إجراءات التحكيم أمام غرفة التجارة الدولية

إجراءات التحكيم أمام غرفة التجارة الدولية

لا شك بأن القضاء هو الأساس في حل أي نزاع ينشأ في كافة التعاملات المدنية والتجارية، ولكن؛ ومع تطور ونماء حركة التجارة الدولية، ولإن التجارة هي عبارة عن عملية تعتمد على السرعة والدقة، فكان لابد من إيجاد وسيلة أكثر مرونة من إجراءات التقاضي العادية في مجال التنازع الدولي التجاري، وهديا بما سلف؛ ازداد الإقبال الدولي على عملية التحكيم كوسيلة لفض تلك النزاعات، ولمّا كانت منظمة التجارة العالمية من أحد أبرز المنظمات التي ترعى مصالح التجارة والاقتصاد العالمي، فكان لابد وأن نتعرض للتحكيم أمام غرفة التجارة الدولية، والتي تعد الذراع الأساسي الذي تعتمد عليه منظمة التجارة العالمية في حل النزاعات، وذلك على النحو التالي ذكره:

أولاً: مدلول ومفهوم التحكيم في التجارة الدولية:

ثانياً: التعريف بغرفة التجارة الدولية ودورها في حل النزاعات:

ثالثا: آليات اللجوء للتحكيم أمام غرفة التجارة الدولية:

رابعا: الإجراءات العملية لاستصدار حكم التحكيم من غرفة التجارة الدولية:

خامساً: بعض اجتهادات محكمة التمييز فيما هو متصل بالتحكيم أمام غرفة التجارة الدولية:

 

أولاً: مدلول ومفهوم التحكيم في التجارة الدولية:

لا شك بأنه وفي الآونة الأخيرة قد ازدادت حركة التبادلات الدولية التجارية بشكل غير مسبوق، ويرجع الفضل في ذلك إلى التطور الحداثي الذي وصلت إليه البشرية، والتنظيم والتطور الغير مسبوق في مجالي الملاحة البحرية والجوية ومجال شحن البضائع، فنجد أن هناك ازدياد وإقبال على حركة التبادلات التجارية بين الدول، ويرجع ذلك إلى عملية الانفتاح الاقتصادي التي شهدتها البشرية جمعاء في القرون الأخيرة، الأمر الذي جعل من التجارة الدولية العمود الأساسي التي يرتكز عليها الاقتصاد العالمي.

وهديا بالسابق ذكره، وبيد أن ذلك الازدياد في عمليات التجارة الدولية قد أدى إلى ظهور العديد من النزاعات التجارية بين الأطراف الدولية، نظرا لتشابك وتعقيد تلك الحركة من التجارة بين الدول والمستثمرين الأجانب، فكان اللجوء إلى التحكيم هو الخيار الأمثل إلى تلك الأطراف الدولية، نظرا لاتسامه بالسرعة والأمان والسرية التامة، فنجد أنه في كثير من المواضع يتفق الأطراف على اتخاذ التحكيم كوسيلة إذا ما نشأ نزاع حول بنود العقد الدولي، فمن أهم خصائص اللجوء إلى التحكيم الاتفاق على ذلك، سواء كان الاتفاق سابق للنزاع أو لاحق.

والتحكيم هو: “اتفاق أطراف علاقة قانونية معينة عقدية كانت أو غير عقدية على أن يتم الفصل في المنازعة التي ثارت بينهم أو التي يحتمل أن تثار عن طريق أشخاص يتم اختيارهم “.[1] وعرفه البعض بأنه: ” الاتفاق بين طرفي العلاقة على إحالة النزاع الذي قد ينشأ بينهما إلى هيئة مكونة من شخص أو أكثر يسمون المحكمين وذلك للفصل فيه وفقا للبنود والشروط التي يتفق عليها الطرفين وذلك بدلا عن اللجوء إلى القضاء العادي لحل النزاع “. أما هيئة التحكيم فيشترط لتكوينها ثلاثة عناصر بحيث إذا تخلف أحدها أو كلها صار التحكيم باطلا ومن الشروط أن يكون عدد المحكمين فردا وليس زوجا “.[2]

