الغبن في القانون الأردني
تمت مراجعة المقال وتعديله في شهر مارس 2023 ، وذلك وفق أحدث التعديلات والاجتهادات القانونية والقضائية.
حرصت الشريعة الإسلامية على تحقيق التوازن في المراكز بين أطراف العقود، وذلك تحقيقاً للعدالة والمساواة في العلاقات التعاقدية التي تنشأ بين الأفراد في المجتمع، وهي مبادئ تعتبر من أهم مقاصد الشريعة لاسيما وأن تلك العلاقات لا تقتصر فقط على تحقيق المكاسب المادي، ولكنها تتقيد بجوانب أخلاقية واجتماعية تستلزم إسباغ الحماية على الطرف الأضعف في العلاقة، وذلك من خلال منحه بعض الخيارات المختلفة التي تساعده على موازنة وضعه مع المتعاقد الآخر، ومن أهم تلك الخيارات ما قررته الشريعة الإسلامية للمتعاقد تجاه ما يعرف بالغبن في التعاقد.
وقد سار المشرع الأردني على ذات النهج الذي حددته الشريعة الإسلامية، فقرر للمتعاقد الحماية القانونية متى تعرض للغبن عند تعاقده مع الغير، وحتى يمكننا بيان تلك الحماية يلزمنا أن نتعرف على المقصود بالغبن، والأقسام التي ينقسم إليها، والآثار المترتبة عليه، وغيرها من التفصيلات الأخرى التي سنتناولها في هذا المقال.
ثانياً: التكييف القانوني للغبن
سادساً: نماذج لأحكام القضاء الأردني ذات العلاقة
أولاً: التعريف بالغبن
يعد الغبن أحد الأسباب التي يترتب على قيامها انعدام التوازن بين طرفي التعاقد، فيختل العقد وينتج عن ذلك فوضى في المعاملات، وحتى نتبين المقصود بالغبن يلزمنا أن نتعرض لتعريفه ومفهومه من الجانب اللغوي وأيضاً من الجانب الاصطلاحي.
1- التعريف اللغوي للغبن
يطلق مسمى “الغبن” في اللغة على أكثر من مدلول ومقصد، ومن أهمها:
- المدلول والمقصد الأول هو الخداع، حيث يقال غبنه في البيع أي خدعه في البيع[1].
-
المدلول والمقصد الثاني هو الغلبة، فيقال إن الرجل غُبن في الأمر أي غُلب فيه، ويستدل على ذلك المعنى من قوله عز وجل في كتابه الكريم (يوم نجمعكم ليوم الجمع ذلك يوم التغابن)، أي يوم التغالب والغلبة لأن المؤمنين في هذا اليوم يغلبون الكفار وينتصرون عليهم[2].
-
المدلول والمقصد الثالث هو النقص، حيث يقال غبنه في المال أي نقصه في المال[3].
-
المدلول والمقصد الرابع هو ضعف الرأي، حيث يقال هذا الرجل رأيه مغبون أي رأيه ضعيف[4].
وغيرها من المعاني الأخرى لمصطلح الغبن، والتي لم تخرج عن كونها تشير بشكل واضح إلى عدم التوازن والاختلال بين أمرين أو طرفين وانتفاء المساواة والعدالة بينهما.
2- التعريف الاصطلاحي للغبن
على الرغم من أن المشرع الأردني قد تعرض لتنظيم الغبن في القانون المدني الأردني رقم 43 لسنة 1976، إلا أنه لم يتناول التعريف به في سياق المواد التي نظمت أحكامه، وترك بذلك مهمة التعريف به للفقه القانوني، وهو بالفعل ما فعله الفقه القانوني الذي تصدى لتعريف الغبن بأكثر من تعريف.
والغبن في الاصطلاح هو مفهوم لانعدام التعادل بين ما يحصل عليه المتعاقد وبين ما يمنحه أو يعطيه لقاء ذلك الحصول، أي أنه يمثل انعدام التوازن والتساوي بين الالتزامات المتقابلة في العقود، لذلك يشير إليه بعض الفقه القانوني في تعريفهم له بأنه انعدام التعادل بين ما يتم منحه من قبل المتعاقد وما يحصل عليه لقاء ذلك المنح.
وقد عرف الفقه القانوني الغبن بأنه انعدام التعادل بين ما يمنحه المتعاقد وبين ما يتحصل عليه لقاء ذلك المنح، وقد تم انتقاد ذلك التعريف لكونه قد جاء بوصف المتعاقد على إطلاقه على الرغم من أن المتعاقد في عقود التبرعات لا يتحصل من التعاقد على مردود يتعادل مع ما يقوم بمنحه.
