الاستقالة

الاستقالة

تعد الوظيفية بمثابة اللبنة الأساسية في تكوين وتشكيل البنية الإدارية والتنظيمية للمجتمع، سواء كانت تلك الوظيفة هي وظيفة عامة أم وظيفة بالقطاع الخاص، لاسيما وأن المصالح العامة والخاصة للدولة والأفراد على حد سواء لا يتم الوفاء بها وإشباعها إلا من خلال الوظيفة ومن يشغلها من موظفين.

ومن المنطقي ألا تكون العلاقة الوظيفية التي تربط الموظف بوظيفته هي علاقة مؤبدة، بل هي مثلها مثل أي علاقة قانونية أخرى محددة وتنتهي بأكثر من صورة، إلا أن أهم تلك الصور التي تنتهي بها علاقة الموظف بوظيفته هي الاستقالة، ونظراً لأهمية تلك الصورة من صور انتهاء علاقة الموظف بوظيفته فقد قررنا أن نأخذكم في جولة داخل قانون العمل الأردني ونظام الخدمة المدنية الأردني لنسلط مزيد من الضوء على ماهية الاستقالة وأحكامها.

 

أولاً: التعريف بالاستقالة

ثانياً: الطبيعة القانونية للاستقالة

ثالثاً: مجالات الاعتداد بالاستقالة لإنهاء علاقة العمل

رابعاً: الأنواع المختلفة للاستقالة

خامساً: الشروط القانونية للاستقالة

سادساً: الآثار القانونية المترتبة على الاستقالة

سابعاً: نماذج من أحكام القضاء الأردني ذات العلاقة

ثامناً: الخاتمة

 

أولاً: التعريف بالاستقالة

تعتبر الاستقالة بمثابة طريق من الطرق الإدارية التي تنتهي من خلالها خدمة الموظف وعلاقته بوظيفته، وعلى الرغم من أهمية الاستقالة واهتمام المشرع بتنظيم أحكامها، إلا أنه لم يتعرض إلى التعريف بها بشكل يوضح ماهيتها وطبيعتها القانونية، وانصب اهتمامه على تنظيمها تاركاً للفقه القانوني مهمة التعريف بها.

وبالفعل فقد تصدى الفقه للاستقالة بأكثر من تعريف، ويمكننا أن نوجز أهم وأبرز هذه التعاريف في النقاط الآتي بيانها:

  • عرف البعض الاستقالة بأنها طريقة يقوم الموظف من خلالها بالإعلان عن إرادته الصريحة المتجهة إلى إنهاء العلاقة والصلة التي تربطه بوظيفته بشكل نهائي وبات[1].
  • كما عرفت أيضاً بأنها طريق من طرق إنهاء خدمة الموظف لعلاقته الوظيفية بجهة عمله من تلقاء نفسه، وذلك في ظل ما يتم تحديده من قيود وضوابط يضعها المشرع وتتضمنها القوانين السارية في هذا الخصوص[2].
  • وعرفت في الفقه الأردني بأنها طلب كتابي صريح يتم تقديمه من قبل الموظف إلى الإدارة المختصة بجهة عمله وذلك لإنهاء خدمته، ولا يترتب عليها أي أثر قانوني إلا بعد صدور موافقة على إنهاء خدمته من قبل تلك الإدارة[3].
  • وفي فقه الإدارة عرفت الاستقالة من الوظيفة العامة بأنها التعبير عن الإرادة غير المشروطة – سواء كان صريح أو ضمني – الذي يصدر من الموظف العام ويحظى بموافقة الجهة المنوطة بالتعيين، وذلك لترك الخدمة في الوظيفة بصورة نهائية قبل أن يبلغ السن القانوني المحدد للتقاعد[4].

ومن مجمل هذه التعاريف نستخلص أن الاستقالة في جوهرها الحقيقي هي تعبير صريح عن إرادة الموظف الحقيقية والحرة يتم في شكل طلب خطي مكتوب يتم تقديمه من قبل الموظف إلى الإدارة المختصة بجهة عمله، ويفصح في هذا الطلب عن رغبته في أن ينهي علاقة عمله وخدمته لجهة عمله بشكل نهائي، ولا يترتب على ذلك الطلب أي آثار قانونية إلا بعد أن تصدر الموافقة عليها من قبل الإدارة المختصة.

