مبدأ سمو المعاهدة على القانون الداخلي
ما هو مبدأ سمو المعاهدة
يقصد به أنه إذا تعارضت أحكام المعاهدة مع أحكام القوانين الداخلية تعين تغليب أحكام المعاهدة وإن كان هذا القانون الداخلي هو الدستور نفسه.
يُعتبر مبدأ سمو المعاهدات الدولية أو الالتزامات الناشئة عن المعاهدات الدولية وأوليتها في التطبيق على ما عداها، وخصوصًا تلك الناشئة عن قانون داخلي متعارض معها هو مبدأ ثابت ورسخ في القانون الدولي نادي به الفقه، واعترفت به الدول، وقضت به المحاكم الدولية، منذ زمن بعيد في كافة القضايا التي عرضت عليها، وكان التعارض قائمًا بين معاهدة دولية وقانون داخلي، وإن كان هذا القانون هو دستور الدولة.
وسوف نتناول في مقالنا شرحًا مختصرًا لأهم الجوانب المتعلقة بهذا المبدأ كما سيلي :
مضمون مبدأ سمو المعاهدة الدولية على القانون الداخلي :
مبدأ سمو أو أولوية أحكام المعاهدة الدولية على القانون الداخلي يقصد به أنه إذا تعارضت أحكام المعاهدة مع أحكام القوانين الداخلية تعين تغليب أحكام المعاهدة وإن كان هذا القانون الداخلي هو الدستور نفسه.
فالمستقر عليه أن للدولة كامل الحرية في تبني النظام الذي يتماشى معها في أحكام قانونها الدستوري فيما يتعلق بالعلاقة بين القانون الداخلي والقانون الدولي، ولكن عليها في نفس الوقت أن تضمن تنفيذ المعاهدة في علاقاتها الدولية.
واتفاقيتي فيينا لقانون المعاهدات نصتا على هذا المبدأ الأساسي، فقد جاء في المادة رقم (27) من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام 1969م ما يلي: ” مع عدم الإخلال بنص المادة 46 ،لا يجوز لأي طرف في معاهدة أن يتمسك بقانون الداخلي كسبب لعدم تنفيذ المعاهدة “.
أما المادة (27) من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام 1986م، التي تتعلق بالمعاهدات التي تبرمها المنظمات الدولية، فهي تضيف للفقرة السابقة، فقرة ثانية مؤداها : ” لا يجوز لمنظمة دولية طرف في معاهدة أن تتمسك بقواعد المنظمة لتبرير عدم تنفيذها المعاهدة “.
والفقرة الثالثة من نفس المادة تنص على أن : “القواعد المشار إليها في الفقرتين السابقتين لا تخل بأحكام المادة 46 “.
ويتبين لنا مما سبق أن الدولة الطرف في معاهدة يقع عليها التزام بسن التشريعات الداخلية المناسبة التي تكفل من خلالها تنفيذ المعاهدة التي ارتبطت بها وإلا قامت مسؤوليتها الدولية، فلا يُمكن للدولة أن تحتج بعدم تنفيذ المعاهدة على أساس شرعي أو قانوني كعدم نشر المعاهدة، أو عدم توافق أحكامها مع أحكام القانون الداخلي.
والمنظمة الدولية ينطبق عليها نفس الأمر فمن حقها أن تلتزم وفقًا لمعاهدة دولية شرط احترام حدود وظائفها واختصاصاتها وعدم الاحتجاج بالقانون الداخلي للمنظمة للتهرب من التزاماتها الدولية، وأيضًا ليس من حقها أن تُصدر قرارًا من أحد أجهزتها خرقا للالتزامات الدولية التي أخذتها على عاتقها وفقا للمعاهدة التي هي طرف فيها، ثم ترتكز على هذا القرار من أجل التهرب من الالتزام.
فحكمة وجود مبدأ سمو المعاهدة الدولية على القانون الداخلي هو الحد من خرق الدول لالتزاماتها التعهدية على مبرر أو سند احترام قانونها.
