حجية التسجيلات الصوتية

حجية التسجيلات الصوتية

أفرز لنا التطور التكنولوجي الذي طرأ على العالم المعاصر العديد من وسائل الإثبات الحديثة والتي يكون لها أثر بالغ الأهمية في إثبات الحق أو نفيه، ومن ضمن هذه الوسائل هي التسجيلات الصوتية التي يتم الحصول عليها إما من الهواتف النقالة أو من خلال أجهزة التسجيل الصوتي المُعدة لذلك.

ولكن طريق الحصول على تلك التسجيلات لاستخدامها كوسيلة للإثبات هو طريق شائك عسير المنال نظراً لما يضفيه الدستور من حماية على تلك التسجيلات، مما يترتب عليه أن من يحاول انتهاكه بغير الطريق القانوني يوقع نفسه تحت طائلة القانون الجنائي.

وفي مقالنا الحالي سنعرض لمحاولة المشرع لإقامة توازن بين المصلحة العامة التي تقتضي الاستعانة إلى التسجيلات الصوتية لإماطة اللثام عن الواقعة المراد إثباتها وحرمة الحياة الخاصة التي تقتضي عدم جواز التسجيل للشخص دون رضاه.

أولاً: ماهية التسجيل الصوتي:

ثانياً: سبل التسجيلات الصوتية:

ثالثاً: موقف الفقه والمشرع من التسجيلات الصوتية:

1- موقف الفقه:

2- موقف المشرع:

تجريم العدوان على حرمة الحياة الخاصة:

1- الركن المادي لجريمة الإسترقاق والتسجيل:

2- الركن المعنوي لجريمة الإستراق والتسجيل:

الدليل المستمد من التسجيل الصوتي:

1- في حالة عدم مشروعية الحصول على التسجيل الصوتي:

أ- في حالات الإدانة:

ب- في حالات البراءة:

2- في حالة مشروعية الحصول على الدليل الصوتي:

أولاً: ماهية التسجيل الصوتي:

يقصد بالتسجيل الصوتي نقل الموجات الصوتية من مصادرها بنبراتها ومميزاتها الفردية وخواصها الذاتية بما تحمله من عيوب إلى شريط تسجيل داخل صندوق كاسيت بحيث يمكن إعادة سماع الصوت للتعرف على مضمونه وإدراك خواصه التي تشكل عناصر المقارنة عند مضاهاته على صوت الشخص المنسوب إليه مما يتيح تقارير إسناده إليه أو نفيه[1].

مع ملاحظة أن التعريف السابق لم يتطرق إلى التسجيلات التي تتم عبر الهواتف النقالة والتي تتم بواسطة برامج إلكترونية، لذلك يكون التعريف الأقرب للصواب هو أن التسجيل الصوتي يتمثل في حفظ الأحاديث الخاصة على المادة المُخصصة لإعادة الاستماع إليها مرة أخرى.

ثانياً: سبل التسجيلات الصوتية:

يوجد العديد من الطرق التي يمكن من خلالها التوصل إلى عمل تسجيلات صوتية لشخص ما، ومن ضمن هذه الطرق ما يلي:

  • استخدام برامج ” Spay call” والتي يمكن من خلالها تسجيل كافة التفاصيل الصوتية لمكالمات شخص ما سواء الواردة إليه أو الصادرة عنه.
  • التسجيل – أيضاً – قد يتم من خلال شركات الاتصالات، ولكن هذا الإجراء لا يكون سليم إلا إذا تم الحصول على إذن قضائي بإجرائه.
  • وضع أجهزة مُخصصة للتسجيل الصوتي في مكان إقامة أو عمل شخص ما، وهذا الإجراء أيضاً لا يكون صحيحاً إلا إذا تم إتباعه وفقاً للإجراءات التي رسمها القانون كما سيأتي بيانه.
  • الأجهزة التي أفرزها التطور التكنولوجي المعاصر والتي تتمكن من التسجيل دون أن تكون قريبة من الشخص المعني وذلك مثل ميكروفونات الليزر، وميكروفونات التوجه، وميكروفونات التلامس، والميكروفونات المسمارية.

