جريمة الغدر

جريمة الغدر

لم ينص القانون الأردني على جريمة الغدر اسما، ولكنها موجودة في أبواب متفرقة بمسميات مختلفة مثل باب استثمار الوظيفة، وهذه التسمية اختص بها المشرع الجزائري،جريمة الغدر، والتي ورد ذكرها في نص المادة 30 من قانون العقوبات الجزائري.  وتعتبر جريمة الغدر من جرائم الموظف غير الأخلاقية، وهي تعتبر نوعا من أنواع الفساد، متمثلةً في الفساد الإداري، إذ أن المشرع الجزائري ضمن هذه الجريمة في قانون الوقاية من الفساد ومكافحته، بعد إلغائه للمادة 121 من قانون العقوبات التي كانت قد نصت عليها سابقا، إذا قبل التطرق لجريمة الغدر حسب القانون الجزائري نتطرق أولا لتعريف الفساد ثم الفساد الإداري وأنواعه، وفي الأخير نصل إلى جريمة الغدر مفصلة تفصيلا قانونيا.

أولًا: تعريف الفساد:

ثانيا: تعريف الفساد الإداري وأنواعه:

ثالثًا: جريمة الغدر احدى أنواع جرائم الفساد

رابعا: تعريف جريمة الغدر وأركانها

خامسًا: تمييز جريمة الغدر عن جريمة النصب

سادسًا: عقوبة جريمة الغدر

سابعًا: السوابق القضائية فيما يتعلق بجريمة الغدر

أولًا: تعريف الفساد:

لقد اجتهد الكثير من الخبراء والمختصين في إعطاء تعريف عام وشامل لظاهرة الفساد، حيث تشترك مجمل التعاريف على أنه سوء استغلال السلطة العامة من أجل الحصول على مكاسب خاصة أو هو إقناع الشخص بارتكاب وسائل خاطئة غير مشروعة بانتهاك الواجب الملقى عليه.

وهذا يعني أنه سلوك سلبي يؤثر بالسلب على مصالح الآخرين.

ويأخذ الفساد عدة تعاريف مختلفة باختلاف الميادين والتخصصات والزاوية التي ينظر من خلاله إليه:

فالفساد عند علم الاجتماع هو: علاقة اجتماعية تتمثل في انتهاك قواعد السلوك الاجتماعي فيها يتعلق بالمصلحة العامة، وكذلك فإن حقيقة الفساد مرجعها إلى عدم استقامة ذاتية الشخص الذي يمارسه وبالتالي فهو انتهاك لقيمه وقيم المجتمع الذي يمارس ضده هذا السلوك.

وتعرفه منظمة الشفافية الدولية: بأنه سوء استخدام الوظيفة في القطاع العام من أجل تحقيق مكاسب شخصية.

يعرفه البنك الدولي: على أنه دفع الرشوة أو العمولة المباشرة إلى الموظفين والمسؤولين في الحكومة والقطاعين العام والخاص لتسهيل عقد الصفقات.[1]

ذكرت كلمة الفساد في القرآن الكريم أكثر من أربعين مرة منها بصيغ وأساليب مختلفة.

منها: قوله تعالى: {لو كان فيهما آلهةٌ إلّا الله لفسدتا}] سورة الأنبياء22].

أي لو كان في السماوات والأرض آلهة غير الله لخربتا وفسد نظامهما لأنهما إذا اختلفا وقع الاضطراب والخلل والفساد.

وقوله عز وجل: {قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها}] سورة النمل 24].

وقال سبحانه: {وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون}] سورة البقرة 11].

وقال أيضا: {ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها}] سورة الأعراف 56].

أي لا تفسدوا شيئا في الأرض بعد الإصلاح بما بناه المرسلون وأتباعهم المصلحون وشهده العقلاء المخلصون من النواحي المادية والمعنوية كتقوية وسائل الحياة من زراعة وصناعة وتجارة وتهذيب الأخلاق والحث على العدل والشورى والتعاون والتراحم، والإفساد شامل إفساد الأديان بالكفر والبدعة، وإفساد النفوس بالقتل وبقطع الأعضاء، وإفساد العقول بشرب المسكرات ونحوها وإفساد الأنساب بالإقدام على الزنا واللواط والقذف.[2]

إذا فالفساد في الشريعة الإسلامية يدل على معان عديدة منها ارتكاب المعاصي والمحرمات وعصيان الله عز وجل فيما أمر به.

