أحكام وكالة التوزيع التجاري

ساهمت العقود بشكل عام وعقود الوكالة التجارية بشكل خاص في بيع وترويج المنتجات والبضائع على المستوى الدولي بشكل خاص، مما أدى لزيادة حجم الإنتاج والاستهلاك وتدوير عجلات الاقتصاد بين مختلف دول العالم، فهي تتيح للأفراد إبرام التصرفات القانونية دون الاضطرار للحضور فعليًا لإبرام تلك العقود.

والوكالات التجارية لها فوائد وأهمية كبيرة بالنسبة للاقتصاد الوطني وذلك من خلال زيادة حجم العائدات الجمركية والضريبية للدول وغيرها من الفوائد.

فنتيجة لتقدم الصناعات وتطورها واتساع مساحة الاستهلاك وطموح المستثمرين والصناعيين لإيصال منتجاتهم لكل مكان في العالم، فكان ضروريًا إيجاد نوع من التعاملات يضمن من خلالها كل صانع أو تاجر أو مستثمر توزيع منتجاته وبضائعه بأفضل سبيل ممكن، وذلك بواسطة الوكالات والعقود التجارية.

للاطلاع على نموذجين لوكالتين توزيع ، ولتكوين فكرة واضحة عن شروط عقد التوزيع اقرأ مقالة ( نموذجين اتفاقية توزيع حصري 2020 ) .

 ولأجل ذلك قد عمت الكثير من الدول لتقنين الأحكام الخاصة بالوكالة التجارية والوكلاء التجاريين في قانون خاص ينظم أحكامها والقواعد المتعلقة بها.

جدول المحتويات 

تعريف الوكالة التجارية ووكالة التوزيع التجاري :

خصائص الوكالة التجارية مقارنة بوكالة التوزيع التجاري :

أركان عقد الوكالة :

التصرف محل الوكالة :

وسنتطرق في مقالنا لتعريف الوكالة التجارية ووكالة التوزيع التجاري، وخصائص وكالة التوزيع التجاري، وأركان عقد وكالة التوزيع التجاري.

تعريف الوكالة التجارية ووكالة التوزيع التجاري :

تعريف الوكالة التجارية :

عرفها المشرع المصري في القانون المدني المصري مادة (699) على أنها : ” عقد بمقتضاه يلتزم الوكيل بان يقوم بعمل قانوني لحساب الموكل “.

وأغلب التشريعات تتفق على أن الوكالة هي تمثيل أو تفويض شخص لآخر القيام بالتصرفات القانونية لحساب الأول أو المفوض، ولكن يُرجح ما ذهب إليه المشرع الأردني في تعريفه للوكالة بشكل عام في المادة (833) من القانون المدني الأردني على أنها : ” عقد يقيم الموكل بمقتضاه شخصًا آخر مقام نفسه في تصرف جائز معلوم”.

فقد اعتبر المشرع الأردني الوكالة تعبيرًا عن إرادة الموكل في إنابة غيره في إجراء التصرف دون تحديد ماهيته، لأن الالتزام يتعين أن يتم بعد تمام العقد والتعريف يجب أن يكشف عن ماهية الشيء لا آثاره.

تعريف وكالة التوزيع التجاري :

فقهاء القانون اختلفوا في وضع مسمى معين لفكرة وكالة التوزيع التجاري فمنهم من سماها ” التمثيل التجاري ” ومنهم من أطق عليها ” اتفاق التوزيع الحصري ” وأطلق عليها آخرون ” التمثيل الحصري ” بيد أن تلك التسميات لم تختلف بحسب المضمون لمفهوم وكالة التوزيع التجاري.

والفقه يُعرف عقد التوزيع بأنه : ” عقد يتنازل فيه المنتج أو تاجر الجملة إلى موزع محلي بحق قصر البيع في منطقة محددة مع التزامه بمتابعة تقديم خدمات العملاء وصيانة المنتجات المباعة محل عقد البيع سواء أكانت محلًا للضمان أم لا “.

وعرفها آخرون : ” عقد يصاغ عندما يلزم الموزع (صاحب الامتياز) نفسه في الحصول على منتوجات الصانع وترويجها وإعادة بيعها وفقًا لشروط يحددها الصانع الذي بدوره يحول ملكية البضائع إلى الموزع ويحصل على أرباحه من الفرق بين سعر الشراء وسعر البيع “.

