المنظمات الدولية

المنظمات الدولية

تُعتبر المنظمات الدولية وليدة القرن التاسع عشر لتغير الواقع الدولي والمجتمع الدولي عندما تبلورت فكرة الدول القومية وما نتج من تبدلات سريعة وهامة في مفهوم المصالح ونوعية العلاقات بين الدول.

فالمنظمة الدولية في جذورها تعود الى الشعوب القديمة والعصور التاريخية، فقد كانت فكرة راودت الفقهاء والعلماء والمفكرين منذ أقدم العصور بهدف التنظيم الدولي بين الدول، بالإضافة لما تقم فإن هذه الفكرة للتنظيم لم تظهر إلى حيز الوجود إلا في مراحل لاحقة حيث تكتمل أسباب وجودها ليتم وضعها حيز التنفيذ.

والمنظمة الدولية هي جوهر فكرة التنظيم الدولي ،فالمنظمة الدولية لا يُمكن اعتبارها غاية في ذاتها بقدر ماهي وسيلة لتحقيق التنظيم الدولي ، فلا يُمكن تصور تحقيق ذلك بدون وجود منظمة أو منظمات دولية، ومثلما عليه الحال داخل الدول حيث لا يتصور تحقيق الأمن والسلم والعدل داخل إقليم ما في أي دولة ما لم يكن هناك تنظيم في هذا الإقليم.

تعريف المنظمة الدولية :

عناصر قيام المنظمة الدولية ( شروط قيام المنظمة الدولية ) :

نطاق الشخصية القانونية الدولية للمنظمات الدولية :

أنواع المنظمات الدولية :

وسوف نتناول في مقالنا تعريف المنظمة الدولية، وعناصر قيامها، وشخصيتها القانونية، وأنواعها.

تعريف المنظمة الدولية :

استخدمت المحكمة الدائمة للعدل الدولي مصطلح (المنظمة الدولية) لأول مرة في رأيها الاستشاري عام 1927 حينما قررت ” ان اللجنة الأوروبية للدانوب ليست دولة وإنما منظمة ذات أهداف خاصة “.

وقد وردت تعاريف متعددة للمنظمة الدولية أهمها :

عرفها الدكتور مفيد شهاب بأنها : شخص معنوي من أشخاص القانون الدولي العام ينشأ من اتحاد إرادات مجموعة من الدول لرعاية مصالح مشتركة دائمة بينها، ويتمتع بإرادة ذاتية في المجتمع الدولي وفي مواجهة الدول الأعضاء “

ويوجه نقد لهذا التعريف لأنه يُركز على الصفة القانونية للمنظمة الدولية باعتبارها شخصًا من أشخاص القانون الدولي العام.

وهوفمان عرف المنظمة الدولية بأنها : ” جميع أشكال التعاون بين الدول التي تريد أن تجعل من تعاونها نوعًا من النظام يسود في الوسط الدولي، على أن تكون أشكال التعاون هذه قد نشأت بإرادتها، وتعمل في وسط تكون فيه أشخاصًا قانونية مستقلة “.

ويوجه إلى هذا التعريف نقدًا لأنه ركز على الهدف أو الغاية التي تهدف إليها المنظمات فيدخل ضمن التعريف جميع أشكال المنظمات والاتصالات كالمؤتمرات والمعاهدات والمشاريع المشتركة التي تقوم بين الدول.

وعرفها الدكتور محمد حافظ غانم بأنها : هيئة تنشئها مجموعة من الدول للإشراف على شأن من شؤونها المشتركة، وتمنحها اختصاصًا ذاتيًا معترفًا به تباشره هذه الهيئة في المجتمع الدولي وفي مواجهة الدول الأعضاء فيه.

ويوجه نقدًا لهذا التعريف لأنه تم التأكيد على جانب الجهاز الرئيس في المنظمة وهو الهيئة واعتبار المنظمة على أنها مجرد (هيئة).

كما عرفها الدكتور محمد طلعت الغنيمي بأنها : مؤتمر دولي، الأصل فيه أن يكون على مستوى الحكومات، مزودًا بأجهزة لها صفة الدوام وممكنة التعبير عن إرادته الذاتية.

عناصر قيام المنظمة الدولية ( شروط قيام المنظمة الدولية ) :

للمنظمة الدولية عناصر أساسية يجب توافرها لقيام المنظمة وهذه العناصر هي :

الصفة الدولية :

العضوية في المنظمات الدولية تقتصر على الدول فقط، فالمنظمة الدولية عبارة عن هيئة تنشأ باتفاق الدول، ولا يجوز أن تضم في عضويتها أفراد غير الدول كالأفراد والشركات الخاصة أو هيئات الصليب الأحمر أو الهلال الأحمر.