وهديا بما سلف يتضح لدينا جلياً بأن عملية التحكيم تخضع لمبدأ سلطان الإرادة، بمعنى أن عملية اللجوء إلى التحكيم تكون خاضعة لما توافق واتفق عليه أطراف عقود التجارة الدولية، ومنذ اختيار وتوافق الأطراف على التحكيم؛ يكون القرار الصادر من الهيئة الدولية المنوط بها التحكيم مُلزماً للجانبين، ولا شك بأن التحكيم بسرعته ومرونته مع التغيرات الحادثة في مجال التجارة الدولية أفضل بكثير من قواعد القانون الجامدة، إذ إن تلك القواعد التي يتم التقاضي بها أمام القضاء العادي لا تكون متناسبة مع أطراف التداعي في المجال الدولي للتجارة، ذلك لأنها وليدة تشريعات داخلية متناسبة مع البيئة التجارية داخل دولة التقاضي فقط.

فقواعد التحكيم الدولي مستمدة من الأعراف التجارية حول العالم والسوابق التجارية ذات الطابع الدولي، بعيداً عن التشريعات الداخلية الصماء، مما يؤدي إلى وحدة في القوانين والقواعد التي تطبق على جميع أطراف التداعي في مجال التجارة الدولية، لترسي استقرارا لعملية التجارة الدولية حول العالم، وتشجع الاستثمار والمتاجرة في الإطار الدولي، حيث إن ضمان حل التنازع المحتمل يؤدي اطمئنان رؤوس الأموال وعدم الخوف من الخسارة المحتملة جراء عدم التزام الأطراف بالبنود المتفق عليها في عقود البيع ذات الطابع الدولي.

ولذلك؛ ومن جماع ما سبق نجد أن التحكيم أصبح هو الخيار الأوحد أمام أطراف التجارة الدولية، فأصبح من النادر اللجوء إلى القضاء العادي في حل تلك النزاعات الدولية، ولما كان الأمر كذلك، وكانت غرفة التجارة الدولية من أحد أبرز الجهات التي يتم اللجوء إليها في حل نزاعات التجارة الدولية، كان لابد وأن نتعرض لها، ولنشأتها، ودورها البارز الذي تلعبه في حل النزاعات الدولية، ذلك على النحو التالي ذكره:

ثانياً: التعريف بغرفة التجارة الدولية ودورها في حل النزاعات:

لا شك بأن غرفة التجارة الدولية هي من أحد أهم الهيئات التابعة لمنظمة التجارة العالمية، إذ تكمن أهميتها في إرساء الاستقرار على كافة جوانب التجارة الدولية، عن طريق دراسة وتحليل المتطلبات اللازمة للتجارة الدولية، وإبرام الاتفاقيات، وحل النزاعات في محكمة التحكيم التابعة لها، ولقد عرفها الفقهاء بأنها: “غرفة التجارة الدولية (CCI) هي منظمة خاصة دولية غير حكومية، مقرها بباريس، لها مجلس مكون من ممثلين لأكثر من ستين دولة، ولها لجان وطنية في هذه الدول، حيث تعد هذه اللجان بمثابة المراكز التي تمد الغرفة بكل ما تحتاجه من معلومات خاصة بالتجارة الدولية في البلاد التي توجد بها هذه اللجان، وتقوم الغرفة بدور هام في نطاق التحكيم التجاري الدولي، ففي عام 1923 أنشئت لدي غرفة التجارة الدولية محكمة للتحكيم، وتُعد هذه المحكمة من مراكز أو هيئات التحكيم الدائمة ذات الطابع الدولي غير المتخصص “.[3]

