أسباب التبرير للجريمة

يُعد الركن الشرعي هو المنشئ للتجريم، ولكنه في بعض الأحيان قد يكون سبباً لرفع صفة التجريم عن بعض الأفعال، وهذا هو شأن الأفعال التي تقترن بأحد أساب التبرير التي قررها المشرع الأردني، فاقتران الفعل المجرم بأحد أسباب التبرير يؤدي إلى هدم الركن الشرعي وزوال الصفة التجريمية عن الفعل ليصبح فعلاً مباح لا يستوجب أي مسئولية مدنية كانت أم جنائية.

أولا: التعريف بأسباب التبرير:

ثانياً: الآثار القانونية لأسباب التبرير:

ثالثاً: الطبيعة القانونية لأسباب التبرير:

رابعاً: تقسيم أسباب التبرير:

خامساً: النصوص القانونية المتعلقة بأسباب التبرير:

سادساً: اجتهادات محكمة التمييز بشأن أسباب التبرير للجريمة:

أولًا: التعريف بأسباب التبرير:

أسباب التبرير – أو ما يطلق عليها أسباب الإباحة في بعض القوانين – هي عبارة عن ظروف مادية تطرأ على الفعل الجرمي وقت ارتكابه، فتزيل عنه الصفة الجرمية وتجعله مباحاً وهذا ما يهدم الركن الشرعي للجريمة ويخرج الفعل من دائرة المنع إلى دائرة الإباحة.[1]

فأسباب التبرير هي تلك الأفعال التي قدر المشرع عدم تجريمها سواء لكونها لا تنبئ عن وجود خطورة إجرامية في مقترفها، أو لأن الفاعل فيها كان ممارساً لحقه، ولا يمكن معاقبة شخص لكونه يمارس حق يخوله له القانون، أو لكون تلك الأفعال ارتكبت تنفيذاً لأوامر القانون ذاته مما يؤدي إلى عدم جواز مسائلة مرتكبها.

فمن مطالعة نصوص قانون العقوبات الأردني يتبين لنا أن أسباب التبرير هي:

  • ممارسة الحق.
  • ممارسة حق الدفاع ” الدفاع الشرعي”.
  • تنفيذ القانون.
  • تنفيذ أوامر الرئيس.
  • الأفعال التي يجيزها القانون، والتي تتمثل في (حق التأديب، ومزاولة الألعاب الرياضية، وممارسة الأعمال الطبية).

ثانياً: الآثار القانونية لأسباب التبرير:

يترتب على اقتران الفعل بأحد أسباب التبرير النتائج التالية:

1- مشروعية الفعل:

مما يؤدي إلى انتفاء المسئولية الجنائية عن الفاعل، الأمر الذي يحول دون تعرض الفاعل لأي صورة من صور الجزاءات الجنائية سواء تمثلت في عقوبات – أياً كانت صورتها – أو تدابير احترازية.

2- امتناع مسئولية الفاعل:

ويترتب على ذلك أن الفاعل لا يُعد مسئولاً عن الفعل الذي ارتكبه، ومن ثم فلا يجوز إثارة مسئوليته سواء كانت الجنائية أم المدنية، مما يؤدي إلى الحيلولة دون إمكانية مطالبة الفاعل بتعويض حتى ولو تمخض عن فعله ضرر أصاب الغير.

3- استفادة المساهم مع الفاعل:

أسباب التبرير – كقاعدة عامة – هي أسباب ذات صفة عينية، ومن ثم يستفيد منها كل من ساهم مع الفاعل في إتيان الفعل المقترن بأحد تلك الأسباب.

ولكن يلاحظ أن هذا الأمر لا يسري على إطلاقه، فهناك من الأسباب ما لا يستفيد منه سوى فاعله على نحو ما سنبينه بالتفصيل.

ثالثاً: الطبيعة القانونية لأسباب التبرير:

أسباب البرير هي أسباب ذات طبيعية عينية، تهدم الركن الشرعي وتجعل من الفعل المرتكب مباحاً، مما يؤدي إلى امتداد أثرها إلى كل من اشترك في ارتكاب الفعل.

لكن إعمال الحكم السابق يقتضي التفرقة بين نوعين من أسباب التبرير، وهما الأسباب النسبية والأسباب الطلقة:

فالأسباب المطلقة – مثل الدفاع الشرعي – يمتد أثرها إلى كل من ساهم في ارتكاب الفعل، سواء أكان مساهماً أصلياً أم تبعياً أي سواء بوصفه فاعل أم شريك.

