جريمة الإتجار بالأعضاء البشرية
انصب اهتمام المجتمع الدولي -في العقد الأخير- على ضرورة التغلب على التحديات والصعاب التي فرضتها الجريمة المعاصرة، ومنها جريمة الإتجار بالأعضاء البشرية. فقد حقق الطب نجاحات كبيرة في مجال عمليات نقل بعض الأعضاء البشرية؛ مما بعث الأمل في نفوس الكثير من المرضى. وفي ظل زيادة الطلب على الأعضاء البشرية ونقص عدد المتبرعين، أضحت تجارة الأعضاء البشرية تجارة رائجة للجريمة المنظمة؛ لما يترتب عليها من أرباح طائلة. وقد اعتبر المشرع الأردني نزع الأعضاء البشرية صورة من صور الاستغلال في جريمة الإتجار بالبشر، وسوف نتناول جميع ما يتعلق بجريمة الإتجار بالأعضاء البشرية، وذلك من خلال العناصر الرئيسية التالية:
ثانيًا: جريمة الإتجار بالأعضاء البشرية في القانون الأردني
ثالثًا: حكم الإتجار بالأعضاء البشرية في الشريعة الإسلامية
رابعًا: الأركان العامة لجريمة الإتجار بالأعضاء البشرية
خامسًا: وسائل السلوك الإجرامي لجريمة الإتجار بالأعضاء البشرية
سادسًا: التمييز بين الإتجار بالأعضاء البشرية وبيعها
سابعًا: عقوبة جريمة الإتجار بالأعضاء البشرية
ثامنًا: الجهود الدولية المبذولة لمكافحة جريمة الإتجار بالأعضاء البشرية
تاسعًا: السوابق القضائية الخاصة بجريمة الإتجار بالأعضاء البشرية
ونقدم شرح تفصيلي لكل عنصر من العناصر الرئيسية السابقة فيما يلي:
أولًا: تعريفات هامة
نتناول بعض من التعريفات الهامة المتعلقة بموضوع المقال فيما يلي:
- الإتجار بالأعضاء البشرية: ورد تعريفه في (المادة 1) من الاتفاقية العربية لتنظيم نقل وزراعة الأعضاء والأنسجة البشرية ومنع ومكافحة الإتجار فيها على أنه: “إمداد، أو نقل، أو تحول، أو إخفاء، أو استلام الأشخاص الأحياء ،أو المتوفين أو أعضائهم عن طريق التهديد أو استخدام القوة أو الأشكال الأخرى من الإكراه أو الخطف أو الخداع أو الاحتيال أو سوء استخدام الصلاحيات أو عن طريق التغرير أو بإعطاء مقابل أو دفع من قِبل طرف آخر لتحقيق نقل السيطرة على الشخص الراغب بالتبرع بهدف استئصال الأعضاء واستخدامها في الزراعة”.
- العضو البشري: ورد تعريفه في (المادة 1) من الاتفاقية العربية لتنظيم نقل وزراعة الأعضاء والأنسجة البشرية ومنع ومكافحة الإتجار على أنه: “مجموعة من الأنسجة والخلايا المترابطة المأخوذة من الحي أو الميت والتي تشترك في وظائف حيوية داخل الجسم البشري”.
- زراعة الأعضاء والأنسجة: ورد تعريفها في (المادة 1) من الاتفاقية العربية لتنظيم نقل وزراعة الأعضاء والأنسجة البشرية ومنع ومكافحة الإتجار على أنه: “إجراء طبي جراحي لزرع عضو أو نسيج بشري منقول من جسم إنسان حي أو متوفى إلى إنسان آخر بهدف استبدال عضو، أو نسيج بشري مريض، أو تالف، أو غائب تمامًا في جسد المتلقي”.
- الجماعة الإجرامية المنظمة: ورد تعريفها في (المادة 2) من قانون منع الإتجار بالبشر لسنة 2009 الأردني على أنها: “جماعة مؤلفة من ثلاثة أشخاص أو أكثر موجودة لفترة من الزمن وتعمل بصورة متضافرة بهدف ارتكاب فعل أو أكثر من الأفعال المجرمة وفقًا لأحكام هذا القانون من أجل الحصول بشكل مباشر أو غير مباشر على منفعة مالية أو منفعة مادية أخرى”.
