القاعدة القانونية

القاعدة القانونية وأنواعها

يعتبر القانون عنصر أساسي من العناصر التي لا يقوم أي مجتمع بدون توافرها، حيث أن القانون هو أساس تنظيم العلاقات التي تنشأ بين أفراد المجتمع، ويحدد الواجبات والالتزامات التي تقع على عاتق كل فرد، كما أنه يضع الضوابط التي تكفل حماية الحقوق والحفاظ عليها، وغيرها من أساسيات الحياة في أي مجتمع والتي لا يمكن تحقيقها إلا في ظل وجود قانون.

ويعرف القانون بأنه مجموعة القواعد القانونية التي يتم إصدارها من قبل السلطة صاحبة الاختصاص بذلك وهي السلطة التشريعية، وبالتالي فإن القاعدة القانونية تمثل الوحدة الأساسية التي يتكون منها أي قانون، فما هو المقصود بالقاعدة القانونية؟ وما هي الخصائص التي تتصف بها؟ وكيف يمكن التمييز بينها وبين القواعد الأخرى التي قد تتشابه معها؟ وما هي أنواعها؟ ونظراً لأهمية تلك التساؤلات فسوف نخصص هذا المقال للإجابة عليها بشيء من التفصيل.

 

أولاً: ما هو المقصود بالقاعدة القانونية؟

ثانياً: الخصائص المميزة للقاعدة القانونية

ثالثاً: القاعدة القانونية وما يتشابه معها من قواعد

رابعاً: أنواع القواعد القانونية

خامساً: نماذج من أحكام القضاء الأردني ذات العلاقة

سادساً: الخاتمة

 

أولاً: ما هو المقصود بالقاعدة القانونية؟

يرى بعض الفقه أن القاعدة القانونية في جوهرها تمثل علاقة مطردة تربط بين ظاهرتين، فإذا ما وقعت إحداهما كان حتمياً أن تتحقق الأخرى[1]، ومن هذا المنطلق وضعت للقاعدة القانونية العديد من التعريفات والتي لا يمكن ذكرها حصراً لتعددها، ولكننا سوف نذكر منها أبرزها وأكثرها شيوعاً وذلك في النقاط التالية:

  • عرفت القاعدة القانونية لدى البعض بأنها القاعدة السلوكية الاجتماعية التي تتسم بالعمومية والتجرد وتتمتع بقوة إلزامية وتستهدف تنظيم العلاقات والروابط التي تنشأ بين أفراد المجتمع[2].
  • عرفت أيضاً بأنها القاعدة التي يتم من خلالها تنظيم سلوكيات الأفراد في المجتمع الواحد، ويتم تطبيقها من قبل السلطات العامة فيه، وفي سبيلها لذلك تفرض عقوبات وجزاءات تختلف في نوعها وتوقع على من يخالف تلك القواعد[3].

  • ورآها البعض الآخر على أنها مبدأ قانوني يستهدف ضبط سلوك الإنسان داخل الجماعة التي يحيا فيها، والتحكم فيه وتوجيهه إلى السبيل الصحيح بشكل ملزم وبما يتوافق مع الأهداف التي يقرها ضمير المجتمع.

مما يمكننا معه أن نستخلص التعريف العام للقاعدة القانونية وهو أنها تمثل ضوابط ملزمة يام فرضها على الأفراد داخل المجتمع، وذلك بهدف ضبط وتنظيم ما ينشأ بينهم من روابط وعلاقات، وما يتم بينهم من تعاملات، وتقوم السلطات العامة في الدولة بمراقبة تنفيذها وتضع الجزاءات المناسبة لمن يرتكب أي مخالفة لها.

ثانياً: الخصائص المميزة للقاعدة القانونية

تتمتع القاعدة القانونية بمجموعة من المميزات التي تعد بمثابة خصائص تنفرد بها، وتميزها عن غيرها من القواعد الأخرى، ويمكننا أن نوجز تلك الخصائص في النقاط التي سنتعرض إليها فيما يلي.

1- القاعدة القانونية هي قاعدة اجتماعية

من خلال التعريفات التي سبق أن تعرضنا إليها آنفاً في البند أولاً بخصوص القاعدة القانونية فإننا يمكن أن نستخلص منها أن أحد أهم أهداف القاعدة القانونية هو تنظيم وضبط ما ينشأ بين الأفراد من علاقات في إطار مجتمعهم، وهو ما يضع القاعدة القانونية ضمن إطار القواعد الاجتماعية، لاسيما وأنها تطبق على العلاقات التي تنشأ بين الأفراد وبعضهم البعض، وبالتالي فهي تنصب على العلاقات التي تمتد آثارها لتؤثر على المجتمع، فهي على سبيل المثال لذلك لا تطبق على علاقة الشخص بربه إلا إذا تعدت هذا النطاق وطالت آثارها الأفراد الذين يحيطون به في المجتمع.