ثالثاً: موقف الفقه والمشرع من التسجيلات الصوتية:

1- موقف الفقه:

ذهب البعض إلى أن التسجيلات الصوتية تُعد باطلة ولا يجوز الارتكان إليها إذا ما انطوت على مساس بحق الفرد في خصوصيته حتى ولو تمت بإذن من قاضي التحقيق، ذلك أن حق الإنسان في خصوصيته يُعد حقاً مطلقاً لا يقبل تقيده بأي استثناءات.

في حين ذهب رأي آخر إلى جواز الأخذ بهذه التسجيلات ويكون للقاضي أن يبني عليها قناعته لما له من حق في الأخذ بالدليل الذي يطمئن له شريطة أن تتم بصورة سليمة وفقاً لإجراءات القانون، أما إذا تم الحصول على تلك التسجيلات بصورة مخالفة للقانون فلا يجوز الأخذ بها ويجب إهدار مالها من حجية.

وذهب أخرون إلى أن التسجيلات الصوتية التي تتم بالأجهزة السلكية أو اللاسلكية تُعد جائزة للأخذ بها في نطاق الإثبات مادامت تُساعد في التوصل إلى الحقيقة.

2- موقف المشرع:

لم يكن التشريع المصري متضمناً لأي نص يفيد تجريم أو إباحة التسجيلات الصوتية لحين صدور القانون رقم (37) لعام 1972 بشأن حماية الحريات الفردية والذي تناول بالتعديل بعضاً من نصوص قانون الإجراءات الجنائية.

أ- التسجيلات التي تتم بواسطة قاضي التحقيق:

ووفقاً لذلك القانون فقد نصت المادة (95) من قانون الإجراءات الجنائية – بعد تعديلها – على أن: (لقاضي التحقيق أن يأمر بضبط جميع الخطابات والرسائل والجرائد والمطبوعات والطرود لدى مكاتب البريد وجميع البرقيات لدى مكاتب البرق وأن يأمر بمراقبة المحادثات السلكية واللاسلكية أو إجراء تسجيلات لأحاديث جرت في مكان خاص متى كان لذلك فائدة في ظهور الحقيقة في جناية أو في جنحة معاقب عليها بالحبس لمدة تزيد على ثلاثة أشهر، وفي جميع الأحوال يجب أن يكون الضبط أو الاطلاع أو المراقبة أو التسجيل بناءً على أمر مسبب ولمدة لا تزيد على ثلاثين يوماً قابلة للتجديد لمدة أو مدد أخرى مماثلة)

ويتضح من النص السابق أن التسجيل لا يكتسب مشروعيته إلا أذا كان صادراً بناءً على إذن من قاضي التحقيق، ومن ثم فلا يجوز لأي عضو من أعضاء النيابة أن يصدر أمراً بالتسجيل حتى ولو كان لذلك أهمية بالغة في شأن إماطة اللثام عن الحقيقة.

ويلاحظ أيضاً على النص السابق أن التسجيل الذي يتم بواسطة السلطات العامة لا يكون حجة في الإثبات لكافة الجرائم، بل يجب أن تكون الجريمة التي يتم التسجيل من أجل كشف الغموض الذي يكتنفها إما أن تكون جناية أو جنحة معاقباً عليها بالحبس الذي تزيد مدته على ثلاثة أشهر، ومن ثم فلا يجوز التسجيل في الجنح المعاقب عليه بمدة تقل عن المدة المذكورة وإلا كان التسجيل باطلاً ويبطل الدليل المستمد منه استناداً إلى قاعدة أن “ما بني على باطل فهو باطل”.