تطبيقات مبدأ سمو المعاهدة الدولية أمام القضاء الدولي :
الواقع يشير إلى أن المحاكم الدولية باعتبارها الأجهزة القضائية المختصة بتفسير وتطبيق القانون الدولي تغلب المعاهدات الدولية على القوانين الدولية في عديد القضايا التي عُرضت أمامها وكان النزاع فيها حول القانون الواجب التطبيق في حالة التعارض بين القانونين الداخلي والدولي.
وقد أكدت محكمة العدل الدولية سيادة وسمو المعاهدات على القوانين الوطنية والتي تعتبر من وجهة نظر المحكمة مجرد واقعة لإظهار إرادة الدولة أو نشاطها، ومن بين ما يؤكد هذا حكمها الصادر في قضية المناطق الحرة الفرنسية في 6 ديسمبر 1930حيث قالت: ” أن فرنسا لا يمكنها أن تستند إلى تشريعها الوطني لكي تقيد من نطاق التزاماتها الدولية” .
ومن أبرز القضايا في هذا الشأن ما يلي :
قضية الرعايا البولنديين في دارنزنغ :
وتُعتبر أول قضية صدر حكم دولي يعطي الغلبة لمعاهدة دولية على الدستور الداخلي، ووقائع تلك القضية تتلخص في أن الحلفاء بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى استولوا على هذه المدينة من ألمانيا تطبيقًا لمعاهدة فرساي، ثم جعلوا منها مدينة حرة وكان للمدينة علاقات خاصة بينها وبين بولندا.
والمادة 104/5 معاهدة فرساي لعام 1919 تنص على: ” أن الدول الحليفة والمنظمة لها ستناقش اتفاقية فور إنشاء المدينة الحرة وأن أطراف هذه الاتفاقية هم بولندا والمدينة الحرة دانزنغ بحقوق المواطنين البولنديين فيها، أو الأشخاص من أصل بولندي، أو الذين يتحادثون اللغة البولندية “.
بيد أنه على عكس نص المادة السابقة ضيقت حكومة دانزنغ على الرعايا البولنديين في عديد المجالات كالعبادة والتعليم والعمل، وعلى إثر ذلك تقدموا بشكوى إلى بولندا.
ومن ثم قامت بولندا برفع الأمر إلى محكمة العدل الدولية الدائمة قائلة: “أن معاملة الرعايا البولنديين في دانزنغ يجب أن تحل وفق المادة 104/5 من معاهدة فرساي، وليس وفقا لدستور المدينة “.
وقد دافعت حكومة دانزنغ عن نفسها بالقول بأن الرعايا من أصل بولندي يتم معاملتهم وفقًا لأحكام الدستور، وهذا الدستور لا يعطي الرعايا البولنديين أو غيرهم الحق بالمساواة أمام القضاء، وحرية التعبير، والحرية الفردية، ، وحرمة الملكية الخاصة، وممارسة الشعائر الدينية.
بيد أن محكمة العدل الدولية الدائمة رفضت هذا السند وتلك الحجة وآثرت تغليب أحكام المادة
104/5 حيث ورد في حكمها فيما يتعلق بتلك القضية ما يلي : ” حسب المبادئ المعترف بها، لا يمكن لدولة أن تتذرع بدستورها في علاقاتها بالدولة الأخرى قصد التهرب من الالتزامات التي يفرضها عليها القانون الدولي أو المعاهدات السارية”.
قضية المجهزين النروجيين :
وهي قضية تعود وقائعها إلى فترة الحرب العالمية الأولى، حين استولت الولايات المتحدة الأمريكية على سفن كان يجري بناؤها في ترسانة بحرية أمريكية لصالح المجهود الحربي الأمريكي وذلك بداعي الخوف من وقوعها في يد ألمانيا في حالة تسليمها لأصحابها التجار النروجيين.
ولكن بعد انتهاء الحرب رفضت أمريكا تسليم السفن على سند أن القانون الذي صدر عام 1917م يخولها الحق في ذلك.
استتبع ذلك مطالبة النرويج بالتعويض والإفراج عن السفن، وطبقا لاتفاقية عام 1921م، التي تم إبرامها بين الدولتين، قامت كلا الدولتان بإحالة النزاع إلى محكمة التحكيم الدولية الدائمة بلاهاي وفقا للمادة 59 و87 من اتفاقية لاهاي لعام 1907م، والمتعلقة بفض النزاعات بالطرق السلمية.
