الدائن بالضمان في دعوى ضمان العيب

الدائن بالضمان في دعوى ضمان العيب

تمهيد :

لكل عقد أثرا لا ينصرف بحسب الأصل إلا لطرفيه ، بمعنى أن العقد المبرم لا ينتفع به إلا طرفيه ولا يتضرر منه إلا طرفيه أيضا. وذهب البعض من الفقه والقضاء ([1]) إلى تفسير مبدأ نسبية آثار التصرفات القانونية تفسيرا ضيقا وذلك بتقريرهم : أن الشخص لا يعد طرفا في العلاقة التعاقدية إلا إذا كان قد شارك في تكوينها. فكل شخص يبرم عقدا يكون متوقعا نفعا معنيا من هذا العقد، وبالتالي إذا لم يحدث هذا النفع فمن الطبيعي ألا يتحمل غيره ضررا ناتج عن هذا العقد. فيصبح المتعاقدين هما المتحملين لأثار العقد. ولكن آثار هذا العقد قد تمتد إلى الخلف العام أو الخلف الخاص. كاستثناء من القاعدة الأصلية. وهذا ما نصت عليه المادة 1165 من القانون المدني الفرنسي والتي جاء فيها ” أن الاتفاقات لا أثر لها فيما بين الأطراف المتعاقدين وأنها لا تضر بالغير كما لا تفيدهم إلا استثناء ” ([2]).

جدول المحتويات

الدائن بالضمان (المضمون)

الدائن بالضمان في حال كونه هو المتعاقد نفسه

الدائن بالضمان في حال إبرام التعاقد بواسطة الوكيل

الدائن بالضمان في حالة وجود خلف عام أو خلف خاص

كما أن المادة 145 من القانون المدني المصري نصت على أن أثار العقد ينصرف إلى المتعاقدين والخلف العام. وجاءت المادة 146 لتنص على انصراف أثر العقد إلى الخلف الخاص. وبالتالي يجوز لنا أن نجزم بانصراف أثر العقد في القانون المدني المصري إلى المتعاقدين أولا ثم إلى الخلف العام ثم الخلف الخاص ([3]).

وأطراف دعوى الضمان للعيب هما الدائن بالضمان (المضمون)، والمدين بالضمان (الضامن). وذلك شأن أي دعوى قضائية تقام بين طرفين أحدهما يسمى المدعى (المضمون)، والأخر يُسمى المدعى عليه (الضامن). وهما اللذين يبرمون العقد، ومن ثم ينشأ لهما حقوقا ويترتب عليهما التزامات تنتج من هذا العقد. فإذا أستمر هاذين المتعاقدين لحين الانتهاء من تنفيذ العقد فلا تثور أي مشكلات أو صعوبات، حيث نكون أمام الصورة الطبيعية لتنفيذ العقد. أما لو تبدل الأمر بأن توفى أحد المتعاقدين قبل تنفيذ العقد، فإن أثار هذا العقد تنصرف إلى ورثته (الخلف العام), وقد يحدث أن يقوم أحد المتعاقدين بالتصرف في الشيء المبيع إلى متعاقد غيره، ومن ثم يحل محلة في تنفيذ العقد ويسمي (الخلف الخاص). فهنا نكون أما صعوبة تحديد من له الحق في الضمان ومن عليه واجب الالتزام بالضمان. كما وقد تزداد الأمور تعقيدا وذلك في حالة تعدد المتعاقدين في العقد .

وفي مقالنا هذا نتعرض بشيء من التفصيل لاحد أطراف دعوي الضمان الا و هو الدائن بالضمان .

الدائن بالضمان (المضمون)

غالبا ما يكون الدائن بالضمان هو ذاته الدائن في التعاقد. أي المتعاقد نفسه. ويجوز أن يقوم فرد واحد بالتوقيع في العقد على أنه المشترى نفسه. وقد يكون المشترى أكثر من فردا، فقد يكونا فردين أو أكثر حسب ما يقتضيه التعاقد ويتطلبه العقد. وبالتالي يكون الدائن بالضمان أكثر من شخص، وقد يبرم العقد بواسطة المتعاقد نفسه أو بواسطة وكيلا عنه. كما أن حدوث الوفاة للمتعاقد ينتج عنها وجود خلفا عاما عنة. وقد يتصرف المتعاقد في محل العقد فينتج عن ذلك تواجد للخلف الخاص.

الدائن بالضمان في حال كونه هو المتعاقد نفسه

نصت المادة 45 من التقنين المصري على أنه ” إذا أخطر المشترى البائع كان له أن يرجع بالضمان على الوجه المبين في المادة 424″ ([4]). ويفهم من نص هذه المادة، أن الدائن بالضمان هو المشترى. وفى هذا يتفق القانون المدني المصري مع القانون المدني الفرنسي والفقه الإسلامي. فجميعهم قد أجمعوا على أن المضمون في دعوي الضمان هو المشتري الذي له الحق الأصيل في الرجوع علي البائع بالضمان.

ففي القانون الفرنسي :

  نجد أن المادة 1644 من القانون المدني الفرنسي تنص على أن “الدائن بالضمان هو المشترى. فهو الذي يحق له رفع دعوى الضمان بحسب اختياره ووفقا لمصلحته الشخصية. فقد نشأ ضمان العيب أصلا لحماية المشترى ، وعليه يكون هو صاحب الحق المطلق في رفع دعوى الضمان “([5]).

وفي الفقه الإسلامي :

نجد أيضا أنه قد أستقر رأي الفقهاء على أن الدائن بالضمان في دعوي الضمان للعيب هو المشترى. فنجد أن المادة 337 من مجله الأحكام العدلية تنص على أنه ” ما بيع مطلقا إذا ظهر به عيب قديم يكون المشترى مخيرا أن شاء رده. وأن شاء قبله بالثمن المسمى، وليس له أن يمسك البيع ويأخذ ما أنقصه العيب ” ([6]).

كما أن المادة 419 من مرشد الحيران تؤكد أن المشترى هو الدائن بالضمان فنجدها تنص على أنه “يثبت خيار العيب للمشتري وأن لم يشترط في عقد البيع “([7]).