وهديا بما سلف نجد بأنه ومنذ تأسيس غرفة التجارة الدولية إبان الحرب العالمية الأولى عام 1919م؛ وهي تعمل على إصلاح الدمار الاقتصادي التي خلفته الحروب بين الدول، ونجد وبأنه في غضون عام 1923م قد أسست الغرفة مركزا دوليا لفض النزاعات بين أطراف التجارة حول العالم، وبعد إنشاء المركز التحكيمي نجد إقبال غير مسبوق من أطراف المنازعات الدولية للتقاضي أمام الغرفة، وذلك لعدة اعتبارات من أبرزها هو مدى الاعتراف الدولي حول العالم بقرارات الغرفة التجارية، ناهيك عن التخصص والسرعة في الفصل بين المتنازعين، إذ أن تلك المحكمة التابعة لغرفة التجارة الدولية تتسم بالخبرة والباع الطويل في حل النزاعات، نظرا لمرور حوالي قرن من الزمن في التحكيم بين الأطراف الدولية حول العالم.

ولقد نصت (المادة الأولى) من قواعد التحكيم بغرفة التجارة الدولية على: ” المحكمة الدولّية للتحكيم المحكمة المنبثقة عن غرفة التجارة الدولية هي جهاز التحكيم المستقل التابع لغرفة التجارة الدولية، ويرد النظام الأساسي للمحكمة في الملحق رقمَ 1. ولا تفصل المحكمة في النزاعات بنفسها لكنها تدير الفصل في النزاعات التي تتولاها هيئات التحكيم الدولية. وتعتبر المحكمة الجهاز الوحيد المنوط بعهدته إجراءات التحكيم بموجب القواعد واعتمادها…”.

وهديا بالنص السالف البيان يتضح لدينا دور وأهمية غرفة التجارة الدولية في إدارة النزاعات الدولية، إذ تدير المحكمة التابعة لغرفة التجارة الدولية النزاع الناشئ جراء التعاقد التجاري الدولي بين طرفي التعاقد، ولما كان ذلك، وكان البين مما سلف بأن هناك نظام خاص بالتحكيم من خلال غرفة التجارة الدولية، فنتعرض إلى الإجراءات الأولية للجوء للمحكمة التابعة لغرفة التجارة الدولية، وذلك على النحو التالي ذكره:

ثالثا: آليات اللجوء للتحكيم أمام غرفة التجارة الدولية:

لما كان الثابت والمستقر عليه في فقه التحكيم بأن هناك عدة ضوابط وشروط لابد وأن تراعى قبل اللجوء إلى جهات التحكيم المنوط بها الفصل في تلك المنازعات الدولية، وكان الثابت والبين من استقراء نصوص قواعد التحكيم الخاصة بغرفة التجارة الدولية بأنه لا مناص من توافر بعض الضوابط حتى يتم اللجوء إليها لفضّ النزعات، لذلك؛ نتعرض لشروط اللجوء إلى التحكيم أمام غرفة التجارة الدولية، على النحو التالي:

1- شروط اللجوء إلى التحكيم أمام غرفة التجارة الدولية:

سلف وأن أشرنا من قبل بأن مسألة اللجوء إلى عملية التحكيم تخضع لمبدأ سلطان الإرادة، حيث لا بد وأن يتم الاتفاق صراحة على اللجوء إلى التحكيم من قبل طرفي العلاقة التعاقدية، ويستوي أن يكون هذا الاتفاق وارد في بنود العقد التجاري وقبل نشوء النزاع، أو أن يتم بشكل منفصل عن العقد الأساسي سواء قبل نشوء النزاع أو بعده، شريطة أن يتم الاتفاق اللاحق للنزاع بناءً على إرادة الأطراف، ولقد استقرت منظمة التجارة الدولية على قواعد معينة سميت بقواعد الإحالة إليها، بمعنى أنه عند استيفاء الشروط والقواعد المقررة مسبقا يتم إحالة النزاع إلى جهة التحكيم.

