الإثراء بلا سبب

يلعب الإثراء بلا سبب دورًا هامًا من الناحية العملية أكثر منه من الناحية النظرية، فهي تُعد فكرة لها أثرها القديم إذ أنها متصلة بقواعد العدالة والقانون الطبيعي بحيث ارتبط وجودها بالعهد الروماني، فكانت عبارة عن واجب خلقي لا دخل للقانون فيها إلّا بعد عديد التطبيقات لها في الساحة العملية، ومن ثم أصبحت تُأخذ كمصدر من مصادر الالتزام .

فالإثراء بلا سبب مصدر مهم من مصادر الالتزام في القانون المدني، وهو يعني حصول أي شخص ولو كان غير مميّز على كسب بغير سبب مشروع على حساب شخص آخر. لذا يلتزم في حدود ما كسبه تعويض من لحقه ضرر بسبب هذا الكسب، ويبقى هذا الالتزام قائماً ولو زال كسبه فيما بعد.

وعلى هذا، فالإثراء بلا سبب يعتبر واقعة قانونية تشكل مصدراً من مصادر الالتزام، وهو من مصادره الأولى التي ظهرت منذ فجر التاريخ.

جدول المحتويات 

تعريف الإثراء بلا سبب :

تمييز الإثراء بلا سبب عن بعض المفاهيم المشابهة :

شروط الإثراء بلا سبب :

وسنتطرق فيما يلي لتعريف الإثراء بلا سبب، والتمييز بينه وبين بعض المفاهيم المشابهة له، وشروط الإثراء بلا سبب.

تعريف الإثراء بلا سبب :

يُقصد بالإثراء كل منفعة مادية أو معنوية يجنيها المـدين، أي كـل فائـدة يُمكـن تقويمهـا بالمـال كاكتساب مال جديد من المنقولات أو العقارات أو الانتفـاع بـه بعـض الوقـت، أو انقضـاء ديـن، أو تجنب خسارة محققة، أو إشباع حاجة مادية، أو أدبيـة، مـا دام يمكـن تقـدير هـذه الحاجـة فـي ذاتها.

والإثراء بلا سبب على حساب الغير كمصدر من مصادر الالتزام يعني أن أي شخص تلقى في ذمته حقًا أو مالًا نتيجة افتقار وقع في ذمة شخص آخر بغير أن يكون هناك سبب قانوني يبرر الإثراء والافتقار يلتزم أن يرد إلى المفتقر ما لحقه من خسارة، أي في حدود ما أثري به أي بشرط ألا يجاوز ذلك مقدار إثرائه، أي ما زاد من ماله بسبب افتقار الغير.

وقد اعتبره أيضًا بعض الفقهاء بأنه إغناء للمدين عن طريق دخـول قيمـة مـا يثـرى بـه فـي ذمته المالية، ويعني زيادة في الجانب الإيجابي للذمة المالية، بغض النظر أكانـت هـذه الزيـادة حقيقيـة، وذلك بواسطة إضافة عنصر إيجابي جديـد أو بتحسـين عنصر قائم بها، أو سواء كانت هذه الزيادة حكمية بتفادي النقص في أحد العناصر الإيجابيـة القائمـة، وكـذلك فـإن كـل نقـص فـي ناحية الذمة السلبية يُعد إثراء، سواء أكـان ذلـك بقضـاء ديـن قائمـا، أو تفـادي نشـوء ديـن جديد.

تمييز الإثراء بلا سبب عن بعض المفاهيم المشابهة :

تمييز الإثراء بلا سبب عن الفضالة :

بعض فقهاء القانون يرون أن الإثراء بلا سبب يُعتبر تطبيقًا من تطبيقات الفضالة، وعدَها فضالة ناقصة، لأن الإثراء يتخلف فيها بقصد التدخل للقيام بأمر عاجـل للغيـر، ولكن هذا التحليل يفتقد للدقة، لأن الإثراء بلا سبب يختلف عن الفضالة في نقطتين هامتين :

الأولى : الفضالة تقوم على معيار ذاتي؛ أي نية الفضولي أن يقوم بأمر عاجـل لحسـاب الغير، بيد أن الإثراء يقوم على معيار مـادي، يتمثـل فـي انعـدام السـبب بـين الإثراء والافتقار، وفي الإثراء لا يشترط أن يكون لـدى المفتقـر نيـة القيـام بعمـل لحساب شخص آخر.