كما أن الحاجة إلى القاعدة القانونية لا تظهر إلا في ظل وجود مجتمع، حيث أنه لا يمكن أن يتصور وجود علاقات إلا في إطار تعدد الأفراد ليكونوا هم أطراف تلك العلاقات، والإنسان بطبيعة الحال وباعتباره كائن اجتماعي بطبعه لا يمكنه العيش في عزلة عن الآخرين، وهو يسعى دائماً إلى التواجد في إطار جماعة من البشر، وبالتالي فإن حياته وسط تلك الجماعة هي التي تقتضي وجود قواعد قانونية لنظم العلاقات التي تنشأ بينه وبين أفراد تلك الجماعة، وتعمل على تحديد الحقوق والالتزامات الخاصة بكل منهم، مما يجعل القانون مرتبطاً بشكل دائم بوجود المجتمع، ويسبغ الصفة الاجتماعية على القاعدة القانونية.

2- القاعدة القانونية هي قاعدة ملزمة

تعد القاعدة القانونية بمثابة وسيلة أو أداة تستخدمها السلطات العامة في الدولة لتوجيه سلوك أفرادها إلى السبيل الذي يبتعد بهم عن ارتكاب أي مخالفات، فهي بذلك تتضمن أمر بفعل أو نهي عنه بشكل إجباري وليس اختياري، وحتى تضمن السلطات التزام الأفراد بتلك القواعد القانونية كان لزاماً عليها أن تضع جزاء أو عقوبة يتم توقيعها على من يخالف تلك القواعد، لذلك فإن ذلك الجزاء يعد من العناصر الأساسية التي تقوم عليها القاعدة القانونية، وهو العامل الرئيسي في اكتسابها للصفة الإلزامية.

وبالتالي فإن القاعدة القانونية متى خلت من ثمة جزاء فعندئذ تتجرد القاعدة القانونية من مضمونها، وذلك لأنها أصبحت تخلو من قدرتها على إلزام أفراد المجتمع باحترامها، مما قد يحدو بالبعض إلى مخالفتها في ظل عدم وجود أي جزاء قد يطاله نتيجة تلك المخالفة، وهو ما يوضح لنا أن الجزاء يمثل مصدر الإلزام للقاعدة القانونية، ويمنحها القدرة على تحقيق الهدف الذي من أجله تم تقريرها.

ولا يقتصر دور الجزاء في القاعدة القانونية على حمل الأفراد على احترامها وردع من يخالفها فقط، ولكنه يلعب دوراً هاماً أيضاً في إزالة أي آثار أو أضرار قد تنشأ عن تلك المخالفة، كما هو الحال في تقرير التعويض للغير على إثر مخالفة القاعدة القانونية.

3- القاعدة القانونية هي قاعدة عامة ومجردة

هذه الخاصية من خصائص القاعدة القانونية تشتمل على صفتين أساسيتين من صفاتها، الأولى هي صفة العموم، والثانية هي صفة التجريد.

ويقصد بالعمومية هنا أن القاعدة القانونية عندما يتم إصدارها تكون موجهة إلى الكافة، أي أنها تخاطب كافة الأفراد في المجتمع دون استثناء أو تفرقة، ويتم تطبيقها على جميع من يتحقق في شأنهم الشروط الخاصة بتطبيقها، وهذه الصفة تحقق في القاعدة القانونية مبدأ المساواة في تطبيقها.

ولا ينال من ذلك أن هناك بعض القواعد القانونية التي تخاطب طائفة معينة من الأشخاص كالقواعد القانونية التي تطبق على الموظف العام، فعلى الرغم من خصوصيتها بأنها تخاطب فئة محددة من الأشخاص، إلا أنها تخاطب بوجه عام كافة من ينطبق عليهم صفة الموظف العام دون تمييز بين موظف وآخر، وهو ما يعد وجهاً آخر من أوجه ثبوت صفة العمومية للقاعدة القانونية، حيث أن العبرة في مسألة العمومية هنا ليست بشخص من يتم مخاطبته بالقواعد القانونية ولكنها تنصب على وصف ذلك الشخص وشروط الواقعة التي تستهدفها القاعدة القانونية[4].