ويُقصد بالدول أي الدول كاملة السيادة، ولكن هناك بعض الاستثناءات منها :

  • يُعطى الحق لبعض الدول التي تتواجد على أراضيها قوات أجنبية في الانضمام للمنظمات الدولية، بالرغم من أن وجود مثل هذه القوات وبدون رضا الدولة يُعد انتقاصًا لسيادتها، وعللت ذلك بتوقيت هذا الاحتلال مع وجود حكومة وطنية تطلب ذلك الانضمام.
  • تعطي بعض المنظمات الدولية للأفراد العاديين حق التمثيل فيها، خاصة المنظمات المتخصصة، والاختيار يتم بناء على تخصصاتهم الفنية الدقيقة ( اختيار أعضاء محكمة العدل الدولية وهي الجهاز القضائي للأمم المتحدة ).
  • كما أن بعض المنظمات الدولية قد تقبل مندوبين يمثلون بعض الجهات غير الحكومية في الدول مثل منظمة العمل الدولية فالتمثيل فيها ثلاثي يشمل ممثلين عن الحكومة وواحد من أرباب العمل وواحد من العمال.

والجدير بالذكر أن صفة الدولية لا تعني أن العضوية ملزمة لجميع الدول، فالدول حرة في الانضمام إليها أو لا، وهناك منظمات العضوية فيها تقتصر فقط على دول معنية دون غيرها كالمنظمات الإقليمية.

ولا يعني كذلك أن المنظمة الدولية سلطة فوق سلطة الدول الأعضاء فيها، وذلك لأن مبدأ السيادة الذي تتمسك به الدول لا يبيح أو يجيز ذلك، فغاية إنشاء الدول للمنظمات الدولية هو لتحقيق مصالح محددة لها وإيجاد التعاون والرفاهية وفرص أكبر للسلم والأمن الدوليين.

الصفة الرضائية :

رضاء الدول بالانضمام هو الأساس الذي تقوم عليه المنظمة الدولية، وهذا هو الرأي السائد في تفسير الالتزام في القانون الدولي العام، وهو رأي يتفق مع مبدا المساواة بين الدول، فالدول الراغبة في الانضمام إلى المنظمة الدولية عليها أن تُعلن عن رغبتها واستعدادها على الالتزام بميثاق تلك المنظمة الدولية وبالتالي التوقيع عليه وفقًا للإجراءات التي تتطلبها قوانينها الداخلية.

  ومن ثم لا يُمكن تصور إجبار دولة ما على الانتماء إلى المنظمة الدولية على الرغم من وجود حالات قد تلتزم الدول ببعض المبادئ التي تقررها المنظمة الدولية ومن دون أن تكون عضوه فيها، مثل ما ورد في الفقرة السادسة من المادة الثانية من ميثاق الأمم المتحدة الذي جاء فيه : ” تعمل الهيئة على أن تسير الدول غير الأعضاء فيها على هدي هذه المبادئ بقدر ما تقتضيه ضرورة حفظ السلم والأمن الدوليين “.

والجدير بالذكر أن مبدأ الرضائية يقتصر على العضوية من حيث الانضمام أو الانسحاب بيد أن هذا لا ينسحب عل ما يصدر عن المنظمة من قرارات، فالقرارات التي تصدر بالأغلبية المطلقة أو الموصوفة فإن رضا الدول أو عدم رضاها لا يؤثر إلا بالقدر الذي يحقق النصاب القانوني لصدور التصرف.

الإرادة الذاتية :

بمجرد قيام المنظمة الدولية فإنها تمتلك إرادتها الخاصة بها والتي تتميز عن إرادات الدول الأعضاء فيها لاعتبار المنظمة شخصية معنوية قانونية فوجود هذه الشخصية القانونية يعني وجود الإرادة المستقلة لهذه الشخصية.

وهو الأمر الذي يميز المنظمة عن المؤتمر الدولي فهو لا يتمتع بمثل هذه الإرادة وما يصدر عنه يعتبر مجموع لإرادات الدول المشتركة في المؤتمر.

مبدأ الاستمرارية :

المنظمة الدولية هي إرادة لتحقيق أهداف مشتركة بين الدول الأعضاء، وأهم أهداف المنظمة الدولية هو تحقيق التعاون الدولي في كافة المجالات ولتحقيق الأمن والسلم الدوليين والرفاهية لشعوب الدول الأعضاء، ويُقصد باستمرارية المنظمة أو دوامها ألا يكون وجودها عرضيًا مثل المؤتمرات الدولية وهيئات التحكيم المؤقتة، ولكن لأن أهداف المنظم دائمة ومستمرة،  فيتعين أن يكون وجودها مستقلًا عن الدول الأعضاء وكذلك ممارستها لأوجه النشاطات التي تمارسها ومن ميثاقها.

نطاق الشخصية القانونية الدولية للمنظمات الدولية :

الشخصية القانونية الدولية للمنظمات الدولية ليست شخصية مُطلقة مثل ما تتمتع به الدول، فالشخصية القانونية للمنظمة الدولية هي شخصية ذات طبيعة خاصة محددة بحدود قدرتها على أداء المهام الملقاة على عاقتها والمثبتة في ميثاقها، لأن الشخصية القانونية التي قررت لها هي التي تمكنها من ذلك ومن ثم فإن هذه الضرورة تحدد بحدودها وبالتالي فلا مجال لزيادتها عن القدر الملائم لتأدية تلك الوظائف، وبالتالي فإنها تكون شخصية قانونية دولية ووظيفية، وهو ما ذهبت إليه محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري لعام 1949 .