ويتضح مما سبق أن اتفاق التحكيم قد يتخذ إحدى الصورتين، أما إن يتم قبل نشوء النزاع أصلا، وذلك بأن يرد شرط أو بند ضمن بنود العقد الأصلي يقضي بإحالة ما قد ينشأ بين الطرفين من نزاع، ويسمى شرط التحكيم، ما أو يتم الاتفاق على التحكيم بعد نشوء النزاع، ويسمى في هذه الحالة بمشارطة التحكيم.[4]

ولما كان الأمر كذلك، وكان البين مما سلف بأن شرط التحكيم يصبح ذو حجية على من ارتضى به وذهبت إرادته المنفردة إلى الموافقة على اللجوء للتحكيم، وبناء على ما سبق نجد بأنه لا مناص من إلزامية تلك الأحكام الصادرة من غرفة التجارة الدولية في مواجهة الأطراف الموافقون على شرط التحكيم وذلك بإرادتهم المنفردة.

وهديا بما سلف، وإذا تم الاتفاق على حل النزاع أمام غرفة التجارة الدولية، يثور النزاع حول ماهية الإجراءات المتبعة حال رغبة أحد الأطراف حل النزاع عبر التحكيم وأمام غرفة التجارة الدولية، نتعرض لتلك النقطة في السطور التالية:

2- الإجراءات الإدارية لطلب حل النزاع أمام غرفة التجارة الدولية:

لقد حددت (المادة الرابعة) في فقرتها الأولى من القواعد المقررة من قبل الغرفة التجارية إجراءات طلب التحكيم، واشترطت فيه شروط شكلية وموضوعية، حيث نصت على: ” يلتزم الطرف الذي يرغب في اللجوء إلى التحكيم طبقا للقواعد بتقديم طلب تحكيم إلى الأمانة العامة في أي مكتب من المكاتب المنصوص عليها في القواعد الداخلية، وتخطر الأمانة العامة المدعي والمدعى عليه بتسلمها «الطلب» وبتاريخ هذا التسلم. يعد تاريخ تسلم الأمانة العامة للطلب هو تاريخ بدء التحكيم وذلك لكافة الأغراض “.

ووفقا لما سلف يتم تحديد إجراءات إخطار المدعي عليه طبقا لما هو وارد بباقي المواد المقررة في ذات القواعد الخاصة بغرفة التجارة الدولية، ويتم تقديم الطلب إلى مقر المنظمة الكائن بباريس أو يمكن أن يتم تقديم هذا الطلب في أحد الفروع المعتمدة لدى غرفة التجارة الدولية، ولقد نصت ذات المادة في فقرتها الثالثة على البيانات اللازم توفرها في الطلب، حيث نصت على الآتي: ” يجب أن يحتوي «الطلب على المعلومات التالية:

أ- اسم كل طرف كام ووصفه وعنوانه وغير ذلك من بيانات الاتصال الخاصة به؛

ب- الاسم الكامل لأي شخص (أشخاص) يمثل المدعي في التحكيم وعنوانه وبيانات الاتصال به الأخرى؛

ج- وصف الطبيعة وملابسات المنازعة التي نشأت عنها المطالبات، الأساس الذي تستند إليه المطالبات؛

د- بيان بالطلبات وقيمة أي من الطلبات محددة القيمة، وبقدر المستطاع، القيمة المالية التقديرية لأي طلبات أخرى؛

هـ – أي اتفاقيات ذات صلة وبالأخص اتفاق (أو اتفاقيات التحكيم؛ وفي حالة التقدم بطلبات بموجب أكثر من اتفاق تحكيم، تتم الإشارة إلى اتفاق التحكيم الذي تم تقديم كل طلب بموجبه)؛

و- كافة التفاصيل ذات الصلة وأية ملاحظات أو مقترحات حول عدد المحكمين واختيارهم وفقا لنصوص المادتين الثانية عشر والثالثة عشر، وأي تسمية لمحكم وفقا لما تقتضيه هذه النصوص “.