وعرف أيضاً بأنه انعدام التعادل المادي فيما بين الالتزامات المتقابلة في العقود، وقد تم انتقاد هذا التعريف أيضاً لكونه لا ينطبق على المتعاقدين في العقود الاحتمالية، وذلك باعتبار أن تلك العقود تستند إلى مبدأ المكسب والخسارة، وبالتالي تكون الالتزامات المتقابلة فيها مفتقدة إلى التعادل فيما بينها.
لذلك فقد عرف الفقه القانوني الغبن بتعريف يعد هو التعريف الأرجح والأقرب للصواب، حيث عرفه بأنه انتفاء التعادل بين ما يمنحه المتعاقد وبين ما يحصل عليه في عقود المعاوضة، فيكون أحد البدلين غير مكافئ للبدل الآخر عند إبرام العقد[5]، بحيث يكون الفارق بين البدلين هو فارق قيمته كبيرة وليس قدر يمكن التسامح فيه، فينتج عنه خسارة لطرف يسمى عندئذ الطرف المغبون، ويسمى الطرف الآخر الذي حصل على الفارق بالطرف الغابن[6].
ثانياً: التكييف القانوني للغبن
تباينت أسس تكييف الطبيعة القانونية للغبن بين أكثر من وجهة نظر للفقه القانوني، حيث اتجه كل جانب منهم إلى الأخذ بتكييف مختلف للغبن، وسنتعرض إلى أهم الآراء في شأن التكييف القانوني للغبن في الأسطر القليلة القادمة.
بداية فقد ذهب جانب من الفقه إلى تكييف الغبن بأنه سبب من أسباب قيام المسؤولية، وذلك باعتبار أن الغبن يمثل فعلاً خاطئاً يستلزم تكليف مرتكبه بتحمل مسؤولية هذا الفعل، وتعويض الطرف الآخر عن هذا الخطأ من خلال الانتقاص من الالتزامات التي يتحمل بها الطرف المغبون، أو بزيادة الالتزامات الواقعة على عاتق الطرف الغابن.
بينما اتجه جانب آخر من الفقه إلى تكييف الغبن على أنه سبب من الأسباب التي تتحقق معها عيوب الرضا، ويقصد بذلك أنه ليس عيب من عيوب الرضا في حد ذاته ولكنه أحد مظاهر هذه العيوب ومسبباتها، ويعتبر قرينة قانونية تدل على تحقق عيب في الرضا، ويكون جزاءه البطلان بسبب تحقق عيب في الرضا[7].
وذهب رأي آخر وتحديداً في الفقه الأوروبي بتكييف الغبن على أنه فعل يتنافى مع الآداب، وذلك لأن الغبن هو فعل يقع من قبل الغابن ليتحصل بموجبه على فائدة ومنفعة لا تتعادل مع ما يقع على عاتقه من التزامات، وكان الفقه الألماني تحديداً هو الفقه الذي اعتنق وجهة النظر تلك، وجعل الفسخ هو الجزاء الذي يوقع على حالات الغبن، وتم تفسير ذلك استناداً إلى أن تعذر حصول الطرف المغبون على مقابل يعادل التزاماته التي تستحق للمتعاقد الغابن يجعل تنفيذ العقد غير ممكن، وبالتالي يكون مآله الفسخ.
ويعد الاتجاه الأرجح في تكييف الغبن هو الاتجاه الفقهي الذي اعتبر الغبن هو أمر يتصل بشكل مباشر بالدين والأخلاق والعدالة، وذلك لكون الغبن في جوهره يشتمل على مخالفة صريحة لمبدأ العدالة ويعد انتهاكاً للأخلاقيات التي توجب تحقق التوازن بين طرفي التعاقد، كما أن جميع الشرائع السماوية وفي مقدمتها الشريعة الإسلامية قد أوجبت مبادئ العدالة والمساواة في العقود، وإن كانت الغالبية العظمى من القوانين ومنها القانون الأردني قد قامت بتكييف الغبن باعتباره بمثابة عيب من العيوب التي تصيب إرادة المتعاقد فتبطلها.
ثالثاً: أنواع الغبن
لا يقتصر الغبن على شكل أو صورة وحيدة يظهر عليها، ولكن الغبن ينقسم إلى نوعين مختلفين، النوع الأول يسمى بالغبن اليسير، والنوع الثاني يسمى بالغبن الفاحش، وسنوضح المقصود بكل نوع منهما على نحو منفصل ومستقل.