ثانيا: تعريف الفساد الإداري وأنواعه:

1. تعريف الفساد الإداري اصطلاحا:

هو إساءة استعمال السلطة الحكومية للحصول على مكاسب أو منافع خاصة بالمخالفة بما تنص عليه القواعد، أو القوانين، أو التشريعات، أو اللوائح الحاكمة للعمل الحكومي.

ويمكن تعريف الفساد الإداري: أنه ظاهرة سلبية تتفشى داخل الأجهزة الإدارية لها أشكال عديدة نتيجة الثقافة السائدة في المجتمع والمنظمة وتقترن بمظاهر متنوعة كالرشوة وعلاقات القرابة والوساطة والصداقة تنشأ بفعل مسببات مختلفة هدفها الأساسي وغايتها الرئيسية إحداث انحراف في المسار الصحيح للجهاز الإداري لتحقيق أهداف غير مشروعة فردية أو جماعية.

ويمكن تعريفه بأنه سلوك صادر من قبل كل موظف عام يهدف من خلاله إلى تحقيق منافع سواء كانت مادية أو معنوية على حساب المصلحة العامة أو استغلال مركزه الوظيفي.

وعليه نخلص أن الفساد الإداري هو خروج الموظف عن أخلاقيات التي تفرضها عليه مهنته، والقيام بصرف يهدف من خلاله إلى تحقيق أغراض ومصالح شخصية له أو لغيره بمختلف الطرق المخالفة للقانون.

2. التعريف القانوني للفساد الإداري:

مما لا شك فيه وأن الجزائر قد صادقت على الاتفاقية الدولية لمكافحة الفساد، وكذا اتفاقية الاتحاد الإفريقي لمنع الفساد ومحاربته المعتمدة في 12جويلية 2003، وهو ما أدى بالمشرع باستحداث قانون خاص وهو قانون الوقاية من الفساد ومكافحته الصادر في 20 فيفري 2006، حيث نصت المادة 02/أ من القانون 06/01 المتعلق بالوقاية من الفساد ومكافحته “…الفساد: كل الجرائم المنصوص عليها في الباب الرابع من هذا القانون…”

3. أنواع الفساد الإداري:

هناك تصنيفات عدة للفساد الإداري سواء كان ذلك من حيث حجمه أو من حيث درجة انتشاره وهو ما سيتم توضيحه كما يلي:

أ- أنواع الفساد من حيث الحجم

النوع الأول: الفساد الصغير

وهو الفساد الذي يتم بشكل فردي دون مشاركة الجماعة وهو الفساد الذي يرتكبه صغار الموظفين ومن أمثلة ذلك إعطاء هدية مثلا للحصول على وظيفة وغير ذلك.

النوع الثاني: الفساد الكبير

وهو الفساد الذي يرتكب من قبل كبار الموظفين لتحقيق مصالح شخصية، مادية أو اجتماعية وغالبا ما نجده مرتبطا بمبالغ ضخمة وهو أخطر أنواع الفساد.

ب- أنواع الفساد من حيث انتشاره:

النوع الأول: فساد دولي

هذا الأخير يأخذ مدى واسعا عالميا يعبر حدود الدول وحتى القارات في إطار العولمة، حيث ترتبط المؤسسات الاقتصادية للدولة داخل وخارج البلد بالكيان السياسي أو قيادته لتمرير منافع اقتصادية نفعية يصعب الفصل بينهما لهذا يكون هذا الفساد أخطبوطيا يلف كيانات واقتصاديات على مدى واسع ويعتبر الأخطر نوعا.

النوع الثاني: فساد محلي

وهو الذي ينشر داخل البلد الواحد في منشأته الاقتصادية وضمن المناصب الصغيرة ومن الذين لا ارتباط لهم خارج الحدود) مع الشركات أو كيانات كبرى أو عالمية (.[3]

 وفي الأخير نستنتج أن الفساد الإداري هو مخالفة القوانين الوظيفية وعدم احترامها، وهو استغلال الموظف لمنصبه لتحقيق مصالحه الشخصية أو لجماعة معينة والتخلي عن التزاماته وواجباته التي يفرضها عليه القانون.