ثانيًا: جريمة الإتجار بالأعضاء البشرية في القانون الأردني
ارتبط الإتجار بالأعضاء البشرية بوجود جريمة الإتجار بالبشر والجريمة المنظمة باعتبارها تنظيم إجرامي يضم أفرادًا وجماعات تنشط في القيام بالأعمال الإجرامية الخطيرة التي يدخل الإتجار بالأعضاء البشرية ضمنها، حيث يتم التخطيط والإعداد لها بطرق وبناء تنظيمي دقيق، من أجل تحقيق الأرباح المالية.
فقد عدَّ المشرع الأردني نزع الأعضاء البشرية من صور الاستغلال في جريمة الإتجار بالبشر حيث نصت (المادة 3/ ب) من قانون منع الإتجار بالبشر الأردني على هذه الجريمة ضمن صور أخرى بنصها على أنه: “لغايات الفقرة (أ) من هذه المادة. تعني كلمة (الاستغلال) استغلال الأشخاص في العمل بالسخرة، أو العمل قسرًا، أو الاسترقاق، أو الاستعباد، أو نزع الأعضاء أو في الدعارة أو التسول المنظم أو أي شكل من أشكال الاستغلال الجنسي”.
وقد وردَّ مفهوم الإتجار بالبشر في (المادة 3/أ) بنصها على أنه: “لمقاصد هذا القانون تعني عبارة (جرائم الإتجار بالبشر):
- استقطاب أشخاص، أو نقلهم، أو إيوائهم، أو استقبالهم بغرض استغلالهم عن طريق التهديد بالقوة أو استعمالها أو غير ذلك من أشكال القسر، أو الاختطاف، أو الاحتيال، أو الخداع، أو استغلال السلطة، أو استغلال حالة ضعف، أو بإعطاء أو تلقي مبالغ مالية أو مزايا لنيل موافقة شخص له سيطرة على هؤلاء الأشخاص.
- استقطاب، أو نقل، أو إيواء، أو استقبال من هم دون الثامنة عشر متى كان ذلك بغرض استغلالهم، ولو لم يقترن هذا الاستغلال بالتهديد، أو بالقوة، أو استعمالها، أو غير ذلك من الطرق الواردة في التعريف”.
ثالثًا: حكم الإتجار بالأعضاء البشرية في الشريعة الإسلامية
تُعارِّض تعاليم الإسلام السمحة أي فعل من شأنه امتهان كرامة الإنسان أو الحط من آدميته، إذ خلق الله الإنسان وفضله على سائر الكائنات والمخلوقات سندًا لقوله تعالى: “لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم”.
وكانت دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم دعوة هدفها المطالبة بحرية الإنسان والقضاء على عبودية البشر؛ فضيّق صلى الله عليه وسلم مصادر الاسترقاق ووسع منافذ التحرير، وأخبر أن من أعتق عبدًا أعتق الله له بكل عضو عضوًا من عذاب النار يوم القيامة.
فالإتجار بالبشر كانت جريمةً عرفتها ومارستها المجتمعات الجاهلية في القديم، ومارسها أيضًا العرب والفرس والروم قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، فكانوا يقومون بقطع الطرق على الأحرار فيسرقوا أموالهم، ويقومون ببيعهم في سوق النخاسة إلى أن جاء الإسلام فحرم بيع البشر ونهى عنه.
حيث كرمت التعاليم الإسلامية الروح والجسد، وبيّنت هذه التعاليم بكل وضوح عدم جواز تصرف الإنسان في جسده تصرفًا يؤدي إلى إهلاكه أو إتلافه أو أن يلحق به ضررًا، وعليه فقد أتفق العلماء والمحققون من علماء الإسلام على أنه لا يجوز للإنسان أن يبيع عضوًا من أعضائه -أيًا كان هذا العضو- ومن باب أولى فإن ذلك الأمر ينسحب على كل من يبيع أعضاء غيره؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: “المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده”.