ثانياً: الطبيعة القانونية للاستقالة

يتجه السواد الأعظم من الفقه الإداري إلى تكييف الطبيعة القانونية للاستقالة على أنها تمثل حقاً من الحقوق الثابتة والمقررة للموظف والتي تقابل حقه في العمل[5]، لاسيما وأن شغل الموظف للوظيفة وشغل العامل لعمله واستمرارهما في تأدية مهامهما يعود في حقيقته إلى الإرادة الحرة للموظف والعامل على حد سواء، والتي اتجهت إلى شغل الوظيفة وتأدية مهامها وأعمالها على أكمل وجه، وما يثبت للشخص من قدرته على بدء أمور اختيارية فإن استمراره فيها هو أيضاً أمر اختياري له، فلا يجوز أن يجبر على بقائه في وظيفته أو عمله وإلا تحولت إلى شكل من أشكال السخرة التي لا يقرها دستور وطني أو ميثاق دولي، وقد قرر الدستور الأردني هذا الحق في نص المادة رقم (13) منه، حيث ورد بصدرها أنه (لا يفرض التشغيل الإلزامي على أحد).

ولا ينال من ذلك ما قد تمثله الاستقالة وتحدثه من تأثير سلبي على الجهة التي يعمل بها الموظف، وهذه التأثيرات التي قد تصل إلى تعطل تلك الجهة – عامة كانت أو خاصة – وتعثر نشاطها، وقد تمتد لتصيب المجتمع ذاته بأضرار جسيمة، لاسيما وأن المشرع لم يجعل من حق الموظف في ترك وظيفته أمراً مطلقاً، ولكنه رهن نفاذ الاستقالة بشرط قبولها من قبل جهة العمل، وذلك مراعاة من المشرع للموازنة بين مصلحة الجهة التي يشغل الموظف والموظف نفسه، بحيث يظل الموظف قائماً على رأس وظيفته حتى وإن تقدم باستقالته وذلك حتى تبت جهة عمله في الاستقالة، وفرض على جهة العمل مدة زمنية محددة للبت في الاستقالة خلالها، وهو ما يعد توازناً بين المصلحة العامة وبين المصلحة الشخصية للموظف المتمثلة في حقه في الاستقالة.

ثالثاً: مجالات الاعتداد بالاستقالة لإنهاء علاقة العمل

نود أن ننوه إلى أن الاستقالة هي إحدى طرق إنهاء علاقة العمل في الوظيفة العامة وأيضاً في عقد العمل غير المحدد المدة، ولكنها لا تسري على عقد العمل محدد المدة لكونها لم ترد ضمن حالات إنهاء عقد العمل محدد المدة والتي قررها المشرع في نص المادة رقم (21) من قانون العمل الأردني رقم 8 لسنة 1996، والتي حددها بأربع حالات وهي الاتفاق بين الطرفين على إنهائه، وانتهاء مدة العقد أو انتهاء العمل المتفق على تنفيذه، ووفاة العامل أو صيرورته مقعداً أو عاجزاً عن العمل، واستيفاء العامل لشروط تقاعد الشيخوخة.

بينما نجد أن الاستقالة قد قررها المشرع في ذات القانون بالمادة رقم (23/أ) وذلك في شأن إنهاء عقد العمل غير المحدد المدة، حيث نصت على أنه (أ- إذا رغب أحد الطرفين في إنهاء عقد العمل غير المحدد المدة فيترتب عليه إشعار الطرف الآخر خطياً برغبته في إنهاء العقد قبل شهر واحد على الأقل ولا يجوز سحب الإشعار إلا بموافقة الطرفين)، والمقصود هنا بالإشعار الخطي بالنسبة للعامل هو الاستقالة.

وأيضاً قرر المشرع الأردني الاستقالة كأحد طرق انتهاء خدمة الموظف وذلك في نص المادة رقم (167/أ) من نظام الخدمة المدنية رقم 9 لسنة 2020، ثم نظم أحكامها في نص المادة رقم (168) من ذات النظام.

رابعاً: الأنواع المختلفة للاستقالة

بادئ ذي بدء نود أن نشير إلى أن المشرع الأردني لم يأخذ في ظاهر الأمر وبشكل واضح وصريح سوى بنوع وحيد من الاستقالة وهي الاستقالة الصريحة، وإن كان ذلك لا يحول دون كونه قد حدد بعض المواقف التي متى اتخذها الموظف فإنها تعد قرينة ضمنية على الاستقالة، ولكننا تماشياً مع تنوع صور الاستقالة في مختلف التشريعات، واختلاف كل قانون فيما أخذ به من صور لها، فسوف نتناول أهم وأبرز تلك الصور بغرض التوضيح.