ثالثًا: جريمة الغدر احدى أنواع جرائم الفساد

وضع المشرع الجزائري الجرائم المتعلقة بالفساد في الباب الرابع من القانون 06/01 المتعلق بالوقاية من الفساد ومكافحته، وهي عبارة عن 22 جريمة، من ضمنها جريمة الغدر، والتي ورد ذكرها في نص المادة 30 من القانون سالف الذكر.

رابعا: تعريف جريمة الغدر وأركانها

1_التعريف القانوني لجريمة الغدر:

جريمة الغدر تطلق على جريمة الموظف الذي يطلب أو يأخذ غير المستحق من الأعباء المالية العامة ويكون له شأن في تحصيلها، حيث نصت عليها المادة 30 من قانون الوقاية من الفساد ومكافحته (06-01) بقولها:

” يعد مرتكبا لجريمة الغدر، ويعاقب عليها بالحبس من سنتين إلى عشر سنوات وبغرامة من 200,000 دج إلى 1000,000 دج كل موظف عمومي يطلب أو يتلقى أو يشترط أو يأمر بتحصيل مبالغ مالية يعلم أنها غير مستحقة الأداء أو يجاوز ما هو مستحق الأداء سواء لنفسه أو لصالح الإدارة أو لصالح الأطراف الذين يقوم بالتحصيل لحسابهم “.[4]

إذا نستنتج مما سبق أن المشرع الجزائري اعتبر جريمة الغدر، جنحة.

كما جاء في لسان العرب عن ابن سيده أن الغدر ضد الوفاء بالعهد، وقال غيره الغدر ترك الوفاء، غدره غدرا، تقول غدر إذا نقض العهد.

والظاهر أن هذه التسمية أطلقت على هذا الجرم بعينه لأن الموظف الجاني الممثل للدولة يغدر بالمواطن فيستلب منه أمواله مستغلا الثقة بينه وبين السلطة العمومية ناقضا لها.

فالغدر وفقا للتعريف الوارد ضمن معجم القانون:

” اقتضاء الموظف العام المختص أو طلبه الغير مستحق، أو ما يجاور المستحق من الأعباء المالية العامة، كالضرائب، أو الرسوم أو الفوائد أو الغرامات “.[5]

فتعتبر هذه الجريمة نوعا من أنواع الفساد والمتمثلة في الفساد الإداري، إذ يستغل الموظف وظيفته ويمس بنزاهتها.

وقد عرف المشرع الجزائري الموظف العمومي في الباب الأول، المادة (2) من قانون مكافحة الفساد بأنه:

” 1. كل شخص يشغل منصبا تشريعيا، أو تنفيذيا، أو إداريا، أو قضائيا أو في أحد المجالس الشعبية المحلية المنتخبة، سواء أكان معينا أو منتخبا، دائما أو مؤقتا، مدفوع الأجر أو غير مدفوع الأجر، بصرف النظر عن رتبته أو أقدميته.

  1. كل شخص آخر يتولى ولو مؤقتا وظيفة أو مؤسسة عمومية أو أية مؤسسة أخرى تملك الدولة كل أو بعض رأسمالها، أو أية مؤسسة أخرى تقدم خدمة عمومية.
  2. كل شخص آخر معرف بأنه موظف عمومي أو من في حكمه طبقا للتشريع والتنظيم المعمول بهما “.

– إذا حسب النصوص السابقة الذكر، يمكننا تعريف هذه الجريمة بأنها:

استيلاء الموظف أو تحصيله لأموال زيادة عن المبالغ المالية المستحقة، لصالحه أو لصالح الإدارة أو الأطراف التي يقوم بالتحصيل لحسابهم، استغلالا لوظيفته بطريقة غير مشروعة.

إذ أن القانون قيد الموظف في تحصيل الرسوم والضرائب والفوائد لأشخاص معينة وإذا تجاوز هذه القيود يعتبر مخالفا للقانون بارتكابه لجريمة الغدر والمعاقب عليها قانونا.