الثانية : رب العمل في الفضالة يقع عليه التزام برد المصاريف النافعـة التي قام الفضولي بصرفها، حتـى إن لم يترتب على ذلك منفعـة لـرب العمـل، وسبب ذلك أن الفضـالة تقـوم علـى الإيثـار، ولكن الإثراء بلا سبب لا يقوم على الإيثار، ومن ثم لا يرجـع المفتقـر علـى المثري إلا بأقـل القيمتين من قيمة الافتقار وقيمة الإثراء.

تمييز الإثراء بلا سبب عن العمل غير المشروع :

بعض فقهاء القانون اعتبروا الإثراء بلا سـبب تطبيقـًا لقاعـدة العمـل غيـر المشـروع فواقعة الإثراء وإن كانت غير مشـروعة لكن احتفاظ المثري بـالإثراء دون أن يكـون لـه سبب مشروع يُعتبر خطأ يستوجب تعويض المفتقر، وذلك مبني على أسـاس المسـؤولية التقصـيرية ، وهذا التحليل يعتريه عيبًا كبيرًا، ذلك أن واقعة الإثراء لا يُمكن اعتبارها بحـد ذاتهـا خطـأ مستوجبًا مسؤولية المثري التقصيرية، إضافة إلى ما تقدم فالمفتقر في الإثراء بـلا سـبب لا يسـتحق التعـويض الكامـل الذي من شأنه أن يجبر الضرر الذي لحق به.

تمييز الإثراء بلا سبب عن نظرية تحمل التبعة:

وذهب فقهاء آخرون إلى اعتبار الإثراء بلا سبب هو الوجه المقابل لتحمـل التبعـة، وتلك النظرية توجب على الشخص تحمل عبء الغرم الـذي ترتـب علـى فعلـه، فـي حـين أن الإثراء يجعل الشخص يجني ثمرة الغنم الذي نتج عن فعلـه، وهذا التحليل يُعتبر أيضًا غير صحيحًا، وسبب ذلك أن المثري غير ملتزم إلا برد أقل القيمتـين مـن قيمـة الإثراء وقيمـة الافتقـار، فـي حـين أن المسؤول عن الضرر وفقًا لنظرية تحمل التبعة يقع عليه التزام بتعـويض الضرر بالكامل، وشـرط الافتقار يُعتبر شرطًا هامًا وضروري لقيام الإثراء بلا سـبب، فـي حـين أن شـرط الافتقـار غير ضـروري فـي نظرية تحمل التبعة.

وبالتالي وبناء على ما سبق يُمكن القول بأن الإثراء ما هو إلا عبارة عن كـل منفعـة سـواء أكانـت ماديـة أو أدبية لها قيمة مالية يحصل عليها المثري، إذ شـرط الإثراء جـوهري لنشـوء الالتـزام المثـري، ومن ثم إذا لم يحقق إثراء في ذمة الشخص فلن يلتـزم بـالتعويض.

شروط الإثراء بلا سبب :

لكي يتحقق الإثراء بلا سبب كمصدر من مصادر الالتزام فيجب أن يثري شخص وهو الذي يصبح مدينًا في الالتزام، وأن يترتب على هذا الإثراء افتقار شخص آخر وهو الدائن في هذا الالتزام، وأن يكون ذلك لدون سبب مشروع.

وسنتطرق فيما يلي لإثراء المدين، وافتقار الدائن، وانعدام السبب.

أثراء المدين :

للإثراء صور عدة فيمكن أن يكون إيجابيا أو سلبيًا، ويُمكن أن يكون مباشرًا أو غير مباشر، ويُمكن أن يكون ماديًا أو معنويًا.

والإثراء يمكن أن يكون إيجابيا إذا أدى إلى زيادة في ذمة الشخص الذي أثرى، مثل أن يتلقى مبلغ من النقود ليس له حق فيه، أو أن يقوم شخص بإقامة بناء أو غراس في أرض شخص آخر، أو أن يستفيد شخص من عم شخص آخر كرسم هندسي.