وإذا كان الأمر قد أستقر على أن المشترى هو من له الحق في رفع دعوى ضمان العيب، وأنه هو الدائن في هذه الدعوى. وانه ما شرعت هذه الدعوى إلا لحماية وحماية حقوقه. إلا أن الأمر قد يختلف إذا كنا بصدد تعدد المشترون. فإذا كانت العلاقة التعاقدية بين بائع، واحد ومشترى واحد. فلا خلاف على أن الدائن في هذه العلاقة التعاقدية هو المشتري. لكن إذا كان المشترى في هذه العلاقة أكثر من شخص، كان يقوم فردين أو أكثر بالمشاركة في شراء سهلة معينة، ففي هذه الحالة نكون بصدد علاقة تعاقدية، المشترى فيها أكثر من فرد. والسؤال هنا هل ينطبق عليهم جميعا ما أستقر عليه بالنسبة للمشترى الواحد. أي يكون لكل واحد منهم الحق في رفع دعوى الضمان في جميع الأحوال. ويكون لكل واحد منهم الحق بالمطالبة بحقه في الضمان أم لا ؟ وما هو الوضع القانوني في حالة اختلافهم حول طريق الضمان.

وللإجابة على هذه التساؤلات لابد من وضع فرضين هما:

الفرض الأول : أن يكون لكل مشترى جزء معين من الشيء المبيع.

وفي هذا الفرض لا تثور مشكلة. إذ أن لكل مشترى جزء معين من الشيء المبيع. فنكون بصدد عدة بيوع تتساوى مع عدد المشترين بحيث يكون كل مشتري دائنا بالضمان في حدود الجزء الذي يملكه، ومن ثم يحق لكل مشتري في هذه الفرضية أن يرفع دعوى الضمان في حدود الجزء الذي يملكه، كما يحق له الاختيار بين رد المبيع أو إنقاص الثمن وفقا لمصلحته. وبالتالي لا مجالا لاختلاف المشترون حول طريقة الضمان فكل مشتري له الحق في اختيار ما يناسبه ويتوافق مع مصلحته ، وفى هذا يتفق الفقه الإسلامي مع القانون المدني المصري والقانون المدني الفرنسي([8]).

ونجد أن ما يدل على ذلك في الفقه الإسلامي هو ما ذهب إليه محمد وأبو يوسف من الحنفية فعندهم ” أن الذي رضي بالعيب يلزمه نصيبه على البائع، ويرد الأخر حصته. ولا يلزم الأخر عيب لأنه لم يرض به أن رضي به غيره ” ([9]).

 كما أن المالكية يرون أنه ” يعنى أن المشترى أن كان متعددا وكان البائع متحدا أو متعددا ثم أطلع على عيب بالمبيع في صفقة واحدة. فأراد أحد المشترين أن يرد نصيبه على البائع وأبى غيره من الرد فالمشهور أن له أن يرد، وله أن يتماسك. ولو أبى البائع فقال لا أقبله إلا جميعه “([10]).

الفرض الثاني :  المشترين على الشيوع

هو أن يكون المشترون قد أشتروا هذه السلعة على الشيوع فيما بينهم، وكان هذا المبيع واحدا لا يقبل التجزئة. فهنا نجد أنه لا تجوز تجزئة دعوى الضمان لعدم قابلية محل التعاقد للتجزئة.

وفى هذا الفرض أستقر في القانون الفرنسي والفقه الإسلامي على أنه، يجب أن يتفق الدائنون فيما بينهم على رد المبيع بكاملة، لأنهم متضامنون فيما بينهم بالرد ([11]). كما أنه لا يجوز أن يرجع أحد المشترين على انفراد بضمان العيب بضمان العيب الموجود في الشيء المبيع. بل يجب عليهم أن يتفقوا جميعا على رفع دعوى الضمان ([12]).

ولم يتعرض المشرع المصري لهذه المسألة. ونحن نتفق مع الرأي المنادى بضرورة إتباع ما أستقر عليه الفقه الإسلامي والقانون الفرنسي في هذه المسألة لاتفاقه مع المنطق والعدالة، مع إجازة استبقاء الشيء المبيع مع طلب التعويض بعد أتفاق جميع المشترين ([13]).

الدائن بالضمان في حال إبرام التعاقد بواسطة الوكيل

قد يتعذر على الشخص القيام بإبرام التعاقد لنفسه بنفسه. فيقوم بتوكيل غيره ليبرم التعاقد مع البائع بالنيابة عنه. ومن المتفق عليه بين جميع الفقهاء ومشرعي القوانين المدنية، أن النيابة في التعاقد يعتد فيها بإرادة النائب (الوكيل) في إبرام العقد. إلا أن أثار هذا العقد تنصرف إلى الأصيل (الموكل).

وبالرغم من أن أطراف العلاقة العقدية هنا هم البائع والوكيل عن الأصيل، إلا أن أثار هذا التعاقد تنصرف لذمه الموكل فتحدث بها أثرا، ولنا أن نتساءل عما إذا كان الأصيل أم الوكيل هو الدائن في حال قيام الوكيل بإبرام العقد مع البائع عند اكتشاف وجود عيبا في المبيع مما يضمنه البائع.

في الفقه الإسلامي :

نجد أن الفقهاء وقد اختلفوا فيما بينهم حول الدائن في هذه العلاقة على النحو التالي :

الرأي الأولوهو الذي يؤيده المالكية ([14]).

فيرى أنصاره إلى وجوب التفرقة بين حالتين، الأولى إذا عين الأصيل للوكيل سلعة معينة لشرائها بالنيابة عنه، والثانية إذا لم يقم الأصيل بتعين سلعة معينة للوكيل لشرائها، وترك الأمر لتقدير واختيار الوكيل.