1- النوع الأول: الغبن اليسير
يقصد بالغبن اليسير هو الغبن البسيط الذي يدخل تحت تقويم المتخصصين في معرفة الأسعار في الأسواق، فيكون عبارة عن تفاوت بسيط بين ما تحصل عليه أحد المتعاقدين وبين قيمته الحقيقية التي كان يجب عليه أن يتحصل عليه، وهذا النوع من الغبن جرى العمل على التسامح فيه لضآلة قيمته.
وعلى سبيل المثال للغبن اليسير أن يقوم شخص – المغبون – بشراء سلعة ما بثمن وقدره مائة دينار، وتكون قيمتها السوقية الفعلية هي خمسة وتسعون دينار، فيكون الفارق هنا هو فارق بسيط يتم التسامح فيه ويكون البيع للسلعة قد تم صحيحاً ونافذاً.
2- النوع الثاني: الغبن الفاحش
وعلى صعيد آخر نجد الغبن الفاحش وهو يعد نقيض الغبن اليسير، حيث يكون الفارق فيه بين ما تحصل عليه أحد المتعاقدين وبين قيمته الحقيقية التي كان يجب أن يتحصل عليها هو فارق كبير لا يجيز واقع الحال التسامح فيه أو إغفاله.
وعلى سبيل المثال لذلك أن يشتري شخص – المغبون – سلعة ما بثمن وقدره مائة دينار، وتكون القيمة الحقيقية لها في السوق هي خمسون أو ستون دينار، فيكون الفارق هنا بين الثمن الذي اشترى السلعة به وثمنها الحقيقي هو فارق كبير لا يجري الحال على التسامح فيه.
كما يعد أيضاً من قبيل الغبن الفاحش أن يقوم شخص بشراء سلعة ما بثمن وقدره مائة دينار وهو على علم بأن تلك السلعة تبلغ قيمتها الحقيقية في السوق مائتي دينار، حيث يكون البائع هنا هو المغبون.
3- الطريقة المعتمدة للتفرقة بين الغبن اليسير والغبن الفاحش
اعتمد المشرع الأردني للتفرقة بين الغبن اليسير والغبن الفاحش معياراً محدداً، لاسيما وأن مفهوم الفارق اليسير أو الفارق الكبير بين قيمة الشيء الفعلية والقيمة التي سددت كثمن له تختلف من مجتمع إلى آخر، فقد يعتبر فارق منها يسير في مجتمع بينما يعد ذات الفارق هو فارق كبير في مجتمع آخر.
لذلك فقد عمد المشرع الأردني إلى تقرير معيار محدد يتم الاستناد إليه في تحديد نوع الغبن المتحقق، ويتمثل هذا المعيار فيما ورد بنص المادة رقم (146) من القانون المدني الأردني والتي نصت على أن (الغبن الفاحش في العقار وغيره هو ما لا يدخل تحت تقويم المقومين).
وقد جاء في شرح هذه المادة بالمذكرة الإيضاحية للقانون المدني الأردني وتحديداً بمادتها رقم (104) أن هناك خلاف حول تحديد معيار التفرقة بين العبن الفاحش واليسير، منها ما أخذ بأن الغبن الفاحش هو الذي يعين بمقدار نصف العشر في العروض والعشر في الحيوانات والخمس في العقار أو زيادة، ومنها ما أخذ بأن الغبن الفاحش في العقار وغيره هو ما لا يدخل تحت تقويم المقومين، وقد أخذ المشرع الأردني بالمعيار الأخير وفقاً لما جاء بصريح نص المادة رقم (146) من القانون المدني.
وبالتالي فإن المعيار الذي يتم الاعتماد عليه في تحديد نوع الغبن وما إذا كان يسيراً أو فاحشاً هو السلطة التقديرية الممنوحة للقاضي الذي يعرض عليه النزاع، وذلك بمعاونة ذوي الخبرة من المختصين بالتقييم، ويكون الغبن فاحشاً متى يكون السعر الذي تم التصرف بموجبه يزيد بكثير أو يقل بكثير عن المتوسط الذي يتم تحديده من قبل ذوي الخبرة[8].
رابعاً: شروط تحقق الغبن
حتى تتحقق حالة الغبن في العقد فيلزم أن تتوافر بعض الشروط مجتمعة، بعضاً من هذه الشروط تتعلق بالعقد ذاته، والبعض الآخر يتعلق بالغبن المتحقق فيه، وسوف نتناول تلط الشروط بشيء من الإيجاز في السطور القليلة القادمة.