في حين أن أسباب التبرير النسبية لا يستفيد منها إلا من قُررت لمصلحته فقط، كما هو الأمر في شأن تنفيذ الأوامر الرئاسية، حيث لا يستفيد من هذا السبب سوى المرؤوس الذي كان يعتقد – بحسن نية – في مشروعية قرارات رئيسه، وينطبق ذات الحكم على القيام بالأعمال الطبية، حيث لا يكون الفعل مباحاً إلا للطبيب الحاصل على ترخيص من السلطات المختصة بمزاولة مهنة الطب، أما إذا قام أحد الأشخاص بمعاونة الطبيب فإن فعله سيصبح مجرماً طالما لم يكن لديه ترخيص بمزاولة الأعمال الطبية.

وهناك جانب من الفقه يقسم أسباب التبرير إلى أسباب عامة وأسباب خاصة، بحيث تكون الأسباب العامة مبيحه لكافة الجرائم مثل الدفاع الشرعي، أما الأسباب الخاصة فيقتصر أثرها على بعض الجرائم فقط، وذلك مثل حق الدفاع أمام المحاكم الذي لا يبيح سوى جرائم السب والقذف.

ومن الأهمية بمكان أن نشير إلى أن أسباب التبرير لا ترتبط بأهلية الفاعل، حيث إنه يستفيد من أسباب التبرير كل من أقترن فعله بأي منها سواء أكان كاملاً للأهلية أو كانت أهليته ناقصة أو منعدمة.

رابعاً: تقسيم أسباب التبرير:

وردت أسباب التبرير في قانون العقوبات الأردني في المواد من 59 إلى 62، وهو ما سنلقي الضوء عليه بشيء من البيان:

1- استعمال الحق:

ورد استعمال الحق بموجب (المادة 59) من قانون العقوبات الأردني وذلك بنصها على أن: (الفعل المرتكب في ممارسة حق دون إساءة استعماله لا يعد جريمة).

ومن ثم يتبين من مطالعة النص المتقدم أن من يستعمل حقه لا يعتبر مرتكباً لجريمة، إلا أن ذلك منوط بعدة شروط وهي:

أ- أن يكون هناك حقاً ثابتاً بمقتضى القانون:

فالحق هو كل مصلحة مادية أو معنوية يعترف بها القانون ويحميها[2]، ومن ثم فحتى نكون بصدد حق فلا بد أولاً من أن يكون هناك اعترافاً به من قبل القانون.

ومن أمثلة الحقوق التي يعترف بها القانون هو حق اللجوء إلى القضاء، وهو من الحقوق الدستورية التي أقرها الدستور، ومن ثم فلا يجوز مسائلة الشخص إذ هو شرع في استعمال حقه باللجوء إلى القضاء حتى ولو تمخض عن ذلك ارتكاب أفعال توصف في الأحيان العادية بأنها جريمة، مثل السب أو القذف.

وهذا ما تؤكده محكمة بداية الزرقاء بصفتها الاستئنافية في حكمها رقم  قم 1233 لسنة 2020 والتي قضت فيه بأن: (ما أصدره المستأنف ضدهما من عبارات ليس إلا ممارسة لحق اللجوء إلى القضاء (المدعي العام) والذي كفله الدستور الأردني وكفالة لحق اللجوء إلى نقابة المحامين لتقديم شكوى بحق أي محامي وفق ما ورد بقانون نقابة المحامين ويعد ذلك ممارسة لحق كفله القانون والدستور ويعد فعلهما مبرراً سنداً لنص (المادة 59) من قانون العقوبات التي نصت على أن (الفعل المرتكب في ممارسة حق دون إساءة استعماله لا يعد جريمة) وبالتالي لا يستوجب عقاباً كون فعلهما اصبح مبرراً غير معاقب عليه).

وجديرٌ بالذكر أن مصدر الحق لا يشترط أن يكون مقتصر على نص القانون فقط، بل قد يكون ورداً بموجب قرار ملكي أو وزاري، بل وقد يكون العرف أو الشريعة الإسلامية هما المصدر لهذا الحق وذلك مثل حق الظهور بملابس الاستحمام على الشواطئ، وحق تأديب الزوج لزوجته أو لأبنائه.

وهذا لا يعد خروجاً على مبدأ الشرعية والذي يقضي حصر التجريم والعقاب في نصوص التشريع الصادر عن البرلمان، لأننا هنا لسنا بصدد تجريم، ولكننا بصدد إباحة لبعض الأفعال.

