التعسف في استعمال الحق

لقد كفل لنا الدستور الأردني حق التمتع بالحقوق والحريات وعدم الاعتداء عليها وقد جاء ذلك في المادة (7/2)من الدستور فقد نصت على “كل اعتداء على الحقوق والحريات العامة أو حرمة الحياة الخاصة للأردنيين جريمة يعاقب عليها القانون “ ، وعليه جاءت النصوص القانونية صارمة في سبيل المحافظة على هذه الحقوق ، ولكن هل من الممكن أن يستعمل الشخص حقه بطريقة غير مشروعة ؟ نعم ، وهذا ما يسمى بالتعسف في استعمال الحق ، فقد يتجاوز حقوق الآخرين وهو يباشر حقاً من حقوقه مسبباً لهم الضرر ، فما رأي القانون بذلك ؟

الانتفاع بالحقوق بطريقة مشروعة

نصت المادة (61) من القانون المدني الأردني على ما يلي ” الجواز الشرعي ينافي الضمان فمن أستعمل حقه استعمالاً مشروعاً لا يضمن ما ينشأ عن ذلك من ضرر ” ، بالنظر إلى النص السابق  نجد  أن المشرع الأردني قد أشترط لاستعمال الحق أن يتم بطريقة مشروعة وعندها لا يكون الشخص مسؤولاً عن أي أضرار قد تترتب نتيجة الانتفاع المشروع بحقه ، والمقصود بالحق هنا  هو الحق الذي يعطي ميزة معينة يستأثر بهـا شـخص معين تخوله القيام بأعمال معينة تحقيقا لمصلحة له يحميها القانون ،  وبمفهوم المخالفة إذا كان الشخص يستعمل حقه بطريقة غير مشروعة مسبباً ضررً للآخرين فسيكون مسؤولاً عما تسبب به من ضرر نتيجةً لاستعمال حقه بشكل خاطئ.

استعمال الحق بطريقة مشروعة مع ترتيب ضرر

لكن من الممكن أن يستعمل الشخص حقه بطريقة مشروعة وأيضاً يترتب ضرر على ذلك ، فمثلاً قد يقوم شخص ببناء سور لمنزله وهو حق له ، فكانت النتيجة المترتبة على بناء السور هو منع الهواء والضوء عن الجار الملاصق له فما الرأي القانوني في هذه الحالة ؟

الجواب في القواعد الفقهية التالية ” لا ضرر ولا ضرار “ ، ” درء المفاسد أولى من جلب المنافع “

لا ضرر ولا ضرار

نصت المادة ( 62) من القانون المدني الأردني على ما يلي ” لا ضرر ولا ضرار والضرر يزال ” ، هذا النص القانوني هو أحد قواعد الشريعة الإسلامية فقد جاء بحديث عن رسول الله صل الله عليه وسلم أنه قال ( لا ضرر ولا ضرار ) ، فلا يرتب القانون ضراراً على الإنسان في استعمال حقه وتطبيقه لأحكام القانون ، والتي تعد مبادئ الشريعة الإسلامية وأحكام الفقه الإسلامي أحد مصادره ، فقد نفُي الضرر في الشريعة ، ومن ثم جاء النهي عن الإضرار بالآخرين ، وعليه إذا تم التسبب بأضرار للأخرين فلا بد من إزالة الضرر .

درء المضار أولى من كسب المنافع

وما يؤكد ما سبق نص المادة (64) من القانون المدني الأردني والذي جاء فيه ” درء المضار أولى من كسب المنافع “ ، هذا النص القانوني جعل الأولوية في استعمال الحق هي عدم إحداثه أضراراً وقدم ذلك على المنافع التي تعود على الشخص نتيجة استعماله لحقه ،  أي قدم مصلحة الغير على مصلحة النفس بمعنى آخر قدم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة ، فنجد أنه جاء بشرط من شروط استعمال الحق عدم أحداث ضرر .