رابعًا: الأركان العامة لجريمة الإتجار بالأعضاء البشرية
نتناول فيما يلي الأركان العامة لجريمة الإتجار بالأعضاء البشرية، وذلك على النحو التالي:
1. الركن المادي
يُعد الركن المادي للجريمة بمثابة المظهر الخارجي لها، فلا بد في كل جريمة من وجود كيان مادي يُعبر عن حقيقتها المادية، وبدون هذا الكيان يُصبح من غير المتصور وقوع الجريمة أو المعاقبة عليها كقاعدة عامة، ويقوم الركن المادي لأي جريمة على ثلاثة عناصر، فإن تحققت هذه العناصر مجتمعة اكتمل الركن المادي وتعتبر الجريمة تامة، أما لو تخلفت النتيجة الجرمية لأسباب خارجة عن إرادة الفاعل؛ فنكون أمام جريمة ناقصة ويكون سلوك الفاعل شروعًا بارتكاب الجريمة.
يتكون الركن المادي لجريمة الإتجار بالأعضاء البشرية من سلوك إجرامي محله كائن حي يتم التعامل معه من خلال وسائل حددها المشرع الأردني على النحو التالي([1]):
- الاستقطاب: ويُقصد به تطويع الأشخاص واستخدامهم كسلعة قابلة للتداول تمهيدًا للانتفاع بأعضائهم البشرية لغايات البيع وجني الأرباح، سواء تم البيع داخل الحدود الإقليمية أو خارجها، ونتيجة لهذا الاستقطاب نجد أنه في الغالب يوجد خنوع من الشخص الذي تم استقطابه؛ وهذا يعطي مؤشرًا على إمكانية تنفيذ رغبات الشخص المستقطِب مقابل مادي زهيد، وبالأصل لا يعتد بموافقة الضحية المستقطَبة بسبب أن دور الإرادة لا يقف عند تحريك السلوك الإجرامي، بل يتجه نحو تحقيق النتيجة وهي بيع العضو البشري.
- نقل الأشخاص: ويُقصد به تحريك الأشخاص من مكان لآخر سواء داخل حدود البلد الواحد أو خارجه ويتم النقل عادةً بالوسائل العادية مثل الطائرات والمركبات. حيث إن النقل قد يأخذ شكل التهريب عبر الحدود إذا كان النقل بين الدول، وهذا ما يحدث في أسواق تهريب البشر فهناك حركة تهريب نشطة للأشخاص من تركيا إلى بريطانيا، ومن الفلبين باتجاه اليابان، ومن الهند إلى دول الشرق الأوسط.
- الإيواء: ويُقصد به توفير المكان لسكن ضحايا الإتجار بالأعضاء البشرية من قِبل السماسرة والوسطاء، وذلك تمهيدًا لإجراء العمليات الجراحية لهم، وقد يُستغلوا أثناء إقامتهم للأعمال الجنسية، أو للعمل بالسخرة، أو العمل قسرًا، أو للقيام بأعمال الدعارة.
- الاستقبال: ويُقصد به استقبال ضحايا جريمة الإتجار بالأعضاء البشرية والتعرف عليهم وتذليل العقبات أمامهم وإظهار الوجه الحسن؛ تمهيدًا لتنفيذ هذه الغايات. وهذا ما حدث واقعيًا مع أحد المواطنين الأردنيين المدعو (خ) الذي وقع في مصيدة بائعي الأعضاء البشرية بعد أن تم استقباله في مصر حيث أقام في الأيام الأولى في إحدى فنادق القاهرة ذات الخمس نجوم، وتم دفع تكاليف سفره وإقامته من قِبل عصابة الإتجار بالأعضاء البشرية، وبعد إجراء العملية واستئصال كليته أُرغم على الخروج من المستشفى ولم يحصل على المال المتفق عليه في مصر ووعدوه بإرسال المبلغ إلى الأردن في مرحلة لا حقة، وكانت النتيجة أنه أصيب بفشل كلوي بعد عودته بشهرين.