ب- التقيد بحدود الحق:

فالحق لم يشرع إلا لغاية وعلى من يستعمل حقه أن يلتزم بحدود تلك الغاية، لذلك ورد في (المادة 62/2/أ) من قانون العقوبات الأردني أنه: (يجيز القانون أنواع التأديب التي يوقعها الوالدان بأولادهم على نحو لا يسبب إيذاء أو ضرراً لهم ووفق ما يبيحه العرف العام).

فهذا النص يشير إلى ضرورة أن يكون القائم بالفعل هما أحد الوالدان، وهذا ما يؤدي إلى ضرورة اشتراط أن يكون استعمال الحق قد تم من صاحب الحق ذاته، أي ممن خوله القانون استعمال هذا الحق، ومن ثم فإذا قام بهذا الفعل شخص أخر غير الوالدان لكان فعله مجرماً مستوجباً للعقاب.

بالإضافة إلى ذلك يجب أن يكون هناك لزوم للجريمة لاستعمال الحق، بمعنى أن تكون الجريمة هي الوسيلة الوحيدة لاستعمال الحق[3]، حيث إنه لا يكون للوالدين حق اللجوء إلى التأديب إلا في حال اعوجاج سلوك الأولاد وعدم جدوى وسائل النصح والإرشاد معهم.

وينطبق ذات الأمر على حق اللجوء للقضاء، فهو لا يبيح جرائم القذف والسب إلا بالقدر الضروري اللازم لممارسة هذا الحق، بحيث إذا تم تجاوز هذا القدر لعاد الفعل مجرماً كما كان.

ويجب دائماً أن يكون هناك تناسب بين الجريمة ومقتضيات استعمال الحق، فحق التأديب – مثلاً – لا يجوز أن ينتج عنه ضرر جسيم يصيب الأولاد وإلا فقد الفعل سبب تبريره وعاد مجرماً.

2- ممارسة حق الدفاع:

ورد ممارسة حق الدفاع كأحد أسباب التبرير بموجب (المادة 60/1،2) من قانون العقوبات والتي نصت على أن: (يعد ممارسة للحق: كل فعل قضت به ضرورة حالية لدفع تعرض غير محق ولا مثار عن النفس، أو المال، أو نفس الغير، أو ماله، يستوي في الحماية الشخص الطبيعي والشخص المعنوي).

فالدفاع الشرعي هو أحد أسباب التبرير التي ترفع عن الفعل الصفة التجريمية، ويكون اللجوء إلى استعمال الدفاع الشرعي في كل حالة يتعرض فيها الشخص لخطر وشيك محدق يهدد نفسه، أو ماله، أو نفس، أو مال الغير، يستوي أن يتم الدفاع عن شخص طبيعي أو شخص معنوي.

ولكن حتى يكون الدفاع سبباً من أسباب التبرير يجب أن يكون هناك عدوان غير مشروع وشيك الوقوع بالنفس أو المال سواء للشخص ذاته أو للغير، ويجب أن يكون هناك تناسب بين الجريمة المرتكبة لدرء العدوان وجسامة العدوان ذاته.

وهذا ما تقرره محكمة صلح جزاء عمان في حكمها رقم 5743 لسنة 2021 حين قررت أن شروط الدفاع هي:

  • أن يكون فعل الدفاع لازماً، أي ألا يكون في استطاعة المدافع التخلص من الاعتداء إلا بفعل الدفاع من القتل، أو الجرح، أو الضرب، أو الفعل المؤثر، حيث يقتضي ألا يلجأ المدافع إلى فعل الدفاع إلا إذا لم يكن باستطاعته التخلص من الاعتداء إلا بفعل الدفاع من القتل أو الإيذاء.
  • أن يتناسب فعل الدفاع مع فعل الاعتداء، ويعني أن يكون فعل الدفاع بالقدر اللازم لدرء الاعتداء فقط. ولكن لا يعني ذلك اشتراط تساوي قيمة الضررين، أي قيمة الحق المعتدى عليه وقيمة الحق المهدد بالخطر، أو التساوي بالوسيلة المستخدمة في الاعتداء والدفاع، وإنما يكتفى بالتناسب).

ولكن السؤال الأن ما هو حكم تجاوز حدود استعمال حق الدفاع الشرعي؟

أجابت على هذا التساؤل (المادة 62/3) بقولها: (إذا وقع تجاوز من المدافع بحسن نية بأن استعمل لدفع الاعتداء قوة تزيد على القدر اللازم دون أن يكون قاصدا إحداث أذى أشد مما يستلزمه الدفاع جاز للقاضي إعفاء الجاني من العقوبة أو تخفيفها وفق شروط العذر المخفف المنصوص عليه في المادة (98) من هذا القانون).

