حلف اليمين

من وسائل الإثبات الشهادة والقرائن والبينات الخطية وغيرها، واليمين هو أحد طًرق الإثبات التي يعتمد عليها القاضي في إصدار أحكامه وحل الخصومات بين الناس ويلجأ إليه عند عجز الخصوم عن الإثبات بالبيات الأخرى أو لعدم اكتمالها أو رغبه في تحري الحق، وتبيان المُحق من المُبطل من الخصوم.

ويُقصد بحلف اليمين تأكيد أحد الخصمين سواء المدعي أو المدعي عليه إثبات الحق أو نفيه سواء بتوجيه من القاضي أو المحكم، وذلك بذكر اسم الله تعالى، أو احدى صفات المولى عز وجل مع حضور هيبه المحلوف به والخوف من بطشه وعقابه في مجلس القضاء أو مجلس التحكيم.

أولًا: مشروعية اليمين

ثانيًا : اللفظ الذي تنعقد به اليمين

ثالثًا : شروط اليمين القضائية

رابعًا :أقسام اليمين

خامسًا :أنواع اليمين

وسوف نتناول في مقالنا، مشروعية اليمين ، واللفظ الذي تنعقد به اليمين ، وشروط اليمين القضائية، وأقسام اليمين القضائية ، وأنواع اليمين القضائية، وذلك ما يلي :

أولًا: مشروعية اليمين

مشروعية اليمين في الكتاب، ومشروعية اليمين في السنة، ومشروعية اليمين في الإجماع، ومشروعية اليمين في المعقول.

مشروعية اليمين في الكتاب :

جاء في القرآن الكريم عديد الآيات التي تدُل على مشروعية اليمين منها :

  • قوله تعالى في سورة البقرة آية 255 : ” لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم، ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم والله غفور حليم “

فدلالة الآية أنها تدُل على عدم مؤاخذة الإنسان فيما يصدر عنه من أيمان في وقت الحديث دون قصد الحلف، وإنما يؤاخذ إذا حلف على شيء وهو يعلم أنه كاذب.

  • وقال تعالى في سورة المائدة آية 89 : ” واحفظوا أيمانكم “

والآية تدل على مشروعية اليمين، بيد أنها تحث على حفظ اليمين وعدم الإكثار منها.

  • قوله تعالى في سورة آل عمران آية رقم 77 : ” ان الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنًا قليلًا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم “

ووجه الدلالة أن الآية حذرت من اغتصاب الحقوق والأموال وتدل على أن الأيمان وضعت لإسقاط الخصومة وليست للاستحقاق.

  • أمر الله تعالى أن يقسم مؤكدًا المقسم عليه في ثلاثة مواضع في القرآن الكريم منها قوله تعالى في سوره يونس آية رقم 53 : ” ويستنبئونك أحق هو قل وربي إنه لحق “.

مشروعية اليمين في السنة النبوية :

قد وردت أحاديث عديدة تفيد مشروعية اليمين وتوضح أحكامها ومن تلك الأحاديث :

  • قوله صلى الله عليه وسلم في حديث أخرجه البخاري وغيره : ” كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا حلف قال والذي نفس ممد بيده ” .
  • وفي حديث أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ” أنه أدرك عمر بن الخطاب في ركب وعمر يحلف بأبيه، فناداهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا إن الله ع وجل ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، فمن كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت “.

مشروعية اليمين في الإجماع :

أجمعت الأمة على مشروعية اليمين، ووضعها في الأصل لتوكيد المحلوف عليه، ونقل هذا الإجماع العديد من الفقهاء كالشربيني الخطيب في كتابه مغني المحتاج، والسمناني في كتابه روضة القضاة وطريقة النجاة، والرملي في كتابه نهاية المحتاج، وابن قدامه المقدسي في كتابه المغني، وغيرهم .

وورد أن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يحلفون في الدعاوى ويطلبون كذلك اليمين في القضاء لفض الخلافات وسارت الأمة على ذلك منذ عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مرورًا بعهد الخلافة الراشدة وما تلاها من دول إسلامية وإلى وقتنا الحاضر فكان ذلك أجماعا لم يخالفه أحد.