1- الشرط الأول: أن يكون العقد من عقود المعاوضة (ملزم للجانبين)
يتمثل الشرط الأول من شروط تحقق الغبن هو أن يكون العقد محل الغبن هو عقد معاوضة من العقود الملزمة للجانبين، أي أن يكون كل طرف من طرفي العقد يمنح للطرف الآخر شيء مقابل حصوله على مقابل لذلك، ويعد هذا الشرط شرطاً أساسياً وجوهرياً لتحقق الغبن، وذلك لأنه لو كان العقد ملزم لجانب واحد فلن يكون هناك مجالاً للحديث عن الغبن، لاسيما وأن فكرة الغبن تدور في فلك عدم تناسب الالتزامات المتقابلة، وهذا النوع من الالتزامات لا يتوافر إلا في العقود الملزمة للجانبين أو ما يعرف بعقود المعاوضة.
وبالتالي فإن الغبن لا يتصور قيامه في العقود التي لا تتوافر فيها التزامات متقابلة، كعقود الهبة والتبرع وغيرها من العقود التي يتم فيها المنح من طرف واحد للطرف الآخر دون وجود مقابل لهذا المنح.
2- الشرط الثاني: أن يكون العقد من العقود المحددة
من المستقر عليه في تقسيمات العقود من حيث طبيعتها إلى نوعين من العقود، النوع الأول هو العقود الاحتمالية وهذه العقود لا يكون في مقدور المتعاقدين تحديد مقدار ما سيمنحه كلاً منهما للآخر وما سيتقاضاه منه، ولا يتم تحديد ذلك المقدار إلا مستقبلاً متى تحقق أمر ما سواء كان هذا الأمر غير معروف موعد تحققه أو كان أمر غير محدد الحدوث[9]، ومن تلك العقود عقود الرهن والتأمين.
أما النوع الثاني فهو العقود المحددة وهي العقود التي يكون كل من المتعاقدين فيها قادراً عند إبرام العقد على تحديد مقدار ما يمنحه للمتعاقد الآخر ومقدار ما يتحصل عليه مقابل هذا المنح، ومن تلك العقود عقود البيع وعقود العمل وعقود الإيجار.
ولا يتصور حدوث الغبن في العقود الاحتمالية وذلك لأنها في طبيعتها تحتمل الربح أو الخسارة، ولأنه عند إبرامها لا تكون الالتزامات الواقعة على كل من المتعاقدين فيها محددة، فيكون من قبيل المستحيل تحديد ما إذا كان هناك غبن من عدمه، بينما العقود المحددة هي العقود التي تكون الالتزامات واضحة ومحددة عند إبرامها، وبالتالي يمكن تحديد وجود غبن من عدمه.
3- الشرط الثالث: أن يكون الغبن المتحقق هو غبن فاحش
من مطالعة القانون المدني الأردني يتبين لنا أن المشرع لم يعتد بالغبن اليسير في فسخ العقد ولكنه اعتد في هذا الشأن بالغبن الفاحش، وهو ما يستفاد من نص المادة رقم (145) من القانون المدني الأردني والتي نصت على أنه (إذا غرر أحد العاقدين بالآخر وتحقق أن العقد قد تم بغبن فاحش كان لمن غرر به فسخ العقد).
وإن كان هذا الشرط لا يؤخذ على إطلاقه، حيث قرر المشرع بعض الاستثناءات عليه وجعل الطعن على العقد ممكناً في حالة الغبن اليسير، وهذه الحالات هي:
- الحالة التي يكون الغبن فيها صادر من الأب أو الجد في مال الصغير متى كان يعرف عنهما سوء التصرف، وذلك طبقاً لما جاء بنص المادة رقم (124) من القانون المدني الأردني من أن (1- الأب والجد إذا تصرفا في مال الصغير وكان تصرفهما يمثل القيمة أو بغبن يسير صح العقد ونفذ. 2- أما إذا عرفا بسوء التصرف فللحاكم أن يقيد من ولايتهما أو يسلبهما هذه الولاية).
- الحالة التي يكون الغبن فيها منصباً على مال يخص محجوراً عليه لدين أو مريض مرض الموت، وذلك وفقاً لما جاء بنص المادة رقم (147) من القانون المدني الأردني والتي نصت على أنه (إذا أصاب الغبن ولو كان يسيراً مال المحجور عليه للدين أو المريض مرض الموت وكان دينهما مستغرقاً لمالهما كان العقد موقوفاً على رفع الغبن أو إجازته من الدائنين وإلا بطل).