1- الاستقالة الصريحة والاستقالة الضمنية

أهم صور الاستقالة التي تواترت عليها مختلف التشريعات الخاصة بتنظيم علاقات العمل والوظيفة العامة هي الاستقالة الصريحة والاستقالة الضمنية، وهما صورتين على طرفي النقيض تماماً من بعضهما البعض.

والاستقالة الصريحة هي الاستقالة في صورتها المعتادة والمتعارف عليها، والمتمثلة في إعلان الموظف بشكل خطي عن إرادته الصريحة وغير المشروطة في ترك وظيفته وإنهاء خدمته بشكل نهائي قبل أن يصل إلى السن الذي يحدده القانون للتقاعد.

أما الاستقالة الضمنية أو كما يطلق عليها جانب من الفقه الاستقالة الحكمية فهي الاستقالة التي لا يقوم فيها الموظف بالإعلان عن رغبته في إنهاء خدمته وترك الوظيفة بشكل صريح وواضح، ولكنه يقوم بذلك في صورة ضمنية عن طريق القيام بتصرف ما أو تحقيق واقعة معينة يعتبر المشرع أيهما بمثابة قرينة على استقالته من وظيفته، وذلك متى ارتأت الإدارة ذلك وبشرط ألا يقدم الموظف أي أعذار حتى وإن كانت كاذبة.

ومن التصرفات التي تعدها بعض التشريعات قرينة على الاستقالة الضمنية انقطاع الموظف عن عمله دون الحصول على إذن بذلك ولمدة يحددها القانون، والامتناع عن تنفيذ قرار النقل الصادر بخصوصه لمدة يحددها القانون، وغيرها من الحالات الأخرى التي يعتبرها بعض المشرعين بمثابة استقالة ضمنية من الموظف متى ارتكبها.

وقد سلك المشرع ذات المسلك في نظام الخدمة المدنية الأردني، حيث حدد بعض الحالات تحت مسمى “فقد الوظيفة”، وذلك في نص المادة رقم (170/أ) من النظام والتي اعتبرت أن الموظف يعد فاقداً لوظيفته متى تحققت إحدى الحالات التالية:

  • إذا صدر بشأنه قرار نقل أو انتداب أو تكليف أو قرار بنقله لوظيفة أخرى، ولم يقم بتنفيذ هذا القرار ولم يقم بمباشرة عمله بشكل فعلي في ضوء هذا القرار، وذلك لمدة عشرة أيام متصلة تحتسب من التاريخ المحدد في القرار.
  • إذا تغيب الموظف عن وظيفته دون أن يحصل على إجازة قانونية أو بدون مبرر مشروع، أو توقف أو امتنع عن أداء مهام الوظيفة بشكل فعلي، وذلك جميعه لمدة عشرة أيام عمل سواء كانت متصلة أو متفرقة خلال العام.

2- الاستقالة الفردية والاستقالة الجماعية

يقصد بالاستقالة الفردية الاستقالة التي يتم تقديمها من موظف واحد وتتعلق به هو شخصياً دون غيره[6]، وتعتبر هي الصورة الغالبة التي تتم عليها جميع صور الاستقالة الأخرى، حيث تكون مقدمة من طرف موظف واحد.

بينما الاستقالة الجماعية يقصد بها الاستقالة التي يتقدم بها عدة موظفين معاً إلى جهة عملهم لرغبتهم في إنهاء خدمتهم لديها، وتعتبر غالبية التشريعات أن الاستقالة الجماعية تمثل جريمة يعاقب عليها القانون، وذلك باعتبارها تمثل وجه من أوجه الإضرار المقصود بجهة العمل التي قد تكون مرفق من المرافق العامة أو قائمة على تقديم خدمة حيوية وهامة للمجتمع، نظراً لأن الاستقالة الجماعية تؤثر على نشاط الجهة المقدم إليها الاستقالة وتهدد استمراريتها.

خامساً: الشروط القانونية للاستقالة

حدد المشرع الأردني بعض الشروط التي لا تصح الاستقالة ولا ترتب الآثار القانونية الخاصة بها إلا في ظل توافرها مجتمعة، ويمكننا أن نعتبر أن تلك الشروط هي شروط الاستقالة الصريحة باعتبار أنها الصورة الوحيدة من صور الاستقالة التي قررها القانون صراحة واعتد بها، وسوف نتناول تلك الشروط بشكل مفصل في النقاط الآتي بيانها في هذا البند من المقال.