وجدير بالذكر أن مسألة نزع العضو البشري من جسم الإنسان والتصرف به على نحو غير مشروع تثير عدة إشكالات قانونية، ولعل أهمها التكييف القانوني المنطبق على واقعة الاستيلاء وما يترتب على ذلك من نتائج جُرميَّة، فيُسأل مرتكب الفعل عن جريمة إحداث عاهة دائمة إذا نتج عن الفعل نقص في منفعة العضو عن طريق استئصاله، ويُسأل عن جريمة القتل المقصود المبني على القصد المباشر أو القتل المقصود المبني على القصد الاحتمالي إذا ما نتج عن استئصال العضو وفاة الشخص الذي خضع لهذه العملية، في حين أنه يُسأل عن القتل مع سبق الإصرار إذا ما صاحب عملية نزع العضو تخطيط مسبق لمثل هذه العمليات وهي الصورة الغالبة لهذا النوع من الجرائم والتي يسبقها تخطيط وتحضير مسبقين.
2. الركن المعنوي
تقوم المسؤولية الجزائية على أساس القصد الجرمي كأصل عام، وتقوم على أساس الخطأ كاستثناء على الأصل العام، لكن ينبغي أن تستند هذه المسؤولية على النص القانوني.
“ويقوم القصد الجرمي في جريمة الإتجار بالأعضاء البشرية على اتجاه نية الفاعل إلى القيام بفعل الإيذاء وإحداث الجرح بهدف نزع العضو البشري من جسم البائع أو المريض لغرض بيعه إلى شخص آخر قد يكون السمسار أو المشتري نفسه مقابل مادي، خلافًا لأحكام قانون العقوبات والقوانين المنظمة لعمليات التبرع بالأعضاء البشرية”([2]).
هذا إلى جانب وجوب أن يتوافر في الركن المعنوي نية الاتجار ببيع الأعضاء البشرية على الغير من أجل الحصول على الأموال.
خامسًا: وسائل السلوك الإجرامي لجريمة الإتجار بالأعضاء البشرية
حدد المشرع الأردني في قانون الإتجار بالبشر وسائل معينة، واشترط استخدام الجاني لهذه الوسائل حتى تتوافر جريمة الإتجار بالأعضاء البشرية. وجدير بالذكر أنه هذه الوسائل قد تم إيرادها على سبيل الحصر، وتتمثل فيما يلي:
- التهديد: يُعتبر التهديد إحدى الوسائل المستخدمة للضغط على إرادة المجني عليه للانصياع لأوامر الجاني، وعادةً ما يكون التهديد بإلحاق ضرر مادي في الضحية كالإيذاء والضرب، أو ضرر معنوي كالتشهير بشرفه وسمعته، وفي كلتا الحالتين لم يكن هذا الشخص ليأتي التصرف الذي أُرغم عليه لولا التهديد، لو يرد تعريف لجرم التهديد في قانون العقوبات الأردني في حين ورد تجريمه في (المواد 349-354).
- الخطف: ورد النص عليه في قانون العقوبات الأردني في (المادة 302) منه بنصها على أنه: “كل من خطف بالتحايل أو الإكراه شخصًا -ذكرًا كان أو أنثى- وهرب به إلى إحدى الجهات، عوقب على الوجه الآتي…”.
والملاحظ وجود رابطة قوية بين جريمة الخطف والإتجار بالأعضاء البشرية؛ فضحايا الخطف من المحتمل أن يصبحوا سلعة للبيع والشراء وقد تُباع أعضائهم البشرية، وقد يُقتلوا، حيث حدث أن اجتاحت العاصمة البرازيلية تظاهرات كبيرة في سبعينيات القرن المنصرم احتجاجًا على اختطاف عصابات على علاقة مشبوهة بأجهزة المخابرات ستة صبيان وقتلهم بعد أن تم استئصال بعض أعضائهم البشرية.
- الحيلة والخداع: يقوم الجاني من خلال الاحتيال والخداع باستغلال ظروف الضحية سواء كانت الظروف الشخصية أو الاجتماعية أو الاقتصادية، لحمله على إتيان سلوك إجرامي معين نتيجة لخداعة بقصد جني الأرباح من ورائه.