والهدف من ذلك يعود لحماية الأموال وتحقيق العدل والمساوات في أداء الضريبة، حسب القدرة الضريبية.

كما قد نص سابقا على هذه الجريمة في المادة 121 من قانون العقوبات، ثم ألغيت، ثم تضمنها قانون الوقاية من الفساد ومكافحته ضمن أحكامه بموجب المادة 30 منه المذكورة سابقا.

وهي تعبر من الجرائم العمدية التي يتعمد الموظف القيام بها والتي تؤدي إلى انتشار الفساد في الجهاز الإداري بتحصيله أموال غير مستحقة الأداء أو بتجاوزه ما هو مستحق أداءه.

2_أركان جريمة الغدر:

 سنتطرق فيما يلي بالبيان لجريمة الغدر وما يجاورها حسب الترتيب التالي:

  • الغدر.
  • الإعفاء والتخفيض غير القانوني في حقوق الدولة.
  • أخذ فوائد بصفة غير قانونية.
  • الغدر:

أ. الركن المفترض-صفة الموظف العام- أي صفة الجاني

جريمة الغدر من الجرائم ذات الصفة، فلكي تقوم الجريمة يجب أن يكون فاعلها موظفا عاما له شأن في تحصيل الرسوم أو الغرامات أو العوائد أو نحوها، بحيث يعد مرتكبا للغدر:

  • كل قاضٍ أو موظف عمومي تلقى أو فرض أو أمر بتحصيل ما بعلم أنه غير مستحق أو أنه يتجاوز المستحق سواء للإدارة أو الأفراد الذين يحصل لحسابهم أو لنفسه خاصة.
  • جميع الممارسين للسلطة العامة أو الموظفين العامين الذين يمنحون بصورة من الصور ولأي سبب من الأسباب إذن وارد في نص تشريعي أو تنظيمي إعفاءات من الرسوم أو الضرائب العامة أن يقدموا مجانا منتجات أو خدمات صادرة عن مؤسسات الدولة.[6]

ب. الركن المادي:

يتمثل الركن المادي لهذه الجريمة في طلب أو تلقي أو أمر بتحصيل مبالغ مالية غير مشروعة أو غير مستحقة الأداء، بهذا تكون عناصر هذا الركن في الطلب أو تلقي ما ليس مستحق وأن تكون موضوع الطلب والتلقي – المحل المادي للسلوك – مبالغ مالية غير مشروعة.

  • الطلب أو تلقي أو أمر بتحصيل ما ليس مستحقا:

حدد المشرع الجزائري عدة صور للسلوك الإجرامي في جنحة الغدر، فيكفي لقيام الجريمة تحقيق إحدى هذه الصور المنصوص عليها في المادة 30 من قانون مكافحة الفساد وهي: … كل موظف عمومي يطالب أو يتلقى أو يشترط أو يأمر بتحصيل مبالغ يعلم أنها غير مستحقة الأداء أو يجاوز ما هو مستحقا، ويقصد بالطلب التعبير صراحة أو ضمنيا عن إرادة الجاني في الحصول على المال، وقد يكون الطلب مكتوبا أو شفويا.

ويقصد بالتلقي، أخذ المال أي تناوله الفوري سواء سبق ذلك أو وقع تلقائيا من المكلف بالأداء.

أما المطالبة فيبذل فيها الجاني نشاطا ماديا للحصول على المال.

 أما الأمر هو كل ما يصدر عن الرؤساء على المرؤوسين من تعليمات لتحصيل ما هو غير مستحق.

  • موضوع الطلب أو التلقي أو الأمر بتحصيل أعباء مالية غير مشروعة:

جريمة الغدر لا تنصب على مال الدولة، وإنما أموال الأفراد، وذلك من خلال الطلب أو تلقي أو الأمر بضريبة، أو رسم، أو غرامة، أو عبء مالي عام.