والمادة الثانية من القانون المؤقت رقم 19 لسنة 1967 قانون الوكلاء والوسطاء التجاريين الأردني عرفت الوسيط التجاري بأنه :” كل من يتعاطى مهنة التوسط في إجراء العقود التجارية بين طرفين دون أن يلحق به شيء من تبعتها “.

ويمكن أن نعرف عقد وكالة التوزيع التجاري تعريفًا شاملًا بأنه ” عقد يقوم من خلاله الموزع (الوكيل) بشراء منتجات الشركة المنتجة (الموكل) للبضائع أو الخدمات بحيث يقوم ببيعها وترويجها في المنطقة الجغرافية التي يُتفق عليها مع الموكل وأرباحه يتقاضاها من هامش الفرق بين هامش الشراء وهامش البيع”.

أهم خصائص الوكالة التجارية مقارنة بوكالة التوزيع التجاري :

يُمكن من خلال تعريفات الوكالة التجارية ووكالة التوزيع التجاري استخلاص بعض خصائصها، سنتناول بعض تلك الخصائص بالشرح فيما سيلي :

من العقود الرضائية :

الوكالة مثل سائر العقود تنعقد الوكالة بالتقاء إرادة المتعاقدين، أي توافق الإيجاب والقبول، وأن يكون رضا كل من الموكل والوكيل خاليًا من عيوب الإرادة، والتعبير عن الإرادة يكون وفق القواعد العامة بعدة وسائل باللفظ أو بالكتابة أو بالإشارة المعهودة عرفًا أو بأي وسيلة أخرى تدل دلالة كاملة على التراضي.

ويجب التراضي على التصرف القانوني المطلوب القيام به، وكذلك التراضي على الأجر الذي يتقاضاه الوكيل بهدف تحقيق الأثر القانوني الذي تحققه الوكالة، وكذلك التراضي على العقد، وبغض النظر أكان رضا الموكل صريحًا أو ضمنيًا فيجب أن يسبق التصرف القانوني الذي يعقده الوكيل فإن كان لاحقًا له لم تكن هناك وكالة، بل فضالة، وكان رضا رب العمل إقرارا بالعمل الفضولي.

ووكالة التوزيع التجاري كسائر العقود يجب التقاء إرادة المتعاقدين، وذلك بين الموكل والوكيل، بيد أن الكتابة تُعتبر شرطًا لانعقادها.

من العقود المسماة :

فهو من العقود المسماة التي خصصها القانون باسم معين ونظمهما لشيوعها بين الناس، وبمعنى آخر فالعقد المسمى هو العقد الذي نظم المشرع أحكامه وقام بتقنينها ضمن قانون خاص بخلاف العقود غير المسماة والتي لم يعن المشرع بتنظيمها ولم يخصها باسم معين رغم لجوء الناس إليها في حياتهم اليومية، والوكالة اسم مستقر عليه في أغلب التشريعات المعاصرة ومنها القانون المدني الأردني ومجلة الأحكام العدلية، إضافة إلى التسميات الأخرى للوكالات، مثل وكالة التوزيع التجاري ووكالة العقود والوكالة بالعمولة.

من العقود الواردة على العمل :

نظام المشرع أحكام الوكالة ضمن العقود الواردة على العمل، فمجلة الأحكام العدلية عرفت الوكالة بأنها : ” الوكالة تفويض أحد أمره لآخر وإقامته مقامه في ذلك الشغل ويقال لذلك الشخص موكل ولمن أقامه وكيل، ولذلك الأمر موكل به “.

ولكن العمل الوارد على عقد الوكالة ذو طبيعة خاصة بحيث يشترط فيه أن يكون تصرفًا قانونيًا، ولكن هناك فرقًا رئيسيًا بين عقد الوكالة وعقد العمل وهو أن عقد العمل يلتزم فيه العامل بان يقوم بالعمل لمصلحة رب العمل وتحت إشرافه وأدارته لقاء أجر محدد ويكون ملتزمًا بالنتائج القانونية لعمله، وذلك يكون تطبيقًا لقاعدة ” مسؤولية المتبوع عن أفعال التابع ” ، ولكن الوكالة قد تعطي للوكيل بمقتضى عقد الوكالة ولاية التصرف، وقد أكدت المادة (840) من القانون المدني الأردني على ذلك حيث نصت على أن  : ” تثبت للوكيل بمقتضى عقد الوكالة ولاية التصرف فيما يتناوله الوكيل دون أن يتجاوز حدوده إلا فيما هو أكثر نفعًا للموكل “.