أما التجريد فيقصد بها أنه ومنذ أن يتم سن القاعدة القانونية فإنها تنشئ مركز قانوني لا يستهدف شخص محدد بعينه أو واقعة محددة بعينها، بل يستهدف كافة الأشخاص والوقائع الذين تنطبق عليهم الشروط والأوصاف التي يستلزمها هذا المركز القانوني.

ثالثاً: القاعدة القانونية وما يتشابه معها من قواعد

نظراً لما تتمتع به القاعدة القانونية من صفات وخصائص فهي قد تتداخل في نظر البعض مع أنواع أخرى من القواعد ويرون أنها تتشابه معها على الرغم من الاختلاف الجوهري بينهم، لذلك فقد ارتأينا أن نتعرض إلى أوجه الاختلاف بين القاعدة القانونية وبعض القواعد الأخرى التي قد يرى البعض أنها تتشابه معها.

1- القواعد القانونية والقواعد الدينية

القواعد الدينية يقصد بها المبادئ والأحكام التي أنزلها الله سبحانه وتعالى على أنبيائه عن طريق الوحي[5]، وفي العصور القديمة كانت القواعد القانونية متداخلة ومختلطة مع القواعد الدينية، حيث كان أغلب القواعد القانونية حينئذ مستمدة من الدين وما يتضمنه من عقائد وأحكام، وكانت تستمد احترامها من كونها مستمدة من الدين الذي يحترمه الجميع، والذي توقع الجزاءات على من يخالف أحكامه، وظل الأمر على ذلك الحال حتى بدأ القانون ينفصل عن الدين إلى أن أصبح كلاً منهما مستقلاً عن الآخر، وباتت القواعد القانونية مستقلة تماماً عن القواعد الدينية.

وقد يرى البعض أن القاعدة القانونية لا تختلف عن القاعدة الدينية باعتبار أن كلاً منهما تستهدف تقويم سلوكيات الأفراد وتنظيمها، إلا أن ذلك التشابه في الهدف لا يجعلهما متطابقتين أو متماثلتين نظراً لتعدد أوجه الاختلاف التي تميز بينهما، ومن أهم أوجه الاختلاف تلك نذكر ما يلي:

  • تختلف القاعدة القانونية عن القاعدة الدينية من حيث مصدرها، فالقاعدة الدينية من صنع الله عز وجل، بينما القاعدة القانونية يقوم بوضعها الإنسان.
  • أما من حيث النطاق الخاص بتطبيق كلاً منهما نجد أن القاعدة القانونية لا تتمتع بالنطاق الواسع الذي تتمتع به القواعد الدينية، حيث يقتصر نطاقها على مجال المعاملات فقط، ولا تتعدى ذلك إلى مجال العبادات التي تختص بها القواعد الدينية.
  • تنصب القواعد الدينية على السلوكيات الخارجية والتصرفات التي يقوم بها الفرد فقط، بينما تنصب القواعد الدينية على السلوكيات والتصرفات وأيضاً النوايا الداخلية للفرد.
  • أما من حيث الجزاء فإن الجزاء المقرر لمخالفة القاعدة القانونية يتم توقيعه بصورة فورية وحالة بمجرد ارتكاب تلك المخالفة، في حين أن القواعد الدينية يكون الجزاء المقرر لمخالفتها إما عاجلاً في الحياة الدنيا أو مؤجلاً إلى الآخرة.

2- القواعد القانونية والقواعد الأخلاقية

الأخلاق بوجه عام تعد بمثابة جملة من القواعد التي تستهدف الوصول بالفرد إلى أقصى درجة ممكنة من الكمال، وذلك من خلال دفعه إلى القيام بأفعال الخير، والابتعاد عن الأفعال السيئة، عن طريق توجيه أوامر للفرد بأن ينتهج منهج محدد في تعامله مع نفسه ومع غيره[6].

وتشترك القواعد الأخلاقية مع القواعد القانونية في صفتي العمومية والتجريد، إلا أنهما تختلفان في العديد من الأوجه الأخرى والتي من أهمها:

  • من حيث نطاق كلاً منهما فإن القاعدة القانونية تتسم بأنها أضيق نطاقاً من القاعدة الأخلاقية، فالقاعدة القانونية تستهدف ضبط وتنظيم سلوك الفرد مع غيره من الأفراد المحيطين به في المجتمع، بينما القاعدة الأخلاقية أوسع وأشمل في نطاقها حيث تستهدف ضبط وتنظيم سلوك الفرد مع غيره وأيضاً ضبط وتنظيم سلوك الفرد مع نفسه، ومن أمثلة القواعد الأخلاقية التي تنظم سلوك الفرد مع نفسه القواعد التي تحث على اتباع الصدق والابتعاد عن الكذب، فهي لا تنظم علاقة الفرد بغيره ولكنها تضبط علاقته بنفسه.
  • من حيث الجزاء المترتب على مخالفة القاعدة فإن القاعدة القانونية تختلف عن القاعدة الأخلاقية في أن الأولى يترتب على مخالفتها جزاء مادي، وهو جزاء فوري يتم توقيعه على الفرد فور مخالفته للقاعدة القانونية، بينما الجزاء المترتب على مخالفة القاعدة الأخلاقية هو جزاء معنوي يتمثل فيما يصيب الفرد المخالف من تأنيب للضمير، بجانب استهجان أفراد المجتمع المحيطين به.

كما تختلف القاعدتين أيضاً من حيث السلطة المختصة بتوقيع الجزاء، ففي الجزاء الخاص بالقاعدة القانونية تكون السلطة المختصة بتوقيعه هي الدولة من خلال السلطة المختصة بذلك، بينما الجزاء الخاص بالقاعدة الأخلاقية يوقع من قبل ضمير الشخص نفسه في شكل تأنيب له، بجانب أفراد المجتمع المحيطين به في صورة استهجانهم له.

  • من حيث المضمون فإن القاعدتين يختلفان أيضاً، حيث أن القاعدة القانونية تتضمن بيان الواجبات التي يلتزم بها الفرد وتقع على عاتقه، كما تقرر أيضاً ما يتمتع به من حقوق على الغير، بينما تتضمن القاعدة الأخلاقية تقتصر فقط على تقرير الواجبات ولا تمتد لتقرر الحقوق.
  • وأخيراً من حيث الوضوح والثبات والانضباط فإن القاعدة القانونية باعتبارها تكون مكتوبة فإنها تتسم بالثبات والانضباط مما يجعل من الوقوف على مضمونها وتطبيقها أمراً يسيراً، بينما القاعدة الأخلاقية تكون غير واضحة في أغلبية الأحيان لأنها لا تتعدى كونها مشاعر وأحاسيس داخلية تعتمل في ضمير الفرد، وبالتالي فهي تختلف من شخص لآخر وهو ما يجعلها تفتقد للوضوح والثبات والانضباط[7].

3- القواعد القانونية وقواعد المجاملات

يطلق على قواعد المجاملات أيضاً مسمى العادات الاجتماعية، ويقصد بها السلوكيات والتقاليد التي استقر العمل بها بين أفراد المجتمع، وتكون تلك السلوكيات والتقاليد في أي مجال من المجالات المختلفة، ويشمل ذلك طريقة الحياة أو الملبس أو المأكل أو عند حدوث حالة من حالات الزواج أو الوفاة أو ترك المكان لكبار السن في وسائل المواصلات[8]، وغيرها من التقاليد الأخرى التي تمثل جزء من النظام الاجتماعي، ولذلك يحرص أفراد المجتمع على اتباع تلك القواعد والالتزام بها قدر الإمكان.

وتختلف القواعد القانونية عن قواعد المجاملات من حيث الجزاء المترتب على مخالفة كل منهما، حيث أن الجزاء على مخالفة القواعد القانونية يتمثل في جزاء مادي يصيب الفرد مرتكب المخالفة ويكون له وجود محسوس، في حين أن الجزاء على مخالفة قواعد المجاملات هو جزاء معنوي يظهر في صورة استهجان واستنكار من قبل باقي أفراد المجتمع، والذي قد يصل إلى درجة قطع العلاقات الاجتماعية مع مرتكب تلك المخالفة.

وهو ما يترتب عليه أيضاً أن القاعدة القانونية تتمتع بقوة إلزام تستمدها من الجزاء المقرر لمخالفتها، في حين أن قاعدة المجاملات لا تتمتع بالقوة الإلزامية بحيث يستطيع الشخص أن يخالفها لكونها لا تتضمن جزاء مادي، وقد لا يؤثر معه ما قد يواجه من استهجان من قبل باقي أفراد المجتمع.

رابعاً: أنواع القواعد القانونية

تتعدد صور وأنواع القواعد القانونية إلى أكثر من صورة ونوع، حيث يمكن تقسيم القواعد القانونية إلى أكثر من نوع ووفق لأكثر من تقسيم، ويختلف كل تقسيم عن الآخر في الأساس الذي يعتمده في تصنيف القواعد القانونية، وسوف نتعرض إلى أهم أنواع القواعد القانونية وفقاً لأبرز التقسيمات التي قررها الفقه القانوني في هذا البند من المقال.