ففي الحالة الأولى : يرى أنصار هذا الرأي أنه يجب التفرقة بين الوكيل المخصوص، والوكيل المفوض. بمعنى أن الأصل إذا وكل شخص لشراء سلعة معينة، ولم يترك له مساحة معينة لحرية الرأي في اختيار السلعة أو تفحصها، فإنه يكون قد أناب عنه في شراء هذه السلعة وكيلا مخصوصا، ومن ثم أستقر رأى أهل هذا المذهب، إلى أنه ليس لهذا الوكيل الحق في رد المبيع حتى إذا وجد به عيبا مما يضمنه البائع. أما إذا أناب الأصيل شخصا لشراء سلعة معينة وترك له حرية الفحص وإبداء الرأي، مع الإجازة له في عدم إتمام الصفقة في حال وجود ما يعيبها، فانة يكون قد فوض الوكيل في أموره وأقامه مقامه في هذه الصفقة. ولقد أستقر رأى أهل هذا المذهب إلى أنه لهذا الوكيل المفوض الحق في رد الشيء المبيع وفسخ البيع، ولا يمنعه من ذلك كون الموكل قد عين له المبيع.

أما في الحالة الثانية والتي لم يقم الأصيل (الموكل) بتعين الشيء المراد إتمام عقد البيع عليه للوكيل.

بأن قال له أشتري سلعة. وترك الأمر لتقدير واختيار هذا الوكيل، فيرى أنصار هذا الاتجاه إلى أنه يجوز للموكل رد المبيع المعيب على بائعه دون الرجوع للأصيل ([15]).

وورد في هذا الشأن في الخرشي ” وأن ظهر به عيب ظاهر كما يأتي فله (أي الوكيل) ردة على بائعه بغير إذن موكله، وهذا إذا لم يعين الموكل المبيع. وأما أن عينه له. بأن قال له أشتر لي الشيء العلاني، فإنه ليس له رده. وهذا في الوكيل المخصوص. أما في الوكيل المفوض إليه. فله أن يرده على بائعه ولو عينه له موكله. ونحو ذلك في المدونة. وقيد اللخمي رد المعيب بما إذا كان العيب ظاهرا وأما أن كان خفيا كالسرقة ونحوها. فلا شيء على الوكيل. ولم يذكر أبن عرفة هذا التقيد ولا صاحب الشمل “([16]).

الرأي الثاني :  ويرى أنصار هذا الرأي من الحنفية إلى أن الأمر يتعلق بالجائز الفعلي للسلعة المشتراة،

بحيث يحق للوكيل دون سواه رد الشيء المبيع المعيب ورفع دعوى الضمان إذا كان الشيء المبيع هذا لا يزال في حوزته وتحت قبضته، وطالما أنه لم يسلمه للأصيل (الموكل) وأنه بمجرد تسليم هذا الشيء المبيع للأصيل فإن الحق في رد المبيع ومخاصمة البائع تنتقل للأصيل فقط. ولا يحق للوكيل في هذه الحالة رد المبيع إلا بموافقة ورضا الأصيل وذلك لانتهاء حكم الوكالة بالتسليم للأصيل.

ولقد ورد في هذا الشأن أن الوكيل إذا أشترى شيئا ما، ثم أطلع على عيبا فله أن يرده على بائعه بمقتضى تعلق حقوق عقد الشراء بالوكيل. ثم بعد هذا أن بقي المبيع في يده يبقى حق الرد له. وأن لم يبق في يده، بل كان قد سلمه إلى الموكل يسقط ذلك عنه، لانتهاء حكم الوكالة بالتسليم ” ([17]).

كما أنه قد نص في مجلة الأحكام العدلية في المادة 489 على أنه ” إذا أطلع الوكيل على عيب المال الذي اشتراه قبل أن يسلمه إلى الموكل، فله أن يرده بلا إذن. ولكن ليس له أن يرده بلا أمر الموكل وتوكيله بعد التسليم إليه ” ([18]).

هذا ويشترط عند رجوع الوكيل على البائع برد المعيب أن يكون في الرد مصلحة حقيقية للموكل. وإلا أمتنع على الوكيل الرد حتى ولو لم يكن قد سلم المبيع إلى الموكل. فقد ورد أنه ” وصى أو وكيل أو عبد مأذون أشترى شيئا بألف وقيمته ثلاثة آلاف درهم فليس له أن يرده بالعيب لما فيه من إضرار باليتيم والموكل والمولى “([19]).

الرأي الثالث : رأي الشافعية

  يرى أنصار هذا الرأي من الشافعية أنه يجوز لكل من الموكل والوكيل أن يرجع على البائع بخيار العيب. إلا إذا رضي الموكل بالعيب ففي هذه الحالة لا يجوز للوكيل الرجوع بالخيار على البائع. ولفقد ورد في هذا الشأن ” أن وكل في شراء سلعة موصوفة لم يجز أن يشترى معيبا لان إطلاق البيع يقتضي السلامة من العيب ، ولهذا لو أشترى (الوكيل) عينا فوجد به عيبا ثبت له الرد. فإن أشتري معيبا نظرت. فإن اشتراه وهو يعلم أنه معيب لم يصح الشراء للموكل لأنه أشترى له مالم يأذن فيه فلم يصح له. وأن اشتراه وهو لا يعلم أنه معيب ثم علم. لم يغل إما أن يرضى به أو لا يرضى. فإن لم يرض به نظرت، فإن علم الموكل ورضي لم يجز للوكيل ردة لان الرد لحقه. وقد رضي به فسقط، وأن لم يعلم الموكل ثبت للوكيل الرد. لأنه ظلامه حصلت بعقدة مجاز له رفعها. كما لو أشترى لنفسه، فإذا حضر الموكل ورضي بالعيب أستقر العقد. وأن أختار الرد نظرت. فإن كان قد سماه الوكيل في الأشياع أو نواه وصدقة البائع جاز أن يرده لان الشراء له. وهو لم يرض بالعيب، وإنما رضي وكيله. فلا يسقط حقه في الرد “([20]).