ويُمكن أن يكون الإثراء سلبيًا إذا أدى للإنقاص من الجانب السلبي لذمة الشخص الذي أثرى، ومن الأمثلة على ذلك أن يوفي شخص بماله دين غيره.

كما يُمكن أن يكون الإثراء مباشرًا أو غير مباشر، فيكون مباشرًا إذا انتقلت القيمة المالية من ذمة المفتقر إلى ذمة المثري بوساطة أي منهما دون تدخل أي شخص آخر، والإثراء يكون غير مباشر إذا تدخل شخص ثالث في نقل تلك القيمة المالية بين المثري والمفتقر.

والإثراء قد يكون ماديًا أو معنويًا، ولكن الأصل أن يكون الإثراء ماديًا بأن يتمثل في قيمة مالية، ولكن المسلم به أن يكون الإثراء معنويًا، فالطبيب الذي يقوم بمعالجة مريض يؤدي إلى إثرائه إثراءاك معنويًا يتمثل في تحسين صحته، ويقبل الإثراء المعنوي التقويم بالنقود ويتعين فيه الاسترداد بقدر افتقار الطرف الآخر.

افتقار الدائن :

إذا أثري شخص دون أن يفتقر شخص آخر . فلا يقع أي التزام على المثري، ذلك لأن الالتزام يقع في حدود أقل القيمتين الإثراء أو الافتقار وقد تبين أنه لم يحدث افتقار لأي شخص . فلا يكون هناك التزام بأي شيء. فاذا قام مشترى العقار المرهون بدفع الثمن لا إلى البائع، ولكن إلى الدائن المرتهن لهذا العقار . وترتب على ذلك إثراء المدين الراهن بقدر ما انقضى من دينه قبل الدائن المرتهن ، إلا أن المشتري الذي وفي هذا الدين لا يرجع عليه بما وفاه لأنه لم يفتقر بهذا الوفاء شيئًا فهو كان ملزمًا بدفع نفس المبلغ الذي دفعه، وبدلًا من أن يدفعه لدائنه وهو البائع، قام بدفعه لدائن دائنة وهو المرتهن للعقار المبيع.

وللإثراء عدة صور، فقد يكون إيجابيا إذا أعطى المفتقر من حقوقه أو من أمواله، كمن يقوم بدفع دين غيره، ويكون سلبيًا إذا فاتت على المفتقر منفعة كان يستحقها كمالك الأرض يستغلها شخص آخر بغير عقد إيجار بوغير دفع أجره.

كما أن الافتقار يئمكن أن يكون مباشرًا أو غير مباشر، والافتقار بحسب الأصل يكون ماديًا، بيد أنه يُمكن أن يكون معنويًا إذا تم تقوميه بالنقود.

انعدام السبب :

والبعض يُعرف الإثراء بأنه هو المبرر الأدبي الذي يجعل الإثراء مشروعًا، ولا يُرتب التزامًا في ذمة المثري برد ما أثري به إلى المفتقر.

وفكرة السبب في قاعدة الإثراء تُعد نكرة فنية يُقصد بها إحكام القاعدة من ناحية الصياغة حتى يمكن استخدامها لتحقيق الهدف منها وهو العدل، ومن ثم لا يمكن أن يكون السبب هنا إلا مدلولا فنيًاـ وهو على وجه الدقة المصدر القانوني للإثراء، فإذا كان هناك مصدر قانوني للإثراء، فإن الإثراء يكون له سبب. ولا يقع على عاتق المثري أي التزام ترتب على هذا الإثراء.

وعن المصدر القانوني للإثراء فهو إما يكون عقدًا أو حكمًا من أحكام القانون.

فالعقد بمختلف أنواعه يردي لانتقال الحقوق المالية من ذمة إلى أخرى، ومن المفترض أن يتم ذلك على أساس التعادل بين الالتزامات المتقابلة، بحيث لا يثري طرف على حساب الآخر.

وقد يكون مصدر الإثراء حُكمًا من أحكام القانون، وفي تلك الحالة يكون للإثراء سبب، فلا ينشأ أي التزام على عاتق المثري.

انتقل إلى أعلى
error: Alert: Content is protected !!