مفهوم التشريع

التشريع يحتل مركز الصدارة بالنسبة لباقي مصادر القاعدة القانونية، فالتشريع أصبح هو المصدر الرسمي الأول للقانون بوجه عام، بعد أن كان العرف قديمًا يحتل المكانة الأولى في هذا الصدد.

هو أول مصدر من مصادر القانون فمصادر القانون تقسم إلى مصادر رسمية ومصادر تفسيرية،  والمصادر الرسمية هي التشريع، أحكام الفقه الإسلامي، مبادئ الشريعة الإسلامية، العرف، قواعد العدالة والمصادر تفسيرية هي الفقه والقضاء، وسنتحدث في هذا المقال عن أول مصدر رسمي من مصادر القانون وهو التشريع.

ولما كان للمصطلحات أهمية قصوى في البناء الفكري والعلمي والثقافي للأمم، باعتبارها وسيلة هامة من وسائل التعليم ونقل المعلومات، لذا سيكون موضوع مقالنا حول مفهوم التشريع، في اللغة وفي الاصطلاحين الفقهي والقانوني وذلك كما سيلي :

جدول المحتويات 

أصل التشريع في اللغة :

معنى التشريع في الاصطلاح الفقهي :

مصطلح التشريع في القانون :

أهمية التشريع

السلطة التشريعية

مراحل سن التشريع

التصديق على القوانين من جانب جلالة الملك

كيف يتم إلغاء نص تشريعي؟

أصل التشريع في اللغة :

التشريع لغة مصدر : شرع، والشرع : نهج الطريق الواضح، يقال : شرعت له طريقًا، ثم جعل الشرع اسمًا للطريق النهج، فقيل له شرع، وشريعة، وفي التنزيل قال الله تعالى : ” لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجًا ” .

ويقال : شرع لهم، أي : سن لهم.

وقال ابن جزي : ” شرع الله الأمر : أي أمر به “.

وفي المصباح المنير : ” الشرعة : بالكسر الدين، والشرع والشريعة مثله؛ مأخوذة من الشريعة وهي مورد الناس للاستقاء، وسميت بذلك لوضوحها وظهورها، وجمعها شرائع، وشرع الله لنا كذا يشرعه : أظهره وأوضحه”.

والمعنى اللغوي لمادة (شرع)

يظهر في : السن، والفتح، والإنفاذ، والبيان ، والظهور، والوضوح.

وقال ابن فارس : ” الشين والراء والعين أصل واحد، وهو شيء يفتح في امتداد يكون فيه من ذلك الشريعة، وهو مورد الشاربة الماء ” ومورد الشاربة هي التي يشرعها الناس فيشربون منها ويستقون، وربما شرعوها دوابهم لتشرب منها، والعرب لا تسميها شريعة حتى يكون الماء عدا لا ينقطع، ويكون ظاهرًا ميعنًا ولا يُسقى بالرشا .

ويقول ابن فارس أيضًا : ” ومن الباب : أشرعت الرمح نحوه اشرعا، وربما قالوا في هذا شرعت …. ويقال : أشرعت طريقًا، إذا أنفذته وفتحته، وشرعت أيضًا …. ومن ذلك شراع السفينة ، هو ممدود في علو … وقيل في التفسير في قوله تعالى : ” إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعًا ” أنها الرفعة رؤوسها “.

وقيل الشارع هو العالم الرباني العامل المعلم وكل قريب.

معنى التشريع في الاصطلاح الفقهي :

عُرف التشريع في الموسوعة الفقهية بأنه : خطاب الله تعالى المتعلق بالعباد طلبًا أو تخييرًا أو وضعًا.

وعرفه الفقهاء بأنه : أثر خطاب الله تعالى؛ وكلا التعريفين ينصب على فعل المكلفين الذي يتعلق به حكم الله تعالى. وهو ما سنه الله تعالى من الأحكام، وأوحى به إلى أنبيائه.

وقال د محمد الزحيلي : التشريع اصطلاحًا لم يعرفه الفقهاء إنما عرفوا مضمونه ومحتواه، وهو : الحكم الشرعي، فعرفه علم الأصول بأنه : خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين اقتضاءاك (طلبًا) أو تخييرًا، أو وضعًا (يجعله مرتبطًا بغيره كالسبب والشرط والمانع).

فالتشريع : هو إصدار الأحكام وإنشائها وبيانها للناس حتى يُعمل بها، وهو في أصله الشرعي حق خالص بالله تعالى.

وأما الشرع والشريعة

فقد عُرفت بتعريفات منها ما جاء في جامع العلوم في اصطلاحات الفنون : ” الشرع والشريعة : ما أظهره الله تعالى لعباده من الدين، وحاصله الطريقة المعهودة الثابتة عن النبي عليه الصلاة والسلام”.