وأخيراً يجب أن يكون التسجيل وفقاً للضوابط التي حددها القانون، حيث يجب أن يكون إذن التسجيل مسبباً، ولا يجوز أن يزيد على ثلاثين يوماً مع ملاحظة أنه يكون لقاضي التحقيق الحق في أن يمد مدة التسجيل إلى مدة أو مدد مماثلة.

ب- التسجيلات التي تتم بواسطة النيابة العامة:

وفقاً لنص المادة (206) مكرر من قانون الإجراءات الجنائية فإنه (يكون لأعضاء النيابة العامة من درجة رئيس نيابة على الأقل – بالإضافة إلى الاختصاصات المقررة للنيابة العامة – سلطات قاضي التحقيق في تحقيق الجنايات المنصوص عليها في الأبواب الأول والثاني و الثاني مكرراً والرابع من الكتاب الثاني من قانون العقوبات. ويكون لهم فضلاً عن ذلك سلطة محكمة الجنح المستأنفة منعقدة في غرفة المشورة المبينة في المادة (143) من هذا القانون في تحقيق الجرائم المنصوص عليها في القسم الأول من الباب الثاني المشار إليه بشرط ألا تزيد مدة الحبس في كل مرة عن خمسة عشر يوماً، ويكون لهؤلاء الأعضاء من تلك الدرجة سلطات قاضي التحقيق فيما عدا مدد الحبس الاحتياطي المنصوص عليها في المادة (142) من هذا القانون، وذلك في تحقيق الجنايات المنصوص عليها في الباب الثالث من الكتاب الثاني من قانون العقوبات).

ومن ثم يتضح أنه يكون لأعضاء النيابة العامة من درجة رئيس على الأقل ما يكون لقاضي التحقيق من سلطات فيما يتعلق بإصدار أمر بالتسجيلات الصوتية إلا أن ذلك يقتصر على جرائم محددة على سبيل الحصر.

إذن نخلص مما سبق إلى أن التسجيل الصوتي الذي يبنى عليه إدانة شخص ما يجب أن يكون قد تم اتخاذه بصورة سليمة مُطابقة للإجراءات والضوابط التي رسمها القانون، أما إذا تم التحصل على الدليل الصوتي بصورة غير مشروعة لكان ذلك من شأنه أن يوقعه تحت مغبة البطلان ومن ثم يبطل ما بني عليه.

وفي هذا الصدد تقضي محكمة النقض المصرية في حكمها رقم ٨٧٩٢ لسنة ٧٢ قضائية الصادر بجلسة 25/9/2002 والتي قضت فيه بأن :(مراقبة المحادثات التليفونية وتسجيلها هو إجراء من إجراءات التفتيش إلا أنه نظرا لخطورة هذا الإجراء باعتباره يتعرض لمستودع سر الفرد ويزيل الحظر على بقاء سريته مقصورة على نفسه ومن أراد ائتمانه عليه، فيباح لغيره الاطلاع على مكنون سره، فقد حرص الدستور في المادة ٤٥ منه على تأكيد حرمته وسريته واشترط لمراقبة المحادثات التليفونية صدور أمر قضائي مسبب، كما جاء المشرع في قانون الإجراءات الجنائية مسايرا لأحكام الدستور فاشترط لإجازة هذه المراقبة وانتهاك سريتها قيود إضافية بخلاف القيود الخاصة بإذن التفتيش السابق إيرادها نص عليها في المواد ٩٥، ٩٥ مكررا، ٢٠٦ منه، وكان من المقرر أنه ينبغي على السلطة الآمرة بالمراقبة والتسجيل مراعاة هذه القيود والتحقق من توافرها وإلا بطل الإجراء وما يترتب على ذلك من عدم الاعتداد بالدليل المستمد منه).

