الوصف في الحاضر لغو وفي الغائب مُعتبر

الوصف في الحاضر لغو وفي الغائب مُعتبر

للعقد أركان ثلاث لا يستقيم بدونها وهم التراضي والمحل والسبب، ومحل العقد يجب أن يكون معين أو قابل للتعيين، ويُعد خير سبيل لتعيين محل العقد هو رؤيته، لذلك فإن العقد إذا أبرم على شيء بمجلس العقد فلا يُعتد إلا بالصفات الظاهرة في الشيء المعقود عليه دون وضع اعتبار لوصفه، ذلك أن دلالة الرؤية أقوى من دلالة الوصف.

لذلك وضع العلماء قاعدة مؤداها أن الوصف في الحاضر لغو وفي الغائب مُعتبر، وهي ما تشير إلى أن الحاضر لا يُعتد بوصفه وإنما تكون العبرة لما ظهر به من صفات تتبين برؤيته.

جدول المحتويات 

أولاً: معنى القاعدة:

ثانياً: أدلة القاعدة:

ثالثاً: تطبيقات على القاعدة:

رابعا: ملاحظات على القاعدة:

أولاً: معنى القاعدة:

مؤدى هذه القاعدة أن الوصف في الشيء الحاضر المشار إليه في المجلس لغو، أي ساقط الاعتبار، لأن المقصود من الوصف التعريف وإزالة الاشتباه والاشتراك، وقد حصل من ذلك بالإشارة إليه ما هو أعلى وأبلغ[1]، ذلك أن الإشارة تقطع الاشتراك مطلقاً في حين أن الوصف يقلله، لذلك كان الوصف غير معتبر مع وجود الإشارة.

فالإشارة هي الأصل في تعيين الشيء، أما الوصف فهو أمر فرعي يلجئ إليه حال تعذر وجود الشيء المعقود عليه بمجلس العقد، لذلك يسقط الاعتداد بالوصف حال وجود الشيء بمجلس العقد استنادا إلى قاعدة إذا وجد الأصل سقط اعتبار الفرع.

ولذلك فإذا كان المبيع سيارة وكانت توجد بمجلس العقد وقال البائع للمشتري بعت لك هذه السيارة الحمراء في حين أن لون السيارة أسود، وقال المشتري قبلت، فإن العقد ينعقد صحيح على السيارة السوداء ولا عبرة لوصفها بكونا حمراء لكون الوصف في الحاضر لغو.

وهذه القاعدة أخذ بها المشرع الأردني ونص عليها بموجب المادة (219) من القانون المدني والتي نصت على أن (الوصف في الحاضر لغو، وفي الغائب معتبر).

ثانياً: أدلة القاعدة:

1- دليل أن الوصف في الحاضر لغو:

يدل على ذلك ما ورد عن النبي عليه أفضل الصلاة والسلام أنه نهى عن “بيع الملامسة[2]“.

والملامسة أن يبيعه شيئًا ولا يشاهده على أنه متى لمسه وقع البيع[3]، فلقد نهى الرسول عن بيع الملامسة لحضوره وضرورة رؤيته، ولأن وصف محل هذا البيع غير معتبر، فلا يُعتد فيه إلا بالرؤية التي تنفي عنه الغرر والجهالة.

2- دليل أن الوصف في الغائب مُعتبر:

يدل على أن الوصف في الغائب مُعتبر ما روي عن رسول الله أن قال ” من أسلف في تمر فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم[4]“.

وبيع السلم محله عين غائبة عُرفت بوصفها وبيان مميزاتها، وهذا دليل على اعتبار الوصف في الغائب.

ثالثاً: تطبيقات على القاعدة:

1- عقد الاستصناع:

وفي هذا العقد يتعين التفرقة بين صورتين:

  • في حالة الاتفاق على صناعة شيء بنموذج حاضر يلتزم به الصانع، فإن وصف الشيء المُستصنَع يُعد لغو غير معتبر، ذلك أن النموذج رفع عن المبيع الجهالة، فطالما كان المبيع مطابق للنموذج فإن العقد أصبح لازماً للمشتري ولا يحقه له فسخه.
  • أما إذا كان المُستصنَع بلا نموذج فوصفه مُعتبر، ويجب أن يكون بذات الأوصاف التي شملته عند إبرام التعاقد وإلا كان للبائع الحق في فسخ العقد.