1- الشرط الأول: أن تكون الاستقالة في شكل طلب مكتوب

يتمثل أول الشروط اللازم توافرها في استقالة الموظف من وظيفته أن تكون هذه الاستقالة في صورة طلب مكتوب، فلا يتم التقدم به شفوياً ولا عن طريق الهاتف، وذلك حتى يكون منتجاً لما يترتب عليه من آثار قانونية.

وقد نص المشرع الأردني على هذا الشرط في صدر المادة رقم (168/أ) من نظام الخدمة المدنية رقم 9 لسنة 2020، حيث ورد بها أنه (أ- تكون الاستقالة التي يقدمها الموظف خطية …..).

ويعد شرط الكتابة في طلب الاستقالة هو شرط وضعه المشرع لتحقيق مصلحة مزدوجة لطرفي العلاقة الوظيفية أو علاقة العمل، فمن جهة تتيح الكتابة للموظف أن يتأنى في تقديم استقالته متى كان قد قرر التقدم بها في لحظة انفعال أو غضب، مما يمنحه فرصة لمراجعة نفسه قبل أن يتقدم بها، ومن جهة أخرى يتيح طلب الاستقالة المكتوب لجهة العمل أن تراجعه وتدرسه بشكل متأني لتستوضح سببه، وتستطيع أن توازن بين مصلحتها ومصلحة الموظف في الاستقالة، كما يمنحها الفرصة لإيجاد من يشغل وظيفته قبل أن يتم قبول الاستقالة حرصاً على سير العمل.

ولا يشترط في الاستقالة صيغة محددة تكتب بها، بل يكفي أن تكون عباراتها وألفاظها واضحة وصريحة في دلالتها على رغبة الموظف في إنهاء خدمته الوظيفية، كما لا يشترط أن تكون مكتوبة بشكل خطي ويدوي، بل يمكن أن تكون مطبوعة بأي صورة من صور الطباعة ويذيلها الموظف بتوقيعه.

2- الشرط الثاني: ألا يكون طلب الاستقالة مشروطاً

يلزم أيضاً في طلب الاستقالة ألا يكون مشروطاً، ويقصد بذلك ألا يكون مقيداً بشرط ولا معلقاً على شرط، فيكون معبراً عن الرغبة الفورية للموظف في إنهاء علاقته بوظيفته وترك الخدمة، لاسيما وأن اقتران الاستقالة بشرط سيكون دليلاً على كونها في جوهرها ليست استقالة ولكنها وسيلة للضغط على جهة العمل لتحقيق مصالح شخصية لا يمكن للموظف تحقيقها بطرق أخرى.

ولكن يثور تساؤل بشأن تقديم الموظف لطلب استقالة مشروط، فما هو الموقف القانوني الذي يجب أن تتخذه جهة عمله عندئذ؟

يتوقف موقف جهة عمل الموظف في تلك الحالة على نوع الشرط الذي تتضمنه الاستقالة، وهناك ثلاث أنواع من الشروط التي قد تتضمنها الاستقالة وهي على النحو التالي:

  • النوع الأول هو الشروط التي تعد من صميم الوظيفة والتي يمكن أن يتم تنفيذها، وهي شروط يستدل منها على أن الموظف لم يكن مستهدفاً من استقالته ترك الوظيفة وإنهاء خدمته ولكنه كان يستهدف الضغط على جهة العمل لتنفيذ طلبه، ومن تلك الشروط على سبيل المثال أن يكون الشرط المتواجد بالاستقالة هو نقله إلى مكان عمل جديد أو إلى إدارة أخرى خلاف التي يعمل بها، وفي مثل هذا النوع من الشروط يكون لجهة العمل الخيار بين موقفين يمكن أن تتخذ أحدهما بشأن الاستقالة، الموقف الأول هو أن تلتفت عن الاستقالة بشكل كامل وتعتبرها كأن لم تكن لكونها لا تستوفي شرط من شروط صحتها والمتمثل في ألا تكون مشروطة، والموقف الثاني يستند إلى اعتبار أن اشتراط عدم كون الاستقالة مشروطة هو شرط مقرر لتحقيق صالح جهة العمل، وبالتالي فللأخيرة أن تتنازل عنها وتستجيب للشرط الموجود بالاستقالة، ولها بعد ذلك أن تقبل الاستقالة باعتبارها قد خلت من الشرط الذي تم تنفيذه بالفعل، ولكن ليس لها أن تقبل الاستقالة المشروطة دون أن تعتد بكونها مشروطة وإلا بات قرارها بقول الاستقالة مشوباً بالعيب.
  • أما ثاني أنواع الشروط فهي الشروط التي تتسم بعدم مشروعيتها لكونها تتعارض مع القوانين والتشريعات المطبقة في الدولة، كما هو الحال في أن يشترط الموظف نقله إلى وظيفة لا تتناسب مع مؤهلاته وتتنافى معها، وهنا لا يكون أمام جهة العمل سوى موقف وحيد يلزم أن تتخذه بصدد هذا الشرط وهو أن ترفض الاستجابة إليه، أما بالنسبة للاستقالة ذاتها فلها أن تتجاهلها تماماً دون أدنى مسؤولية عليها، أو أن تقبلها باعتبار أنها غير مشروطة نظراً لبطلان الشرط الذي تضمنته الاستقالة.
  • وأخيراً ثالث أنواع الشروط التي قد تتضمنها الاستقالة وهي الشروط المتعلقة بأمور سوف تتحقق بالفعل بقوة القانون حتى وإن لم تتضمنها الاستقالة، ومنها على سبيل المثال اشتراط الموظف في استقالته أن يتقاضى مقابل رصيد إجازاته السنوية التي لم يتحصل عليها أثناء خدمته، أو مكافأة نهاية خدمته، وهذا النوع من الشروط يتم التعامل معه كأنه غير موجود بالاستقالة، وتعد الاستقالة في تلك الحالة غير مشروطة، ويحق لجهة العمل رفضها أو قبولها بحسب الأحوال.

3- الشرط الثالث: أن يكون طلب الاستقالة صادر عن الإرادة الحرة للموظف

حتى تنتج الاستقالة آثارها القانونية يلزم أن يكون الموظف قد تقدم بها عن رغبة منه وبإرادة حرة خالية من أي ضغط أو إجبار يشوبها، وأن تكون رغبته خالصة في إنهاء الرابطة الوظيفية التي تربطه بجهة عمله ونابعة من داخله.

وهو ما يترتب عليه بطلان طلب الاستقالة الذي يتم إجبار الموظف عليه من قبل جهة التحقيق في عمله أثناء إجراء تحقيق تأديبي معه، وأيضاً الاستقالة المسبقة التي يتم إجباره للتوقيع عليها عند الالتحاق بعمله كشرط من شروط هذا الالتحاق، أو الحصول عليها منه بشكل احتيالي، وغيرها من سائر الصور الأخرى التي يتم فيها الحصول على الاستقالة من الموظف دون رغبته وضد إرادته.

ونود أن نشير أن الإكراه أو الإجبار أو غيرها من الوسائل التي تضغط على الموظف وتجبره على تقديم استقالته حتى يكون لها تأثير على صحة الاستقالة فيلزم أن تكون صادرة من جهة عمله وليس من أي جهة أخرى، فعلى سبيل المثال إ ذا ضغط والد الموظف عليه لكي يتقدم باستقالته فلا تكون استقالته عندئذ باطلة بل تعد صحيحة لكون الضغط والإجبار لم يكن من جهة العمل.

4- الشرط الرابع: ألا يتم تقديم الاستقالة خلال إجراء تحقيق مع الموظف أو محاكمته

من ضمن الشروط الأخرى الخاصة بصحة الاستقالة ألا يتم تقديمها في أثناء وجود تحقيق مع الموظف، سواء كان هذا التحقيق تأديبياً أو قضائياً، أو أثناء محاكمته في دعوى تأديبية أو قضائية، فخلال تلك الفترة يمنعه المشرع من أن يتقدم بطلب استقالته إلى جهة عمله.

وقد نص المشرع الأردني على هذا الشرط في نص المادة رقم (150/ج) من نظام الخدمة المدنية، حيث ورد بها أن (… ولا يجوز قبول استقالة الموظف أو إحالته على الاستيداع قبل صدور القرار النهائي أو القطعي في الدعوى التأديبية أو القضائية المقامة عليه).

