحالتين السابقتين ينتفي وجود تعارض مصالح بين الوكيل والموكل مما يكون معه جائزاً للوكيل أن يتعاقد مع نفسه أوي أياً من أصوله، أو فروعه، أو زوجه، أو أي شخص يكون بيع الوكيل له يعيد عليه مصلحة أو يدرئ عنه خسارة.

رابعاً: حقوق الوكيل تجاه الموكل:

1- حق الوكيل في الرجوع على الموكل بثمن الشراء:

إذا وُكل الوكيل في شراء أشياء لمصلحة الموكل وقام بدفع ثمنها من ماله الخالص فله أن يرجع على الموكل بما دفعه، ذلك أن آثار هذا العقد لا تُلزم الوكيل وإنما تنصرف إلى ذمة الموكل، وبناء على ذلك إذا امتنع الأخير عن دفع ثمن الأشياء التي اشتراها الوكيل وقام بدفع ثمنها من ماله الخاص فيكون للوكيل أن يحبس الأشياء التي اشتراها إلى أن يقوم الموكل بدفع ثمنها.

وفي هذ الصدد تقضي محكمة صلح حقوق أربد في حكمها رقم 4866 لسنة 2019 الصادر بتاريخ 4/7/2019 والتي قضت فيه بأن: (تنص المادة 851 من القانون المدني على أنه اذا دفع الوكيل بالشراء ثمن المبيع من ماله فله الرجوع به على موكله مع ما انفقه في سبيل تنفيذ الوكالة بالقدر المعتاد، وله أن يحبس ما اشتراه إلى أن يقبض الثمن، وبتطبيق القانون على وقائع الدعوى تجد المحكمة: أن المدعية قامت بشراء السيراميك والجرانيت وعمل الصيانة للمطبخ والحمام في منزل المدعى عليه بناء على تفويض منه وقد قامت بالتعاقد مع بائعي السيراميك والجرانيت وعمال التركيب نيابة عن المدعى عليه وبالتالي فان آثار العقد تنصرف إليه وبما أن المدعية قامت بدفع أثمان الجرانيت والسيراميك وأجور التركيب من مالها الخاص فان لها الحق بالرجوع على المدعى عليه الأصيل).

2- حق الوكيل في استرداد نفقات الوكالة:

تنص المادة (858) من القانون المدني الأردني على أن (على الموكل أن يرد للوكيل ما أنفقته في تنفيذ الوكالة بالقدر المتعارف)، ومن ثم فإذا ما تكبد الوكيل بعض النفقات في سبيل تنفيذ عقد الوكالة فإن الموكل هو الذي يلتزم بدفعها وهذا ما يجعل للوكيل الحق في الرجوع على الموكل لاسترداد تلك النفقات.

ويتعين حتى يستحق الوكيل تلك النفقات أن يتحقق شرطين وهما:

  • يجب أن تكون تلك النفقات ضرورية لتنفيذ عقد الوكالة في النطاق المحدود لإتمام هذا التنفيذ، ومن ثم لا يدخل ضمن تلك النفقات ما يكون من نفقات زائدة يُمكن للوكيل أن يتلافاها.
  • أن تكون النفقات مشروعة، فلو دفع الوكيل رشوة لم يجز له استردادها[3].

ويكون على الموكل التزام بأن يدفع للوكيل الفوائد القانونية الخاصة بالمصاريف والنفقات التي قام بإنفاقها من وقت نشأتها وحتى سداد قيمتها.

3- تعويض الوكيل عن الأضرار الناجمة عن تنفيذ الوكالة:

تنص المادة (859/2) من القانون المدني الأردني على أن: (ويكون مسؤولا – أي الموكل – عما يصيب الوكيل من ضرر بسبب تنفيذ الوكالة تنفيذا معتادا ما لم يكن ناشئاً عن تقصيره أو خطئه)، ومن ثم يوضح النص أن هناك شروطاً يجب أن تتحقق حتى يكون من حق الوكيل أن يحصل عن تعويض جراء ما أصابه من ضرر في سبيل تنفيذ عقد الوكالة، وهذه الشروط هي:

  • يجب أن يكون الضرر الذي لحق بالوكيل ناتج عن التنفيذ المُعتاد لعقد الوكالة، ومن ثم فلو كان الضرر الذي أصاب الوكيل راجعاً إلى سبب آخر غير تنفيذ العقد فلا يكون هناك مُقتضى لتعويضه.
  • يجب ألا يكون الوكيل قد ارتكب خطأ أو نُسب إليه تقصير في تنفيذ عقد الوكالة، بحيث لو كان الضرر الذي أصاب الوكيل راجعاً إلى خطأه أو تقصيره فلا يكون مُستحق لتعويض في هذه الحالة.