“ويمكن تصور أن هذا الخداع قد يكون كلي أو جزئي، فعندما يكون هنالك إغواء لضحايا الإتجار بالأعضاء البشرية من خلال الوعود الكاذبة لإيجاد فرص عمل لهم وتحقيق مكاسب مالية على خلاف الحقيقة، الأمر الذي يترتب عليه خداعهم وتضليلهم تضليلًا كاملًا. أما فيما يخص الخداع الجزئي فإنه يتم من خلال إقناع ضحايا الإتجار بالأعضاء البشرية بتوظيفهم في نشاط معين مع إخفاء الظروف الحقيقية والحصول على موافقتهم”([3]).
- استغلال السلطة: يمكن تعريف استغلال السلطة على أنها قيام صاحب السلطة باستعمالها على نحو يُخالف مقتضاها.
- استغلال حالة الضعف والحاجة: تتعدد أشكال استغلال ضعف الضحية سواء كان هذا الضعف جسديًا أو عقليًا أو اقتصاديًا أم اجتماعيًا أم عاطفيًا، بحيث يمكن استغلاله لقبول وضع لم تكن لتقبل به إذا لم تتوافر حالة الضعف هذه، فيستغل بعض الأشخاص فقر وجهل بعض الأسر ويعرضون عليهم بيع أبنائهم الصغار من أجل استخدامهم في الاتجار بالأعضاء البشرية.
- إعطاء أو تلقي مزايا لنيل موافقة المعتدى عليه: والملاحظ أن ذلك قد يصاحبه ضرب من الاحتيال، كإقناعه بالقيام بعملية جراحية لازمة، فيُفاجأ لاحقًا بآلام وقصور في جسمه، ثم يتبين له بالفحص أنه وقع ضحية لجريمة نزع أعضاء من جسمه. كما أنه من الممكن أن يتم إيهام الضحية بوجود فرصة عمل في مكان ما أو مشروع كاذب في سبيل نقله من مكانه إلى حيث الجناة ليتم هناك تخديره وانتزاع أحد أعضائه البشرية.
هذا ولم يشترط قانون منع الإتجار بالبشر الأردني استعمال الوسائل السابقة في أفعال الإتجار بالبشر إذا كان الضحايا ممن هم دون سن الثامنة عشر؛ إمعانًا في حمايتهم.
سادسًا: التمييز بين الإتجار بالأعضاء البشرية وبيعها
ينبغي أن نتساءل فيما إذا إن كان الإتجار بالأعضاء البشرية مساويًا لبيعها أم لا؟ بعبارة أخرى هل بيع الأعضاء البشرية يُمثل ظاهرة الإتجار التي تُبذل الجهود الدولية والوطنية لأجل مكافحتها؟
ظهرت أصوات تُطالب بإقامة التفرقة بين بيع الأعضاء البشرية وبين الإتجار بها، حيث أكد تقرير الأمين العام المقدم للمجلس الاقتصادي والاجتماعي للأمم المتحدة على ضرورة التمييز بين بيع الأعضاء البشرية والإتجار بها؛ لأن لهما معنيان مختلفان، وأن حالات بيع الأعضاء التي تتم في البلدان الفقيرة أكثر شيوعًا من حالات الإتجار بها من قِبل الجماعات الإجرامية المنظمة.
ومن ثَم يمكننا القول بإن حصول واقعة بيع للأعضاء البشرية قد لا يُشكل في الوقت ذاته جريمة الإتجار، وإن كان العكس صحيحًا في أغلب الأحيان. ونرى من جانبنا أنه يمكن أن نُدلل على هذه الفكرة من واقع قانون الانتفاع بالأعضاء البشرية الأردني، وبالتحديد (المادة 4/ج) التي حظرت التبرع بالعضو مقابل بدل مادي أو بقصد الربح، وظاهر النص السابق يؤكد بوضوح التفرقة بين مجرد إعطاء بدل مادي الذي ينصرف إلى البيع ونحوه من عقود المعاوضات، وبين التبرع بقصد الربح الذي ينصرف إلى الإتجار، وإن كان المشرع الأردني قد ساوى بينهما في العقوبة.