إلا أن السؤال الأهم الذي يجب أن يطرح الآن ما مدى حجية الدليل الصوتي المستخدم بين الأشخاص العاديين دون تدخل من السلطة العامة؟

الواقع أن الإجابة على هذا السؤال يجب أن تشتمل على عنصرين جوهريين، ولذلك سنعالج الإجابة على هذا السؤال من خلال النقاط التالية:

تجريم العدوان على حرمة الحياة الخاصة:

تنص المادة (309) مكرر من قانون العقوبات المصري على أن (يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على سنة كل من اعتدى على حرمة الحياة الخاصة للمواطن وذلك بأن ارتكب أحد الأفعال الآتية في غير الأحوال المصرح بها قانوناً أو بغير رضاء المجني عليه:

  • استرق السمع أو سجل أو نقل عن طريق جهاز من الأجهزة أياً كان نوعه محادثات جرت في مكان خاص أو عن طريق التليفون.
  • التقط أو نقل بجهاز من الأجهزة أياً كان نوعه صورة شخص في مكان خاص.

فإذا صدرت الأفعال المشار إليها في الفقرتين السابقتين أثناء اجتماع على مسمع أو مرأى من الحاضرين في ذلك الاجتماع، فإن رضاء هؤلاء يكون مفترضاً.

ويعاقب بالحبس الموظف العام الذي يرتكب أحد الأفعال المبينة بهذه المادة اعتماداً على سلطة وظيفته.

ويحكم في جميع الأحوال بمصادرة الأجهزة وغيرها مما يكون قد استخدم في الجريمة، كما تحكم بمحو التسجيلات المتحصلة عنها أو إعدامها).

1- الركن المادي لجريمة الاسترقاق والتسجيل:

يقوم البنيان القانوني لهذا الفعل الجنائي باسترقاق السمع أو تسجيل أو نقل المكالمات أو المحادثات التي تمت في مكان خاص، أو بتسجيل المكالمات التليفونية لشخص ما حتى ولو كان في مكان عام.

والمكان الخاص في هذا الصدد يقصد به الحرم الآمن للإنسان الذي يحظر على غيره الولوج إليه دون الحصول على إذن منه سواء تمثل في المنزل أو المكتب الخاص بالمحامي أو عيادة الدكتور، بل أنه لو اتخذ شخصين في مقهى ركناً لهما لأضفى على هذا الركن صفة المكان الخاص.

أما القاهي بصفه عامه أو المسارح ودور السنيما والمحافل الشعبية فإنها تُعد من قبيل الأماكن العامة والتي لا يمثل التسجيل فيها جريمة.

مع ملاحظة أن المشرع قد اعتبر أن الأشخاص المتواجدين في اجتماع ما قد صدر عنهم قبول ضمني لتسجيل محادثاتهم إذا لم يصدر اعتراض صريح من أحدهم على ذلك.

الوضع الخاص بكاميرات المراقبة:

وفيما يتعلق بكاميرات المراقبة التي توثق بعض الأحداث بالصوت والصورة فيتضح من خلال النص المتقدم أن الدليل المستمد منها يُعد دليل مشروع لا ينطوي على أي فعل إجرامي نظراً لأنها توضع على مرأى الأشخاص ومن ثم فلا ينطوي الأمر على استراق للسمع أو التسجيل خفية

2- الركن المعنوي لجريمة الإستراق والتسجيل:

تُعد هذه الجريمة من قبيل الجرائم العمدية ومن ثم يجب أن تتجه إرادة الجاني إلى استراق السمع أو التسجيل للمجني عليه، أما إذا تم التسجيل دون قصد فلا تقوم الجريمة في هذه الحالة، ولذلك لا تعد جريمة – ومن ثم يكون التسجيل مشروعاً – إذا نسى إنسان على مكتبه جهاز تسجيل دائر وسها عن إيقاف سيره فالتقط أحاديث شخص حضر إلى المكتب للزيارة دون انصراف الإرادة إلى تسجيل هذه الأحاديث[2].