وهديا بما سلف يتم إرسال الطلب بذات البيانات المذكورة أعلاه، ويتم بعدها إخطار المدعي عليه وينتظر رده خلال شهر من تاريخ إرسال الإخطار بالنزاع إليه، وتبقي عملية تنظيم النزاع تحت يد وسيطرة غرفة التجارة الدولية، ويشترط لقبول الطلب دفع الرسوم المقررة وفقا للقواعد الخاصة بالغرفة، ولا يقبل أي طلب غير مسدد رسومه، حيث اعتبر ذلك شرطا شكليا لا تنعقد لواء الخصومة إلا به، وبعد ذلك تشرع غرفة التجارة الدولية في تعين هيئة المحكمين طبقا لعدة اعتبارات منها المكان والنوع وغيرها من التفاصيل الأخرى.

رابعا: الإجراءات العملية لاستصدار حكم التحكيم من غرفة التجارة الدولية:

تُعد تلك المرحلة هي المرحلة الثانية من بعد تخليص الإجراءات الإدارية لطلب اللجوء للتحكيم، ولا شك أن قواعد التحكيم الخاصة بغرفة التجارة الدولية قد نظمت تلك المرحلة الهامة وقسمتها لعدة مراحل، فنجد أن هناك ضوابطا لانعقاد لجنة التحكيم والمكان والقانون الواجب التطبيق، وهناك إجراءات شكلية نظمت مرحلة التداعي أمام الهيئة، ونظمت شكل الجلسات وعملية تقديم المستندات وغيرها من الضوابط الأخرى، وأخيرا مرحلة استصدار الأحكام، نتعرض لتلك المراحل على النحو التالي:

1- الضوابط الشكلية لانعقاد التحكيم:

تلك المرحلة هي التي تحدد شكل عملية التحكيم، حيث عملية اختيار الأعضاء المُحكّمين وكذلك اختيار القانون الواجب التطبيق، وكذلك اختيار المكان الذي سوف يتم فيه التحكيم بين أطراف النزاع، وغيرها من الأمور الشكلية الأخرى التي لا مناص من تطبيقها قبل الشروع في التحكيم.

وفيما يخص اختيار المحكمين؛ فلقد وضعت المادة الحادية عشرة من قواعد الوساطة شروط وأحكام عامة لا بد وأن يتم الالتزام بها، فقد نصت المادة سالفة البيان على: ” يتعين على كل محكم أن يكون وأن يظل محايدا ومستقلا عن الأطراف المعنية بالتحكيم. يوقع المحكم المحتمل، قبل تعيينه أو تأكيده، إقرارا يبين قبوله، وتوافره، وحيدته واستقلاليته. ويفصح المحكم المحتمل للأمانة العامة كتابيا عن أية وقائع أو ظروف من شأنها أن تشكك في استقلاليته في نظر الأطراف، وأية ظروف من شأنها أن تثير شكوكا معقولة حول حيدة المحكم. وتبلغ الأمانة العامة هذه المعلومات كتابيا للأطراف وتحدد لهم مهلة لإبداء ملاحظاتهم “.

وغيرها من الاشتراطات العامة الأخرى التي تضمن عملية نزاهة المحكمين، وبعد ذلك تقرر المحكمة تعين المحكم من عدمه بناء على ما سبق ذكره من إجراءات واشتراطات، وذلك في إطار ضمان نزاهة العملية التحكمية والتنازع أمام الهيئة، ويكون عدد المحكمين المختارين من محكم واحد إلى ثلاثة محكمين، ويجوز الاتفاق بين أطراف التداعي على ذلك، أو أن تقرر المحكمة تلك العملية وذلك استنادا إلى حاجة النزاع إلى محكم واحد أو ثلاثة محكمين، فطبيعة النزاع هي التي تحكم الأمر في تقدير العدد المناسب لأعضاء هيئة التحكيم.

وعندما يقع الاختيار على المحكم؛ فلا بد وأن يتم مراعاة مدي توافره، كذلك محل إقامته وجنسيته وكافة الظروف المحيطة بشخص المحكم، ذلك حتى تضمن صلاحيته للفصل في التنازع المعروض أمامه، ويتعين الأخذ بالاعتبار أن تكون جنسية المحكم مختلفة عن جنسيات أطراف التداعي، لضمان الحيدة والنزاهة للعملية التحكيمية، ولقد نظمت (المادة الرابعة عشرة) إجراءات رد المحكمين واستبدالهم في حال الاستناد إلى عدم الحيدة أو عدم نزاهتهم واستقلالهم عن أطراف التداعي.