إذن قبض مبالغ مالية غير مشروعة هي محل النشاط الإجرامي بعنوان الرسوم والحقوق والضرائب ونحوها.[7]

ج.  الركن المعنوي:

جريمة الغدر جريمة عمدية يقتضي ركنها المعنوي توفر القصد الجنائي وهو القصد العام حيث يقوم على عنصري العلم والإرادة، فالعلم يتمثل في كون الجاني موظفا عاما له شأن في تحصيل الأعباء المالية وفي حال انتفى علم الجاني بهذه الصفة فقد انتفى القصد الجنائي له، وأن يكون الموظف على علم بأن المال الذي يطلبه ملك للدولة ليس له أحقية فيه وأن تتصرف إرادة الجاني ورغم علمه بعدم أحقيته في هذا المال ومع ذلك يقوم بطلبه.[8]

  • الإعفاء والتخفيض غير القانوني في حقوق الدولة:

يتناول هذا العنوان صورتين مجرمتين بنص المادة 31 من القانون 01-06 التي عوضت المادة 122 من قانون العقوبات وهما:

  • الإعفاء والتخفيض غير القانوني في الضريبة.
  • التسليم المجاني لمحاصيل مؤسسات الدولة.
  1. الإعفاء والتخفيض غير القانوني في الضريبة والرسم والحق: تسمى هذه الجريمة في بعض التشريعات العربية كالتشريع العراقي مثلا بجريمة استثمار الوظيفة ويتوجب بداية تعريف كل من الرسم والضريبة والحق:

فالرسم: هو الثمن الذي يدفعه مستعمل مرفق عمومي غير صناعي لقاء الخدمات، أو الفوائد التي يتحصل عليها منه، كرسم المرور مثلا، الذي تخضع له نقل منتوجات بعينها.

ورسم الضمان الذي تخضع له مصنوعات الذهب والبلاتين.

أما الضريبة: فهي المبلغ المالي الذي يلتزم الأشخاص بأدائه قسرا، بصفة نهائية ودون مقابل بغية تغطية النفقات العمومية للدولة أو الجماعات المحلية وهي نوعان:

  • ضرائب مباشرة: كالضرائب التي تحصل لفائدة الدولة، من قبيل الضرائب على الأرباح الصناعية والتجارية والحرفية مثلا، وكذا الضرائب المطبقة على أرباح المهن غير التجارية، وعلى المرتبات والأجور، والضرائب التي تحصل لفائدة الجماعات المحلية كالرسوم العقارية على الملكيات المبنية وغير المبنية، ورسوم التطهير.
  • الضراب غير المباشرة: وهي الضرائب التي يتم تحصيلها بمناسبة حادثة تتعلق بالمادة الخاضعة للضريبة كالإنتاج والنقل ولاستهلاك، ويتم تحصيل هذا النوع من الضرائب لفائدة الدولة أو لفائدة الجماعات المحلية كضريبة ذبح الحيوان مثلا.

وغالبا ما يختلط الرسم بالضريبة غير أنه يمكن التفرقة بينهما من خلال ملاحظة أن:

  • الرسم ينطوي على مقابل يتمثل في الخدمة المقدمة بخلاف الضريبة.
  • الضريبة إلزامية الدفع في حين الرسم اختياري، يكفي للتخلص من أدائه الاستغناء عن الخدمة التي يحصل بمناسبتها.

الحق: نوع من أنواع الضرائب التي تقبض بمناسبة شكليات مطلوبة، أو أنشطة متميزة من قبيل الحقوق الجمركية التي تقبض بمناسبة التسجيل في إدارة ما، وحقوق الطابع (الدمغة أو التمغة) التي تفرض على العقود المدنية والقضائية، وعقود الموثق، وعقود النقل، وجوازات السفر …

هذا فيما يخص أهم المصطلحات المتعلقة بالجرم محل الدراسة، أما عن أركانه فهي:

  • الركن المفترض (صفة الجاني): يتطلب قيام هذا الجرم أن يكون الجاني موظفا عموميا على النحو الذي سبق بيانه.
  • الركن المادي: يتمثل هذا الركن في قيام الجاني بمنح إعفاء أو تخفيض غير قانوني في الضريبة، أو الرسم، أو الحق، أو إصداره الأمر بمنح هذا الإعفاء أو التخفيض.

فإذا أعفى الموظف العمومي الملزم بأداء الضريبة من أدائها أو جزء منها، سواء كان هذا الإعفاء نتيجة قرار أو نتيجة التغاضي عن الدفع، استوجب ذلك المسؤولية الجزائية والمفترض هنا أن يكون الجاني صاحب اختصاص بتحصيل الضرائب أو الحقوق.