مشروعية اليمين في المعقول :

اليمين يُعتبر من الوسائل المعنوية التي تعتمد على الوازع الديني، وقوة العقيدة، وتحكيم الأخلاق والضمير، التي يلجأ إليها المدعي حينما يعجز عن إثبات دعواه بوسائل الإثبات المادية كالشهادة والإقرار وغيرها، أو حينما يعجز عن إثبات الحق أو نفيه، فالعقل يقر بوجود اليمين ويراها من ضروريات الإثبات، لإنهاء الخلاف وقطع الخصومة عند العجز عما سواها من وسائل الإثبات.

مشروعية اليمين في القانون :

ليس هنالك ثمة قانون يخلو من ذكر اليمين كوسيلة من وسائل الإثبات لضرورته والحاجة الماسة إليه، وقد نظم قانون البينات الأردني رقم (30) لسنة 1952 اليمين القضائية في الباب السادس في المواد من (53) إلى (69)، أما القانون المدني الأردني فقد اعتبر اليمين من ضمن وسائل الإثبات وذلك كما جاء في المواد من (72) إلى المادة (85).

وجاءت العديد من قرارات محكمة التمييز لتؤكد أهمية اليمين القضائية في حسم النزاعات ومن تلك القرارات، الحُكم رقم (8746) لسنة 2019 والذي جاء فيه ما يلي : ” وحيث إن المادة (61) من قانون البينات قد نصت على أن توجيه اليمين يتضمن التنازل عما عداها من البينات الأخرى وحيث إن المستأنفين (المدعى عليهما) هما من وجها اليمين الحاسمة لحسم النزاع في هذه الدعوى وأن محكمة الاستئناف قد قررت صيغة هذه اليمين والتي تتلاءم مع وقائع الدعوى وجواب المدعى عليهما وأن ممثل المدعية حلف اليمين المطلوبة بالصيغة المقررة فتكون قد ربحت دعواها وفق مفهوم المادة (60) من قانون البينات ولم يعد هناك من مجال للمجادلة في بينات الجهة المدعى عليها كونها تنازلت عنها بتوجيه اليمين الحاسمة وأصبح الجدال بهذه البينة غير مجدٍ ولا طائل منه “.

ثانيًا : اللفظ الذي تنعقد به اليمين

القضاء الأردني جرى على استعمال لفظ اقسم بالله العظيم، ولكنه غير ملزم بتلك الصيغة، وجاء في المادة (66) من قانون البينات الأردني : ” تكون تأدية اليمين بان يقول الحالف ( والله ) ويذكر الصيغة التي أقرتها المحكمة”.

أما قانون الإثبات المصري فلم يشترط لفظًا محددًا في أداء اليمين إلا لفظة (أحلف)، وذلك كما جاء في نص المادة (127) منه، ولكن القضاء في مصر كما القضاء في الأردن جرى على استعمال لفظ ” والله العظيم”، وذلك للإشعار بقيمة اليمين وعظمتها حتى يتحرى الحالف الصدق.

ثالثًا : شروط اليمين القضائية

  • أن يكون الحالف عاقلًا بالغًا مختارًا مكلفًا، فلا اعتبار ليمين النائم أو المكره ولا حلف للصبي المجنون.
  • أن يكون المدعي عليه منكرًا حق للمدعي بغض النظر كون الإنكار نصًا أو دلالة.
  • أن يقوم الخصم بطلب اليمين من القاضي، أن يوجهها إلى الحالف.
  • يُشترط ألا يكون المدعى به حقًا خالصًا لله عز وجل كالحدود، فالاستحلاف فيها غير جائز باتفاق الفقهاء.
  • أن يكون المدعى به بما يحتمل الإقرار به شرعًا من المدعى عليه، فلو أقر المدعى عليه بالحق المدعى به لصح إقراره ولزمه، فيجوز الاستحلاف عليه.
  • اشتراط فقدان البينة أو العجز عنها، فقد اشترط جمهور الفقهاء على فقدان البينة أو العجز عنها لتوجيه اليمين، وفي ذلك نصت مجلة الأحكام العدلية في المادة 1742 على الآتي : ” أحد أسباب الحكم اليمين أو النكول عن اليمين وهو انه إذا أظهر المدعي عجزه عن إثبات دعواه يحلف المدعى عليه بطلبه “، ويفهم من قانون البينات الأردني في الفقرة (أ) من المادة (61) عدم اشتراط فقدان البينة وعدم اشتراط العجز عن إقامتها في تحليف المدعي عليه.

ولكن الذي عليه العمل في المحاكم الأردنية هو اشتراط فقدان البينة أو العجز عن إحضارها لتوجيه اليمين على المدعى عليه.