وفيما هو متصل بتحديد القانون واجب التطبيق، فلقد نظمت المواد (19، 21) من قواعد الوساطة الخاصة بغرفة التجارة الدولية تلك المسألة، ومنحت حق الاتفاق على القواعد التي يتم تطبيقها لحل النزاع من قبل الأطراف، حيث نصت (المادة 21) من قواعد التحكيم التابعة لغرفة التجارة الدولية على أن: ” يتمتع الأطراف بحرية الاتفاق على القواعد القانونية الواجب على هيئة التحكيم تطبيقها على موضوع المنازعة. وفي غياب مثل هذا الاتفاق، تطبق هيئة التحكيم قواعد القانون الذي تعتبرها ملائمة “.

وهديا بالنص السابق نجد أنه وفي آخر فقرة إذا لم يتم الاتفاق على قواعد معينة من قبل الأطراف، تطبق الهيئة القواعد التي تراها مناسبة، ولقد نصت (المادة 19) من ذات القواعد على: ” “تخضع الإجراءات أمام هيئة التحكيم لهذه القواعد، وإذا خلت القواعد من النص الوارد من النص المطلوب، تخضع الإجراءات لأية قواعد يتفق عليها الأطراف أو التي تقررها هيئة التحكيم في حالة عدم اتفاق الأطراف “.

وفيما هو متصل بتحديد المكان ولغة التحكيم، فهما أمران غاية في الخطورة والأهمية، ولا شك بأنه يجوز الاتفاق عليهم، ومكان التحكيم هو المكان الذي يتم فيه السير في لواء الخصومة، فنظرا لطبيعة العقد المتنازع عليه أنه عقد دولي، فالأطراف يكونون من دول مختلفة دائما، فتحديد المكان له أهمية كبيرة قبل السير في إجراءات الخصومة، أما عن تحديد اللغة فلا تقل أهمية عن تحديد المكان، فاللغة المختارة للتحكيم هي التي تُقدم بها المذكرات ويسمع بها الشهود وتقام بها كافة إجراءات التنازع، وهي أيضا خاضعة لاتفاق الأطراف.

والجدير بالذكر أنه في حال عدم تحديد المكان واللغة من قبل الأطراف، يجوز للمحكمة التدخل في تحديد المكان الأصلح لحل النزاع، وكذلك اللغة أيضا يحددها المحكم في حال التنازع عليها، ويكون ذلك طبقا للمصلحة، حيث نصت (المادة العشرون) من قواعد الوساطة على: ” إذا لم يتفق الأطراف على لغة التحكيم، تحدد الهيئة لغة أو لغات التحكيم، مع أخذ جميع الملابسات ذات الصلة بعين الاعتبار، بما في ذلك لغة العقد “.

2- مرحلة التداعي أمام هيئة التحكيم:

لا جرم بأن قواعد التحكيم التابعة لغرفة التجارة الدولية قد نظمت كافة إجراءات التقاضي أمامها، ومن حيث مرحلة التداعي فنجد بأنها قد قُسمت إلى قسمين رئيسين وهما جلسات إثبات الوقائع وتقديم المستندات وخلافة، وأخرى للمرافعة وإبداء الدفاع المناسب من قبل الأطراف، نتعرض لهم على النحو التالي:

أ- جلسات إثبات وقائع التداعي وإدارة النزاع:

نصت (المادة 24) من قواعد التحكيم علي: ” بعد انتهاء هيئة التحكيم من إعداد وثيقة المهمة، تعقد الهيئة جلسة مع الأطراف للتشاور حول إدارة الدعوى والتدابير الإجرائية التي يمكنها اتخاذها لضمان الإدارة الفعالة للدعوى والتحكم في الوقت والتكلفة “.