أنواع المنظمات الدولية :

تتداخل تقسيمات المنظمات الدولية فيما بينها من حيث أهداف المنظمة (منظمات عامة، منظمات متخصصة)، ومن حيث نطاق العضوية ( منظمات عالمية، منظمات إقليمية )، ومن حيث نشاطها ( ذات أهداف تشريعية، ذات أهداف قضائية، ذات أهداف تنفيذية)، إلا أن هذه التقسيمات ليست مستقلة، بل تتداخل مع بعضها.

من حيث أهدافها :

تقسم المنظمات الدولية من حيث أهدافها إلى منظمات ذات أهداف عامة ومنظمات ذات أهداف متخصصة. والمنظمة تكون عامة: إذا اتسع نطاق الأهداف التي تسعى إليها لتشمل أوجهًا متعددة من أوجه التعاون الدولي كالسياسي والاجتماعي والاقتصادي ..الخ.

 فالمعيار هنا تعدد الأهداف، فإن تعددت كانت عامة وقد تكون هذه المنظمات إقليمية كالجامعة العربية أو عالمية كالأمم المتحدة وعصبة الأمم سابقًا.

أما المنظمة المتخصصة فتلك التي يقتصر هدفها على تحقيق هدف محدد وهي ما نطلقه على الوكالات التخصصية وتتميز هذه المنظمات بكثرة عددها واتساع قاعدتها، فقد تكون منظمات متخصصة اقتصادية تهدف لتحقيق أهداف اقتصادية كالتعاون الاقتصادي بين الدول مثل البنك الدولي للإنشاء والتعمير، وصندوق النقد الدولي، والأوبك ” منظمة الدول العربية المصدرة للنفط “، والأوبك ” منظمة الدول المصدرة للنفط. “

وقد تكون منظمات اجتماعية وإنسانية متخصصة، وتهدف لتحقيق التعاون في المجالات الاجتماعية والإنسانية مثل منظمة الصحة العالمية، واليونسكو، ومنظمة العمل الدولية.

كما أنها قد تكون منظمات علمية متخصصة وهي تلك التي تكون لها أهداف علمية كالمنظمة العالمية للأرصاد الجوية، ووكالة الطاقة الذرية.

وأخيرًا قد تكون منظمات متخصصة للمواصلات مثل التي تهدف للتعاون الدولي في مجال الاتصالات كمنظمة الطيران المدني الدولية، وغيرها.

من حيث نطاق العضوية :

تنقسم المنظمات الدولية من حيث نطاق العضوية فيها إلى منظمات عالمية ومنظمات إقليمية:

المنظمات العالمية: في حال ما كانت العضوية مفتوحة لكافة الدول وتكون واسعة وقد تتعدد أهدافها، ولكن في الغالب تكون صلاحيتها محددة.

المنظمات الإقليمية : تكون العضوية فيها محدودة تقتصر على مجموعة من الدول.

معايير الإقليمية ( الاتجاهات الفقهية ) :

الاتجاه الأول : المعيار الجغرافي: وهو معيار قائم على أساس الجوار الجغرافي ويفسر الإقليمية بالجوار الجغرافي، فتضم المنظمات الإقليمية دولًا متجاورة جغرافيًا.

وقد وجه نقدًا لهذا المعيار على اعتبار أنه غير صالح لتفسير وجود كثير من المنظمات التي من غير الممكن اعتبارها عالمية كمنظمة الأوبك ومنظمة الأوبك.

 الاتجاه الثاني: المعيار الجغرافي السياسي:  يعني إعطاء الإقليمية مفهومًا جغرافيًا وسياسيًا كما أنه يضيف لها شروطًا أخرى تربط بين تلك الدول المتجاورة كالأصل المشترك والثقافة كالدين واللغة، والاقتصاد، والسياسة، وغيرها.

وقد وجه نقدًا لهذا المفهوم على اعتبار أنه مفهومًا ضيقًا لا يفسر وجود منظمات لا تُعتبر عالمية كالأوبك.

 الاتجاه الثالث: المعيار المرن للإقليمية: اعتبار كل منظمة يتحدد نطاق العضوية فيها بعدد من الدول، وترتبط مع بعضها بأية رابطة اقتصادية، أو جغرافية، أو سياسية، أو قومية، وبشكل دائم أو مؤقت منظمة إقليمية.

ففي حال كانت الدول متجاورة جغرافيًا، كانت جغرافية، وإن كانت من أصل واحد كانت قومية، وتكون أحلافًا عسكرية حال كانت تهدف لتحقيق أهداف عسكرية.

والجدير بالذكر أن تقسيمات المنظمات هذه قد تكون ذات طبيعة قضائية كمحكمة العدل الدولية ومحاكم التحكيم، أو ذات طبيعة تشريعية كمنظمة العمل الدولية، أو ذات نشاط إداري أو تنفيذي كمعظم المنظمات، وقد تحتوي معظم المنظمات على هذه الاختصاصات مجتمعة.

Scroll to Top