التهرب الضريبي الدولي
التهرب الضريبي لم يظهر على المستوى الدولي إلا بعد قيام الشركات عابرة القارات أو متعددة الجنسيات، وذلك يرجع إلى نشاط تلك الشركات التي تقوم على أساس فتح أسواق عالمية جديدة بين اقتصاديات الدول المختلفة.
والتهرب الضريبي الدولي يُعتبر من أخطر ما يُهدد اقتصاديات الدول، وبخاصة الدول النامية، حيث ينتج عنه خسائر كبيرة لميزانياتها، حيث يؤدي إلى انخفاض الإيرادات الضريبية للدولة، وتحولها لدولة أخرى تتميز بمنحها مزايا ضريبية لتلك الشركات فيما تسمى بدول الملاذ الضريبي.
التهرب الضريبي الدولي يكون له عظيم الأثر على النظام الاقتصادي للدولة، بحيث تعمل دول الملاذ الضريبي في كثير من الأحيان كوسيط للاستثمارات الأجنبية المباشرة ما بين المستثمر النهائي والاستثمار، دون أن تحقق أي عائد من مصدر تلك الأموال المستحقة للخزانة العامة للدولة، وتؤدي تلك الممارسات إلى خفض الإيرادات الضريبية التي تدفعها تلك الشركات، وهو ما يؤثر بالسلب على حجم العائدات من فرض الضريبة.
والدول النامية على إثر تفشي تلك الظاهرة عمدت إلى استخدام عدة وسائل بهدف التخفيف حدتها ومن تأثيرها على الاقتصاد، كالعمل على تحسين وتطوير منظومتها الجبائية، واللجوء إلى إبرام اتفاقيات متعددة وثنائية الأطراف، حتى تحافظ على مصالحها، وعلى توازن واستقرار النظام الجبائي العالمي.
وسوف نتناول في مقالنا مفهوم التهرب الضريبي، وأنواع الترهب الضريبي، وأهمية الاتفاقات الجبائية في مكافحة التهرب الضريبي الدولي، وآثار التهرب الضريبي الدولي، وطُرق التهرب الضريبي، وآليات مكافحة التهرب الضريبي الدولي.
ما هو التهرب الضريبي :
التهرب الضريبي يعني أن يتخلص المكلف بسداد الضريبة من دفع الضريبة المفروضة عليه سواء كان هذا التخلص جزئيًا أو كليًا، وبمعنى أدق محاولة الممول التخلص من الضريبة وعدم الالتزام بأدائها.
وأما عن مفهوم التهرب الضريبي الدولي فهو كل تهرب من الضريبة عبر حدود الدول، يكون من شأنه أن يفقد الدولة موردًا هامًا من موارد إيراداتها دخل الموازنة العامة لديها، سواء كان هذا النشاط مشروعًا أو غير مشروع.
وقد عرف J.JNEUER التهرب الضريبي الدولي بأنه : ” كل تهرب من الضريبة عبر حدود الدول، ومن شأنه أن يفقد الدولة موردًا هامًا من موارد إيراداتها، ويستوي في ذلك أن يسهلك المشروع دولي النشاط طُرقًا مشروعة أو غير مشروعة، أو تتوفر لديه إرادة التهرب أولًا، وأيًا كان التشريع الضريبي الذي يختاره، مستفيدًا من تباين الأنظمة والتشريعات الضريبية للدول من أجل التوصل إلى هدفه نحو تخفيض عبئه الضريبي أو التخلص منه تمامًا “.
أنواع التهرب الضريبي :
التهرب الضريبي يتجلى في صورتين :
الصورة الأولى : التهرب الضريبي المشروع ( التجنب الضريبي )
وهو يقوم على استغلال ثغرات في التشريع الضريبي تُمكن المكلف من التملص من الضريبة، وهذا النوع لا ينطوي على ثمة مخالفة يترتب عليه جزاءات جنائيًا.
ومن أمثلة التهرب الضريبي المشروع إخفاء جزء من الأرباح بزيادة النفقات لتجنب الضريبة على الأرباح، أو تجزئة نشاط الشركات الكبرى بإنشاء شركات فرعية لتجنب الضريبة التصاعدية على المداخيل.