الرأي الراجح

ونحن نتفق مع الرأي الأخير ونري أنه هو الرأي الراجح، حيث نجد فيه أن لكلا من الوكيل أو الموكل الحق في رد الشيء المبيع المعيب للبائع إلا إذا علم الموكل بهذا العيب وارتضاه لأي سبب. فقد يكون هذا السبب معنوي كحفاظ الموكل على العلاقة بينه وبين البائع الذي تربطه به علاقة خاصة، أو قد يكون السبب ماديا كان يرى الموكل أن هذا المبيع المعيب قد يساوى أكثر مما دفع فيه بالرغم وجود هذا العيب الذي لا يؤثر على الصفقة. وذلك لتوافق هذا الرأي مع الواقع. فمعنى أن شخصا ينيب غيره في إتمام صفقة ما، فذلك يعني أن الموكل قد وجد في الوكيل الكفاءة والقدرة على فحص واختيار الشيء المراد شراءه. فإذا وجد الوكيل أن الأفضل للموكل شراء سلعة برغم وجود عيبا فيها فيجوز ذلك. وقد يرى الأصيل أن الأفضل رد هذه السلعة، فله الحق في ذلك. وقد يتفق مع الوكيل في رأيه فيستبقي السلعة. وكذلك الأمر لو أن الوكيل أشترى سلعة وعقب فحصة لها وجود بها عيبا وأراد رد المبيع فله ذلك. وذلك بخلاف لو أن الموكل لم يرض بردها لأسباب قد يرى موضوعيها وأهميتها، ولذلك فنحن نتفق مع هذا الرأي.

وفى القانونين المدني المصري والمدني الفرنسي :

فنجد أن المشرع لم يتناول هذه الحالة في المواد في 447 إلى 454 من التقنين المدني المصري. وكذلك لا نجد في التقنين المدني الفرنسي نص خاص بهذه الحالة في المواد من 1641 إلى 1649 من التقنين المدني الفرنسي.

إلا أن هناك اتجاهين في هذا الشأن قد نص عليهما فقهاء القانون هما :

 الاتجاه الأول :

 يرى أنصار هذا الاتجاه أنه يثبت حق الرد للمبيع والرجوع بضمان العيب أولا للوكيل، لأنه هو المتعاقد الحقيقي. وهنا ينظر إلى مدي تحقق شرط خفاء العيب أو ظهوره بالنسبة للوكيل لا بالنسبة للموكل ” فالعيب في الشيء المعقود عليه لا يعتبر خفيا إذا كان النائب عالما به. ولو أن الأصيل لم يكون يعلم به ” ([21])  ، كما يرى أنصار هذا الاتجاه أن حق الرجوع بضمان العيب، ورد المبيع يثبت ثانيا للموكل (الأصيل). لان الوكيل يبرم العقد بأمر من الموكل، ولذا فمن حق الموكل (الأصيل)  رفع دعوى ضمان العيب إذا توافرت شروطها بالنسبة للوكيل. ذلك لأنه لو كان الموكل مشتريا ثانيا لكان من حقه الرجوع بدعوى ضمان العيب مباشرة على البائع لبائعه. وبهذا يكون له الحق من باب أولى في الرجوع بدعوي ضمان العيب على المتعاقد مع الوكيل، إذا كان المتعاقد وكيلا عنه خاصة أن آثار العقد تترتب مباشرة في ذمة الموكل. ولكن إذا ثبت بأنه (الأصيل) قد وكل شخصا لشراء شيء معين بالذات وهو عالم بما يوجد فيه من عيوب فلا يحق له الرجوع بدعوى ضمان العيب بحجة أن وكيله لم يكن على علم بهذا العيب ([22]).

أما الاتجاه الثاني :

فيرى أنصاره أن ما ذهب إلية أنصار الرأي السابق يتعارض مع نص المادة 105 من التقنين المدني المصري، والتي تنص على أنه ” إذا أبرم النائب في حدود نيابته عقد باسم الأصيل، فإن ما ينشأ عن العقد من حقوق والتزامات تضاف إلى الأصيل “. فالحقوق والالتزامات التي تترتب على التعاقد بطريقة النيابة تنصرف إلى ذمه الموكل (الأصيل) مباشرة. دون المرور بذمه النائب وعلى ذلك يكون للموكل وحده الحق في رفع الدعوى الضمان إذا أكتشف عيبا في المبيع الذي اشتراه له وكيله([23]).

نتفق مع الرأي الأول

ونحن نتفق مع الرأي الأول وذلك لما فيه من مصلحة للمشترى، وذلك لأنه طالما أن الأصيل قد أناب عنة الوكيل لشراء سلعة ما. فليس هنا ضررا لو قام الوكيل بفحص المبيع ووجده معيبا، وطلب رد المبيع ثم قام برفع دعوى الضمان. فهو يبرم العقد لصالح الأصيل. ومن مصلحة الأصيل أن يرد المبيع لو وجد به عيبا. إلا إذا أراد الأصيل استبقاء السلعة بما فيها من عيوب. فهنا لا يحق للنائب رد المبيع، وهنا ينتقل الحق للأصيل فقط في طلب رد المبيع أن أراد ذلك.

كذلك فإننا نرى أن الاتجاه الثاني يتعارض مع المنطق السليم، ففي حال كون الأصيل غير متواجدا في مكان السلعة المشتراة بواسطة الوكيل، فهو لن يتمكن من فحص مبيعه بنفسه خلال مدة معقولة ،وبالتالي فلو أننا قصرنا حق الرد على الأصيل فقط ” كما ذهب فقهاء الاتجاه الثاني ” لأمكنا أن نجزم بضياع حقه في رد المبيع بالرغم من علم الوكيل بوجود عيبا فيه.

ولذلك فنحن نرى أنه من الأفضل والأجدى الاتفاق والعمل بما ذهب إلية فقهاء الاتجاه الأول، والذي يعطى حق رد المبيع المعيب لكلا من الوكيل أولا ثم الأصيل ثانيا.

الدائن بالضمان في حالة وجود خلف عام أو خلف خاص

إذا توفى المشترى فإن ورثه هذا الشخص يصبحون خلفا عاما لهذا المتوفى، فهل يحق لهم طلب رد الشيء المبيع المعيب أم لا ؟ هذا ما سوف نبحثه أولا. ثم نتعرض للوضع القانوني للخلف الخاص، وهو من تصرف له المشترى في الشيء المبيع بأي شكل من أشكال التصرف وذلك على النحو الآتي :

أولا : الخلف العام

إذا توفى المشترى وكان قد أبرم عقدا مع بائع على شراء سلعة معينة. فبمجرد وفاته ينتقل حق رد المبيع المعيب وكذلك حق رفع دعوى ضمان العيب لورثة هذا المتوفى. وهم من يعرفون بأنهم خلفه العام.