الدليل المستمد من التسجيل الصوتي:

1- في حالة عدم مشروعية الحصول على التسجيل الصوتي:

أ- في حالات الإدانة:

إذا تم التسجيل بدون مراعاة الإجراءات القانونية المرسومة للحصول على التسجيلات الصوتية فإن التسجيل يكون باطل ويُهدر ما يحمله من دليل إدانة، ومن ثم فإذا تم الاعتداء على حرمة الحياة الخاصة لأحد الأشخاص بتسجيل محادثاته لإثبات الجرائم التي تورط في ارتكابها فإن ذلك يترتب عليه عدم جواز إدانته استناداً إلى تلك التسجيلات نظراً لبطلانها وبطلان الدليل المستمد منها.

إذن فالحصول على دليل يدين من قام بارتكاب الجريمة بصورة غير مشروعة يترتب عليه بطلان الدليل وعدم جواز الأخذ به في تكوين عقيدة القاضي للحكم على المتهم وذلك استناداً إلى مبدأ الشرعية الإجرائية.

 ويترتب على ذلك – أيضاً – أنه لو تقدم أحد الأشخاص ببلاغ إلى السلطات لوقوع جريمة سب وقذف عليه من أحد المتصلين وقدم دليلاً لذلك تسجيل للمكالمة الصوتية والذي تم دون رضاء أو علم الطرف الآخر فإنه لا يمكن إثبات جريمة السب والقذف بهذا التسجيل نظراً لبطلانه.

ومما يؤكد ذلك أن المشرع قد رسم الطريق الذي من خلاله يتم الحصول على الدليل الصوتي للجاني في جرائم السب والقذف التي تقع من خلال المكالمات التليفونية وذلك بمقتضى نص المادة (95) مكرر من قانون الإجراءات الجنائية المصري والتي نصت على أن (لرئيس المحكمة الابتدائية المختصة في حالة قيام دلائل قوية على أن مرتكب إحدى الجرائم المنصوص عليها في المادتين 166 مكرراً و308 مكرراً من قانون العقوبات قد استعان في ارتكابها بجهاز تليفوني معين أن يأمر بناءً على تقرير مدير عام مصلحة التلغرافات والتليفونات وشكوى المجني عليه في الجريمة المذكورة بوضع جهاز التليفون المذكور تحت الرقابة للمدة التي يحددها).

فالجريمة المذكورة بمقتضى نص المادة (308) مكرر – والتي أشارت إليها المادة السابقة – هي جريمة السب والقذف بواسطة التليفون.

موقف محكمة النقض المصرية:

إلا أنه فيما يتعلق بجريمة السب والقذف فلقد اتخذت محكمة النقض المصرية موقفاً مغايراً وهو الذي يتجلى في حكمها رقم ٢٢٣٤٠ لسنة ٦٢ قضائية الصادر بجلسة 18/5/2000 والتي قضت فيه بأن (لما كان نص المادة ٩٥ مكرراً من قانون الإجراءات الجنائية قد جرى على أنه لرئيس المحكمة الابتدائية المختصة في حالة قيام دلائل قوية على أن مرتكب إحدى الجرائم المنصوص عليها في المادتين ١٦٦ مكرراً، ٣٠٨ مكرراً من قانون العقوبات قد استعان في ارتكابها بجهاز تليفوني معين أن يأمر بناء على تقرير مدير عام مصلحة التلغراف والتليفونات وشكوى المجني عليه في الجريمة المذكورة بوضعه تحت المراقبة للمدة التي يحددها ومفاد ذلك بصريح النص وواضح دلالته أن المشرع تطلب مباشرة الإجراءات المبينة بالمادة المار ذكرها، كي يوضع تحت المراقبة التليفون الذي استعان به الجاني في توجيه ألفاظ السب والقذف إلى المجني عليه، بحسبان أن تلك الإجراءات فرضت ضمانة لحماية الحياة الخاصة والأحاديث الشخصية للمتهم، ومن ثم فلا تسري تلك الإجراءات على تسجيل ألفاظ السب والقذف من تليفون المجني عليه الذي يكون له بإرادته وحدها ودون حاجة إلى الحصول على إذن من رئيس المحكمة الابتدائية بتسجيلها بغير أن يعد ذلك اعتداء على الحياة الخاصة لأحد، ومن ثم فلا جناح على المدعيين بالحقوق المدنية إذ وضعا خط التليفون الخاص بهما جهاز تسجيل لضبط ألفاظ السباب الموجهة إليهما توصلا إلى التعرف على شخص من اعتاد على توجيه ألفاظ السباب والقذف إليهما عن طريق الهاتف. لما كان ذلك، وكان الحكم المطعون فيه قد انتهى إلى بطلان الدليل المستمد من الشريط المسجل بمعرفة المدعيين بالحقوق المدنية من جهاز التليفون الخاص بهما، فإنه يكون قد أخطأ في تطبيق القانون بما يعيبه ويوجب نقضه).