والحكمة من ذلك الشرط هو رغبة المشرع في إغلاق الطريق أمام الموظف ومنعه من التملص من العقوبة التي قد تقتضي مخالفته التي ارتكبها ويتم التحقيق معه أو محاكمته بشأنها أن توقع عليه، لاسيما عندما تكون تلك المخالفات قد ترقى إلى درجة كبيرة من السامة قد تصل إلى حد اعتبارها جريمة بحيث يتم على إثرها فصل الموظف من الخدمة، فإذا ما تقدم الموظف باستقالته خلال التحقيق معه أو محاكمته فيجب على جهة العمل أن ترجئ البت فيها لحين صدور قرار في التحقيق أو حكم في الدعوى المقامة ضد الموظف.

5- الشرط الخامس: ألا تكون الموظف ملتزماً بالخدمة في وظيفته

من شروط صحة استقالة الموظف من وظيفته ألا يكون ملتحقاً بها على سبيل الإلزام بغض النظر عن سبب ذلك الإلزام، فلا يجوز أن يتم قبول استقالته إلا بعد انتهاء المدة التي يلتزم فيها بأداء مهام تلك الوظيفة.

وعلى سبيل المثال لذلك أن يكون الموظف قد تلقى دورات تدريبية على نفقة جهة العمل لشغل وظيفته بها، مما يستوجب عليه أن يظل في وظيفته لمدة معينة قبل أن يتمكن من تقديم استقالته من تلك الوظيفة، لاسيما إذا كانت الوظيفة هي وظيفة عامة ويكون في استمرار الموظف في شغلها لمدة معينة بما اكتسبه من خبرة على إثر تلك الدورات التدريبية ما تتحقق معه مصلحة المجتمع.

6- الشرط السادس: عدم رجوع الموظف في طلب الاستقالة قبل قبوله من جهة العمل

ويتمثل آخر شروط صحة الاستقالة من الوظيفة ألا يرجع الموظف عن طلب الاستقالة المقدم منه إلى جهة عمله قبل أن تصدر قرارها بقبول هذا الطلب، ويعد هذا الشرط بمثابة الإجابة عن التساؤل الذي يطرحه البعض حول مدى أحقية العمل وقدرته على الرجوع في استقالته بعد تقديمها إلى جهة عمله، فهل يجوز له ذلك أم أنه بمجرد تقديمها ينقطع عليه طريق العودة ولا يمكنه الرجوع فيها؟

وقد أجاب المشرع الأردني على ذلك التساؤل بشكل صريح في نص المادة رقم (168/د) من نظام الخدمة المدنية، حيث قرر أن (د- يجوز للموظف طلب العدول عن استقالته قبل صدور قرار الموافقة عليها، ويجوز للمرجع المختص في هذه الحالة قبول طلب العدول عن الاستقالة أو رفضه).

وبالتالي فإن القانون وإن كان قد أجاز للموظف أن يرجع في استقالته من وظيفته ويعدل عنها، إلا أنه لم يفرض على جهة العمل أن توافقه في هذا العدول وتلتفت عن طلب الاستقالة المقدم منه، بل منح جهة العمل الحرية بين قبول عدوله هذا واعتبار طلب الاستقالة كأن لم يكن وبين رفض العدول والاعتداد بطلب الاستقالة وقبولها، فالموظف وإن كان له حرية التقدم بطلب العدول عن الاستقالة طالما لم يبت فيها بقرار من قبل جهة العمل، إلا أنه جعل قبول هذا العدول أو رفضه في يد جهة العمل ومحل لسلطتها التقديرية.

ويشترط ليكون طلب العدول محل اعتداد ونظر من قبل جهة الإدارة أن يكون قد تم تقديمه من الموظف قبل البت في استقالته من قبل جهة العمل، فإذا تقدم به بعد صدور قرار بقبول استقالته فإن طلب العدول يكون هو والعدم سواء.

سادساً: الآثار القانونية المترتبة على الاستقالة

متى تقدم الموظف بطلب الاستقالة إلى جهة عمله واستوفى هذا الطلب كافة الشروط اللازم توافرها فيه، وصدر من جهة العمل قراراً بقبولها لتلك الاستقالة، فإن ذلك الأمر يترتب عليه بعض الآثار القانونية والتي يمكننا أن نوجزها في النقاط الآتي بيانها.