كذلك يستوجب المسؤولية الجزائية إصدار الجاني الأمر بالإعفاء، أو التخفيض دون سند من القانون، ويتعلق الأمر هنا بالجاني صاحب السلطة العمومية، أي الذي يتمتع بسلطة إصدار القرار في مجال المال العمومي للدولة، كالوزير الوالي، أو رئيس البلدية.

ج. الركن المعنوي: تتطلب هذه الجريمة القصد الجنائي العام بما فيه من علم الجاني بأنه قد تنازل عن مال مستحق للدولة دون أي ترخيص قانوني.

  1. تسليم محاصيل مؤسسات الدولة مجانا:

لا تختلف هذه الجريمة في جميع أركانها عن الجريمة سالفة الذكر (الإعفاء والتخفيض غير القانوني في الضريبة والرسم والحق)، عدا ما يتعلق ب:

  • محل الجريمة: إذ يتمثل هنا في منتوجات مؤسسات الدولة سواء ما تعلق بمنتجات المؤسسات ذات الطابع الإداري، أو ذات الطابع الصناعي أو التجاري.
  • النشاط المجرم: ويتمثل هنا في تسليم الغير منتجات تلك المؤسسات مجانا ودون أي ترخيص قانوني.[9]
  • أخذ فوائد بصفة غير قانونية:

وقد تضمنتها المادة 35 من قانون مكافحة الفساد (06-01):

أن كل موظف عمومي يأخذ أو يتلقى بشكل مباشر أو بعقد صوري ومن طرف شخص آخر فوائد من العقود، أو المزايدات، أو المناقصات، أو المقاولات، أو المؤسسات التي يكون مديرا لها أو مشرفا عليها بصفة كلية أو جزئية وقت ارتكاب الفعل، وأيضا يكون مكلفا بأن يصدر إذنا بالدفع في عملية ما أو مكلفا بتصفية أمر ما ويأخذ منه فوائد كيفما كانت، يعاقب بالحبس من سنتين (2) إلى (10) سنوات وبغرامة من 200.00 إلى 1.000.000 دج.

  • أمثلة عن جريمة الغدر:

-فرض دفع أتاوى غير قانونية.

-فرض ضريبة على شخص مبالغ فيها.

-إلزام شخص بدفع مستحقات مالية في عمل هو في الأصل يقدم بصورة مجانية.

 

خامسًا: تمييز جريمة الغدر عن جريمة النصب

تنص المادة 372 من قانون العقوبات على أن” كل من توصل إلى استلام أو تلقي أموال أو منقولات أو… كان ذلك بالاحتيال لسلب كل ثروة الغير أو بعضها أو الشروع فيه إما باستعمال أسماء أو صفات كاذبة أو سلطة خيالية……يعاقب بالحبس من سنة على الأقل إلى 5 سنوات على الأكثر وبغرامة من 20.00 دج إلى 100.000دج”، ومن خلال المقارنة بين هذا النص ونص المادة 30 من قانون الوقاية من الفساد ومكافحته يتضح لنا أن كلا الجريمتين تتفقان أولا في كونهما استيلاء على مال الغير بدون وجه حق، وثانيا في أن الجاني يلجأ إلى طرق ووسائل احتيالية لإيقاع الضحية، بينما تكمن أوجه الاختلاف في:

الجاني في جريمة الغدر هو موظف عام، وبالتالي إذا انتفت هذه الصفة انتفت جريمة الغدر، أما في جريمة النصب، فإنها لا تتطلب هذه الصفة في الجاني.

لإرادة المجني عليه دورا أساسيا في جريمة النصب، إذ يوجه المحتال إرادة المجني عليه إلى تسليم المال.

في حين أنه لا عبرة لإرادة المجني عليه أو رضائه في جريمة الغدر، فهي تقع ولو كان المجني عليه عالما بأن ما يطلبه أو يأخذه غير مستحق أو يزيد عن المستحق.

من حيث المال محل الجريمة، فهو في جريمة الغدر ما لا يستحق أو ما يزيد عن المستحق من الأعباء المالية العامة، والتي تأخذ شكل النفوذ غالبا.

