بطلان حكم التحكيم في اتفاقية نيويورك

على الرغم من أن اتفاقية نيويورك 1958 للاعتراف بأحكام المحكمين ألزمت الدول المنضمة بالاعتراف ووجوب تنفيذ حكم التحكيم الأجنبي الصادر من دولة خلاف الدولة المطلوب منها الاعتراف والتنفيذ إلا أن الاتفاقية وضعت بعض الشروط اللازمة في اتفاق التحكيم وكذلك حكم التحكيم حتى يستوفي المتطلبات الموجبة للاعتراف والتنفيذ وانتفاء أحد هذه المتطلبات يؤدي إلى بطلان حكم التحكيم وبالتالي عدم الاعتراف به ولا تنفيذه من قبل الدولة.

 وسوف نتحدث في هذا المقال عما يلي:

أولا: الإخلال بالضوابط الشكلية في عقد الاتفاق على التحكيم

يعتبر عقد التحكيم عقد رضائي، بل إن التحكيم يستمد مشروعيته من ارتضاء الطرفين على الاتفاق على اتخاذ طريق استثنائي غير طريق القضاء العادي، وبناء على ذلك فإن عقد التحكيم لا يكفي فيه التراضي لانعقاده، بل يجب أن يستوفي ضوابطه الشكلية التي أقرها القانون والاتفاقيات الدولية وتتمثل هذه الضوابط في الكتابة، وتحديد موضوع النزاع تحديدًا دقيقًا في حالة المشارطة على التحكيم أي إذا حدث النزاع قبل الاتفاق على التحكيم .

أ – انتفاء شرط الكتابة في الاتفاق على التحكيم :

أكدت اتفاقية نيويورك على ضرورة أن يكون الاتفاق على التحكيم مكتوبا حيث اعتبرت الاتفاقية أن الكتابة شرطا شكليا يجب استيفاءه في اتفاق التحكيم واعتبرته ضرورة لصحة الاتفاق على التحكيم وليس مجرد دليل إثبات، وفي حالة مخالفة هذا الشرط يعتبر حكم التحكيم الصادر بناء على هذا الاتفاق باطل ولا يجوز الاعتراف به ولا تنفيذه وقد سبق وأوضحنا من قبل أن الكتابة يمكن أن تكون ورقية أو إلكترونية، حيث نصت المادة الثانية من اتفاقية نيويورك 1958 على “1 – تعترف كل دولة متعاقدة بأي اتفاق مكتوب ….”، ونصت اتفاقية الأمم المتحدة بشأن استخدام الخطابات الإلكترونية في العقود الدولية ( نيويورك 2005 ) في مادتها 20 على “تنطبق أحكام هذه الاتفاقية على استخدام الخطابات الإلكترونية في سياق تكوين أو تنفيذ عقد أو اتفاق تسري عليه أي من الاتفاقيات الدولية، التي تكون الدولة المتعاقدة في هذه الاتفاقية، أو قد تصبح دولة متعاقدة فيها، ما لم تكن الدولة قد أعلنت أنها لن تكون ملزمة بهذه الفقرة” وبذلك تكون الكتابة في اتفاق التحكيم الدولي يمكن أن تكون كتابة ورقية أو كتابة إلكترونية.

واقتضاء الكتابة لانعقاد الاتفاق على التحكيم يعتبر لازمًا ليس فقط لصحة شرط التحكيم أو مشارطة التحكيم وإنما أيضا لصحة أي تعديل لاحق لأي بند في اتفاق التحكيم . ولهذا فإن أي تعديل في الاتفاق بالنسبة لمحل النزاع، أو لمدة التحكيم ،أو لسلطة المحكمين ،أو للإجراءات الواجبة الاتباع ،أو للقانون الواجب التطبيق على الإجراءات أو على النزاع يجب أن يتم بالكتابة[1]

ب – عدم تحديد موضوع النزاع إذا تم الاتفاق على التحكيم بعد حدوث النزاع

ينقسم الاتفاق على التحكيم إلى نوعين، النوع الأول من الاتفاق يسمى شرط التحكيم وفي هذه الصورة من الاتفاق يقوم الطرفين باللجوء إلى التحكيم قبل حدوث أي نزاع وهذه الصورة لا تستلزم تحديد موضوع النزاع لأنه شيء غير منطقي حيث أن النزاع المستقبلي غير معلوم بل يكفى الإشارة إلى أن يتم اللجوء إلى التحكيم لحل النزاع بدلا من القضاء العادي في المسائل التي يجوز فيها التحكيم، والنوع الثاني يسمى مشارطة التحكيم وهي الاتفاق على التحكيم بعد حدوث النزاع وفي هذه الصورة يجب تحديد موضوع النزاع تحديدا دقيقا لا لبس فيه ويعتبر عدم تحديد موضوع النزاع في الاتفاق على التحكيم بعد حدوث النزاع انتفاء لأحد الشروط الشكلية التي تؤدى إلى بطلان حكم التحكيم الصادر بناء على هذا الاتفاق، حيث أكد كلا من القانون الأردني والمصري والسعودي على أنه يجوز الاتفاق على التحكيم بعد حدوث النزاع حتى لو كانت قد أقيمت بسببه دعوى أمام القضاء ولكن يجب في هذه الحالة أن يتم تعيين موضوع النزاع تعيينا دقيقا وإلا وقع الاتفاق باطلا.