وهذا ما أكدت عليه محكمة النقض المصرية في حكمها رقم ٧٢ لسنة ١٩ قضائية الصادر بجلسة ١٩٥١/٠٢/٠١ والتي قضت فيه بأن(إن الشارع المصري إذ أوجب على الموكل في المادة ٥٢٨ مدنى – قديم – أن يؤدى المصاريف المنصرفة من وكيله المقبولة قانوناً أياً كانت نتيجة العمل إذا لم يحصل من الوكيل تقصير فيه كان يعنى حتما تعويض الوكيل تعويضاً كاملا ويرمى إلى تحقيق هذا الغرض الذى لن يتوافر إلا بإحاطة الوكيل بسياج من الضمان يكفل له الحصول على مقابل الضرر الذى يتحمله في شخصه وفى ماله، و يحمل الموكل تبعة تعويض الوكيل ما دام هذا الأخير يعمل في حدود الوكالة . ومادام الضرر لم يكن ناشئا عن خطئه وتقصيره ، وإيراد المشرع المصري لهذا المبدأ في المادة ٧١١ – مدني جديد – التي تنص على أن الموكل يكون مسئولا عما أصاب الوكيل من ضرر دون خطأ منه بسبب تنفيذ الوكالة تنفيذا معتادا لم يقصد به الاستحداث، بل زيادة الإيضاح).

4- حق الوكيل في الحصول على الأجر:

وفقاً لنص المادة (857) من القانون المدني الأردني فإنه (على الموكل أداء الأجر المتفق عليه للوكيل متى قام بالعمل فإن لم يتفق على الأجر وكان الوكيل ممن يعملون به فله اجر المثل وإلا كان متبرعا).

إذن فالمشرع الأردني يُلزم الموكل بأن يؤدي إلى الوكيل الأجر المُتفق عليه متى قام الأخير بما عليه من عمل، أما إذا لم يكن هناك تحديداً للأجر فإن الوكيل في هذه الحالة يستحق أجر المثل وذلك إذا كانت الوكالة مأجورة سواء بالاتفاق على ذلك صراحة أو ضمناً.

حيث تُعد الوكالة مأجورة ضمناً بعدة قرائن كأن يكون الوكيل مُحترف للوكالة وتكون هي مصدر رزقه كأن يكون محامياً أو سنديك أو صيرفياً، وفي هذه الحالة يكون للوكيل الحق في الحصول على أجر يُعادل أجر من يعملون مثل هذا العمل وفقاً للأعراف المعمول بها، ويتولى القاضي في هذه الحالة مهمة تحديد الأجر.

ولما كان التزام الوكيل التزام ببذل عناية فإنه يستحق أجره طالما بذل العناية المطلوبة منه – التي عادة ما تكون عناية الرجل المُعتاد – حتى ولو لم تتحقق النتيجة المرجوة من عقد الوكالة مالم يتفق على غير ذلك.

——–

[1] الأستاذ الدكتور عبد الرزاق أحمد السنهوري – الوسيط في شرح القانون المدني الجديد العقود الواردة على العمل (الجزء السابع – المجلد الأول) – ص451.

[2] الدكتور/ رمضان أبو السعود – مصادر الالتزام – دار الجامعة الجديدة – 2018 – ص67،68.

[3] الأستاذ الدكتور عبد الرزاق أحمد السنهوري – الوسيط في شرح القانون المدني الجديد العقود الواردة على العمل (الجزء السابع – المجلد الأول) – ص 552.

إعداد/ أحمد منصور.

error: حقوق الطبع محفوظة لشركة المحامي سامي العوض © Copy Right Protected