بينما محل جريمة النصب قد يكون مالا منقولا، أو عقارا، أو سندات، أو وعودا، أو مخالصات، أو أوراقا مالية ،أو إبراء من التزامات.[10]

سادسًا: عقوبة جريمة الغدر

1_العقوبات الأصلية:

طبقا للمادة 30 من قانون الفساد تكون العقوبة هي: “الحبس من سنتين (02) إلى عشر (10) سنوات، وغرامة من 200.00 دج إلى 1.000.000 دج” إذا الواضح أن العقوبة الأصلية للغدر هي عبارة عن جنحة مغلظة في حدها الأقصى.

2_العقوبات التكميلية:

أين يجوز للجهات القضائية طبقا للمادة 50 من قانون الفساد الحكم على المدان بعقوبة أو أكثر من العقوبات المنصوص عليها في المواد من 9 إلى 18 من قانون العقوبات.

3_تشديد العقوبات:

تشدد العقوبات طبقا للمادة 48 لتصبح من 10 إلى 20 سنة” إذا كان مرتكب جرائم الفساد:

  1. قاضيا.
  2. موظفا ذا وظيفة عليا في الدولة.
  3. ضابطا عموميا.
  4. عون شرطة قضائية أو من يمارس صلاحيات الشركة القضائية.
  5. موظف أمانة الضبط.

فالعقوبة كما هو ملاحظ، رغم تشديدها لتصل إلى 20 سنة، إلا أنها تبقى تحافظ على وصفها الجنحي، باستعمال المشرع لمصطلح “الحبس” l’emprisonnement.

4_ الإعفاء والتخفيف(م49):

يعفى المرتكب أو المشترك في جرائم الفساد إذا قام قبل مباشرة إجراءات المتابعة بإبلاغ السلطات الإدارية أو القضائية أو الجهات المعنية عن الجريمة وساعد على معرفة مرتكبيها(م49ف/2).

5_التجميد، الحجز والمصادرة، ورد العائدات(م51):

  1. قبل الإدانة: إمكانية تجميد أو حجز العائدات والأموال غير المشروعة الناتجة عن ارتكاب جريمة أو أكثر عن الجرائم المنصوص عليها في هذا القانون، بقرار قضائي أو بأمر من سلطة مختصة.
  2. بعد الإدانة: تأمر الجهة القضائية بمصادرة العائدات والأموال غير المشروعة، وذلك مع مراعاة حالات استرجاع الأرصدة أو حقوق الغير حسنة النية.
  3. وتحكم الجهة القضائية أيضا برد ما تم اختلاسه أو قيمة ما حصل عليه من منفعة أو ربح، ولو انتقلت إلى أصول الشخص المحكوم عليه أو فروعه، أو إخوته، أو زوجه، أو أصهاره سواء بقيت تلك الأموال على حالها أو وقع تحويلها إلى مكاسب أخرى.

6_المشاركة والشروع(مادة52):

  1. المشاركة: تطبق الأحكام المتعلقة بالمشاركة المنصوص عليها في قانون العقوبات على جرائم الفساد.
  2. الشروع: يعاقب على الشروع في جرائم الفساد بمثل الجريمة نفسها.[11]

سابعًا: السوابق القضائية فيما يتعلق بجريمة الغدر

جاء في القرار رقم 716212 للمحكمة العليا الصادر بتاريخ 2017/03 23/ما يلي:

” بمراجعة الحكم المستأنف والقرار المطعون فيه المؤيد له يتضح وعكس ما ينعاه الطاعن فإن قضاة الموضوع قد سببوا قضاءهم بما فيه إذا عاينوا وقائع القضية وتناولوها بالمناقشة والتحليل وأشاروا إلى النصوص القانونية المطبقة فبينو بأنه إثر صدور حكم عن القسم التجاري بمحكمة تبسة المؤيد بقرار، وأثناء التنفيذ  لهذا الحكم من طرف المتهم الطاعن باعتباره محضرا قضائيا استحوذ على مبلغ يزيد عن 113 مليون سنتيم لنفسه رغم أن أتعابه لم تتعدى سبعة آلاف دينار جزائري ورفض إرجاعه لهذا المبلغ المستحوذ بحجة لأن المبلغ حقه التناسبي وتراجعه عن تصريحاته على أساس أنه وقع خطأ وأن هذا التبرير هو تبرير غير شرعي ينطبق عليها النموذج المنصوص والمعاقب عليه بنص المادة 30 من القانون الصادر بتاريخ 2006 20/02/”.