وفي ذلك يتفق الفقه الإسلامي مع القانونين الفرنسي والمصري.

ففي الفقه الإسلامي :

ذهب الفقهاء المسلمون إلى أنه إذا توفى المشترى قبل أن يستنفذ حقه في طلب رد الشيء المبيع المعيب، وذلك بالرجوع علي البائع بخيار العيب فإن من حق ورثته اللجوء إلى حق الخيار، وبالتالي طلب رد المبيع المعيب. ولقد أستند الفقهاء المسلمون في ذلك إلى قوله (صلى الله عليه وسلم)” من ترك نالا أو حقا فلورثته ” ([24]). وأنه من حق الوارث أن يرث ما ترك المورث سليما ولا عيب فيه، كما كان هذا الحق للمورث. وأن العيب يتعلق بالشيء المتروك ويؤدى إلى نقصان قيمتها. وفى عدم ثبوت الخيار للورثة إضرار بهم والضرر يجب إزالته. ولا يمكن إزالة هذا الضرر إلا بمنحهم الحق في خيار العيب ([25]).

وبرغم أتفاق الفقهاء المسلمون حول حق الوارث في المطالبة بخيار العيب إلا أنهم اختلفوا حول طريقة وأساس وسبب انتقال هذا الحق من المورث للوارث ويمكن أن نجمل هذه الاختلافات في الاتجاهين التاليين:

الاتجاه الأول : ويرى أنصاره من الحنفية أن خيار العيب ينتقل إلى الورثة باعتباره حقا متعلقا بالعين المعيبة التي انتقلت إليهم. فهو حق يثبت للورثة ابتداء لا بطريق الوراثة أو الخلاقة ([26]).

الاتجاه الثاني : ويرى الضارة أن خيار العيب ينتقل بالميراث وليس لأنه حق متعلق بالعين التي انتقلت من المورث للوارث. وذلك على افتراض أن خيار العيب هو حق من الحقوق التي تورث كالأموال. وعلى ذلك فجمهور هذا الرأي يفسرون انتقال خيار العيب من المورث للوارث على أنه حق ينتقل بالميراث وليس لتعلقه بالشيء المباع للمورث قبل وفاته.

كذلك أختلف الفقه الإسلامي حول حق الورثة في استعمال خيار العيب في حال اختلافهم في طريقة تنفيذ الضمان. ونجد أن هناك اتجاهين حول هذا الموضوع :

الاتجاه الأول : ويرى أنصاره من المالكية إلى أنه إذا أختلف الورثة في رد المبيع المعيب. بأن أرتضى أحدهم المبيع المعيب وأراد استبقاؤه، وأراد الآخرون رد هذا المبيع المعيب. ففي هذه الحالة يحق للوارث الذي رضي بالعيب أن يأخذ المبيع بأكمله، على أن يقوم بسداد قيمه أنصبه الورثة الذين اختاروا رد هذا المبيع المعيب ([27]).

وفى ذلك ورد على لسان الخرس ” إذا أختلف الورثة في رد الشيء المعيب. بأن أرتضى أحدهم المبيع العيب. وأختار الآخرون الرد أخذ الوارث الذي أرتضى بالعيب المبيع كله ، ولزمه دفع نصيب الذي أختار الرد “.

الاتجاه الثاني : يرى أنصاره من الشافعية والحنابلة أنه يجب على الورثة في حال اختلافهم حول رد المبيع أو استبقاؤه. أن يتفقوا على رد المبيع المعيب. فإن أراد بعض الورثة أن يردوا نصيبهم دون البعض الأخر لم يجز له ذلك من غيره رضا البائع. وعلى ذلك فإذا أختلف الورثة بأن أراد جزء منهم استبقاء المبيع المعيب، وأراد البعض الأخر رد المبيع المعيب، فإن هذا الأمر يتعلق بإرادة البائع الذي قد يرى أن ذلك الأمر يجوز فيوافق عليه لما قد يعود علية بالنفع. ففي هذه الحالة يجوز أن يستبقى بعض الورثة جزء من المبيع المعيب، وأن يرد البعض الأخر من الورثة ما نقل إليهم من مورثهم معيبا، بشرط قبول البائع هذا التقسيم بين الرد والاستبقاء. أما إذا لم يجز البائع ذلك التقسيم بأن طلب رد المبيع كاملا، فلن يكون هنا من حق الورثة إلا الاتفاق على رد المبيع كاملا، ولن يسمح لأي من الورثة باستبقاء جزء من المبيع، بل يجبر على رد ما تحت يده للبائع ولقد ورد في ذلك ” فإن كان له وارثان فأختار أحدهما أن يرد نصيبه دون الأخر، فلم يجز له تبعيض صفقة في الرد فلم يجز رضاء البائع كما لو أراد المشترى أن يرد المبيع ” ([28]).

أما في القانون المدني المصري :

فقد وضح المشرع في المادة 145 من التقنين المدني المصري ([29]) أن أثر العقد ينصرف إلى الخلف العام للمتعاقد، وبالتالي فإنه يحق لورثة المتوفى الرجوع بدعوى ضمان العيب على البائع لمورثهم إذا ظهر أن المبيع معيبا، وطالما أن الشخص المتوفى قد ثبت له الحق في الاستفادة من الضمان. فإن لورثته كذلك الحق في الاستفادة من نفس الضمان وذلك لأنهم يستفيدون من العقد الذي أبرم بين البائع وبين مورثهم المشترى المتوفى.