ومن ثم فإن تلك المادة تقيم تفرقة بين فرضين وهما حسن النية وسوء النية:

أ- في حالة حسن النية:

إذا حدث وتجاوز المدافع حدود حق الدفاع الشرعي وكان حسن النية في ذلك فإن فعله سيكون مجرماً ويكون للقاضي السلطة التقديرية في أن يقرر إعفائه من العقاب كلية إذا رأى لذلك مقتضى، أو يطبق عليه العقاب، ولكن بصورة مخففة، حيث إن الفاعل سيستفاد من العذر القانوني المقرر بموجب (المادة 98) من قانون العقوبات.

فإذا قرر القاضي معاقبة الفاعل فإنه سيخضع للاتي:

  • إذا كان فعله جناية توجب الإعدام أو الأشغال المؤبدة أو الاعتقال المؤبد حولت العقوبة إلى الحبس سنة على الأقل.
  • وإذا كان الفعل يؤلف احدى الجنايات الأخرى كان الحبس من ستة أشهر إلى سنتين.
  • وإذا كان الفعل جنحة فلا تتجاوز العقوبة الحبس ستة أشهر أو الغرامة خمسة وعشرين دينارا.

ب- في حالة سوء النية:

أما إذا كان التجاوز بسوء نية، فإن الفعل في هذه الحالة سيعود مجرماً ويستحق الفاعل العقوبة المقررة لما يتمخض عن فعله من جريمة.

3- تنفيذ القانون:

وردت ذلك السبب بموجب (المادة 61/1) من قانون العقوبات والتي نصت على أن: (لا يعد جريمة الفعل المرتكب تنفيذا للقانون).

ومن ثم فمن يقوم بتنفيذ القانون فإن فعله لا يعد جريمة، حتى ولو تمخض عن فعله ما يعد في الأحوال العادية جريمة يعاقب عليها القانون.

وتطبقاً لذلك تقضي محكمة صلح جزاء اربد في حكمها رقم 7870 لسنة 2019 أن (تجد المحكمة أن المشتكى عليه ……. وبحكم وظيفته كرئيس قسم أسواق في بلدية اربد قام بإزالة البضاعة كونها على الشارع وبحكم عمله ووضعها بالمركبة العائدة لبلدية اربد، وأن قصد المشتكى عليه من أخذ البضاعة ليس تملكها بصفة شخصية وإنما حجزها لدى قسم الأسواق بصفته الوظيفية، مما يجعل أفعاله تدخل ضمن أداء الواجب وتنفيذ القانون وعليه فان الفعل المرتكب لا يعد جريمة وفقا لأحكام المادة 61 من قانون العقوبات، حيث أن المشرع يبرر هذه الأفعال المرتكبة على اعتبار وجود مصلحة أولى بالاعتبار ويستلزم عدم معاقبة مرتكب الفعل حتى لا يحجم الموظف عن إتيان الواجب مما يقتضي إعلان عدم مسؤولية المشتكى عليه).

4- تنفيذ أوامر الرئيس:

نص المشرع الأردني في (المادة 62/2) على أن: (لا يعد جريمة الفعل المرتكب إطاعة لأمر صدر إليه من مرجع ذي اختصاص يوجب عليه القانون إطاعته إلا إذا كان الأمر غير مشروع).

فهذا النص يشير إلى أن الموظف يستفيد من أسباب التبرير إذا كان فعله مستنداً إلى أمر صادر إليه من رئيس تجب عليه طاعته، أو يعتقد أنه يجب عليه طاعته.

إلا أن الاستفادة من هذا السبب تقتضي أن يكون الموظف حسن النية، بحيث يجهل أن قرار الرئيس ينطوي على مخالفة للقانون، ويجب أن يكون اعتقاد الموظف بمشروعية الفعل الذي قام به استنادا إلى أمر الرئيس مبني على أسباب معقولة تسوغ هذا الاعتقاد، وهو ما يعني ضرورة أن يكون الموظف قد سبق له التثبت والتحري من صحة الأمر قبل الشروع في إتيانه.