الصورة الثانية : التهرب الضريبي غير المشروع ( الغش الضريبي )
للغش الضريبي عديد التعريفات منها أنه يُعرف بأنه استعمال طُرق احتيالية للتملص أو محاولة التملص كليًا أو جزئيًا من وعاء الضريبة أو من تصفية أو من دفع الضرائب أو الرسوم المفروضة.
فالغش الضريبي ينطوي على مخالفة لأحكام التشريع الضريبي قد يرتب جزاءات جبائيًا وجزاءات جنائيًا في نفس الوقت، أو قد يتعرض للجزاء الجبائي فقط في حال انتفت أركان الجريمة الجبائية أو رأت الإدارة عدم التمسك بالوصف الجزائي على اعتبار لبساطة الفعل، والغش الجبائي قد يتعرض للجزاء الجنائي دون الجزاء الجبائي أيضًا.
والجدير بالذكر أن الغش الجبائي له عديد الصور كأن يعد المكلف سجلات جرد خاطئة أو لا يصرح بنشاطه، أو يُقدم بيانات ناقصة أو مزيفة عن نشاطه.
أهمية الاتفاقات الجبائية في مكافحة التهرب الضريبي الدولي :
الاتفاقات الجبائية الثنائية تسعى لإيجاد حلول للمشاكل الضريبية على المستوى الدولي، ولذلك السعي هدفين رئيسيين :
الأول : مكافحة التهرب الضريبي الذي يُثقل كاهل الاقتصاديات، وذلك بواسطة المعلومات بين الجهات المختصة في الدولتين وتبادل المعلومات في مجال تحصيل الضريبة.
الثاني : محاولة تجنب الازدواج الضريبي الذي يكون عبئًا على كاهل المكلف بالضريبة، فيؤدي التعاون الضريبي إلى تشجيع حركة الاستثمار، وتداول رؤوس الأموال بين البلدين أو البلدان المعنية بالاتفاقية الدولية، وذلك عن طريق تحديد مجال الاختصاص الضريبي لكل دولة طرف في الاتفاقية وفق ما يُطلق عليه توزيع الاختصاص الضريبي.
والجدير بالذكر أن موضوع التعاون الدولي لمكافحة التهرب الضريبي قد أخذ أهمية خاصة بالنسبة للدول المتقدمة والدول النامية على السواء، وذلك نتيجة للثغرات التي تولدت عن اتساع حركة التجارة الدولية، واعتماد الشركات متعددة الجنسيات تخطيطًا ضريبيًا مكنها من تجنب مبالغ هائلة من الضريبة على نشاطها.
وقد اتخذت منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية عديد المبادرات لتنسيق التعاون بين دول المنظمة من جانب، وبينها وبين بقية الدول من جهة أخرى، وذلك باعتمادها نموذجًا للاتفاقيات الجبائية التي لها علاقة بالدخل والثروة، ويؤخذ في الاعتبار تبادل المعلومات والتعاون في سبيل تحصيل الضريبة.
ومنذ العام 2013 يجري التنسيق بين دول المنظمة في إطار
المنتدى العالمي للشفافية وتبادل المعلومات لأغراض جبائية، للبحث عن الحلول التي تؤدي لمعالجة الاختلالات والاضطرابات التي يعانيها النظام الجبائي الدولي، وتقديم المساعدة للدول النامية من أجل تطوير إداراتها الضريبية، وتبادل المعلومات الجبائية وفقًا للاتفاقيات الجبائية.
وقد تضمن نموذج الاتفاقية الجبائية في صيغتها المعدلة عام 2010 عديد الأمور ذات الأهمية منها التنسيق بين الإدارات الضريبية وتبادل المعلومات وعدم التمييز في المعاملة بين الوطني والأجنبي، وكذلك وسائل تجنب الازدواج الضريبي.
وأهمية الاتفاقيات الجبائية تكمن في معالجة التباينات بين قواعد التنازع المدرجة في قوانين الدولتين المعنيتين بالتعاون الضريبي، وذلك انطلاقًا من قاعدة سمو المعاهدات الدولية على القانون الداخلي
آثار التهرب الضريبي الدولي :
للتهرب الضريبي الدولي عديد الآثار نذكر منها :
- يؤدي التهرب الضريبي الدولي إلى عرقلة مشاريع الدولة والحكومات في التنمية الاقتصادية والنهوض بالبلاد.