مصطلح التشريع في القانون :

التشريع في الاستعمال القانوني قد يكون له أكثر من مدلول ، فقد يكون له مدلول ضيق، يقتصر على العمل الذي يقوم به المقنن، فيعرف التشريع هنا بأنه : ” سن القواعد القانونية بوساطة السلطة المختصة في ذلك “. وقد يكون للتشريع مدلولًا واسًعا، يشمل نتيجة عمل المقنن والتشريع هنا يُعرف بأنه : ” مجموع القواعد القانونية التي تصدر عن السلطة التشريعية وبهذا يشتق اسمه منها.”. وقد يراد بالتشريع مفهوم أوسع؛ يسمل ما صدر عن غير ما يسمى بالسلطة التشريعية، وهنا يُعرف التشريع بأنه : ” كل نص قانوني مكتوب يصدر عن السلطات التي تمتلك حق إصداره “.

ومن ثم بهذا المعنى فمفهوم التشريع يحتضن حتى النصوص التي تصدر عن السلطة التنفيذية، ولأجل ذلك تسمى : سلطة تنظيمية.

فيقصد بالتشريع :

تلك القواعد القانونية التي تضعها السلطة المختصة، فيقال التشريع الجنائي، والتشريع المدني، والتشريع الضريبي، الخ.

والتشريع من حيث معناه المصدري، فيقصد بالتشريع كعملية قيام سلطة عامة بسن قواعد قانونية في صيغة مكتوبة وفقًا لإجراءات قانونية معينة. أما التشريع وفقًا لمعناه الاسمي، فيقصد بالتشريع كنتاج لهذه العملية : النص الذي يصدر عن السلطة العامة المختصة، والذي يتضمن قاعدة أو عدة قواعد قانونية، بمعنى ” القانون “.

وقال د عبد الناصر العطار :

” يطلق لفظ التشريع الوضعي على القاعدة القانونية المكتوبة، التي تضعها السلطة المختصة، وهذه السلطة عبارة عن هيئة تنوب عادة عن الشعب أو مجلس الأمة أو مجلس النواب ومجلس الشيوخ، وقد تكون هذه السلطة رئيس الدولة أو وزير مختص، وذلك في بعض أنواع التشريع، وعلى ذلك يسمى القانون الصادر من مجلس الشعب تشريعًا، كما تسمى اللائحة الصادرة من الوزير المختص تشريعًا.

وبهذا المعنى فالتشريع يُعد مصدرًا رسميًا أصليًا للقانون ؛ على أنه إذا أطلق لفظ (التشريع) دون وصف آخر فإنه يعني القانون الصادر من السلطة التشريعية أي مجلس الشعب في مصر.

والتشريعات الآخر لها مسميات أخرى، كنمسيتها دستورًا أو لائحة، وفقهاء القانون يطلقون لفظ التشريع على سن القواعد القانونية عن طريق السلطة المختصة، أي على عملية وضع هذه القواعد.

ولفظ التشريع هو فظ عام يسري على ما يتم سنه من تشريعات بغض النظر عن شكلها ( قانون، تقتين، أمر ، قرار ، الخ) .

والتشريع في غالب الاستعمال القانوني هو :

مجموعة القواعد القانونية العامة المجردة، التي تصدر مما يُعرف ( بالسلطة التشريعية ) أو احدى سلطات الدولة هدف تنظيم أمر من الأمور.

ويقول د محمد صبرة في هذا : ” من الناحية القانونية يُقصد بالتشريع : كل أمر مجرد وعام ومكتوب يصدره المجتمع سواء كان ذلك في صورة جمعية تأسيسية منتحبة لهذا الغرض، أو احدى سلطات الدولة”.

فالتشريع اليوم كما يقول د محمد الزحيلي هو : سن القوانين وإصدارها للناس .

فالتشريع كمصدر للقاعدة القانونية يُقصد به : كل قاعدة قانونية تصدر في وثيقة رسمية مكتوبة عن سلطة عامة مختصة في الدولة، وذلك وفقًا لإجراءات معنية”.

فالتشريع هو اصطلاح يستخدم أحيانًا بمعنى المصدر، وأحيانًا أخرى بمعنى القواعد التي تستمد من هذا المصدر.

أهمية التشريع

التشريع هو مجموعة القواعد العامة المجردة الملزمة التي تصدر عن السلطة التشريعية لتنظيم مختلف جوانب الحياة الاجتماعية للناس، فهو وسيلة لضبط نظام المجتمع،  وتنظيم أعمال الدولة ومساعدتها على فرض سيطرتها على إدارة شؤون الدولة ، والتشريع يتخذ شكل نصوص قانونية مكتوبة وملزم العمل بها عن توافر أسباب تطبيقها ، فخصائص القاعدة التشريعية أنها قاعدة قانونية مكتوبة ملزمة تصدر عن سلطة مختصة تختلف هذه السلطة من دولة إلى أخرى .

السلطة التشريعية

في القانون الأردني السلطة التشريعية هي صاحبة الاختصاص بوضع القواعد القانونية وسن النصوص التشريعية . فمن هي السلطة التشريعية؟ ، نصت المادة (25 ) من الدستور الأردني على ما يلي “ تناط السلطة التشريعية بمجلس الأمة والملك ويتألف مجلس الأمة من مجلسي الأعيان والنواب “ ، بالاستناد إلى النص الدستوري السابق نستنتج أن العملية التشريعية تمر بمراحل ولا تقتصر على مرحلة واحدة ، فما هي المراحل التي تمر بها النصوص القانونية لتكتسب صفة الإلزام ؟ .