1- انتهاء العلاقة الوظيفية التي تربط الموظف بالوظيفة

أهم الآثار التي تترتب على قبول جهة العمل لاستقالة الموظف هو انتهاء وانقضاء العلاقة الوظيفية التي تربط بينه وبين وظيفته لدى جهة العمل، وهو ما يستلزم أن يتم رفع اسمه من قائمة موظفي هذه الجهة التي كان يشغل وظيفته لديها[7]، وبالتالي لا يجوز لجهة العمل مطالبته بأداء مهام وظيفته التي كانت ملقاة على عاتقه أثناء شغله للوظيفة، بل وإن استمر الموظف لبعض الوقت في وظيفته بعد الاستقالة بناء على طلب جهة العمل لحين استقدام من يحل محله فلا يعد موظفاً لكون العلاقة الوظيفية تكون قد انتهت بقبول الاستقالة، وما يتقاضاه عن تلك الفترة الإضافية لا يعد أجراً بل يعد مكافأة لقاء الأعمال التي يؤديها بعد قبول الاستقالة.

ويترتب على انتهاء العلاقة الوظيفية أن تقوم جهة العمل بمنح الموظف المستقيل شهادة خبرة تفيد التاريخ الذي التحق فيه بالوظيفة ومدة شغله لها والتاريخ الذي انتهت فيه خدمته لديها، بجانب منحه ما يفيد إخلاء طرفه لديها والذي يفيد عدم وجود أي التزامات عليه لصالح جهة العمل.

2- سقوط حق الموظف في الأجر ومشتملاته عن الفترة اللاحقة على قبول الاستقالة

باعتبار أن علاقة الموظف بوظيفته قد انتهت فإن كافة ما كان يتحصل عليه أثناء شغلها من مستحقات مالية تحت مسمى الأجر أو الراتب وكافة ما يتضمنه من مشتملات كان يحصل عليها لقاء تأديته لمهام وظيفته كالبدلات والحوافز والمكافآت وغيرها يسقط حقه في المطالبة بها منذ تاريخ قبول استقالته، ويقتصر حقه في المطالبة بها متى كانت مستحقة له عن شغله لوظيفته بتاريخ يسبق قبول استقالته ولم يكن قد تحصل عليها بعد، ويرجع ذلك إلى أن سقوط التزام أداء مهام الوظيفة عن عاتق الموظف بالاستقالة يسقط التزامات جهة العمل المقابلة لذلك والمتمثلة في الأجر ومشتملاته وملحقاته الأخرى.

3- أحقية الموظف بالالتحاق بوظيفة لدى جهة عمل أخرى

متى كانت الوظيفة التي استقال منها الموظف هي وظيفة عامة فإنه بمجرد قبول استقالته وانتهاء علاقته الوظيفية بجهة عمله السابقة يصبح له الحق في أن يشغل وظيفة عامة أخرى، وهو بدوره ما يمنحه الحق أن يلتحق بوظيفة في القطاع الخاص، حيث أن انتهاء العلاقة الوظيفية بالاستقالة يمنح الموظف حرية الالتحاق بأي وظيفة أخرى يراها.

4- التزام الموظف بالحفاظ على أسرار وظيفته

يلتزم الموظف التزاماً أخلاقياً هاماً بعد انتهاء خدمته بجهة عمله وقبول استقالته، ويتمثل هذا الالتزام في حفاظ الموظف على الأسرار الخاصة بوظيفته التي استقال منها، وعدم إفشائها والإبقاء على سريتها، وهو يعد التزاماً ممتداً يقع على عاتق الموظف منذ شغله لوظيفته ويستمر معه حتى بعد تركه لها، بل وقد يظل ملازماً له طوال حياته طالما ظلت أسرار الوظيفة محتفظة بصفتها السرية ولم يتم إعلانها على العلن، وذلك نظراً لما قد يصيب جهة العمل التي كان يعمل لديها من أضرار متى أفشى تلك الأسرار.

5- أحقية الموظف في تقاضي المعاش حال استحقاقه

من أحد الحقوق الثابتة للموظف والتي تستحق له عند انتهاء خدمته بالاستقالة هو المعاش التقاعدي، ولكن هذا الحق ليس مطلقاً بل يقتصر على طائفة محددة من الموظفين وهم الموظفين الخاضعين لأحكام قانون التقاعد المدني، وذلك وفقاً لما نص عليه نظام الخدمة المدنية الأردني في مادته رقم (168/و) من أن (و- مع مراعاة أحكام هذا النظام يستحق الموظف المستقيل الخاضع لأحكام قانون التقاعد المدني راتباً شهرياً أساسياً عن كل سنة من السنوات العشر الأولى للخدمة، وراتب شهر ونصف أساسي عن كل سنة خدمة تزيد على السنوات العشر الأولى).