- يؤثر التهرب الضريبي الدولي على المنافسة بين المشروعات فالشركة التي لا تدفع الضريبة تقل تكلفة إنتاجها بالنسبة لتكلفة انتتاج الشركات الدافعة للضريبة لأن أموال الضريبة غير المدفوعة تذهب كربح وإيراد لها، وهذا يجعل لها ميزة تنافسية على حساب غيرها.
- يؤدي التهرب الضريبي الدولي إلى رفع سعر الضريبة، فيتم فرض ضريبة أخرى جديدة كتعويض عن النقص الحاصل نتيجة تهرب تلك الشركات، وأثر ذلك على حجم الإيرادات داخل الموازنة العامة للدولة.
- وينتج عن التهرب الضريبي الدولي انخفاض حجم الإيرادات العامة التي تجنيها الدولة من الضرائب المفروضة على نشاط الشركات الأجنبية والأفراد، وبالتالي انخفاض الاستثمارات التي تنفذها، وكذلك النفقات مما يؤدي إلى تدني قطاع الخدمات.
- ويؤثر التهرب على الصناعة الوطنية من حيث إن المتهربون من الضرائب من الشركات المنتجة تزداد رؤوس الأموال بين أيديهم، مما يحفزهم على استيراد السلع الأجنبية، ويؤدي هذا لإضعاف الصناعة المحلية، ولو تم التصنيع محليًا فسيكون منخفض الجودة.
- يؤدي التهرب إلى عدم تحقق العدالة الضريبية بحيث يدفع الضريبة جزء من المكلفين بأدائها، ولا يدفعها آخرون.
- تضطر الدول المتضررة من ظاهرة التهرب الضريبي الدولي إلى سداد العجز الناتج عن هذا التهرب عبر اللجوء إلى القروض الداخلية والخارجية، مما يوقعها في مأزق يتمثل في عملية سداد القروض ودفع الفوائد المترتبة.
طُرق التهرب الضريبي الدولي :
أسعار التحويل :
أسعار التحويل هي من أكثر الأليات المستخدمة من طرف الشركات المتعددة الجنسيات في عمليات التهرب الضريبي الدولي.
وأسعار التحويل هي الأسعار المفروضة على السلع المنتجة بواسطة أحد الأقسام والمحولة لقسم آخر. وهذه الأسعار تؤثر على إيرادات القسم المحول وتكاليف القسم المستلم، ونتيجة لذلك سوف تتأثر الربحية والعائد على الاستثمار.
ونستنتج مما سبق أن أسعار التحويل تُستخدم لغرض تحويل الأرباح بين الشركات متعددة الجنسيات وفروعها للخارج أو بين فروع هذه الشركات، ومن ثم يُمكن لهذه الشركات التلاعب بتحديد الأسعار بما يلائم حاجتها، وذلك عن طريق تخفيض نفقاتها وأعبائها خصوصًا العبء الضريبي وزيادة أرباحها.
وأسعار التحويل يتم التلاعب بها بهدف تخفيض الوعاء الضريبي وتحويل الأرباح وبخاصة في الدول النامية التي تمنعها من أرسال الأرباح إلى بلد الموطن، أو أن البلد المضيف يفرض ضريبة مرتفعة على الأرباح.
الشركة الشاشة (الصورة) :
وهي عبارة عن شركة وهمية غير حقيقية تُنشأ بهدف إخفاء المعاملات المالية التي تتم بين الشركات فيما بينها أو بين الفرع الرئيسي والفروع الأخرى التابعة بهدف تجنب الخضوع للضريبة، فتقوم الشركات متعددة الجنسيات بخلق شركات وهمية في البلدان التي تتميز بضغط ضريبي منخفض، والقيام بتحويل الأموال التي حصلت عليها من عمليات فروعها في البلدان المستضيفة، ومن ثم التهرب من دفع الضرائب والانتفاع بالمزايا الضريبية التي تمنحها الدول المسماة بالجنات الضريبية.