مراحل سن التشريع

نصت المادة ( 91 ) من الدستور الأردني على ما يلي “ يعرض رئيس الوزراء مشروع كل قانون على مجلس النواب الذي له حق قبول المشروع أو تعديله أو رفضه وفي جميع الحالات يرفع المشروع الى مجلس الأعيان ولا يصبح قانون الا إذا افره المجلسان وصدق عليه الملك ” .

 المرحلة الأولى :

المرحلة الأولى من مراحل العملية التشريعية هي إحالة مشروع القانون من رئيس الوزراء الذي يمثل الحكومة إلى رئيس مجلس النواب ليقوم بعرضه على المجلس،  ثم يتم دراسة مشروع القانون في اللجنة وتطبع تقارير اللجان مرفقاً بها نصوص مشاريع القوانين وتعديلاتها والأسباب الموجبة لها واقتراحات اللجنة واي اقتراحات اخرى وتوزع تلك التقارير على الأعضاء قبل البدء في مناقشتها بمدة لا تقل عن خمسة أيام إلا إذا قرر المجلس إعطاء الموضوع صفة الاستعجال فيبحثه فوراً.

المرحلة الثانية :

أ- يعرض مشروع القانون من حيث الأصل والتعديلات والاقتراحات والمادة على أعضاء المجلس ويتم التصويت على مادة ، ثم يتم التصويت على مشروع القانون كامل ،فإذا قررت الأكثرية قبول المشروع أو رفضه يرفع لمجلس الأعيان.

ب – فيحيله رئيس مجلس الأعيان الى اللجنة المختصة حيث تقوم اللجنة بدراسته ومن ثم ترفع قرارها الى رئيس المجلس وبدوره يدرجه على جدول أعمال المجلس لمناقشته واتخاذ القرار المناسب، فإذا وافق مجلس الأعيان على قرار مجلس النواب يرسل الى الحكومة لاستكمال إجراءاته الدستورية.

ج – اما إذا عدل أو رفض القانون

يعاد الى مجلس النواب ، فإذا رجع إلى مجلس النواب لتعديل عليه فعلى مجلس النواب البحث في المواد المختلف عليها مع مجلس الأعيان ويصوت المجلس عند مناقشة قرار اللجنة أو مشروع القانون على الإصرار على قرار مجلس النواب السابق أو الموافقة على قرار مجلس الأعيان.

د- أما إذا رفض مجلس الأعيان

مشروع القانون وأعاده لمجلس النواب فللمجلس إما الموافقة على قرار مجلس الأعيان أو الإصرار على قراره السابق.

هـ – فإذا اصر مجلس النواب  على قراره السابق  أو عدل في المواد المختلف عليها وتم رفعه لمجلس الأعيان وقرر مجلس الأعيان رفضه للمرة الثانية فهنا يُطبق نص المادة (92) من الدستور الأردني والتي تنص على ” اذا رفض احد المجلسين مشروع اي قانون مرتين وقبله المجلس الآخر معدلا أو غير معدل يجتمع المجلسان في جلسة مشتركة برئاسة رئيس مجلس الأعيان لبحث المواد المختلف فيها ويشترط لقبول المشروع ان يصدر قرار المجلس المشترك بأكثرية ثلثي الأعضاء الحاضرين وعندما يرفض المشروع بالصورة المبينة آنفاً لا يقدم مرة ثانية الى المجلس في الدورة نفسها .

التصديق على القوانين من جانب جلالة الملك

كل مشروع قانون أقره مجلسا الأعيان والنواب يرفع إلى جلالة الملك للتصديق عليه ويسري مفعول القانون بإصداره من جانب جلالة الملك ومرور ثلاثين يوماً على نشره في الجريدة الرسمية إلا إذا ورد نص خاص بالقانون يحدد سريان مفعوله من تاريخ آخر، أما إذا لم يصدق جلالة الملك على القانون فله في غضون ستة أشهر من تاريخ رفعه إليه أن يرده إلى المجلس مع بيان أسباب عدم تصديقه عليه، وإذا أقره المجلسين بعد رده إليهما بموافقة ثلثي أعضائهما وجب عندئذ إصداره، وإذا لم ير الملك التصديق عليه خلال ستة أشهر يعتبر القانون نافذ المفعول وبحكم المصدق .

كيف يتم إلغاء نص تشريعي؟

لا يجوز إلغاء نص تشريعي إلا بتشريع لاحق ينص صراحة على هذا الإلغاء وهو ما يسمى بالإلغاء الصريح أو يشمل على نص يتعارض مع نص التشريع القديم أو ينظم من جديد الموضوع الذي سبق أن قرر قواعده ذلك التشريع وهو ما يسمى بالإلغاء الضمني. سنداً لنص المادة (4) من القانون المدني الأردني.

مفهوم القانون