من العقود الملزمة للجانبين :

عقد الوكالة بشكل عام كما عقد الوكالة التجارية يفرض التزامات متقابلة على ذمة طرفيه، فكل منهما يصبح دائنًا ومدينًا في الوقت ذاته، ولذلك تُعتبر من العقود التبادلية الملزمة لجانبين، على عكس العقود الملزمة لجانب واحد والتي لا يلتزم بها إلا أحد طرفي العقد.

ووكالة التوزيع التجاري بالمثل ترتب كذلك التزامات متقابلة في ذمة طرفي العقد الموكل والوكيل.

من عقود المعاوضة :

عقد المعاوضة هو العقد الذي يأخذ فيه كلا المتعاقدين مقابلًا لما أعطاه الطرف الآخر، أما عقد التبرع فهو العقد الذي يقدم أحد الطرفين فيه للآخر منفعة مجانًا أي لا يأخذ فيه المتعاقد مقابلًا لما أعطاه، وبحسب الأصل فإن عقد الوكالة من عقود التبرع مالم يتفق الأطراف عكس ذلك.

ولكن فيما يتعلق بالوكالة التجارية فهي تُعتبر من عقود المعاوضات بحيث يأخذ الوكيل مقابل تنفيذه للوكالة، في حين أن وكالة التوزيع التجاري يأخذ الوكيل مقابل تنفيذه للوكالة أرباحه من فرق السعر بين البيع والشراء، وفي المقابل يأخذ الموكل ( الشركة المنتجة) ثمن البضائع والخدمات والمنتجات محل اتفاقية الوكالة من الوكيل.

من العقود المحددة :

الوكالة التجارية من العقود المحددة وذلك نظير ما يرتبه كعقد تبادلي وعقد معاوضة من التزامات محددة على طرفيه، أي تقدير ما يحصل عليه كل منهما من منافع وما يتحمله بالمقابل من أعباء، أو بمعنى آخر ما يمنحه كل منهما من حقوق والتزامات على طرفيه، ومنها تنفيذ الوكيل ما وكل به وأداء الموكل أجرة الوكالة .

من العقود غير اللازمة :

فعقد الوكالة بطبيعته عقد غير لازم يُمكن لأحد طرفيه التحلل منه دون حاجة لموافقة الطرف الآخر، فوفقًا للمادة 1521 من مجلة الأحكام العدلية ” للموكل أن يعزل وكيله من الوكالة، ولكن إن تعلق به حق آخر فليس له عزله ..” . وبدلالة المادة 1522 من مجلة الأحكام العدلية يجوز للوكيل إقالة نفسه عن الوكالة بشرط عدم تعلق حق الغير بها، وعزل الوكيل أو إقالته لنفسه يُمكن أن يتم قبل إتمام التصرف محل الوكالة، بل حتى قبل البدء بها.

وعقد وكالة التوزيع التجاري من العقود القائمة على الاعتبار الشخصي، ويغلب عليها أن تكون من العقود الزمنية المستمرة، كما أنها من العقود التجارية.

أركان عقد الوكالة :

يجب أن تتضمن الوكالة كغيرها من العقود ثلاثة أركان وهي التراضي والمحل والسبب.

التراضي في عقد الوكالة :

لكي ينعقد عقد الوكالة فيتعين تلاقي إرادة طرفي العقد وهما الموكل والوكيل، وكذلك يتعين تطابق الإيجاب مع القبول، كما يجب أن يكون رضا كل طرف منهما خاليًا من عيوب الرضا كالغلط والإكراه والتغرير والغبن، إضافة إلى ذلك فتلك الإرادة يجب أن تصدر عن أشخاص ذوي أهلية، وذلك ما سنتناوله فيما يلي :

أهلية الموكل :

الوكيل يحل محل الموكل في القيام بالتصرف المراد القيام به، وبالتالي يتعين أن يكون الموكل ذو أهلية للتعاقد، لأن الوكيل قوته تُستمد من الموكل، فيتعين أن يكون هو أهلًا له، ففاقد الشيء لا يعطيه لغيره، فلا يصح التوكيل من المجنون أو الصبي غير المميز، والصبي المميز لا يجوز توكيله بالتصرف الضار ضررًا محضًا كالتوكيل بمنح الهبة حتى إن أذن به وليه، ولكن في حال كان توكيله بالتصرف الذي ينفعه نفعًا محضًا كالتوكيل بقبول الهبة صح ذلك، ولكن إذا كان التصرف يدور بين النفع والضرر فيكون العقد موقوفًا على إجازة وليه إلا إذا كان مأذونًا فيصح في حدود الأذن.