أما في القانون المدني الفرنسي :

فنجد أن المشرع المدني الفرنسي قد أقر بأحقية الورثة في رفع دعوى ضمان العيب على البائع لمورثهم، إذا ظهر في المبيع عيبا يستوجب الضمان. وهذا هو الحكم الذي يؤخذ به في القانون المدني الفرنسي. مع الأخذ في الاعتبار أن البعض من الفقهاء الفرنسيين يرون أن انصراف أثر العقد إلى الورثة، ما هو إلا تطبيقا للمادة 1165 من القانون المدني الفرنسي على أساس أن الورثة يشبهون أطراف العقد ([30]). بينما يرى البعض الأخر أن انصراف أثر العقد إلى الورثة ما هو إلا تطبيق لصريح نص المادة 1122 من القانون المدني الفرنسي.

فالفقه الفرنسي يسلم ويقر بحق الورثة في الضمان، ذلك لأنهم يستفيدون من العقد الذي أبرمه مورثهم مع البائع. وعلى ذلك فهم يستفيدون من الضمان الذي ثبت لسلفهم ([31]). وينتج عن ذلك أن دعوى ضمان العيب لا تتعلق بمكتسب الحق وحده (المشترى). بل تتعداه إلى خلفه العام كالورثة والموصي لهم بحصة من التركة. وكذلك الخلف بسبب عام كالموصي لهم بعين معينة في التركة.

ولقد أجاز القضاء الفرنسي رجوع الورثة على البائع بضمان العيب، ومن ثم بطلب الرجوع بالتعويض عن الأضرار الناجمة بسبب هذا العيب في الشيء المبيع لمورثهم. إلا أن المحاكم قد اختلفت في تبرير انتقال هذا الحق إلى الورثة. ففي 22 يناير عام 1952 قضت محكمة استئناف ليون بالتعويض لصالح أرملة المشترى الذي توفى بسبب حادث نجم عن عيبا كان موجودا في المبيع. على أساس أن البائع مسئول بموجب العقد قبل المشترى، وكذلك قبل وتجاه من يفترض أن المشترى قد أشترط لصالحهم عند إبرامه للعقد مع البائع. وعليه ألزمت المحكمة البائع بتعويض أرمله المشترى عن كل الأضرار المادية والمعنوية التي أصابتها نتيجة فقدان زوجها ووفاته بسبب العيب في السيارة التي كان قد أشتراها من بائعها معيبة. كما أن المحكمة ألزمت البائع بإصلاح السيارة التي حدث بها تلفيات من الحادث بسبب هذا العيب.

ولقد أيدت محكمة النقض المصرية هذا الحكم، إلا أنها لم توافق على تبرير محكمة ليون. إذا لا يمكن القول بوجود الاشتراطات لمصلحة الغير في أمر لم يكن متوقعا بطبيعته. وأسست الحكم على كون الأرملة وارثة لصاحب الحق في الضمان.

وعلى هذا الأساس قضت محكمة استئناف بتعويض أرملة المشترى وأطفاله القصر عن الضرر الذي أصابهم من جراء وفاة عائلهم بسبب العيب في المبيع ([32]).

وإذا تعدد الورثة فمن الجائز أن تتعدد طلباتهم. فقد يحدث أن يطلب البعض رد المبيع، وقد يرى البعض الأخر استبقاء المبيع، لوجود منفعة في هذا المبيع برغم وجود عيوبا فنية به. فما جدوى ذلك وهل يجيز القانون ذلك أم لا ؟

لم يتطرق أيا من القانون المدني الفرنسي أو القانون المدني المصري لهذه الحالة على وجه التحديد. إلا أن فقهاء القانون قد اختلفوا فيما بينهم حول هذه الحالة. ويمكن أن نجمل وجهات نظر هؤلاء الفقهاء حول هذه المسألة في رأيين هما :

الرأي الأول : يرى أنصاره أن الضمان ينقسم بين الورثة كلا بقدر نصيبه في العيب. ولا يجوز تقديم طلبات مختلفة بين الرد وبين استبقاء المبيع المعيب. حتى لا تتفرق الصفة على البائع ([33]).

الرأي الثانيويرى أنصاره أنه عند تعدد الورثة، يجب أن يرفع هؤلاء الورثة دعوى ضمان العيب مجتمعين، وأن يعتبر طلبهم واحدا. وإذا لم يتفقوا على طلب معين جاز للبائع رفض طلباتهم واقتضاء حل واحد ([34]).

وبالتالي فنحن نرى أن الموضوع يتعلق بمدى قابلية محل المبيع للتجزئة، فإن قبل المبيع التجزئة، وكان الجزء المعيب لدى أحد الورثة ومن نصيبه، فلا يوجد ما يمنع من طلب رد المبيع المعيب منفردا على بائع هذا الشيء المبيع المعيب ، وأن لم يقبل هذا المبيع التجزئة، فلا مجال لانفراد أحد الورثة بطلب مغاير لباقي الورثة. كان يطلب رد المبيع المعيب أو استبقاؤه بشكل منفرد، سبب عدم إجازة هذا الإجراء هو كي لا تتفرق البيعة على البائع.

ثانيا : الخلف الخاص

وهو كل ما تصرف إليه المشترى المتوفى قبل وفاته في الشيء المبيع بأي شكل من أشكال التصرف. ويتفق الفقه الإسلامي مع القانون المدني الفرنسي والقانون المدني المصري، في أحقية الخلف الخاص في الرجوع على المشترى الأول وهو الذي باع للمشتري الأول السلعة المعيبة، بدعوى ضمان العيب إذا ما وجد في المبيع عيبا يضمنه البائع.

ولقد ورد في الفقه الإسلامي ما يؤكد اتجاه الفقهاء المسلمون إلى أن المشترى إذا باع العين المعيبة إلى مشتري ثاني، فإن للأخير أن يرجع على بائعه بخيار العيب.

ففي فتح القدير ورد أنه ” ولو تداولته (أي العبد) الأيدي، ثم قطع في يد الأخير فيرجع الباعة بعضهم على بعض عنده (أي عند أبى حنيفة) كما في الاستحقاق “ ([35]).

وفى ذلك يتفق القانون المدني الفرنسي والقانون المدني المصري من حيث أحقية المشترى الثاني (الخلف الخاص), بالرجوع على بائعه (المشتري الأول) بضمان العيب الموجود في الشيء المباع له، في حال اكتشاف هذا العيب. وذلك برفع دعوى ضمان العيب على هذا البائع المباشر لهذا المشترى، وهذا الحق مستمد من عقد البيع المبرم بين المشترى الأخير وبين بائعه (المشترى الأول).