ولكن وجب الانتباه للآتي:

بخصوص طعن الشخص المدان بعقوبة في هذه الجريمة فيكون:

القسم الجزائي، على مستوى المحكمة هو الذي يختص بذلك ابتدائيا، ويطعن في الحكم بالاستئناف أمام الغرفة الجزائية بالمجلس لأن المشرع اعتبر هذه الجريمة جنحة.

وفي الأخير فإن المشرع الجزائري حاول من خلال قانون الوقاية من الفساد ومكافحته وضع عقوبات لكل جريمة وحصرها، بهدف محاربة هذه الجرائم ووضع حد لها ومنع تفشيها في المجتمع، ومن خلال هذا البحث سلطنا الضوء على نوع من هذه الجرائم بشكل مفصل والتي تتمثل في جريمة الغدر.

كتابة : خديجة بن عربية

مراجعة وتدقيق: المحامي سامي العوض

[1] د. فوكراش زوبيدة، محاضرات مقياس أخلاقيات المهنة والفساد، جامعة حسيبة بن بوعلي الشلف، 2019-2020.

[2] عبد الحق أحمد حميش، مكافحة الفساد من منظور إسلامي، المؤتمر العربي الدولي لمكافحة الفساد، مركز الدراسات والبحوث، قسم الندوات واللقاءات العلمية، الرياض، 2003 ص 5 و6.

[3] سمير موراد، جرائم الفساد الإداري والجزاءات المقررة لها في التشريع الجزائري، مجلة الحقوق والعلوم السياسية، العدد 10 جوان 2018 ص 371 و372 و373.

[4] نجار الويزة، التصدي المؤسساتي والجزائي لظاهرة الفساد في التشريع الجزائري-دراسة مقارنة- مقدمة لنيل شهادة الدكتوراه، جامعة منتوري قسنطينة، 2013/2014، ص316.

[5] رمزي بن الصديق، دور الحماية الجنائية لنزاهة الوظيفة العمومية في ظل قانون الوقاية من الفساد ومكافحته، مذكرة مقدمة للحصول على درجة الماجستير في الحقوق، جامعة قاصدي مرباح-ورقلة، 2012/2013 ص 48.

[6] خليلي لامية وهروق زوينة، جرائم الفساد في القانون الجزائري، مذكرة لنيل شهادة الماستر في الحقوق، جامعة عبد الرحمان مير -بجاية-، 2018 ص 21.

[7] نجار الويزة، التصدي المؤسساتي والجزائي لظاهرة الفساد في التشريع الجزائري-دراسة مقارنة- مقدمة لنيل شهادة الدكتوراه. 2013/2014، جامعة منتوري قسنطينة، 2013/2014، ص318.

[8] بلخير فاطمة، بوقراب ظريفة، جرائم الفساد في التشريع الجزائري، مذكرة لنيل شهادة الماستر في الحقوق، جامعة أكلي محند أو لحاج – البويرة -، 2015/2016 ص31.

[9] رمزي بن الصديق، دور الحماية الجنائية لنزاهة الوظيفة العمومية في ظل قانون الوقاية من الفساد ومكافحته، مذكرة مقدمة للحصول على درجة الماجستير في الحقوق جامعة قاصدي مرباح-ورقلة، 2012/2013 ص 48 و49 و50 و51.

[10] الحاج علي بدر الدين، جرائم الفساد وآليات مكافحتها في التشريع الجزائري، أطروحة مقدمة لنيل شهادة دكتوراه في العلوم، تخصص قانون خاص، جامعة تلمسان، 2015/2016، ص182.

[11] حمليل صالح، محاضرات في قانون الوقاية من الفساد ومكافحته، جامعة دراية، أدرار،2019-2020، ص 9و10و11.

error: حقوق الطبع محفوظة لشركة المحامي سامي العوض © Copy Right Protected