أما إذا كان الأمر ظاهر عدم المشروعية فإن فعل الموظف سيقع تحت مغبة التجريم حتى ولو تعلل بأنه كان ينفذ أمراً صادر إليه من رئيسه الإداري، وذلك مثل قيام الموظف بقبول رشوة بناءً على أمر صادر إليه من رئيسه، فأمر الرئيس في هذه الحالة لن يعفي الموظف من العقاب.

فإذا توافرت تلك الشروط فإن فعل الموظف يكون مباحاً نظراً لاقترانه بأحد أسباب التبرير، وتطبقاً لذلك تقضي محكمة بداية جنوب عمان بصفتها الاستئنافية في حكمها رقم 4130 لسنة 2018 بأن: (وبتطبيق القانون فان المستأنف ضده يعمل موظف أمن وحماية في شركة …… وبناء على تكليفه بحراسة الغرفة التي كان يتواجد بداخلها المشتكي على اثر اتهامه من إدارة الشركة بتبديد أموالها والتحقيق معه إلا أن المستأنف ضده لم يقم باقتياد المشتكي أو وضعه في غرفة الاحتجاز ولم يمارس أي نوع من أنواع انتزاع الإقرار أو الحجز بصور غير مشروعة كما جاء في شهادة المشتكي والشاهدين …….، ……. والتي تأيدت بالبينة الدفاعية، فيكون فعل المستأنف ضده لا يؤلف جرما جزائيا لأنه أطاع امر مرؤوسيه المشروعة وكان الاحتجاز لغاية مشروعة ولأن محكمة الصلح توصلت لذات النتيجة وقررت عدم مسؤولية المستأنف ضده فيكون قرارها موافقا للقانون ولا ترد عليه أسباب الطعن).

5- الأفعال التي يجيزها القانون:

قرر المشرع رفع صفة التجريم عن بعض الأفعال وذلك لاعتبارات معينة تقتضي عدم تجريمها، وذلك كما هو الحال في عدم تجريم فعل تأديب الولدان من قبل الوالدين طالما كان هذا التأديب في حدود القانون وبغرض الإصلاح والتقويم على نحو ما بيناه أثناء حديثنا عن ممارسة الحق.

وكذلك لا يعد جريمة أعمال العنف التي تقع أثناء ممارسة الألعاب الرياضية شريطة مراعاة قواعد وأصول اللعب، والأمر ذاته ينطبق على ممارسة الأعمال الطبية شريطة التقيد بالشروط التي سبق ذكرها.

حيث يجب حتى يكون ممارسة العمل الطبي مبيحاً للفعل المرتكب أن يكون الشخص الذي يمارس هذا العمل حاصل على ترخيص بمزاولة العمل الطبي، فضلاً عن أن يكون هذا الفعل قد تم بغرض العلاج وبموافقة من المريض أو أحد والديه أو ممثله الشرعي وذلك في حالات الضرورة القصوى.

ويجب أن يكون الطبيب قد اتخذ كافة وسائل الحيطة والحذر واتبع كافة الضوابط والقواعد الأصولية لمهنة الطب، فإذا اتبع ذلك ونجم عن فعله جريمة فإنه لا يكون معاقباً عليها لكون فعله مقترناً بأحد أسباب التبرير وفقاً لما ورد (بالمادة 62) من قانون العقوبات.

خامساً: النصوص القانونية المتعلقة بأسباب التبرير:

وردت تلك النصوص في قانون العقوبات الأردني بالمواد من 59 إلى 62 وذلك على النحو التالي:

المادة 59:

الفعل المرتكب في ممارسة حق دون إساءة استعماله لا يعد جريمة.

المادة 60:

1- يعد ممارسة للحق: كل فعل قضت به ضرورة حالية لدفع تعرض غير محق ولا مثار عن النفس، أو المال، أو نفس الغير، أو ماله.

2- يستوي في الحماية الشخص الطبيعي والشخص المعنوي.

3- إذا وقع تجاوز من المدافع بحسن نية بأن استعمل لدفع الاعتداء قوة تزيد على القدر اللازم دون أن يكون قاصدا إحداث أذى أشد مما يستلزمه الدفاع جاز للقاضي إعفاء الجاني من العقوبة أو تخفيفها وفق شروط العذر المخفف المنصوص عليه في المادة (98) من هذا القانون.

المادة 61:

لا يعد جريمة الفعل المرتكب في أي من الأحوال التالية:

1- تنفيذا للقانون.

2- إطاعة لأمر صدر إليه من مرجع ذي اختصاص يوجب عليه القانون إطاعته إلا إذا كان الأمر غير مشروع.

المادة 62:

1- لا يعد الفعل الذي يجيزه القانون جريمة.