وهديا بالنص سالف البيان، فتلك الجلسة تكون لرسم الإطار الزمني والإجرائي والإداري وذلك بالتشاور مع أطراف النزاع، وفيما يخص إثبات الوقائع فقد نصت (المادة 25) من ذات القواعد على: ” تقوم هيئة التحكيم في أقصر وقت ممكن باستجلاء وقائع الدعوى بكل الوسائل الملائمة. وبعد دارسة هيئة التحكيم لكافة المذكرات والمستندات الكتابية المقدمة لها من طرف الأطراف يمكن لها طلب سماع لجميع الأطراف حضوريا ما إذا طلب أحدهم ذلك وفي حالة عدم الطلب يمكن لها سماعهم من تلقاء نفسها “.

وذات المادة قد أجازت لهيئة المحكمة انتداب الخبراء وغيرها من الوسائل الأخرى لإثبات كافة تفاصيل التنازع، بغية الوصول إلى الحقيقة وإنزال الحكم المنزل الصحيح المبني على ما تم فعليا من واقع ومقارنته بما تم إبرامه من اتفاق بين أطراف التداعي.

ب- جلسات المرافعة وإبداء الدفاع:

حيث يجوز للأطراف طلب فتح باب المرافعة الشفوية أمام هيئة التحكيم، ولقد جاءت (المادة 26) من ذات القواعد بالتالي: ” إذا تقـرر عقد جلسة مرافعة تستدعي هيئة التحكيم الأطراف للمثول أمامها في المكان والزمان اللذين تحددهما، بعد إخطارهم بمهلة معقولة. ويكون لهيئة التحكيم السلطة الكاملة في جلسات المرافعة، والتي يحق لجميع الأطراف حضورها. ولا يقبل حضور أي شخص غير معني بالإجراءات، إلا بموافقة هيئة التحكيم والأطراف “.

وهديا بالنص سالف البيان نجد أنه قد أنيط بلجنة التحكيم إعطاء الفرصة كاملة لكافة الأطراف لإبداء الترافع أمامها وإثبات الدفوع، وذلك تحت إشراف هيئة التحكيم لاستخلاص وفهم واستيعاب حقيقة النزاع، حتى تصدر حكم محمولاً على أسباب صحيحة وجادة، ويتم غلق باب المرافعة بعد استيفاء كافة الإجراءات سالفة البيان، والاستعداد للمرحلة الأخيرة وهي إصدار الأحكام، نتعرض لها على النحو التالي:

2- مرحلة إصدار الأحكام:

وتبقي مرحلة استصدار الأحكام في مواجهة الأطراف هي المرحلة الأخيرة من مراحل التحكيم، إذ أناطت القواعد الخاصة بالغرفة الفصل في النزاع في مدة محددة يجوز مدها إذا تطلب الأمر ذلك، فقد نصت (المادة الحادية والثلاثون) على: ” المدة التي يجب أن تصدر خلالها هيئة التحكيم حكمها النهائي هي ستة أشهر. ويبدأ سريان هذه المدة من تاريخ آخر توقيع لهيئة التحكيم أو للأطراف على وثيقة المهمة، أو في حالة تطبيق البند (3) من المادة الثالثة والعشرين من تاريخ إخطار هيئة التحكيم من قبل الأمانة العامة باعتماد “المحكمة” لوثيقة المهمة. ويجوز “للمحكمة” تحديد مدة مختلفة بناء على الجدول الزمني للإجراءات المعد وفقا للبند (2) من المادة الرابعة والعشرين. ويجوز “للمحكمة” تمديد المدة بناء على طلب مسبب من هيئة التحكيم أو من تلقاء نفسها إذا قررت أن ذلك ضروريا “.