وجديراً بالذكر أن ذات المبدأ قد اتخذته محكمة النقض المصرية في حكمها رقم ٨٨٦٢ لسنة ٦٥ قضائية الصادر بجلسة 2/12/2003، مما يترتب عليه أنه فيما يتعلق بجريمة السب والقذف يكون للمجني عليه أن يوجه اتهامه إلى الجاني بناءً على ما اتخذه من تسجيلات صوتية للأخير حتى ولو تم بدون رضائه.

ب- في حالات البراءة:

إذا كان التسجيل الصوتي الذي تحصل عليه المتهم سيترتب عليه تبرئته من التهمة المنسوبة إليه فإنه يكون له حجية في نفي تلك التهمة حتى ولو تم التحصل عليه بصورة غير مشروعة، مع ملاحظة أن ذلك من شأنه أن يقيم في حق المتهم جريمة الاعتداء على حرمة الحياة الخاصة إذا تحققت أركانها.

وهذا ما تؤكده محكمة النقض المصرية في حكمها رقم ٤٦٨٤ لسنة ٥٨ قضائية الصادر بجلسة 2/11/1989 والتي قضت فيه بأنه: (لما كان من المقرر أنه وإن كان يشترط في دليل الإدانة أن يكون مشروعا ، إذ لا يجوز أن تبنى إدانة صحيحة على دليل باطل في القانون ، إلا أن المشروعية ليست بشرط واجب في دليل البراءة ذلك بأن الأصل على مقتضى المادة ٦٧ من الدستور و المبادئ الأساسية في الإجراءات الجنائية أن كل متهم يتمتع بقرينة البراءة إلى أن يحكم بإدانته بحكم بات ، و أنه إلى أن يصدر هذا الحكم له الحرية الكاملة في اختيار وسائل دفاعه بقدر ما يسعفه مركزه في الدعوى و ما تحيط نفسه من عوامل الخوف و الحرص و الحذر و غيرها من العوارض الطبيعية لضعف النفوس البشرية، و قد قام على هدى هذه المبادئ حق المتهم في الدفاع عن نفسه و أصبح حقا مقدما يعلو على حقوق الهيئة الإجتماعية التي لا يضيرها تبرئة مذنب بقدر ما يؤذيها و يؤذى العدالة معها ، إدانة برئ ، هذا إلى ما هو مقرر من أن القانون ، فيما عدا ما استلزمه من وسائل خاصة للإثبات ، فتح بابه أمام القاضي الجنائي على مصراعيه يختار من كل طرقة ما يراه موصلا إلى الكشف عن الحقيقة و يزن قوة الإثبات المستمدة من كل عنصر ، مع حرية مطلقة في تقدير ما يعرض عليه و وزن قوته التدليلية في كل حالة حسبما يستفاد من وقائع الدعوى و ظروفها مما لا يقبل معه تقييد حرية المحكمة في دليل البراءة باشتراط مماثل لما هو مطلوب في دليل الإدانة).