ثانيًا : الإخلال بالشروط الموضوعية في الاتفاق على التحكيم

يجب أن يتضمن اتفاق التحكيم الشروط الموضوعية للعقد لصحة انعقاده وهي الرضا، والأهلية، والمحل وانتفاء أحد هذه الشروط الموضوعية يترتب عليه بطلان قرار التحكيم

أ – انتفاء شرط الرضا

على الرغم من اتفاقية نيويورك لم تشر صراحة إلى وجوب بطلان حكم التحكيم اذا صدر بناء على اتفاق غير صادر عن رضا الطرفين، إلا أن الرضا هو مصدر الاتفاق المشار إليه في المادة الثانية من اتفاقية نيويورك وجميع القوانين الوطنية لم تجيز أي اتفاق صادر بدون رضاء صريح من الطرفين وأي اتفاق يقع بدون رضا أو تم تحت إكراه أو غلط أو تدليس فإنه يُعد باطلًا بطلانًا مطلقًا بما لا يدع مجال للشك حيث أن الرضا يُعد الركن الأساسي لأي اتفاق فيجب أن تكون إرادة الأطراف صدرت صحيحة وخالية من عيوب الرضا كالغلط والإكراه والتدليس، حيث نصت اتفاقية نيويورك في المادة 5 فقرة 1 “أ – يجوز رفض طلب الاعتراف بقرار التحكيم وتنفيذه بناء على طلب الطرف المحتج ضده بهذا القرار اذا قدم إلى السلطة المختصة ما يثبت أن الاتفاق المذكور غير صحيح بمقتضى القانون الذي اخضع له الطرفان الاتفاق أو اذا لم يكن هناك ما يشير إلى ذلك بمقتضى قانون البلد الذي صدر فيه القرار …” وحيث أن جميع التشريعات لم تجيز الاتفاق بدون رضا فإن اتفاق التحكيم والقرار الصادر بناء على هذا الاتفاق يعد باطلا اذا صدر بهذه الصورة.

ب – انتفاء شرط الأهلية اللازمة

حيث تنص اتفاقية نيويورك في المادة 5 فقرة 1 “أ – يجوز رفض طلب الاعتراف بقرار التحكيم وتنفيذه بناء على طلب الطرف المحتج ضده بهذا القرار إذا قدم إلى السلطة المختصة ما يثبت أن طرفي الاتفاق المشار إليه في المادة الثانية كان بمقتضى القانون المنطبق عليهما، في حالة من حالات انعدام الأهلية…”

كما تنص المادة 49 من قانون التحكيم الأردني فقرة أ 2 على “لا تقبل دعوى بطلان حكم التحكيم إلا في الأحوال التالية:- إذا كان أحد طرفي اتفاق التحكيم وقت أبرامه فاقدا للأهلية أو ناقصها وفقا للقانون الذي يحكم أهليته”

وبناء على ذلك فإن الأهلية القانونية لازمة لصحة اتفاق التحكيم حسب القانون الوطني الذي يحكم أهلية كل طرف من أطراف الاتفاق، وتكون الأهلية القانونية للأشخاص الاعتبارية العامة أيضا حسب قانون كل دولة من الدولة الأعضاء، فعلى سبيل المثال الأهلية القانونية لدولة مصر لكي تبرم اتفاق تحكيم دولي يجب صدور هذا الاتفاق من الوزير المختص أو من يقوم مقامه ولا يجوز له تفويض غيره في ذلك.

فالرضا يتم بتوافق الإرادتين على الالتجاء إلى التحكيم، والأهلية الواجب توافرها هي أهلية التصرف باعتبار أن اتفاق التحكيم يترتب عليه التزامات وحقوق متقابلة، وفي العقود الإدارية فإنه من الثابت أن الأهلية القانونية الواجب توافرها في اتفاق التحكيم في العقود الإدارية لا تتوافر إلا للوزير المختص دون غيره[2] وبالتالي فإن انتفاء هذا الشرط يؤدي إلى بطلان حكم التحكيم .