الملاذات الضريبية :
الجنات الضريبية أو الملاذات الضريبية هي أماكن تتميز بضغط ضريبي منخفض أو شبه معدوم، وهي دول تتمتع أنظمتها البنكية والمالية بالصرامة الكبيرة فيما يتعلق بسرية المعلومات التي تخص عملائها الأجانب.
وتلك الملاذات تعمل على خفض معدلات الضرائب بغاية تشجيع رؤوس الأموال والاستثمارات الأجنبية على الدخول إلى هذه الدول.
آليات مكافحة التهرب الضريبي الدولي :
على المستوى الداخلي :
الإجراءات الجبائية :
للإجراءات الجبائية دور هام وفعال في الحد من ظاهرة التهرب الضريبي من خلال اعتماد التصيح الفعلي الذي يجبر المكلف بالضريبة بتقديم التصريحات الجبائية مرفقة بجميع الوثائق والدفاتر المحاسبية.
الإجراءات الخاصة بالبنوك :
على البنوك تكثيف عملياتها ورقابتها فيما يتعلق بتحويلات الأموال والعملات والأرباح التي تقوم بها الشركات خارج الضوابط القانونية، وذلك بإلزام البنوك بخصم قيمة الضرائب المستحقة على الدخل والأرباح المحولة من الخارج من طرف الشركات الأجنبية، والناتجة عن العمليات التي قامت بها داخل الدولة المستضيفة.
إقامة نظام محاسبي ومالي متطور :
يجب على الدول تطوير منظومتها المحاسبية والمالية بشكل دائم ومستمر، فتطور الأنظمة المحاسبية يساهم في تغطية الأرباح الحقيقية.
الإجراءات الرادعة :
يتعين على الدول اتباع نظام جبائي صارم من خلال تشديد العقوبات الجبائية والجنائية المتعلقة بعمليات التهرب الضريبي، مما يستوجب معه التنسيق بين مختلف الهيئات والمصالح ذات الثقة.
على المستوى الخارجي :
التنسيق الضريبي :
التنسيق الضريبي بين مجموعة من الدول يمثل أحد أهم الوسائل القانونية المبتكرة للحد من ظاهرة التهرب الضريبي الدولي، ويتمثل في تنسيق النظم والتشريعات الضريبية بحيث تصبح متقاربة ومتناغمة، مما يُساعد على رواج مناخ الاستثمار في تلك الدول.
فتنسيق السياسيات الجبائية يؤدي لتحقيق عديد الميزات الاقتصادية، كتحقيق التكامل الاقتصادي، وتشجيع الاستثمارات المشتركة وتنميتها.
المساواة في المعاملة بين المكلفين بالضريبة :
مبدأ المساواة في المعاملة يشجع المستثمرين الأجانب على الاستثمار في الدول المضيفة التي تمكنهم قوانينها من تجنب الازدواج الضريبي والذي ينشأ نتيجة اختلاف ضوابط الخضوع للضريبة في الدولتين.
ومن ثم فتنص أغلب الاتفاقيات الجبائية الثنائية على ضمان المساواة في المعاملة بين الأشخاص الطبيعيين والمعنويين لكلا الدولتين في مجال الخضوع للضريبة، فلا يُمكن تحميل المتعامل الأجنبي عبئًا ضريبيًا يفوق الحاملون لجنسية الدولة الذين يوجدون في نفس الوضعية.
الشفافية الضريبية :
الشفافية الضريبية وسلة ناجحة للحد من الفساد الإداري، وهي تعني تمكين المكلفين من الاطلاع على القوانين والأنظمة والتعليمات الضريبية، وذلك سيؤدي إلى زيادة قدرتهم على معرفة مقدار الضريبة المفروضة على دخولهم.
الشفافية المصرفية :
تزايدت مؤخرًا الأعمال الجرمية العابرة للحدود واتسعت نطاق المعاملات الإلكترونية المرتبطة بتبييض العائدات الإجرامية، ومن ثم كان ضروريًا تحقيق الشفافية المصرفية لأجل حماية التعاملات الاقتصادية، وحتى تتمكن الأجهزة الضريبية من تحصيل الضرائب المترتبة على الثروة على الدخل، وقد عمدت أغلب الدول على سن قوانين الشفافية المصرفية لهذا الغرض.