1- أنواع القواعد القانونية وفقاً لطريقة إصدارها

يتم تقسيم القواعد القانونية في ظل هذا التقسيم استناداً إلى الطريقة التي يتم بها إصدار القاعدة القانونية، وبصورة أكثر دقة فهو يتم استناداً إلى الطريقة التي يتم بموجبها صياغة القاعدة القانونية، حيث تنقسم القواعد القانونية في ظل هذا التقسيم إلى قواعد قانونية مكتوبة وقواعد قانونية غير مكتوبة.

أ- القواعد القانونية المكتوبة

يقصد بها النصوص القانونية والأحكام التشريعية التي يتم سنها والتصديق عليها من قبل السلطة التشريعية في الدولة، ويتم إصدارها في صورة مكتوبة ومدونة، وتتمتع تلك القواعد القانونية بالإلزام لكونها تصدر معبرة عن إرادة الدولة، وتتسم هذه القواعد بوضوحها وسهولة تطبيقها من قبل المحكمة لكونها مكتوبة ويمكن الرجوع إليه بشكل يسير.

ب- القواعد القانونية غير المكتوبة

أما القواعد القانونية غير المكتوبة فيقصد بها القواعد القانونية التي يتم استخلاصها من العرف السائد في المجتمع، ولذلك فهي تعد قواعد عرفية غير مدونة، ولكنها على الرغم من ذلك فهي تتمتع بقوة ملزمة، وتتسم تلك القواعد بأن المحكمة التي تقوم بتطبيقها تواجه صعوبة في الوقوف عليها وعلى مضمونها والمقصود منها نظراً لعدم وجودها في شكل واضح ومكتوب.

2- أنواع القواعد القانونية وفقاً لمضمونها

في ظل هذا التقسيم يتم تصنيف القواعد القانونية استناداً إلى مضمون هذه القواعد، بحيث تتمثل القواعد القانونية وفقاً لذلك في نوعين، النوع الأول هو القواعد القانونية الموضوعية، والنوع الثاني هو القواعد القانونية الشكلية.

أ- القواعد القانونية الموضوعية

يقصد بالقواعد القانونية الموضوعية القواعد التي تتناول تنظيم الحقوق التي يقررها القانون للفرد، والواجبات والالتزامات التي تقع على عاتقه تجاه الغير، ومن تلك القواعد على سبيل المثال لا الحصر قواعد القانون المدني وقواعد القانون التجاري وقواعد قانون العقوبات، وغيرها من القواعد التي يشتمل مضمونها على واجبات أو حقوق للفرد، أو على جزاءات وعقوبات يتم توقيعها عليه حال مخالفته للقانون.

ب- القواعد القانونية الشكلية

أما القواعد القانونية الشكلية فهي على النقيض من القواعد الموضوعية، فهي لا تتعرض إلى أي حقوق أو واجبات أو التزامات تخص الأفراد، ولكنها تشتمل على وصف وتحديد للضوابط الخاصة بشكل التصرفات التي تتم من أجل اقتضاء تلك الحقوق أو من أجل الوفاء بتلك الالتزامات، وتعرف تلك القواعد الشكلية بكونها قواعد إجرائية لا يترتب عليها تقرير حقوق أو التزامات، ولكنها تقوم بإسباغ الحماية على ما تتضمنه القواعد القانونية الموضوعية من حقوق، ومن أهم الأمثلة على تلك القواعد الشكلية قواعد قانون أصول المحاكمات الجزائية وقانون أصول المحاكمات الجزائية.

ونود أن نشير إلى أن القواعد القانونية الشكلية باعتبارها قواعد إجرائية لا تقتصر في وجودها على قوانين مستقلة، بل إننا كثيراً ما نجد قواعد قانونية شكلية في القوانين التي تضمن قواعد قانونية موضوعية، فعلى سبيل المثال نجد في قانون العمل القواعد القانونية الموضوعية التي تقرر حقوق والتزامات العامل وصاحب العمل، ونجد بجانبها القواعد القانونية الشكلية التي تحدد الجهات المختصة بنظر المنازعات العمالية والإجراءات اللازم اتباعها عند إقامة الدعاوى العمالية.