2- يجيز القانون:

أ- أنواع التأديب التي يوقعها الوالدان بأولادهم على نحو لا يسبب إيذاء أو ضرراً لهم ووفق ما يبيحه العرف العام.

ب- أعمال العنف التي تقع أثناء الألعاب الرياضية إذا روعيت قواعد اللعب.

ج- العمليات الجراحية والعلاجات الطبية المنطبقة على أصول الفن شرط أن تجري برضا العليل أو رضا أحد والديه أو ممثله الشرعي أو في حالات الضرورة الماسة.

سادساً: اجتهادات محكمة التمييز بشأن أسباب التبرير للجريمة:

ورد في حكم محكمة التمييز بصفتها الجزائية رقم 2521 لسنة 2019ما يلي:

وحيث إن المتهم (المميز) كان مدرباً لألعاب عنف وقوة ومن واجباته تدريب المتدربين كرجال أمن (درك) على حركات السجال التي تعتمد على العنف في منطقة تجمع الأعصاب وإنه وأثناء هذا التدريب أصيب المشتكي من حركة غير مقصودة من المتهم / المميز ضده سببت له هذه العاهة فإن المميز ضده / المتهم لا يكون مسؤولاً عن أفعاله هذه التي جاءت بقصد التدريب.

ورد في حكم محكمة التمييز بصفتها الجزائية رقم 1628 لسنة 2019 ما يلي:

ذا كان الواجب الوظيفي قد أملا على المتهم رجل الجمارك ….. إطلاق النار لتعطيل ….. المطارد وأن قواعد الاشتباك المعمول بها لدى دائرة الجمارك والتي ثبتت للمحكمة من خلال شهادات الشهود جاءت بالتدريج، وأن المحكمة وجدت ومن خلال شهادات الشهود أن المتهم ….. قد طبق قواعد الاشتباك بشكل صحيح وتدرج بها حسب الأصول هذا من ناحية، كما ثبت للمحكمة ومن خلال البينة أن الواجب الوظيفي على المتهم ….. وبصفته مسؤول دورية في الجمارك ألا يكتفي بالتعميم على المركبة والتي لا تمتثل لطلب دورية الجمارك بالوقوف، بل يجب مطاردتها واتباع قواعد الاشتباك إلى حين إيقاف تلك المركبة وإجراء المقتضى القانوني، ومن جهة أخرى فإن المحكمة وجدت أن عدم قيام المتهم ….. بمطاردة ….. قد يعرضه للمساءلة من دائرة الجمارك، وعليه فإن أفعال المتهم جميل بإطلاق النار باتجاه البك أب تدخل في باب تنفيذ القانون حسب أحكام المادة (61/1) من قانون العقوبات مما يجعل فعله مبرراً كما أن نيته لم تتجه إلى إصابة المغدور أو غيره من ركاب البك أب الذي تمت مطاردته الأمر الذي يوجب إعلان عدم مسؤولية المتهم جميل عن جنايتي القتل والشروع بالقتل المسندتين إليه.

وورد في حكم محكمة التمييز بصفتها الجزائية رقم 814 لسنة 2017 أن:

إقدام المميز ضده على قتل المتوفى …… أثناء محاولة هذا الأخير دخول منزله بقصد السرقة ليلاً وإشهاره مسدس تجاه المميز ضده بعد كسره زجاج فرندة المطبخ والدخول إلى الفرندة يشكل حالة الدفاع الشرعي المنصوص عليها في المادة 342 المذكورة التي تعتبر سبباً من أسباب التبرير التي تزيل الصفة الجرمية عن الفعل وتجعله فعلاً مباحاً بالمعنى المقصود في المادتين 59 و60 من قانون العقوبات المذكورتين آنفاً ويكون قرار مساعد النائب العام بالموافقة على قرار المدعي العام بمنع محاكمة المميز ضده عن جناية القتل القصد المسندة إليه واقعاً في محله ومتفقاً وأحكام القانون مما يتعين معه رد هذه الأسباب.

إعداد/ أحمد منصور.

[1] معاذ العشاري، أسباب التبرير وموانع المسئولية الجزائية، 2020، ص12

[2] أنظر الأستاذ الدكتور/ حسن كيرة، أصول القانون، دار المعارف، 1958، ص552 وما بعدها.

[3] أنظر الأستاذ الدكتور/ سليمان عبد المنعم، النظرية العامة لقانون العقوبات، دار النهضة العربية، الطبعة الأولى، 2017، ص322.