أحكام عقد الوديعة
عقد الوديعة من العقود بالغة الأهمية في حياتنا العملية وذلك من حيث الانتشار، فيوجد في البنوك طُرق متعددة لإيداع الأموال منها حسابات الودائع النقدية والإيداع في الخزائن الحديدية وإيداع الأوراق النقدية. فما هي أحكام عقد الوديعة وخصائصه وما هي التزامات المودع والتزامات المودع عنده.
وقد عرف القانون المدني الأردني الإيداع تعريفًا عامًا في الفقرة الأولى من المادة (868) بقوله إن الإيداع : ” عقد يخول به المالك غيره حفظ ماله ويلتزم به الآخر حفظ هذا المال ورده عينًا ” وجاء في الفقرة الثانية من نفس المادة تعريف الوديعة بأنها : ” هي المال المودع في يد أمين لحفظه “.
وقد عرف المشرع المصري عقد الوديعة في القانون المدني المصري بقوله : ” عقد يلتزم به شخص أن يتسلم شيئًا من آخر على أن يتولى حفظ الشيء وعلى أن يرده عينًا “.
وسوف نتناول في مقالنا أحكام عقد الوديعة، وخصائص وأركان عقد الوديعة، والتزامات المودع عنده والمودع، وانتهاء الوديعة.
من خصائص عقد الوديعة أنها عقد يغلب عليها صفة التبرع، كما أن الوديعة عقد رضائي، ويغلب عليها الاعتبار الشخصي.
فالأصل في الوديعة أن تكون بغير أجر، فهي من عقود التبرعات التي تقوم على أساس الرفق والمعونة وقضاء الحاجة وتنفيس الكربة، فهي لا تستوجب على المودع بدلًا لحفظ الوديعة وذلك على عكس عقود المعاوضات المالية التي تقوم على أساس إنشاء حقوق والتزامات مالية متقابلة بين المتعاقدين.
وتنص المادة (871) فيما يتعلق بعقد الوديعة : ” ليس للمودع لديه ان يتقاضى أجرا على حفظ الوديعة ما لم يتفق على غير ذلك “. فيما يعني أنه لا يوجد ما يمنع أنه يخالف الأصل إذا ما اشترط للمودع أجر على حفظ الوديعة.
فعقد الوديعة يُعتبر من قبيل العقود الرضائية الوديعة هو عقد رضائي يشترط فيه رضاء المتعاقدين، فهو ينعقد بمجرد ارتباط الإيجاب بالقبول وتطابقهم.
عقد الوديعة من عقود الاعتبار الشخصي :
وهذا الاعتبار أبرز في شخصية الوديع من شخص المودِع. ومن ثم تنتهي الوديعة بموت الوديع، ولا يجوز لهذا الأخير أن يحل غيره في حفظ الوديعة من دون إذن صريح من المودِع، إلا أن يكون مضطراً إلى ذلك بسبب ضرورة ملحة وعاجلة.
لكل عقد من العقود أركانها التي يقوم عليها وكذلك شرائط يتوقف ثبوت أحكامه على توفرها، وعقد الوديعة كذلك فله أركان وخصائص تتجلى من تعريفه من أهمها :
بمعنى توافق الإيجاب والقبول فالتراضي في العقود أصل متفق عليه بين الفقهاء فالوديعة لا تصح إلا بالمراضاة، ومن ثم فهي عقد رضائي تتم بمجرد الإيجاب والقبول دون استلزام شكل خاص، ومن ثم أيضًا فهي ليست بعقد عيني فلا يشترط لانعقادها تسليم الشيء المودع إلى المودع عنده بعد أن تنعقد الوديعة.
يشترط في السبب الباعث الدافع إلى التعاقد الذي حدا بالمودِع أن يودع الوديعـة عند الوديع أن يكون مشروعًا. فقد اشترط المشرع أن يكون هذا الباعث مشروعاً، وكذلك أن يكون الغرض الذي ترمي الإرادة إلى تحقيقه غرضاً لا يحرمه القانون ولا يتعارض مع النظام العام أو يتنافى مع الآداب، ومثال ذلك أن يودع شخص عند شخص آخر مسروقات أو سلاحاً لإخفائه بعد ارتكاب جريمة.
المحل الأصلي في عقد الوديعة هو الشيء المودع، ويُمكن أن يشترط الأجر في الوديعة فيصبح الأجر محلًا آخر، بيد أنه محل عرضي قد يوجد وقد لا يوجد، ويشترط في الشيء المودع الشروط العامة التي يتعين توفرها في المحل وهي أن يكون الشيء موجودًا معينًا أو قابلًا للتعيين، غير مخالف للنظام العام أو الآداب، ويغلب في محل الوديعة ان يكون منقولًا.
فيما يتعلق بالمودع فهو يقوم بعمل من أعمال الإدارة لا من أعمال التصرف، حتى لو كانت الوديعة بأجر، فلا تشـترط فيه أهلية التصرف وتكفي أهلية الإدارة، وبالتالي يكـون الصبي المميز والمحجور عليه المأذون لهما في إدارة أموالهما من ذوي الأهلية للإيداع.