3- أنواع القواعد القانونية وفقاً لقوتها الإلزامية

يعد هذا التقسيم من أهم تقسيمات القواعد القانونية وأكثرها تأثيراً على أرض الواقع العملي، ويستند هذا التقسيم إلى مدى القوة الإلزامية التي تتمتع بها القاعدة القانونية ومدى جواز الاتفاق على مخالفتها، وهي تنقسم وفقاً لهذا الأساس إلى نوعين من القواعد القانونية، النوع الأول هو القواعد القانونية الآمرة، والنوع الثاني هو القواعد القانونية المكملة.

أ- القواعد القانونية الآمرة

تعرف القواعد القانونية الآمرة بأنها القواعد القانونية التي تتمتع بقوة إلزامية مطلقة لكونها تستهدف حماية مصلحة من المصالح الرئيسية والأساسية للمجتمع، وهو ما يمنع اتفاق الأفراد على مخالفة أحكامها أو إخراج تصرفاتهم القانونية من نطاق تطبيقها[9]، أي أن خضوع الأفراد لأحكام تلك القاعدة هو أمر إجباري وإلزامي لا يجوز لهم أن يتحرروا أو يتنصلوا منه، ويحظر عليهم الاتفاق على ما يخالفه.

ومن أهم الأمثلة على ذلك النوع من القواعد القانونية نجد القاعدة التي تمنع الشخص من الاعتداء على حياة غيره، فهذه القاعدة القانونية هي قاعدة آمرة لا يجوز مخالفتها أو الاتفاق على ما يخالفها، فلا يجوز لشخصين الاتفاق على أن يقوم أحدهما بقتل الآخر وإلا اعتبر هذا الاتفاق باطل لمخالفته لقاعدة قانونية آمرة، وإذا تم تنفيذ هذا الاتفاق وقام أحدهما بتنفيذ الاتفاق وقتل الشخص الآخر، فإن مرتكب هذا الفعل يعد مداناً بارتكاب جريمة القتل وتوقع عليه عقوبتها، ولا يؤثر في ذلك الاتفاق الذي تم بينه وبين المجني عليه لكونه هو والعدم سواء لمخالفته لقاعدة قانونية آمرة.

وتتمثل القواعد القانونية الآمرة في نوعين من القواعد الآمرة، وهذين النوعين هما:

  • النوع الأول هو القواعد القانونية الآمرة الإيجابية وهي القواعد التي تتضمن أوامر يقتضي على الفرد تنفيذها، ومنها على سبيل المثال التزام المشتري بسداد الثمن، والتزام البائع بتسليم المبيع، والتزام العامل بتأدية عمله، والتزام صاحب العمل بأداء الأجر للعامل.
  • النوع الثاني هو القواعد القانونية الآمرة السلبية وهي القواعد التي تتضمن نهي يقتضي على الفرد تجنب القيام بما يتضمنه، ومنها على سبيل المثال عدم جواز الإبراء عن دين مستقبل، وعدم الاعتداء على مال الغير أو ممتلكاته.

ب- القواعد القانونية المكملة

تعد القواعد القانونية المكملة هي النقيض للقواعد القانونية الآمرة، فهي قواعد لا تستهدف حماية مصالح رئيسية وأساسية تخص المجتمع، بل هي قواعد قانونية تتعلق بمصالح الأفراد، ولذلك فهي لا تتمتع بقوة إلزامية مطلقة ولكنها تتمتع بقوة إلزامية نسبية، بمعنى أنها لا تطبق على الأفراد بشكل إجباري إلا إذا لم يتم الاتفاق على ما يخالفها، لاسيما وأن هذا النوع من القواعد القانونية لا يقيد حرية الأفراد في الاتفاق على ما يخالفها، ولكن يمكن لهم أن يتفقوا على مخالفتها وإخراج علاقتهم من إطار تطبيقها، فإذا ما خلا الاتفاق بينهم على استبعاد تطبيقها فعندئذ تصبح تلك القاعدة واجبة التطبيق.

وهو ما يمكننا معه تبسيط مفهوم تلك القواعد القانونية بأنها قواعد اختيارية للأفراد، فيمكنهم الاتفاق على عدم تطبيقها وتطبيق غيرها على معاملاتهم، أو ترك تلك المعاملة لتكون محلاً لتطبيق تلك القاعدة متى خلا اتفاقهم من استبعاد لها.