ونرى أيضًا أنه يُمكن أن ندلل على هذا الاختلاف بين الإتجار والبيع بالنظر إلى زاوية الرضا، ففي البيع يكون البائع راضيًا عن الاستئصال لقاء المقابل الذي سيحصل عليه، أم الإتجار بالأعضاء البشرية، فلا يُفترض أن يكون الرضاء متوفرًا، فقد يتم خطف الضحايا أو الاحتيال عليهم والحصول على أعضائهم دون رضاء منهم.
وآخر ما يُستدل به لإقامة التمييز بين الإتجار والبيع، أن البيع يُفترض وجود مقابل يحصل عليه صاحب العضو أو البائع أو أيًا كان، في حين أنه في واقعة الإتجار بالأعضاء البشرية قد يتم الحصول على الأعضاء البشرية، دون أن يكون صاحب العضو قد حصل على مقابل ما تم أخذه منه.
سابعًا: عقوبة جريمة الإتجار بالأعضاء البشرية
تحرص القوانين الوضعية على أن يكون للإنسان الحق في الانتفاع بقواه الجسدية والنفسية بالشكل الذي خلقه الله تعالى عليه منذ ولادته حتى وفاته، بل وجرمت أي اعتداء عليه سواء أكان ماديًا أم معنويًا، كما اتفقت جميع القوانين على أن السلامة مقررة لأعضاء الجسم بأكمله لأنها في النهاية تؤدي إلى أن يقوم الإنسان بأعماله من خلال قيام هذه الأعضاء بوظائفها وهو ما يطلق عليه “الحق في التكامل الجسدي.
وقد عالج قانون العقوبات الأردني موضوع سلامة جسم الإنسان في (المواد 333-335) من قانون العقوبات وفرض الحماية الجزائية لجسم الإنسان، وجرم إيذاء الأشخاص، وعاقب الفاعل بالأشغال الشاقة المؤقتة مدة لا تزيد على عشر سنوات إذ أدى الفعل إلى قطع أو استئصال عضو أو بتر أحد الأطراف أو إلى تعطيلها أو تعطيل إحدى الحواس عن العمل، أو تسبب في إحداث تشويه جسيم أو أية عاهة أخرى دائمة أو لها مظهر العاهة الدائمة.
هذا وقد أورد المشرع الأردني عقوبة جريمة الإتجار بالأعضاء البشرية في (المادة 8) من قانون منع ومكافحة الإتجار بالبشر بنصها على أن يُعاقب بالأشغال المؤقتة وبغرامة لا تقل عن ثلاثة آلاف دينار ولا تزيد على عشرة آلاف دينار كل من ارتكب إحدى جرائم الإتجار بالبشر. ونرى من جانبنا أن هذه العقوبة لا تحقق الردع العام فنحن مع رفع العقوبة لتكون الحد الأعلى المتمثلة في الإعدام؛ لمنع كل من تسول له نفسه باستغلال الغير والإتجار به.
كما أوجب المشرع الأردني تشديد العقوبة لتصل إلى الأشغال الشاقة المؤقتة مدة لا تقل عن سبع سنوات وبغرامة لا تقل عن خمسة آلاف دينار ولا تزيد على عشرين ألف دينار في حالات معينة. فقد نصت (المادة 9) من قانون منع ومكافحة الإتجار بالبشر على أنه: “يُعاقب بالأشغال الشاقة المؤقتة مدة لا تقل عن سبع سنوات وبغرامة لا تقل عن خمسة آلاف دينار ولا تزيد على عشرين ألف دينار كل من:
- باع شخصًا لم يكمل الثامنة عشر من العمر أو عرضه للبيع أو اشتراه أو وعد بذلك.
- ارتكب إحدى جرائم الإتجار بالبشر المنصوص عليها في البند (2) من الفقرة (أ) من المادة (3) من هذا القانون.
- ارتكب أيًا من جرائم الإتجار بالبشر في إحدى الحالات التالية:
- إذا كان مرتكب الجريمة قد أنشأ أو أدار جماعة إجرامية منظمة أو أنضم إليها أو شارك فيها.
- إذا تعدد الجناة أو المجني عليهم أو كان من بين المجني عليهم أنثى أو ذو إعاقة.