وتنص المادة 1122 من القانون المدني الفرنسي على أنه ” يفترض أن المتعاقد أنما يبرم العقد لصالحه ولصالح ورثته وخلفه ” ([36]). وهذه الصياغة للمادة 1122 من القانون المدني الفرنسي تفتح مجال للتساؤل عن هذا الخلف الذي نص عليه بعد الورثة في تلك المادة ؟

ونجد أن هناك تفسيرات وجدت وأراء مختلفة في هذا الشأن في الفقه الفرنسي. فالبعض فسر هذا الخلف على أنه الخلف العام، والخلف الخاص، وكذلك الخلف بسبب عام (أي بسبب غير الميراث). وذلك على أساس أن المادة سالفة الذكر، ذكرت الورثة ثم الخلف دون أن تصف الخلف العام أو الخلف الخاص. وبالتالي قسمت من يبرم العقد لصالحهم بعد المتعاقد الأصلي إلى : ورثة وخلف. والورثة بحكم القانون خلف عام، وبالتالي يكون الخلف المذكور هو الخلف الخاص والخلف بسبب غير الميراث ([37]).

كما أن القانون المدني المصري يتفق في ذلك مع القانون المدني الفرنسي والفقه الإسلامي فقد نصت المادة 146 من التقنين المدني المصري على أنه ” إذا أنشأ العقد التزامات وحقوق شخصية تتصل بشيء أنتقل بعد ذلك إلى خلف خاص. فإن هذه الالتزامات والحقوق تنتقل إلى هذا الخلف في الوقت الذي تنتقل فيه الشيء إذا كانت من مستلزماته وكان الخلف الخاص يعلم بها وقت انتقال الشيء إليه” ([38]).

وبرغم أتفاق الفقه الإسلامي مع القانونين المدنيين المصري والفرنسي حول أحقية رجوع المشترى على بائعه الأول بضمان العيب. إلا أن ثمة اختلاف ظهر بينهم في إجازة المشترى الأخير بالرجوع بدعوى ضمان العيب الخفي مباشرة على البائع الأول (وهو البائع لبائعه). فنجد أن جانب من الفقهاء المسلمون يرون أن المشترى الثاني ليس له الحق في الرجوع على البائع الأول بضمان العيب. وإنما يثبت له الحق في ذلك في مواجهة من أشترى منه مباشرة ([39]). إلا أن للفقه والقضاء الفرنسي اتجاه أخر مخالف لما وجدناه في الفقه الإسلامي حول هذه المسألة. فقد أستقر الفقه والقضاء في فرنسا على أنه يحق للمشترى الثاني الرجوع بدعوى ضمان العيب الخفي على البائع الأول. بهدف اختصار الإجراءات وتوفير الوقت والمال، وذلك بالرغم من عدم وجود عقدا بين المشتري الأخير والبائع الأول. بل أن الفقه والقضاء في فرنسا ذهبا لأبعد من ذلك، فقد استقرا على أحقية المشترى الأخير في الرجوع بهذه الدعوى على أيا من البائعين المتتاليين المتتابعين. وفى هذه الحالة يتشابه حق المشترى الأخير مع الحق الذي يكون لحامل السند التجاري، وهو حق يخول المدعي بالضمان الرجوع على أي من الذين قاموا بالتوقيع على السند بالضمان. ولهذا أطلق بعض القانونيين على هذه الدعوى في هذه الحالة بأنها دعوى سنديه ([40]).

مع ملاحظة أنه لا يجوز الرجوع على أيا من هؤلاء البائعين المتتابعين بدعوى الضمان عن عيبا لاحق على البيع الذي أجراه المشتري الأخير. فكل واحد من هؤلاء البائعين يضمن العيب الموجود في المبيع وقت بيعه ولا يضمن العيوب التي تنتج في البيوع اللاحقة.

ولقد أجاز الفقه في فرنسا انتقال الحق في الضمان إلى الخلف الخاص بإجماع الفقهاء، إلا أن الخلاف بينهم كان يكمن في تبرير هذا الانتقال من السلف إلى الخلف الخاص. فقد ذهبت بعض المحاكم الفرنسية إلى تبرير انتقال الحق في الضمان إلى الخلف الخاص، على أساس فكرة الحلول القانوني. بمعني أن هذا الخلف الخاص يحل بقوة القانون محل سلفه ويستعمل حقه في الرجوع بدعوى الضمان. كما قضى أن المشترى الأخير يحل محل المشتري الأول في الحقوق الناجمة عن البيع الذي نقل له ملكية الشيء المبيع وتوابعها. وأن المشتري يحق له الرجوع علي البائع الأول مباشرة بدعوي ضمان العيب الخفي ([41]).

وقد ذهب البعض إلى أن الدعوى المباشرة للخلف الخاص، تتأسس على وجود حق دائنيه ضد البائع. وأن هذا الحق ينتقل إلى المشترين المتعاقبين للشيء المبيع ([42]).

أما في مصر :

 فقد نص المشرع في المادة 146 من القانون المدني المصري ([43]) على أن أثر العقد ينصرف إلى الخلف الخاص إلا أنه اشترط لذلك شروطا هي أن تكون تلك الحقوق ومنها ضمان العيب الخفي من مستلزمات العقد، وكذلك أشترط علم الخلف الخاص بهذه الحقوق وقت انتقال الشيء المبيع له. ونجد ذلك في نص المادة 146 من التقنين المدني المصري التي تنص على أنه ” إذا أنشا العقد التزامات وحقوق شخصية تتصل بشيء أنتقل بعد ذلك إلى خلف خاص، فإن هذه الالتزامات والحقوق تنتقل إلى هذا الخلف في الوقت الذي ينتقل فيه الشيء، إذا كانت من مستلزماته وكان الخلف الخاص يعلم بها وقت انتقال الشيء إليه “.