رابعًا :أقسام اليمين

تنقسم اليمين بحسب الحالف لثلاثة أقسام، وهي يمين المدعى عليه، ويمين المدعي، ويمين الشاهد.

يمين المدعى عليه :

وهي اليمين التي يوجهها القاضي بطلب من المدعي إلى المدعى عليه، فإن حلفها سقطت الدعوى، وانقطعت الخصومة، وبرئ المدعى عليه المقامة ضده من قبل المدعي.

يمين المدعي :

وهي اليمين التي يوجهها القاضي إلى المدعي عند وجود السبب الداعي لتوجيه اليمين إليه، فإذا حلفها استحق ما ادعاه.

وتنقسم يمين المدعي إلى عدة أقسام منها اليمين الجالبة، ويمين الاستظهار.

يمين الشاهد :

وهي التي تتوجه إلى الشاهد قبل أداء الشهادة حتى يُطمئن على صدقه، ويتم اللجوء إليها في عصرنا بدلًا من تزكية الشاهد.

خامسًا :أنواع اليمين

تنقسم اليمين القضائية حسب نوعها لثلاثة أقسام وهم اليمين الحاسمة، واليمين المتممة، واليمين المردودة.

اليمين الحاسمة :

عرفت المادة (53) من قانون البينات الأردني اليمين الحاسمة بأنها يمين تؤدى من المدعى عليه لدفع الدعوى أو تصحيحه.

واليمين الحاسمة توجه لأي من الخصمين وذلك بحسب المادة (54) من قانون البينات الأردني.

وتوجه اليمين الحاسمة إلى المدعى عليه بعد إقامة الدعوى، وسؤال المدعى عليه عنها، وإنكاره للحق المدعى به، ثم سؤال المدعي عن بينته، وطلبه اليمين من المدعى عليه.

وجاء في الحُكم رقم (8030) لسنة 2019 لمحكمة التمييز الأردنية بصفتها الحقوقية فيما يتعلق باليمين الحاسمة ما يلي : ” وحيث إن ما يستفاد من أحكام المواد (53، 55، 59، 65) من قانون البينات أن اليمين الحاسمة هي اليمين التي يوجهها أحد أطراف الدعوى لخصمه حول واقعة معينة تتعلق بشخصه ليحسم النزاع حولها، فإن هذه اليمين يجوز توجيهها في أي مرحلة تكون عليها الدعوى ويجب أن تنصب على الواقعة المراد الحلف عنها…”

اليمين المتممة :

وهي اليمين التي توجهها المحكمة من تلقاء نفسها للخصم الذي لديه دليل كامل لتقوم بعد ذلك ببناء حُكمها في موضوع الدعوى أو قيمة ما تحكم به.

وعرفته محكمة النقض المصرية بأنها : إجراء يتخذه القاضي من تلقاء نفسه رغبة منه في تحري الحقيقة ليستكمل بها دليلًا ناقصًا في الدعوى.

واليمين المتممة في القانون هي طريق من طُرق الإثبات المحدودة، لأنها وحدها لا تكفي حتى تكون دليلًا كاملًا.

والقاضي هو الذي يملك توجيه اليمين المتممة من تلقاء نفسه لاستكمال قناعاته وللقاضي الحرية في اختيار الخصم الذي توجه إليه اليمين ولا يجوز لأحد الخصمين أن يوجهها للآخر.

وفيما يتعلق بذلك فقد جاء في حُكم محكمة التمييز رقم (612) لسنة 2020 ما يلي : ” أنه من المقرر ووفقاً لما ورد بأحكام المادة 70 من قانون البينات أن للمحكمة من تلقاء نفسها أن توجه اليمين المتممة إلى أي من الخصمين لإصدار حكمها في موضوع الدعوى شريطة ألا يكون في الدعوى دليل كامل وألا تكون الدعوى خالية من أي دليل وحيث إن هذه اليمين هي وسيلة من وسائل التحقق التي يوجهها القاضي حسب تقديره لأي من الخصمين”.

اليمين المردودة :

وهي اليمين التي يوجهها القاضي إلى أحد الخصمين بعد نكول خصمه عن أدائها، حتى وإن لم يطلب الخصم ذلك.

وفيما يتعلق بتوجيه اليمين المردودة فبحسب الفقرة (أ) من المادة (57) من قانون البينات الأردني فإنه يجوز لأي من الخصمين إذا وجهت إليه اليمين أن يردها على خصمه.