- إذا ارتكبت الجريمة من خلال الاستغلال في الدعارة أو أي شكل من أشكال الاستغلال الجنسي أو نزع الأعضاء.
- إذا ارتكبت الجريمة من خلال التهديد بالقتل، أو الأذى الجسيم، أو التعذيب البدني، أو النفسي، أو ممن كان يحمل سلاحًا.
- إذا أصيب المجني عليه نتيجة إحدى الجرائم المنصوص عليها في هذا القانون بعاهة مستديمة أو بمرض لا يرجى شفاؤه.
- إذا كان مرتكب الجريمة زوجًا للمجني عليه أو أحد أصوله، أو فروعه، أو وليه، أو وصيه أو كان له سلطة عليه.
- إذا كان مرتكب الجريمة موظفًا عامًا أو مكلفًا بخدمة عامة وارتكبها من خلال استغلال وظيفته أو خدمته العامة.
- إذا كانت الجريمة عبر طابع وطني”.
وقد تم تشديد العقوبة في حالة ضعف المجني عليه سواء كان طفلًا أم كانت المجني عليها أنثي أو من ذوي الإعاقة، وذلك في محاولة جيدة من المشرع لحماية الفئات المستضعفة حيث إن هذه الفئات في الغالب لا تستطيع حماية نفسها نظرًا لضعف حالتهم وقلة حيلتهم لذلك أفرد المشرع لهم حماية خاصة.
وقد أخذ المشرع بالتشديد عندما يكون هنالك صلة بين الجاني والمجني عليه سواء كانت صلة قرابة أو مصاهرة، وترجع الحكمة من تشديد العقاب في هذه الحالة إلى أن الصلة بين الجاني والمجني عليه قد تكون سببًا رئيسيًا أو وسيلة للتأثير على المجني عليه ووقوعه ضحية لجريمة الإتجار بالبشر. هذا فضلًا عن تشدد العقوبة إذا كان مرتكب الجريمة قد أنشأ أو نظم أو أدار جماعة إجرامية منظمة أو أنضم إليها أو شارك فيها؛ لما يُنبئ به ذلك من خطورة الجاني.
كما شدد المشرع الأردني أيَا العقوبة بسبب صفة الجاني إذا كان موظفًا عامًا أو مكلفًا بخدمة عامة وأخيرًا فعل حيث تكمن هنا خطورة الجاني في استغلاله لوظيفته العامة التي قد تسهل عليه ارتكاب الجريمة.
وأخيرًا شدد المشرع العقاب على جسامة الجريمة إذا ما أدت جريمة الإتجار بالبشر إلى مرض عضال لا يُرجى شفاؤه، وفي هذا السياق نرى أن النص قد جاء قاصرًا حيث كان الأجدر بالمشرع ليس فقط قصر التشديد في هذه الحالة على المرض الذي لا يُرجى شفاؤه، فكان الأجدر تشديد العقاب في حالة وفاة الضحية في المقام الأول وكذلك إذا ما تسببت بعاهة للضحية.
ثامنًا: الجهود الدولية المبذولة لمكافحة جريمة الإتجار بالأعضاء البشرية
عامةً يتبع المجتمع الدولي أسلوب حظر أنشطة زرع الأعضاء البشرية من خلال منع بيع وشراء الأعضاء البشرية، في المقابل تقوم عمليات زرع الأعضاء البشرية على التبرع الطوعي من ذوي الإحسان بالأعضاء البشرية، بالنظر إلى كون عملية التبرع في الغالب تتم بين أناس تربطهم علاقة وثيقة وفعلية كالأسرة.
ويُعتبر الحظر من المبادئ التي أرستها عدد من المنظمات والاتفاقيات الدولية منها منظمة الصحة التوجيهية بشأن زرع الأعضاء البشرية لعام 1991م، إلا أن هذه المبادئ ليست مبادئ ملزمة، ولا تخضع جميع الدول لها. كما يُعد إعلان إسطنبول بشأن الإتجار بالأعضاء البشرية وسياحة زرع الأعضاء أداة أخرى غير ملزمة جاء نتيجة أحد المؤتمرات الدولية في عام 2008م.