ج- معيار التمييز بين القواعد الآمرة والقواعد التكميلية

اهتم الفقه بتحديد المعيار الذي يتم بموجبه التمييز بين القاعدة القانونية الآمرة ونظيرتها المكملة، ونتج عن ذلك أنه ظهر معيارين يمكن اللجوء لأياً منهما لمعرفة حقيقة القاعدة القانونية وما إذا كانت آمرة أم مكملة، وهذين المعيارين هما:

– المعيار الأول: المعيار الشكلي

ويسميه البعض أيضاً بالمعيار اللفظي، ويرجع ذلك إلى أن هذا المعيار يعتمد في اكتشافه لطبيعة القاعدة القانونية على شكلها الخارجي وما تم استخدامه في صياغتها من ألفاظ ودلالة تلك الألفاظ، لاسيما وأن المشرع متى أراد أن يعبر عن أوامر لا يجوز مخالفتها وتتمتع بقوة إلزامية مطلقة فإنه يستخدم في صياغتها ألفاظ وعبارات تنم عن ذلك بشكل واضح وصريح، بحيث لا تدع مجالاً للشك في مدى إلزاميتها، وعلى سبيل المثال لذلك أن تتضمن القاعدة القانونية لفظ أمر صريح كلفظ “يجب” أو “يلزم”، أو أمر نهي صريح كلفظ “لا يجوز”.

ومن القواعد القانونية الآمرة في القانون الأردني ما ورد بالمادة رقم (29) من القانون المدني الأردني من أنه (لا يجوز تطبيق أحكام قانون أجنبي عينته النصوص السابقة إذا كانت هذه الأحكام تخالف النظام العام أو الآداب في المملكة الأردنية الهاشمية)، حيث استهل المشرع النص القانوني بلفظ “لا يجوز”، وبالتالي لا يمكن الاتفاق على مخالفة تلك القاعدة وتطبيق أحكام قانون أجنبي متى كانت أحكامه تلك تخالف النظام العام والآداب في المملكة وإلا بطل هذا الاتفاق.

بينما في حالة رغبة المشرع في النص على قاعدة قانونية مكملة فإنه يصيغها بألفاظ توضح إمكانية الاتفاق على مخالفتها وعدم التقيد بما ورد بها من أحكام، وعلى سبيل المثال لذلك استخدامه للفظ “يجوز” أو “ما لم يتم الاتفاق على ما يخالف ذلك”.

ومن القواعد القانونية المكملة في القانون الأردني ما ورد بنص المادة رقم (101) من القانون المدني الأردني من أنه (إذا كان المتعاقدان لا يضمهما حين العقد مجلس واحد يعتبر التعاقد قد تم في المكان وفي الزمان اللذين صدر فيهما القبول ما لم يوجد اتفاق أو نص قانوني يقضي بغير ذلك).

– المعيار الثاني: المعيار الموضوعي

ويسميه البعض بمعيار المصلحة المحمية أي المصلحة التي تحميها القاعدة القانونية، وهو من المعايير الهامة التي يتم اللجوء إليها متى خلت الألفاظ التي تتضمنها القاعدة القانونية من بيان كونها آمرة أم مكملة، فيتم النظر إلى مضمون القاعدة القانونية بحيث إذا كانت القاعدة القانونية تهدف إلى حماية مصلحة عامة وأساسية للمجتمع أو تتعلق بالنظام العام والآداب العامة فهي تعد قاعدة قانونية آمرة، بينما إذا كانت القاعدة القانونية تستهدف حماية أي مصلحة أخرى خاصة عدا ما ذكر فإنها تعد من القواعد القانونية المكملة.

وعلى سبيل المثال للقواعد القانونية الآمرة ما ورد بنص المادة (397) من القانون المدني الأردني من أن (يبطل التصرف إذا علق وجوده على شرط مستحيل أو مخالف للآداب أو النظام العام)، وهو ما يمنع بشكل آمر الاتفاق على تعليق التصرف على شرط يخالف النظام العامة والآداب.

ومنعاً للخلاف حول ماهية النظام العام فقد حدد المشرع الأردني المقصود بالنظام العام في المادة رقم (163/3) من القانون المدني، والتي تضمنت أن (ويعتبر من النظام العام بوجه خاص الأحكام المتعلقة بالأحوال الشخصية كالأهلية والميراث والأحكام المتعلقة بالانتقال والإجراءات اللازمة للتصرف في الوقف وفي العقار والتصرف في مال محجور ومال الوقف ومال الدولة وقوانين التسعير الجبري وسائر القوانين التي تصدر لحاجة المستهلكين في الظروف الاستثنائية)، وإن كان تحديده المذكور قد تم بوجه خاص وذلك حتى تظل فكرة النظام العام مرنة وقابلة لإضافة أي أمر آخر ضمن مفهوم النظام العام متى كان يمس المجتمع بآثار سلبية، وما أورده بنص المادة المذكورة كان بغرض بيان الإطار العام لمضمون النظام العام.