2- في حالة مشروعية الحصول على الدليل الصوتي:

يُعد التسجيل الصوتي بمثابة إقرار غير قضائي، والإقرار الغير قضائي هو الذي يصدر من المقر في غير مجلس القضاء أو أمامه في غير الدعوى المتعلقة بمحل الإقرار[3].

وعلى الرغم من عدم إيراد نص تشريعي يبين جواز استخلاص الإقرار الغير قضائي من تصريح مسجل وفقاً للإجراءات القانونية على شريط مغناطيسي – أو أي وسيلة تسجيل أخرى – إلا أنه لا يوجد ما يمنع من أن يضيفه القاضي إلى القرائن التي يبني عليها عقيدته ويكون الأمر داخلاً في نطاق سلطته التقديرية.

وهذا ما أكدته محكمة النقض المصرية في حكمها رقم ١٨٠٧ لسنة ٣٩ قضائية الصادر بجلسة 22/2/1970 والتي قضت فيه بأن: (التسجيل الصوتي يعد و لا ريب إقرارا غير قضائي، و لما كانت الطاعنة تسلم في أسباب طعنها أن المطعون ضده قد أنكر أن هذا التسجيل خاص به ، فإنه يجب على الطاعنة أن تثبت صدوره منه طبقا للقواعد العامة في الإثبات في القانون المدني،  وإذ كانت هذه القواعد توجب الحصول على دليل كتابي في هذا الصدد ، فإن قضاء الحكم المطعون فيه بعدم جواز الإثبات بالبينة ينسحب على هذا التسجيل و يتضمن الرد عليه ما دام لا يعد عنصراً مستقلا عن العناصر التي أبدى الحكم رأيه فيها).

وفي حالة المنازعة في التسجيل الصوتي من المدعى عليه – أو المتهم – فإنه يتعين على القاضي أن يحيل الأمر إلى أهل الخبرة لعمل تدقيق صوتي بواسطة خبير.

ولما كان التسجيل الصوتي يتم خارج ساحات القضاء فيكون للمحكمة إذن مطلق السلطة التقديرية في أن تعتبره دليل كامل في الإثبات بحيث يصبح حجة قاطعة على المُسجل له شريطة عدم جواز تجزئته، أو أن تأخذ به كقرينه، ولها أيضاً أن تطرحه جانباً ضاربة به عرض الحائط.

وجدير بالذكر أن الدفع ببطلان التسجيل الصوتي هو من  الدفوع الموضوعية التي لا يجوز إبدائها لأول مرة أمام محكمة النقض، وهذا ما تؤكده محكمة النقض المصرية في حكمها رقم ٤٢٩ لسنة ٤٠ قضائية الصادر بجلسة 19/4/1970 والتي قضت فيه بأن :(من المقرر أن الدفع ببطلان إجراء من الإجراءات السابقة على المحاكمة ، لا يجوز إثارته لأول مرة أمام محكمة النقض، و إذ كان ذلك، و كان الطاعن لم يدفع أمام محكمة الموضوع ببطلان التسجيلين الصوتيين اللذين عول عليهما ضمن ما عول عليه في إدانة الطاعن، فإنه لا يقبل منه أن يثير أمر بطلانهما أمام محكمة النقض).

————-

[1] أمين سوان – الدليل العلمي في ميدان الإثبات الجنائي – 2017 – ص42.

[2] الأستاذ الدكتور/ رمسيس بهنام – قانون العقوبات (جرائم القسم الخاص) – منشأة المعارف – ص 1099.

[3] الأستاذ الدكتور/ نبيل إبراهيم سعد – الإثبات – دار الجامعة الجديدة – 2020 – ص230.

إعداد/ أحمد منصور.

مراجعة وتدقيق/ المحامي سامي العوض.

 

اذا كان لديك ملاحظة اكتبها هنا

error: حقوق الطبع والنشر محفوظة لشركة حماة الحق © Copy Right Protected