هذا لم تقف الدول العربية مكتوفة الأيدي؛ لذا يتعين الإشارة إلى بعض المبادرات العربية نذكر منها يلي:
- الاتفاقية العربية لمكافحة الجريمة المنظمة عير الحدود الوطنية وما تنص عليه (المادة 12) من حيث إنه: “تتعهد كل دولة طرف أن تتخذ ما يلزم من تدابير تشريعية وتدابير أخرى لتجريم ارتكاب أو المشاركة في ارتكاب أفعال انتزاع الأعضاء الجسدية أو الأنسجة العضوية، أو الاتجار فيها، أو نقلها بالإكراه أو التحايل أو التغرير، عندما تقوم بها جماعة إجرامية منظمة أو أحد أعضائها، ولا يعتد برضاء الشخص ضحية هذه الأفعال متى استخدمت فيها الوسائل المبينة في هذه المادة”.
- الميثاق العربي لحقوق الإنسان وما تنص عليه (المادة 9) منه من حيث إنه: “لا يجوز إجراء تجارب طبية أو علمية على أي شخص أو استغلال أعضائه دون رضائه الحر وإدراكه الكامل للمضاعفات التي قد تنجم عنها، مع مراعاة الضوابط والقواعد الأخلاقية والإنسانية والمهنية والتقيد بالإجراءات الطبية الكفيلة بضمان سلامته الشخصية وفقًا للتشريعات النافذة في كل دولة طرف. ولا يجوز بأي حال من الأحوال الإتجار بالأعضاء البشرية”.
- الاتفاقية العربية لتنظيم نقل وزراعة الأعضاء والأنسجة البشرية ومنع ومكافحة الإتجار وما تنص عليه (المادة 2) منها من حيث إنه: “تهدف هذه الاتفاقية إلى تنظيم عمليات نقل وزرع الأعضاء والأنسجة البشرية ومنع ومكافحة الإتجار بها”.
ونرى أنه وفضلًا عن ضرورة وضع أداة ملزمة دوليًا، فإنه يتعين ابتكار وسيلة جديدة لتعزيز التعاون الدولي في هذه القضية تعزيزًا لا يُستهان به وخاصةً في مجالات مثل: تسليم المجرمين أو مصادرة الأصول أو العائدات من الأموال.
تاسعًا: السوابق القضائية الخاصة بجريمة الإتجار بالأعضاء البشرية
لقد ورد في الحكم رقم (2468) لسنة 2020م الصادر من محكمة التمييز بصفتها الجزائية بتاريخ 26/10/ 2020م بما نصه:”1- إن المادة (3/1/أ) من قانون منع الإتجار بالبشر نصت على طرق استقطاب أشخاص، أو نقلهم، أو إيوائهم، أو استقبالهم بغرض استغلالهم عن طريق التهديد بالقوة أو استعمالها أو غير ذلك من أشكال القسر، أو الاختطاف، أو الاحتيال، أو الخداع، أو استغلال السلطة، أو استغلال حالة ضعف، أو بإعطاء أو تلقي مبالغ مالية أو مزايا لنيل موافقة شخص له سيطرة على هؤلاء الأشخاص”.
وكذلك ما ورد في الحكم رقم (2468) لسنة 2020م الصادر من محكمة التمييز بصفتها الجزائية بتاريخ 26/10/ 2020م بما نصه: “2- أن المادة (3) من قانون منع الإتجار بالبشر بينت وعرفت المقصود بجرائم الإتجار بالبشر ونصت في البندين (1و 2) منها وفي الفقرة (ب) على تعداد الأفعال الجرمية التي يطالها قانون منع الاتجار بالبشر”.
إعداد/ محمد محمود
[1] ضحى نشأت الطلباني، دراسة تحليلية لقانون منع الإتجار بالبشر في القانون الأردني والقوانين المقارنة، (ص1288).
[2] فاطمة صالح الشمالي، المسؤولية الجزائية عن الإتجار بالأعضاء البشرية، (ص84).
[3] ضحى نشأت الطلباني، دراسة تحليلية لقانون منع الإتجار بالبشر في القانون الأردني والقوانين المقارنة، (ص1290).