ج – انتفاء شرط المحل في اتفاق التحكيم

محل التحكيم هو موضوع النزاع الذي يطرح على هيئة التحكيم، ويقصد بمحل اتفاق التحكيم، موضوع المنازعات التي يشملها اتفاق التحكيم والتي ينص على حلها بطريق التحكيم[3]

قد نصت المادة الخامسة من اتفاقية نيويورك فقرة 2 على ” يجوز كذلك رفض الاعتراف بقرار التحكيم ورفض تنفيذه إذا تبين للسلطة المختصة في البلد الذي يطلب فيه الاعتراف بالقرار وتنفيذه أ- أنه لا يمكن تسوية موضوع النزاع بالتحكيم طبقا لقانون ذلك البلد، أو ب- أنه الاعتراف بالقرار أو تنفيذه يتعارض مع السياسة العامة لذلك البلد.”

ويشترط في المحل وفقًا للقواعد العامة أن يكون موجودًا وممكنا ومعينا أو قابلا للتعيين وأن يكون مشروعًا أو قابلا للتعامل فيه كما يشترط أيضا في محل الاتفاق على التحكيم أن يكون من المسائل التي يجوز فيها التحكيم[4]

وبناء على ذلك فإن حكم التحكيم يكون باطلا إذا صدر بناء على اتفاق مشتمل على محل غير جائز.

ثالثًا: بطلان حكم التحكيم بسبب الخلل الإجرائي

حيث نصت اتفاقية نيويورك في المادة الخامسة الفقرة 1 أ على ” يجوز رفض طلب الاعتراف بقرار التحكيم وتنفيذه بناء على طلب الطرف المحتج ضده بهذا القرار إذا قدم إلى السلطة المختصة ما يثبت ب- أن الطرف الذي يحتج ضده بالقرار لم يخطر على الوجه الصحيح بتعيين المحكم أو بإجراء التحكيم أو كان لأي سبب آخر غير قادر على عرض قضيته، أو
ج- أن القرار يتناول خلافا لم تتوقعه أو تتضمنه شروط الإحالة إلى التحكيم. ويتضمن قرارات بشأن مسائل تتجاوز نطاق الإحالة إلى التحكيم، على أن يراعى في الحالات التي يمكن فيها فصل القرارات المتعلقة بالمسائل التي تخضع للتحكيم عن المسائل التي لا تخضع وأنه يجوز الاعتراف بجزء القرار الذي يتضمن قرارات تتعلق بمسائل تخضع للتحكيم وتنفيذ هذا الجزء، أو
د- أن تشكيل هيئة للتحكيم أو أن إجراءات التحكيم لم تكن وفقا لاتفاق الطرفين أو لم تكن، في حالة عدم وجود مثل هذا الاتفاق، وفقا لقانون البلد الذي جرى فيه التحكيم، أو
هـ- أن القرار لم يصبح بعد ملزما للطرفين أو أنه نقض أو أوقف تنفيذه من قبل سلطة مختصة في البلد الذي صدر فيه أو بموجب قانون هذا البلد” ، ويتضح من النص أن الإخلال بإحدى هذه الشروط يؤدي إلى بطلان حكم التحكيم.

فإذا ما قدم الخصم المطلوب تنفيذ قرار التحكيم ضده الدليل على أنه لم يعلن إعلانًا صحيحًا بالحضور بالجلسة المحددة للتحكيم، أو استحال عليه لسبب أو لآخر أن يقدم دفاع يعد أحد الحالات التي يجوز له طلب رفض التنفيذ بناء عليها، وتشمل هذه الحالة ما يتعلق بانتهاك الحق في الدفاع لهيئة التحكيم، ولكن هذه الاستحالة يجب أن تكون بسبب عيب إجرائي وليس لظرف خاص بالمحكوم عليه أو إهماله فاذا كانت قد أتيحت له الفرصة لتقديم دفاعه، ولكنه لم يفعل فلا تتوافر هذه الحالة [5]

كتابة : أحمد الشريف

[1]  د / فتحي والي، قانون التحكيم في النظرية والتطبيق، منشاة المعارف بالإسكندرية، الطبعة الأولى، 2007، ص 136

 – د / احمد قسمت الجداوي، و د / عبد الجليل السعيد، مسائل في التحكيم، دبلوم القانون الخاص، ج عين شمس 2020 ص 17 [2]

[3]  د / رضوان إبراهيم، بطلان حكم التحكيم، دار الثقافة 2005 ،عمان، ص 30

 محمد حجاجري ولاية القضاء على أحكام المحكمين في قانون التحكيم الفلسطيني، رسالة ماجستير جامعة مؤتة 2005 ص 72[4]

[5]  محمد عايد فاضل الخزاعلة، تحت إشراف د/ مهند عزمي أبو مغلي، استكمالا لمتطلبات الحصول على الماجستير قسم القانون الخاص، جامعة الشرق الأوسط كلية الحقوق 2017 ص 65