- الحالة التي يكون فيها الغبن صادراً من مريض باع لأجنبي شيء بأقل من قيمته متى كانت تركته مستغرقة بالديون، وذلك وفقاً لما نصت عليه المادة رقم (546) من القانون المدني الأردني من أن (لا ينفذ بيع المريض لأجنبي بأقل من قيمة مثله ولو بغبن يسير في حق الدائنين إذا كانت التركة مستغرقة بالديون، وللمشتري دفع ثمن المثل وإلا جاز للدائنين فسخ البيع).
- الحالة التي يشتري فيها الوكيل بالشراء شيء له سعر معين بغبن يسير، وذلك وفقاً لما نصت عليه المادة رقم (848/2) من القانون المدني الأردني من أن (1- للوكيل بشراء شيء دون بيان قيمته أن يشتريه بثمن المثل أو بغبن يسير في الأشياء التي ليس لها سعر معين. 2- فإذا اشترى بغبن يسير في الأشياء التي لها سعر معين أو بغبن فاحش فلا ينفذ العقد بالنسبة للموكل).
وبالتالي فإن القاعدة العامة في القانون الأردني هي أن الطعن على الغبن يقتصر على الغبن الفاحش فقط دون اليسير، إلا في حالات استثنائية قرر فيها المشرع بنص صريح جواز الطعن على الغبن اليسير.
4- الشرط الرابع: أن يقترن الغبن بالتغرير
يقصد بالتغرير كما عرفته المادة رقم (143) من القانون المدني الأردني استعمال الحيلة القولية أو الفعلية بغرض إيقاع القائم بالتصرف القانوني في وهم يدفعه إلى إبرام هذا التصرف، ومتى تحقق الغبن الفاحش كنتيجة لذلك التغرير فيكون للطرف المغبون الحق في المطالبة بفسخ العقد، وذلك بغض النظر عما إذا كان التغرير الواقع عليه قد أصابه من قبل المتعاقد الآخر أو الغير، فالعبرة بحصول التغرير وليس بشخص من يحدثه.
ولم يقتصر المشرع الأردني في تحقق التغرير بالقول والفعل فقط، ولكنه أقر حدوث التغرير بالسكوت متى كان هذا السكوت متعمداً ومنصباً على واقعة أو ملابسة تعتبر تغريراً، وكان المتعاقد المغرور ما كان ليقدم على إبرام العقد لو علم بها، كما هو الحال في عدم ذكر البائع متعمداً لعيب في المبيع قبل بيعه للمشتري، فيعد ذلك السكوت بمثابة تغرير نظراً لأن المشتري ما كان ليقدم على الشراء لو علم بوجود ذلك العيب.
خامساً: أحكام الغبن
تناول المشرع الأردني أحكام الغبن في القانون المدني بالتفصيل، وهذه الأحكام تعد بمثابة الآثار المترتبة على تحقق حالة من حالات الغبن، وسوف نتناول كل حالة والحكم الخاص بها في بند مستقل في هذا القسم من المقال.
1- الحكم في حالة اقتران الغبن الفاحش بالتغرير
قرر المشرع الأردني في نص المادة رقم (145) الحكم الخاص بحالة اقتران الغبن الفاحش بالتغرير، وهو ما يستدل منه على أن الحكم المقرر بنص تلك المادة لا ينطبق في حالة أن يكون الغبن الفاحش غير مقترن بالتغرير، ويكون توافر الغبن الفاحش دون تغرير خارجاً عن نطاق تطبيق الجزاء المقرر بنص تلك المادة.
وقد قرر المشرع فسخ العقد كجزاء لهذا الغبن الفاحش المقترن بالتغرير، وإن كان قد جعل الفسخ هنا خياراً للطرف المغبون الذي وقع ضحية التغرير، فله أن يختار فسخ العقد أو يختار عدم فسخه، وبالتالي فالفسخ هنا لا يقع بقوة القانون، بل هو خيار للطرف المغبون والمغرر به ولا يقع إلا إذا اختار هذا الطرف إيقاعه.