وعليه فإنه يمنع المالك من التصرف في مُلكه تصرفاً يلحق ضرراً بغيره، فتصرف المالك ببناء سور ألحق ضرراً بجاره فيتوجب عليه إزالة الضرر المتمثل بسور المنزل، ولأن الأصل في تشريع الحقوق هو تحقيق المنفعة منها لا تدبير المكائد للأخرين، ماذا إذا كان المالك حسن النية ولم يقصد باستعمال حقه في بناء السور الإضرار بجاره ؟ للإجابة على هذا السؤال لابد من التعرف على حالات التعسف باستعمال الحق.

متى يعتبر الشخص متعسفاً باستعمال حقه؟

  • إذا توفر قصد التعدي، وهذا يستدل عليه من وقائع الحالة والقرائن وأهم هذه القرائن انعدام كل مصلحة أو تحقيق منفعة قليلة غير مقصودة لصاحب الحق في اسـتعماله على الوجه الذي جعله يسبب ضررا للغير ،
  • إذا كانت المصلحة المرجوة من الفعل غير مشروعة، كأن يستعمل من يملك حق التأجير هذا الحق بتأجير شقة مثلاً لممارسة أعمال الدعارة فهذا عمل غير مشروع.
  • إذا كانت المنفعة منه لا تتناسب مع ما يصيب الغير من الضرر، كمالك الذي قام ببناء السور فالضرر الذي سببه لجاره أكبر من المنفعة التي تعود عليه ، فلابد أن تكون المنفعة مجدية لينتفي التعسف أما المنفعة البسيطة أو التافهة لا يأخذ بها ويرجح الضرر عليه .
  • إذا تجاوز ما جرى عليه العرف والعادة.

المنفعة والضرر

وعليه، حتى لو كان الشخص حسن النية ولم يقصد التعدي يعتبر متعسفاً باستعمال حقه، فيكفي أن تتحقق حالة من حالات التعسف في استعمال الحق ليعتبر متعسفاً ، ومالك البناء الذي أقام السور وإن كان حسن النية ، إلا أنه قد تحققت إحدى حالات التعسف وهي أن المنفعة لا تتناسب مع ما يصيب الغير من ضرر ، فقد نصت المادة (1025) من ذات القانون على ما يلي ” حجب الضوء عن الجار يعد ضرراً فاحشاً فلا يسوغ لأحد أن يحدث بناء يسد به نوافذ بيت جاره سداً يمنع الضوء عنه إلا جاز للجار أن يطلب رفع البناء دفعاً للضرر.” والضرر الفاحش هنا هو منع المنافع المقصودة من البناء .

حق الملكية والتعسف في استعماله

حق الملكية هو أحد الحقوق التي قد يتجاوز الشخص باستعماله فيضر الآخرين ، وقد سبق أن ذكرنا أحد الأمثلة على التعدي على الحق بحق الملكية ، إلا أننا نخص هنا  أن نذكر أن المشرع الأردني حرص على عدم التعسف باستعمال الحق وتطبيق القواعد الفقهية الخاصة بذلك على النصوص القانونية فنصت المادة (1027) من القانون المدني  موضوعها على ما يلي ” على المالك ألا يغلو في استعمال حقه إلى حد يضر بملك جاره ” فالنصوص القانونية المتعلقة بحق الملكية ، أوجبت على المالك أن لا يغلو في استعمال حقه إلى حد يضر بملك الجار، وبذلك يكون المشروع الأردني قد اخضع حق الملكية – كغيره من الحقوق – لما تفرضه نظريـة التعسف في استعمال الحق من ضوابط للاستعمال المشروع .

الجزاء المترتب على التعسف باستعمال الحق

إن إساءة استعمال الحق تدخل ضمن أحكام المسؤولية التقصيرية، ويـراد بهـذه المـسؤولية إلـزام الشخص الذي يمارس حقا من حقوقه دون إن يتجاوز حدوده بتعويض الغير عن الضرر الذي ينشأ عن اسـتعمال الحق ، نصت المادة (66/1) على ما يلي ” يجب الضمان على من استعمل حقه استعمالا غير مشروع

إذا في حال تورات إحدى حالات التعسف في استعمال الحق وجب على من أساء في استعمال حقه أن يزيل الضرر الذي تسبب فيه فإذا استحالت الإزالة وجب عليه التعويض .