خامساً: نماذج من أحكام القضاء الأردني ذات العلاقة

1- حكم محكمة التمييز الأردنية بصفتها الحقوقية رقم 613 لسنة 2022 والصادر بجلسة 20/6/2022، والمتضمن أنه (وحيث إن الخصومة من النظام العام تتصدى لها المحاكم بمختلف درجاتها من تلقاء نفسها ودون أن يثيرها أحد الخصوم الأمر الذي ينبني عليه أن الحكم المطعون فيه والحالة هذه قد خالف قاعدة قانونية آمرة فيكون مستوجباً للنقض كون تمثيل المدعى عليها الأولى الشركة بعد إجراءات التصفية أمام محكمة الدرجة الأولى تمثيلاً غير قانوني مما يستوجب نقض الحكم المطعون فيه).

2- حكم محكمة التمييز الأردنية بصفتها الحقوقية رقم 2589 لسنة 2021 والصادر بجلسة 28/6/2021، والمتضمن أنه (المشرع نظم أحكام المقدرين العقاريين بموجب نظام تسجيل المقدرين العقاريين واعتمادهم رقم (81) لسنة 2004 والتعليمات الصادرة بالاستناد إليه ونصت المادة (7/ أ، ب) من هذا النظام على أنه (لا يجوز لأي جهة تكليف أي شخص القيام بمهنة التقدير العقاري من غير المقدرين العقاريين المسجلين وفقاً لأحكام هذا النظام) ومن صياغة هذا النص والعبارات التي استعملها المشرع والتي تدل على (عدم الجواز والوجوب) مما يجعل هذه القاعدة القانونية من القواعد الآمرة والتي لا يجوز للأفراد الاتفاق على مخالفتها وعلى المحكمة تطبيقها من تلقاء ذاتها لأنها تنظم مصالح أساسية في المجتمع).

3- حكم محكمة التمييز الأردنية بصفتها الحقوقية رقم 1775 لسنة 2009 والصادر بجلسة 16/9/2009، والمتضمن أنه (القاعدة الآمرة هي التي لا يجوز الاتفاق على ما يخالف الحكم الذي تقرره، وكل اتفاق على ما يخالف هذا الحكم يعتبر باطلاً لا أثر له، أما القاعدة المكملة في التي يجوز الاتفاق على ما يخالف حكمها).

سادساً: الخاتمة

تمثل القاعدة القانونية اللبنة الرئيسية التي يتكون منها القانون، حيث أن القانون ما هو إلا مجموعة من القواعد القانونية المترابطة التي تنظم مجال معين من مجالات الحياة، لذلك يجب أن يتم توجيه مزيد من الاهتمام من قبل الفقه القانوني إلى إجراء مزيد من الدراسات ووضع المؤلفات التي يكون محورها الرئيسي القاعدة القانونية، لاسيما وأن المؤلفات والدراسات التي تناولت هذا الموضوع لا تعد كافية بشكل يتناسب مع أهميته البالغة.

كتابة: أحمد عبد السلام

[1] – محمد لبيب شنب – المدخل لدراسة القانون – دار النهضة العربية – مصر – 1986 – ص21.

[2] – عبد الباقي البكري وآخر – المدخل لدراسة القانون – مطابع كلية العلوم السياسية – جامعة بغداد – العراق – بدون عام نشر – ص21 وما بعدها.

[3] – محمد منصور – المدخل إلى القانون: القاعدة القانونية – الطبعة الأولى – منشورات الحلبي الحقوقية – بيروت – 2010 – ص11.

[4] – سعيد عبد السلام – المدخل في نظرية القانون – الطبعة الأولى – مطابع كلية الحقوق – جامعة المنوفية – مصر – 2003 – ص36 وما بعدها.

[5] – عبد الباقي البكري وآخر – المرجع السابق – ص58.

[6] – أحمد الرفاعي – المدخل للعلوم القانونية: نظرية القانون – جامعة بنها – مصر – 2008 – ص49 وما بعدها.

[7] – محمد عمران – مبادئ العلوم القانونية: القانون والحق ومصادر الالتزام – مطابع القاهرة الجديدة – مصر – بدون عام نشر – ص15 وما بعدها.

[8] – حسام الدين الأهواني وآخر – أصول القانون: المدخل للقانون: نظرية الالتزام – بدون دار نشر – مصر – 1996 – ص25.

[9] – هشام القاسم – المدخل إلى علم القانون – منشورات جامعة دمشق – سوريا – 1994 – ص26.

Scroll to Top