2- الغبن في مال المحجور عليه والمريض مرض الموت
عالج المشرع في نص المادة رقم (145) من القانون المدني حالة من حالات الغبن، وهذه الحالة تتمثل في أن يكون الغبن قد تحقق – فاحشاً كان أو يسيراً – في مال يخص شخص محجور عليه بسبب دين، أو مال شخص مريض في مرض الموت، وكان الدين الواقع على أياً منهما هو دين يستغرق لجميع أموالهما، كما هو الحال إذا باع شخص محجور عليه أو مريض مرض الموت لعين مملوكة له بثمن يقل عن ثمن المثل بفارق سواء كان يسيراً أم فاحشاً، وكان هذا الشخص مديناً بدين يستغرق جميع أمواله.
وقد جعل المشرع جزاء الغبن في تلك الحالة هو أن العقد الذي تضمن هذا الغبن يكون موقوفاً وغير نافذ، ولا ينفذ هذا العقد ويزول وقفه إلا بتحقق أحد أمرين:
- الأمر الأول هو أن يتم رفع الغبن الذي تضمنه العقد، وذلك بأن يقوم المشتري بسداد فارق الثمن ليعيد التوازن للعقد ويجعل الثمن مساوياً للقيمة الفعلية للمبيع.
- الأمر الثاني هو أن يجيز دائني البائع – المحجور عليه أو مريض مرض الموت – هذا البيع على حاله بما تضمنه من غبن.
فإذا تحقق أياً من هذين الأمرين يصبح العقد صحيحاً ونافذاً، أما إذا لم يتحقق أياً من هذين الأمرين فلم يتم رفع الغبن ولم يجز الدائنين البيع، فإن هذا البيع المتضمن للغبن يصبح باطلاً.
3- الغبن المترتب على تغرير صادر من الغير
كما سبق وأن أشرنا فإن المشرع الأردني قد اعتد بالتغرير سواء كان صادراً من أحد المتعاقدين أو من الغير، ولكنه أوضح في نص المادة رقم (148) من القانون المدني أن التغرير الواقع من الغير لا يترتب عليه أي أثر إلا إذا تمكن المتعاقد المغرور من إثبات أن المتعاقد الآخر على علم بهذا التغرير عند إبرامه لهذا العقد، فعندئذ يعد التغرير كما لو كان صادراً من هذا المتعاقد باعتباره كان عالماً به، فيجوز في تلك الحالة للمتعاقد المغرور أن يفسخ العقد.
ونلاحظ هنا أن المشرع قد أورد الفسخ بلفظ (جاز له فسخه)، ومن ذلك نستدل على أن الفسخ هنا يعد خياراً للطروف المتعاقد المغرور، فله أن يستخدمه ويفسخ العقد أو أن يجيزه ولا يفسخه، فهو فسخ اختياري للمتعاقد المغرور ولا يقع بقوة القانون.
4- الغبن الفاحش غير المقترن بالتغرير
قرر المشرع الأردني بنص المادة رقم (149) من القانون المدني قاعدة عامة قوامها أنه في حالة أن يكون العقد متضمناً على غبن فاحش دون تحقق أي تغرير مقترن به، ففي تلك الحالة لا يفسخ العقد، أي أن الغبن الفاحش بمفرده لا يعيب العقد أو ينتقص منه أو يجيز فسخه.
إلا أن المشرع قد حدد في ذات المادة استثناء على تلك القاعدة ويتمثل هذا الاستثناء في ثلاث حالات، وهذه الحالات إذا تحققت إحداها فإن الغبن الفاحش غير المقترن بتغرير يكون سبباً في فسخ العقد، وتتمثل هذه الحالات في:
- الحالة الأولى: أن يكون التعاقد المتحقق به الغبن الفاحش متعلقاً بمال من أموال المحجور عليه، كمال السفيه، والصغير، والمجنون، وغيرهم من المحجور عليهم في أموالهم.
- الحالة الثانية: أن يكون التعاقد المتحقق به الغبن الفاحش منصباً على مال من أموال الوقف، كما هو الحال في قيام ناظر الوقف بتأجير الوقف بغبن فاحش.
- الحالة الثالثة: أن يكون التعاقد المتحقق به الغبن الفاحش محله مال من الأموال المملوكة للدولة.
كما قررت المادة (1050) من القانون المدني حالة أخرى من الحالات التي يكون الغبن الفاحش فيها مجرداً دون تغرير هو سبباً لفسخ العقد، وتتمثل تلك الحالة في عقود القسمة الرضائية التي تتم بين الشركاء على الشيوع، فإذا أصيب أحد منهم من جراء عقد القسمة الرضائية بغبن فاحش، فإن القانون قد أجاز له أن يلجأ إلى المحكمة بطلب الحكم بفسخ تلك القسمة وإعادتها مرة أخرى ولكن بصورة عادلة.