سابعاً: نماذج من أحكام القضاء الأردني ذات العلاقة

1- حكم محكمة التمييز الأردنية بصفتها الحقوقية رقم 3368 لسنة 2021 والصادر بجلسة 10/5/2022 والمتضمن أنه (ولما كان من المقرر أن الجهة المنظمة للعقد هي الجهة التي تستقل بالموافقة على إنهاء العقد وقبول الاستقالة ولما كان الثابت من خلال العقد المبرم بين الفريقين وقعته اللجنة الإدارية والمدعى عليها فإن الموافقة عليها لا بد أن تصدر عن اللجنة ذاتها أو من قبل ممثل المدعى عليها القانوني، ولم يرد في الملف ما يثبت صدور الموافقة على الاستقالة من المدعية وأن ما تدعيه من أقوال بأن مجرد إملائها عليها لا يعتبر بحد ذاته موافقة على الاستقالة لا سيما وأن ما أملي عليها لا يتوافق مع النموذج لغايات تقديم الاستقالة).

2- حكم محكمة بداية عمان بصفتها الاستئنافية رقم 329 لسنة 2020 والصادر بجلسة 17/2/2020، والمتضمن أنه (وفي ذلك نجد بأن الثابت من اللائحة الجوابية المقدمة من المستأنفة (المدعى عليها)، وكذلك شهادة الخبرة الصادرة عنها بتاريخ 10/2/2019، والمقدمة ضمن بينات المستأنف ضده استمرار المدعي بعمله لدى المدعى عليها حتى تاريخ 31/1/2019، وفي ذلك دلالة واضحة على عدم سريان آثار الاستقالة التي تشير إليها المستأنفة والمقدمة من جانب المدعي، حيث أن استمرار المدعي بعمله بموافقة المدعى عليها بعد تاريخ تقديم الاستقالة هو في الحقيقة استمرار لعمل المدعي لدى المدعى عليها، وتوافق إرادة الطرفين على الاستمرار بالعمل بشروطه المتفق عليه، وعدم الإخذ بطلب الاستقالة المقدم من المدعي).

ثامناً: الخاتمة

تعتبر الاستقالة من أحد أهم طرق انتهاء خدمة الموظف في وظيفته، وقد تكفل المشرع الأردني بتنظيمها بشكل واضح ومفصل في نظام الخدمة المدنية الأردني، إلا أنه لم يناقشها بالشكل الكافي والمناسب في قانون العمل الأردني، واكتفى في ذلك بتنظيمها ضمنياً في سياق انتهاء علاقة العمل غير المحددة المدة تحت مسمى الإشعار، وإن كنا نرى أنه يلزم تنظيم الاستقالة في قانون العمل أيضاً تحت مسمى الاستقالة من العمل، وذلك لإزالة أي لبس أو غموض قد يصيب من يبحث عن أحكام الاستقالة في عقود العمل غير محددة المدة.

 

كتابة: أحمد عبد السلام

[1] – هاشمي خرفي – الوظيفة العمومية على ضوء التشريعات الجزائرية وبعض التجارب الأجنبية – دار هومة – الجزائر – 2010 – ص216.

[2] – محمد الحراري – أصول القانون الإداري الليبي: تنظيم الإدارة الشعبية – الطبعة السادسة – منشورات مكتبة الجامعة المفتوحة – ليبيا – 2010 – ص991.

[3] – حمدي سليمان – انقضاء الرابطة الوظيفية في غير حالة التأديب: دراسة مقارنة – الطبعة الأولى – دار وائل للنشر – الأردن – 2003 – ص173.

[4] – عبد اللطيف رسلان – النظرية العامة للاستقالة بين القانون الوضعي والشريعة الإسلامية: دراسة مقارنة – دار الجامعة الجديدة – مصر – 2004 – ص43.

[5] – صلاح الدين فوزي – المبادئ العامة في القانون الإداري – دار النهضة العربية – مصر – 1992 – ص209.

[6] – عبد الكريم بن قلة – الاستقالة في القانون الجزائري – رسالة ماجستير غير منشورة – كلية الحقوق والعلوم السياسية – جامعة محمد خيضر بسكرة – الجزائر – 2014 – ص84.

[7] – سعيد مقدم – الوظيفة العامة بين التطور والتحول من منظور تسيير الموارد البشرية وأخلاقيات المهنة – ديوان المطبوعات الجامعية – الجزائر – بدون عام نشر – ص334.

Scroll to Top