أما المودع عنده وإن لم يتلق أجرًا فإنه يلتزم بحفظ الشيء تتوافر الأهلية الكاملة أي أهلية التصرف والالتزام ولا تكتفي أهلية الإدارة ولا يجوز كذلك أن يقبل الوديعة إلا إذا بلغ سن الرشد.
وأخيرًا فإن عيوب الإرادة في عقد الوديعة هي عيوبها في أي عقد آخر، فتسري القواعد العامة المقررة في هذا الشأن، فيعيب إرادة المتعاقديـن وإرادة الوديع بوجه خاص، أن تكون مشـوبة بغلط، أو تدليـس، أو إكراه، أو غبن استغلالي.
فيما يتعلق بعقد الوديعة فإن القواعد العامة للإثبات تسري عليه، فيجوز إثباتها بالكتابة معززة بالبينة والقرائن أو حتى بالإقرار أو باليمين وبكافة طرق الإثبات القانونية في حال توفر مانع أدبي من الحصول على دليل كتابي.
ويختلف إثبات الوديعة في العقد المدني عنه في العقد التجاري، ففيما يتعلق بالأعمال التجارية نجد حرية الإثبات بالبينة والقرائن والإقرار واليمين والدفاتر التجارية وغير ذلك من وسائل أخرى، أما الوديعة المدنية فإنها تثبت بكافة الوسائل وفي حال جاوزت النصاب وجب الإثبات بالكتابة ويستثنى من ذلك الوديعة الاضطرارية عندما يتم الإيداع تحت سلطان الضرورة.
الالتزام بالحفظ والالتزام بالرد هما التزامان رئيسيان يقعا على عاتق المودع عنده.
وهو يُعتبر الالتزام الأساسي في عقد الوديعة وهو غرض المتعاقدين الرئيسي، والتزام المودع عنده هو التزام ببذل عناية وليس بتحقيق نتيجة، فمسؤوليته تنتفي متى بذل عناية ولو لم ينتج عن تلك العناية حفظ الوديعة، فتكون العناية المطلوبة هي عناية الشخص العادي.
وعند هلاك الشيء المودع بسبب قوة قاهرة فإن المودع عنده لا يكون مسؤولًا عن الشيء المودع.
يلتزم المودع عنده برد الوديعة إلى المودع ولا يُقبل منه رد شيء أخر، وفيما يتعلق بذلك فقد نصت المادة (876) من القانون المدني الأردني على الاتي :
- على المودع لديه رد الوديعة وتسليمها الى المودع في مكان إيداعها عند طلبها الا إذا تضمن العقد شرطا فيه مصلحة للعاقدين أو لأحدهما فانه يجب مراعاة الشرط .
- فاذا هلكت الوديعة أو نقصت قيمتها بغير تعد أو تقصير من المودع لديه وجب عليه ان يؤدي الى المودع ما حصل عليه من ضمان وان يحيل اليه ما عسى ان يكون له من حقوق قبل الغير بسبب ذلك .
يقع على المودع ثلاث التزامات وهي التزام بأجر الوديعة والتزام بالمصروفات والتزام بالتعويض.
بحسب الأصل ووفق نص المادة (871) من القانون المدني الأردني فإنه : ليس للمودع لديه ان يتقاضى أجرا على حفظ الوديعة ما لم يتفق على غير ذلك .
ولكن في حال اتفق المودع والمودع عنده على أجر مقابل حفظ الوديعة فإنه يكون من التزامات المودع بدفع الأجر المتفق عليه للمودع عنده.
قد يكون هناك نفقات لحفظ الوديعة من التلف أو التعرض للاعتداء فالمودع عنده الرجوع بتلك المصروفات على المودع وتكون ناشئة عن عقد الوديعة، ولكن فيما يتعلق بالمصروفات الكمالية والنافعة فيرجع بها وفقًا للقواعد العامة على أساس فعل الإنفاق، ولا يكون الالتزام بدرها ناشئًا عن عقد الوديعة.
فالالتزام هنا مصدره عقد الوديعة ففي حال كان في الشيء المودع عيب خفي وجب على المودع أن يُعلم به المودع عنده حتى يتخذ احتياطاته وتدابيره اللازمة لمنع العدوى أو الضرر وإلا كان مسؤولًا عن تعويض المودع عنده.
تنتهي الوديعة في القانون بأحد الأسباب التالية :
- انقضاء الأجل إذا اتفق المتعاقدان على أجل للوديعة بشكل صريح أو ضمني فالوديعة تنتهي بانتهاء هذا الأجل.
- في حال وأن رجع أحد المتعاقدين عن الوديعة قبل انتهاء الأجل فوجب على المودع عنده أن يسلم الشيء إلى المودع بمجرد طلبه إلا إذا تبين في العقد أن الأجل عُين لمصلحة المودع عنده.
- في حال وفاة المودع عنده فتنتهي الوديعة بموت المودع عنده ولا تنتهي بموت المودع.