وقد قرر المشرع في ذات المادة الأساس الذي يتم الاستناد إليه في تقدير تحقق الغبن من عدمه، حيث يكون ذلك بتقدير قيمة الشيء محل القسمة الحاصل فيها الغبن بقيمته ليس عند طلب الفسخ ولكن عندما تمت القسمة، أي في تاريخ إبرام عقد القسمة الرضائية.
وقد قيد المشرع الأردني بنص المادة (1051) من القانون المدني استخدام حق الفسخ للغبن الفاحش والوارد بالمادة (1050) بمدة محددة، حيث قرر أن دعوى الفسخ وإعادة القسمة التي يرفعها المغبون غبناً فاحشاً تسقط بمضي سنة من تاريخ إجراء القسمة محل الغبن الفاحش، فإذا انقضت السنة ولم يقم برفع دعوى الفسخ إلى المحكمة فإن حقه فيها يسقط.
5- سقوط الحق في التمسك بالفسخ للتغرير والغبن الفاحش
بموجب نص المادة رقم (150) من القانون المدني قرر المشرع الأردني الحالات التي يسقط فيها حق المطالبة بفسخ التعاقد الذي يتضمن تغرير وغبن فاحش بعد ثبوته، ويصبح العقد المتضمن للتغرير والغبن لازماً ونافذاً، وتتمثل هذه الحالات في:
- الحالة الأولى: وفاة الشخص المغرر به أو المغبون الذي يثبت له الحق في فسخ العقد، فالمشرع لم يقرر توريث حق فسخ هذا التعاقد لورثة المغرر به والمغبون، بل جعله حقاً شخصياً يسقط الحق في التمسك به بوفاته.
- الحالة الثانية: أن يتم إجازة العقد من قبل الشخص المغرر به أو المغبون، ويعد من قبيل الإجازة أن يقوم هذا الشخص بالتصرف في كل الشيء محل العقد أو بعض منه بصورة يستدل منها على إجازته للبيع المتضمن تغريراً أو غبناً فاحشاً، كما هو الحال في قيام الشخص المغرور أو المغبون غبناً فاحشاً ببيع الشيء الذي غرر به أو غُبن فيه غبناً فاحشاً للغير.
- الحالة الثالثة: أن يهلك الشيء محل العقد المتضمن تغريراً أو غبناً فاحشاً بغض النظر عن سبب هلاك هذا الشيء أو استهلاكه، وذلك لأن إعادة الحال إلى ما كان عليه بالفسخ قد أصبح مستحيلاً، لأن الفسخ يستلزم رد الشيء محل التصرف، والذي بهلاكه يكون رده مستحيلاً، وبالتالي يكون سقوط الحق في الفسخ متوافقاً مع الواقع والمنطق، ويصبح العقد لازماً.
ويأخذ حكم هلاك الشيء استهلاكه أو تعيبه أو زيادته، لأن كافة تلك الأمور يترتب عليها تغير جوهري في الشيء محل التعاقد، وبالتالي يكون رده في حالة الفسخ أيضاً من قبيل الاستحالة للتغير الذي طرأ عليه.
سادساً: نماذج لأحكام القضاء الأردني ذات العلاقة
- حكم محكمة التمييز الأردنية بصفتها الحقوقية رقم 1693 لسنة 2020 والصادر بجلسة 8/7/2020، والمتضمن أنه (وبما أن المميز ضده (المدعي) قد وكل المميز في الطعن التمييزي الأول (المدعى عليه الأول) ببيع قطعة الأرض موضوع الدعوى لمن يشاء وبالثمن الذي يراه مناسباً فيصح أن يبيعها للمميز في الطعن التمييزي الثاني بثمن المثل، وأن الفرق ما بين ثمن المبيع بالعقد المدعى ببطلانه وبين ما يقدره الخبراء هو معيار التفرقة فيما إذا كان هذا الفرق هو ما يتغابن به الناس وليس فيه غبن فاحش فيعد الثمن المبين بالعقد هو ثمن المثل وبهذه الحالة لا يبطل العقد، أم أن هذا الفرق فيه غبن فاحش فيعد الثمن المبين بالعقد ليس ثمن المثل وبهذه الحالة يبطل العقد، وأن مناط الفصل في ذلك الخبرة الفنية بمعرفة أهل الخبرة من ذوي المعرفة والاختصاص في أمور الخبرة).