وبعد ذلك، يرجع للمحكمة في عملية اعتماد الحكم الصادر من المحكمين بعد أن تتم مراجعته، ولقد نصت (المادة الرابعة والثلاثون) على ضوابط اعتماد الحكم، حيث نصت على التالي: ” يتعين على هيئة التحكيم، قبل توقيع أي حكم تحكيم، أن تقدم مشروعه إلى “المحكمة”. و”للمحكمة” أن تدخل تعديلات تتعلق بشكل الحكم ولها أيضا – دون المساس بما لهيئة التحكيم من حرية الفصل في المنازعة – أن تلفت انتباه الهيئة إلى مسائل تتعلق بالموضوع. ولا يجوز أن يصدر أي حكم تحكيم من هيئة التحكيم حتى تعتمده “المحكمة” من حيث الشكل “.

وفي الأخير وبعد إصدار الحكم يتم إخطار الأطراف بالحكم الصادر في النزاع، ويتم أيضا السماح بطلبات تفسير العبارات الغامضة بالحكم، وذلك كله وفقا للقواعد المقررة في ذلك الشأن.

خامساً: بعض اجتهادات محكمة التمييز فيما هو متصل بالتحكيم أمام غرفة التجارة الدولية:

ورد في حكم محكمة التمييز بصفتها الحقوقية رقم 4164 لسنة 2018 ما يلي:

إن ما جاء في اتفاقية الوكالة التجارية بالاتفاق على التحكيم أمام غرفة التجارة الدولية ليس فيه ما يخالف القانون أو النظام العام في الأردن لأن الاتفاق الذي جرى على نزع اختصاص المحاكم الأردنية لم يكن لإسناد هذا الاختصاص لمحكمة أجنبية إنما لجهة التحكيم أو هيئة تحكيم لدى غرفة التجارة الدولية وهو ما يجوز للأفراد الاتفاق عليه لأن اتفاقهما هو قانونهما الواجب التطبيق والاحترام حيث يجوز لهما الاتفاق على أن يجري التحكيم داخل الأردن أو خارجه بمقتضى المادة (27) من قانون التحكيم التي سبق الإشارة إليها ، وفي ضوء ما تقدم يتعين القول بصحة الشرط الوارد في البند (21) من اتفاقية الوكالة التجارية موضوع هذه الدعوى بإحالة أي نزاع ليتم تسويته وفق قواعد التوفيق والتحكيم لغرفة التجارة الدولية من قبل محكم أو أكثر يتم تعيينهم وفقاً للقواعد المذكورة، وحيث إن مقتضى هذا الشرط أن يتم تعيين هيئة التحكيم وفقاً للقواعد المتبعة لدى غرفة التجارة الدولية فإن ما قضت به محكمة الاستئناف ببطلان حكم التحكيم لبطلان تشكيل هيئة التحكيم التي أصدرت حكمها موضوع دعوى البطلان قد جاء في محله موافقاً لأحكام اتفاقية نيويورك والمادة (49/أ/5) من قانون التحكيم وحيث أن المادة (49) من قانون التحكيم تشير للحالات التي تقبل فيها دعوى بطلان (حكم التحكيم ) وجاء تعبير حكم التحكيم عاماً فيشمل الحكم بالموضوع أو بالشكل أو بعدم الاختصاص مما يتعين معه رد هذا السبب.

إعداد/ عماد محمد

[1] عبد الباسط محمد عبد الواسع، النظام القانوني لاتفاق التحكيم، دراسة مقارنة، دار الجامعة الجديدة، الإسكندرية، مصر، 2013، ص 16.

[2] التحكيم التجاري الدولي قانون واجب التطبيق، جامعة عبد الحميد بن باديس مستغانم، رسائل منشورة، مذكرة لنيل شهادة الماستر في الحقوق تخصص قانون دولي اقتصادي، ص 10.

[3] بركاين مروي، تدميمت حكيمة، التحكيم في إطار غرفة التجارة الدولية، جامعة مولود معمري كلية الحقوق، رسائل ماجستير منشورة، ص 5.

[4] بسام شيخ العشرة، التحكيم التجاري، الجامعة الافتراضية السورية، 2018، ص 28.

error: Alert: Content is protected !!