ومن ثم فهناك فارق بين البيع بالعينة والبيع بالمواصفات، ففي البيع بالعينة يجب أن يكون المبيع مطابقاً تماماً للعينة دون اعتبار لأي وصف آخر للمبيع، فإذا وجد اختلاف بين المبيع والعينة فإن المشتري يكون بالخيار بين فسخ العقد أو قبول المبيع.

أما في حالة البيع بالمواصفات – دون وجود عينة أو نموذج – فتكون العبرة لوصف الشيء ويكون البائع مُلزم بتوفير مبيع مطابق للمواصفات المتفق عليها وإلا كان للبائع خيار فسخ العقد أو قبول المبيع بالثمن المتفق عليه.

وهذا ما تؤكده محكمة التمييز الأردنية في حكمها رقم 45 لسنة 1968 – محكمة التمييز بصفتها الحقوقية الصادر بتاريخ 1968-04-18 والتي قضت فيه بأن: (إذا جرى التعاقد على مبيع بوصف معين وظهر المبيع خاليا من ذلك الوصف، فإن المشتري مخيرا إن شاء فسخ البيع وإن شاء أخذه بجميع الثمن المسمى – المادة 310 من المجلة).

2- عقد التوريد:

عقد التوريد هو عقد يلتزم فيه المورد بأن يسلم إلى المشتري سلعاً متفق عليها بصورة دورية نظير مبلغ معين.

وفي هذا العقد إذا وصفت العين الحاضرة بجنسها فالوصف هنا لغو غير معتبر، لأن المشتري ليس له خيار رؤية لأنه قد شاهد مثل العين المتفق على توريدها، ومثال ذلك إذا قال صاحب مصنع السيارات المورد: أورد لك مثل هذه السيارة البيضاء في حين أن السيارة المعنية هي سوداء فإن العقد يكون منعقداً على توريد السيارة السوداء ولا عبرة بوصفها بكونها بيضاء.

أما إذا كانت العين غير حاضرة فإن العبرة تكون بالوصف المتفق عليه، كأن يقول النجار المورد: أورد لك كل يوم مكتب صفته كذا وكذا، فيكون المورد هنا مُلزم بتوريد السلعة بالوصف المتفق عليه.

3- اختلاف الوصف عن العين الحاضرة:

حيث إن إذا قال الموجب بعت لك هذه العين بصفات معينة وكانت تلك الصفات تختلف عن العين المبيعة الحاضرة بمجلس العقد، فالعبرة تكون بالعين ذاتها وما يعتريها من صفات دون اعتبار لوصف الموجب لها.

وهذا ما تؤكده المادة (65) من مجلة الأحكام العدلية والتي نصت على أن (الوصف في الحاضر لغو وفي الغائب معتبر، مثلا : لو أراد البائع بيع فرس أشهب حاضر في المجلس، وقال في إيجابه: بعت هذا الفرس الأدهم، وأشار إليه، وقبل البائع، صح البيع ولغا وصف الأدهم ، وأما لو باع فرسا غائبا وذكر أنه أشهب، والحال انه أدهم، لا ينعقد البيع).

4- المعاينة أكثر دقة من الخبرة:

وهذا ما كرسته محكمة التمييز الأردنية في حكمها رقم 315 لسنة 2021 – محكمة التمييز بصفتها الجزائية الصادر بتاريخ 2021-03-25 والتي قضت فيه بأن: (وجدت المحكمة بأن النيابة العامة لدى محكمة الجنايات الكبرى قد أحالت المتهم إلى هذه المحكمة حتى يصار إلى ملاحقته عن جرم الشروع بالقتل خلافاً لأحكام المادتين (326 و70) من قانون العقوبات وذلك على اعتبار أن تقرير الخبرة الذي أجراه الخبراء الدكتور رائد —- والدكتور —- — والدكتور—-.