حكم محكمة التمييز الأردنية بصفتها الحقوقية رقم 179 لسنة 2022 والصادر بجلسة 10/5/2022، والمتضمن أنه (وحيث إن المستفاد من المادة (124) من القانون المذكور والتي تنص على أنه: (1- الأب والجد إذا تصرفا في مال الصغير وكان تصرفهما بمثل القيمة أو بغبن يسير صح العقد ونفذ. 2- أما إذا عرفا بسوء التصرف فللحاكم أن يقيد من ولايتهما أو أن يسلبهما هذه الولاية) أنها أعطت للولي كالأب ولاية التعاقد عن ابنه الصغير وهي ولاية أنشأها ورسم أحكامها القانون المدني فهو نائب عنه نيابة قانونية وبمقتضاها يستطيع أن يتصرف عن القاصر بأمواله وإبرام العقد عنه بمثل القيمة أو بغبن يسير ذلك أن الأب أو الجد يملك في هذه الحالة أهلية الاغتناء عن القاصر وأهلية الإدارة وأهلية التصرف بالغبن اليسير ولكن الغبن الفاحش لا يجوز له وللمحكمة أن تحد من ولاية الأب أو الجد أو تسلبه الولاية إذا أصبحت أموال القاصر في خطر،
وحيث إن الاتفاقية التي أبرمها المدعى عليه محمد حسن بصفته ولي ابنته حلا محلها اتفاقية التعامل بالأوراق المالية فإن أحكام المادة المذكورة هي التي تحكم هذه الاتفاقية من حيث صحة أو عدم صحة هذا العقد والآثار المترتبة عليها ولا تحكمها المادتين (125) و(126) من القانون المدني ذلك أن هاتين المادتين تحكمان تصرفات الوصي عن القاصر حيث أعطت له مباشرة عقود الإدارة فقط ولو كانت بغبن يسير أما عقود التصرف فليس له مباشرتها إلا بإذن المحكمة وبالطريقة التي تحددها، وحيث إن محكمة الاستئناف قد عالجت الدعوى في ضوء أحكام تصرفات الوصي ولم تعالج وفق أحكام الولي عن القاصر والواجب معالجة الدعوى حولها فيكون قرارها في غير محله وهذه الأسباب ترد عليه ويتعين نقضه).
سابعاً: الخاتمة
يعد الغبن من أحد أخطر العيوب التي قد تطرأ على العقود فتتسبب في الإخلال بتوازنها، لذلك فقد عني المشرع الأردني بتنظيم حالات الغبن المختلفة، ووضع الجزاء المترتب على تحقق كل من تلك الحالات، ونرى في رأينا الشخصي المتواضع أن المشرع الأردني قد أحسن فيما وضعه من تنظيم لذلك بالقانون المدني الأردني، حيث جاء ذلك التنظيم دقيقاً وواضحاً بشكل لا يمكننا إغفاله.
كتابة: أحمد عبد السلام
[1] – محمد بن مكرم بن منظور – معجم لسان العرب – الطبعة الثالثة – دار صادر – لبنان – ج13 – 1414هـ – ص310.
[2] – أبو الحسن علي الماوردي – تفسير الماوردي – دار الكتب العلمية – لبنان – ج6 – بدون عام نشر – ص23.
[3] – محمد بن أحمد الأزهري – تهذيب اللغة – الطبعة الأولى – دار إحياء التراث العربي – لبنان – ج8 – 2001 – ص141.
[4] – الفيروز آبادي – القاموس المحيط – مؤسسة الرسالة للطباعة – لبنان – ج1 – 1426هـ – ص 1219.
[5] – عبد الكريم زيدان – المدخل لدراسة الشريعة الإسلامية – ط14 – مؤسسة الرسالة – لبنان – 1996 – ص296.
[6] – عبد المجيد الحكيم – الكافي في شرح القانون المدني الأردني والقانون المدني العراقي والقانون المدني اليمني: الجزء الأول – الشركة الجديدة للطباعة – عمان – 1993 – ص455.
[7] – جميل الشرقاوي – نظرية بطلان التصرف القانوني – جار النهضة العربية – لبنان – 1993 – ص256 وما بعدها.
[8] – عبد القادر الفار وبشار ملكاوي – مصادر الالتزام: مصادر الحق الشخصي في القانون المدني – ط3 – دار الثقافة – الأردن – 2011 – ص77.
[9] – عبد الرزاق السنهوري – الوسيط في شرح القانون المدني: نظرية الالتزام بوجه عام: مصادر الالتزام – ط3 – دار النهضة العربية – مصر – 1981 – ص203.