فالموكل إذا لم يكن أهلًا للقيام بالتصرف القانوني موضوع الوكالة كانت الوكالة باطلة ويسري البطلان على تصرف الوكيل ويؤثر في حقوق الغير، والعبرة في توفر الأهلية في الموكل بوقت الوكالة ووقت مباشرة الوكيل العقد، فإن كان الموكل غير أهل لهذا العقد وقت إعطاء التوكيل لم تصح الوكالة، وكذلك لا تصح إذا كان الموكل أهلًا وقت التوكيل وغير أهل وقت مباشرة العقد.

أهلية الوكيل :

نصت المادة 1458 من مجلة الأحكام العدلية على أنه : ” يشترط أن يكون الوكيل عاقلًا ومميزًا ، ولا يشترط أن يكون بالغًا فيصح أن يكون الصبي المميز وكيلًا وإن لم يكن مأذونًا، ولكن حقوق العقد عائدة إلى موكله وليست بعائدة إليه “

ونستنتج من النص السابق أنه لا يشترط في الوكيل أن يكون كامل الأهلية، بل أن يكون أهلًا لتصدر منه إرادة حرة ومستقلة، ومن ثم فلا توكيل للصبي غير المميز ولا المجنون ولا المحجور عليه لسفه بالقيام بالتصرف، فمن لا يملك مباشرته لنفسه لمصلحته فلا يملك ذلك لغيره.

التصرف محل الوكالة :

من خلال المادة (833) من القانون المدني الأردني التي تُعرف الوكالة بأنها : ” عقد يقيم الموكل بمقتضاه شخصًا آخر مقام نفسه في تصرف جائز معلوم ” وباستقراء المادة (844) من القانون ذاته، وكذلك المادتين (1457 و1459) من مجلة الأحكام العدلية يُمكن استخلاص الشروط التي ترد على محل العقد في الآتي :

أن يكون التصرف محل الوكالة ممكنًا :

يتعين أن يكون التصرف محل الوكالة ممكنًا، فلو كان مستحيلًا فإنه يكون باطلًا ، إذ أنه لا التزام بمستحيل، وكانت الوكالة باطلة تبعًا لبطلان التصرف. فتنص المادة (159) من القانون المدني الأردني على الآتي ” إذا كان المحل مستحيًلا في ذاته وقت العقد كان العقد باطلًا ” فمثًلا لا يجز توكيل محامي في بيع أموال الوقف، كما أن النيابة في عقد الوكالة محل التصرف يجب أن تكون جائزة.

أن يكون التصرف محل الوكالة معلومًا أو معينًا :

أوجبت المواد (833 و834) من القانون المدني الأردني وكذلك المادة (1468) من مجلة الأحكام العدلية تعيين التصرف محل الوكالة تعيينًا نافيًا للجهالة ، كما لو وكل شخص شخصًا آخر بإبرام عقد بيع معين، فلا يصح أن يكون محل الوكالة شيئًا مجهولًا، ومحل التصرف موضوع الوكالة قد يكون قابلًا للتعيين كما لو قام شخص بتوكيل غيره بإدارة شركته.

أن يكون التصرف محل الوكالة مشروعًا :

 محل التصرف في عقد الوكالة يتعين أن يكون مشروعًا غير مخالف للنظام العام أو الآداب والقانون، فمن غير الجائز أن يكون محل الوكالة شراء مخدرات أو أسلحة ممنوع التعامل بها، فأي اتفاق يخالف القانون يُعتبر باطلًا.

والتصرف القانوني المراد القيام به إذا كان غير جائز بالنسبة للموكل، فلا يجوز له أن يوكل فيه غيره، فما لا يستطيع أن يقوم به بنفسه لا يستطيع أن يوكل فيه غيره.