قد بين أن الإصابة التي تعرض لها المصاب فارس قدمت خطورة على حياته وحيث وجدت المحكمة أنه من الرجوع إلى شهادة الطبيب الشرعي الدكتور رائد المومني فقد أفاد في شهادته بأنه لم يقم بمعاينة المصاب مع زملائه ولم يطلع على أية صور شعاعية أجريت للمصاب في المستشفى وأن المعاينة الطبية تكون أكثر دقة من الخبرة وحيث إن الوصف في الحاضر لغو وفي الغائب معتبر.

وأن المعاينة أكثر دقة من الخبرة وأن الطبيب الشرعي الدكتور عدلي الربضي الذي قام بمعاينة المصاب فارس قد أفاد في التقرير الطبي القطعي أن الإصابة التي تعرض لها المصاب فارس لم تشكل خطورة على حياته كونها لم تحتاج إلى أي تداخل جراحي كون الكسر شعري وليس منخسف وأن الخبراء عندما قاموا بإجراء الخبرة لم يقوموا بالاطلاع على ملف المصاب الموجود في مستشفى الأميرة إيمان بدير علا ولم يقوموا بمعاينة المصاب شخصياً وبالتالي فإن المعاينة هي المعيار المعتبر ببيان طبيعة الإصابة فيما إذا شكلت خطورة على الحياة أم لا الأمر الذي يتعين معه استبعاد ما جاء بتقرير الخبرة المنظم من قبل الخبراء).

ففي الحكم السابق يتضح لنا أن محكمة التمييز الأردنية قد استبعدت تقرير الطب الشرعي والذي يبين وجود إصابات خطيرة كادت أن تودي بحياة المجني عليه، نظراً لأن هذا التقرير يخالف ما تبين من المعاينة الطبية والتي نفت وجود إصابات خطيرة بالمجني عليه وذلك تطبيقاً لقاعدة أن الوصف في الحاضر لغو والعبرة تكون بالصفات القائمة به وليس بالصفات التي نُعت بها.

رابعا: ملاحظات على القاعدة:

الملاحظة الأولى: لا تطبق في البيع والأثمان

أن قاعدة الوصف في الحاضر لغو لا تطبق في البيع والأثمان وليس في الدعوى والشهادة، حيث إن في باب الشهادة إذا كان الوصف خلاف الظاهر فإن ذلك يؤدي إلى عدم قبول الشهادة.

ومثال ذلك إذا ادعى شخص ملكيته لدابه وقال إن هذه الدابة التي سنها أربع سنوات ملكي وجاء بشهود على ذلك وشهدوا بأن الدابة ذات الأربع سنوات ملك المدعي، ولكن اتضح بعد ذلك أن الدابة تزيد أو تنقص عن الأرب سنوات فلا تقبل الشهادة لظهور كذب الشهود.

الملاحظة الثانية: الوصف المذكور في الكلام هو الباعث

يجب تقييد القول بأن الوصف في الحاضر لغو بما إذا لم يكن الوصف المذكور في الكلام هو الباعث على الالتزام كاليمين مثلا[5]، وعلى ذلك فإذا حلف شخص على ألا يأكل العنب فأكله بعد أن صار ذبيب فلا يحنث، لأنه أفاد شيئاً غير التعريف، وهو تقييد اليمين به[6].

إعداد/ أحمد منصور.

[1] الشيخ أحمد بن الشيخ محمد الزرقا – شرح القواعد الفقهية – دار القلم – 1938 – ص331.

[2] متفق عليه – أخرجه البخاري في كتاب البيوع باب الملامسة– باب الملامسة، ومسلم في كتاب البيوع باب إبطال بيع الملامسة والمنابذة.

[3] المقدسي، بهاء الدين – العدة شرح العمدة – فصل في حكم بيع الملامسة والمنابذة – المكتبة الشاملة الحديثة ص241.

[4] متفق عليه، أخرجه البخاري في كتاب السلم، باب السلم في وزن معلوم – ومسلم في كتاب المساقاة، باب السلم.

[5] الشيخ أحمد بن الشيخ محمد الزرقا – شرح القواعد الفقهية – دار القلم – 1938 – ص333.

[6] محمد صدقي – الوجيز في إيضاح قواعد الفقه الكلية – المكتبة الشاملة الحديثة – ص327.

error: Alert: Content is protected !!