وأثناء نظر القضية أمام المحكمة زعمت الولايات المتحدة بأن موقفها صحيح، وأنها ملزمة بتطبيق القانون الأمريكي، وعلى العكس رأت النرويج أنه في حالة عدم وجود اتفاق صريح بين الطرفين يقضي بخلاف ذلك فإنه على المحكمة أن تحكم وفقا لما تمليه أحكام القانون الدولي العام.
وقد ردت المحكمة بتاريخ 13أكتوبر 1922 في عبارات قاطعة رافضة الزعم الأمريكي وغير موافقة على قبول وجهة النظر الأمريكية كما أيدت موقف النرويج.
وباستقراء القضيتين السابق عرضهما نجد أن القضاء الدولي يميل ويجعل الغلبة في أحكامه للقانون الدولي وذلك لأنه أسمي من القانون الداخلي في العلاقات الدولية، وعلى الدول الأطراف في معاهدة دولية أن تعمل وفقًا لأحكام المعاهدة لا وفقًا لقوانينها الداخلية.
أثر المبدأ في إلزام الدول والمنظمات الدولية بتعديل قوانينها الداخلية :
بعض المعاهدات تحوي في طياتها نصوصًا صريحة تلزم الدول الأطراف بوجوب سن التشريعات اللازمة لضمان تنفيذ المعاهدة أو تعديل التشريعات القائمة بما يتفق مع أحكام المعاهدة، أو التصويت في البرلمان على المبالغ النقدية اللازمة لتنفيذ المعاهدة، ولا شك أن القضاء الدولي يؤيد اتخاذ مثل هذه الإجراءات عند الضرورة تطبيقها لنص المادة 27 من اتفاقيتي فيينا لقانون المعاهدات الدولية.
والمحكمة الدائمة للعدل الدولية حكمت في قضية تتعلق بتبادل السكان ذوي الأصول التركية والبلغارية فيما يتعلق بشرط ورد في معاهدة التبادل ويلزم الدولتين بإدخال التعديلات الضرورية في قوانينها بهدف تنفيذ المعاهدة: ” إن هذا الشرط بديهي ولا يمثل إلا مبدئا تلقائيا مؤداه أن الدول التي تعاقدت بحرية تعاقدا صحيحا ملزمة بإدخال التعديلات الضرورية على قوانينها الداخلية لضمان تنفيذ الالتزامات التي أخذتها على عاتقها “.
والإجراءات الداخلية تصبح إلزامية حتى تكون المعاهدة نافذة، وخصوصًا تلك المعاهدات التي لها علاقة بحقوق وحريات الأفراد، أو تلك التي لا يمكن أن تنتج آثارها إلا إذا ما قامت سلطات الدولة المختصة بإصدار التشريعات واللوائح والقرارات اللازمة لتطبيق المعاهدات، مثل المعاهدات المتعلقة بالمساواة بين الرجل والمرأة، أو التي لها علاقة بحق العمال في تكوين النقابات أو حقهم في الاضطراب، وغيرها من الحقوق التي ترد في أحكام الاتفاقيات والمواثيق الدولية، وأيضًا المعاهدات التي تلزم الدول بوضع تشريعات معينة لمكافحة تجارة المخدرات أو لمكافحة الإرهاب، ومنع التلوث الخ .
والجدير بالذكر أن تلك المعاهدات تتطلب إجراء تشريعيًا يكون بمثابة ضمانة لتنفيذها على المستوى الداخلي، ومما سبق نستنتج أن التعديل يكون له فوائد عظيمة إذ أنه يُساهم في دعم الاحترام الواجب للمعاهدات الدولية، كما أنه يمنع من أن تظل بعض المعاهدات الدولية ذات الفائدة دون تطبيق لفترة من الزمن بسبب يعود لنقص في الإجراءات الواجب اتخاذها واللازمة لتطبيقها داخليًا، وبشكل عام فإن مبدأ سمو أحكام المعاهدة على أحكام القانون الداخلي مبدأ معترف به حتى بالنسبة للمعارضين للتعديل.