وهذا هو الرأي السائد في الفقه المصري الذي يري أن المبيع ينتقل إلى المشترى بتوابعه وملحقاته ومن بينهما دعوى ضمان العيب الخفي ([44]). إلا أن هناك رأى أخر يرى أن الدعوى المباشرة لا يجوز أن تتقرر إلا بنص صريح من المشرع، وأن ضمان العيب الخفي ليس أحد الحالات التي نص القانون فيها للدائن باستعمال الدعوى المباشرة. وبالتالي يرى هذا الاتجاه عدم جواز رجوع المشترى الأخير على البائع الأول بدعوى مباشرة، للمطالبة بضمان العيب الخفي إذا وجد في المبيع ([45]).

 إلا أننا لا نوافق هذا الرأي لما فيه من تقليص لأوجه حماية المشترى، كما أننا نرى أن اعتبار الدعوى المباشر في هذه الحالة هي أحد الحقوق التي تنتقل إلى المشترى بمجرد إبرام العقد وانتقال الشيء المبيع له.

ولنا أن نتساءل عن نطاق الدعوى المباشرة. والتي أستقر غالبية الفقهاء والقانونيين في مصر وفى فرنسا، على أنها أحد حقوق المشترى الأخير والتي يجوز له استعمالها توفيرا للجهد والنفقات والوقت.

ففي فرنسا :

 ذهب جانب من الفقه والقضاء الفرنسي إلى أن الدعوى المباشرة التي للمشترى الأخير في مواجهة البائعين السابقين، تقتصر على مجرد طلب التعويض دون أن يكون للمشترى أن يطلب فسخ العقد(عقد البيع).حيث لا يستطيع المشترى الأخير أن يطالب بائع سابق بفسخ البيع ورد المبيع واسترداد الثمن الذي سبق وأن دفعه لبائعه ([46]).

بل يجوز له أن يرفع دعوى الفسخ على البائع الأخير لاسترداد الثمن ورد المبيع وكذلك رفع دعوى التعويض على الصانع إذا كان العيب الخفي يرجع إلى صنع المبيع ([47]).

ويستند أصحاب هذا الاتجاه إلى أنه في هذه الحالة لا يوجد عقد بين المشترى الأخير وبين أحدا من البائعين السابقين ([48]). كما أنه لا يمكن إلزام الصانع بدفع كامل الثمن إلى المشتري الأخير. وخصوصا إذا كان الثمن المدفوع إلي الصانع أقل من الثمن الذي دفعة المشتري الأخير إلى بائعة المباشر ([49]). ولقد تعرض هذا الاتجاه إلى الانتقاد على أساس أنه جاء مغاير لم سبق أن استقرت عليه محكمة النقض الفرنسية، والتي أقرت بأن الدعوى المباشرة التي للمشترى الأخير على أيا من البائعين السابقين تشمل المطالبة بالتعويض وكذلك فسخ المبيع على السواء.

كما أنه لا يوجد سبب لاقتصار حق المشترى الأخير على المطالبة بالتعويض فقط. طالما أن الأمر مستقر عليه في محكمة النقض الفرنسية. كذلك لا يجوز أن يخضع الملحق أو التابع لنظام قانوني مختلف عن المطلب الأصلي. وبالتالي لا يجوز أن نخضع دعوى التعويض عن الضرر لنظام قانوني مختلف عن دعوى الفسخ التي غالبا ما تكون دعوى التعويض تابعة وملحقة لدعوى الفسخ.

وأنه إذا كان الثمن الذي قبضه الصانع أقل من الثمن الذي دفعه المشترى الأخير لبائعه المباشر. فإن للمشترى الأخير أن يرجع على البائع المباشر له لاسترداد فرق الثمن ([50]).

وأخيرا نجد أن محكمة النقض الفرنسية قد استقرت في أحكامها الحديثة على ما قد سبق أن قضت به، من أن الدعوى المباشرة التي للمشترى الأخير على أيا من البائعين السابقين تشمل المطالبة بالتعويض عن الضرر وفسخ البيع على السواء ([51]).

أما في مصر :

فقد نصت المادة 235 من القانون المدني المصري على ما يلي ” 1- لكل دائن ولو لم يكن حقه مستحق الأداء أن يستعمل باسم مدينة جميع حقوق هذا المدين، إلا ما كان فيها متصلا بشخصه خاصة أو غير قابلة للحجز. 2- ولا يكون استعمال الدائن لحقوق مدنية مقبولة إلا إذا ثبت أن المدين لم يستعمل هذه الحقوق وأن عدم استعماله لها من شأنه أن يسبب إعساره أو يزيد في هذا الإعسار، ولا يشترط أعذار المدين لاستعماله حقه، ولكن يجب إدخاله خصما في الدعوى).

وغنى عن البيان أن القانوني المدني المصري قد أقر بأحقية المشترى الأخير في اللجوء إلى رفع دعوى مباشرة على البائع الأول للمطالبة بضمان العيب الخفي، بما تشمله تلك الدعوى من المطالبة بالتعويض عن الضرر، بالإضافة إلى طلب فسخ البيع. كما أنه عملا بالمادة 235 من التقنين المدني المصري فإن للمشترى الأخير أن يلجأ لما يعرف بالدعوى غير المباشرة، وهي التي تخوله أن يستعمل باسم مدينة الحق الذي قصر المدين في استعماله، وبالتالي يحق للمشترى الأخير أن يستعمل دعوى بائعه المباشر له في مواجهة البائع الأول، ولكن يشترط لذلك أن يكون العيب موجودا وقت إبرام البيع الأول ([52]). على أن تبدأ مدة التقادم لدعوى الضمان في هذه الحالة من وقت تسلم المشترى الأول المبيع من بائعه.

وما يؤخذ على هذه الدعوى أن المشترى الذي يرفعها يتعرض فيها لمزاحمة دائني بائعه المباشر له. وبالتالي فلا يستأثر في حال المطالبة بحقوقه عن طريق الدعوى غير المباشرة بكافة الحقوق والفوائد. ولهذا السبب نجد أن غالبية الدائنون لا يلجؤون لهذه الدعوى ([53]).

وبهذا يكون نطاق الدعوى المباشرة في القانون المصري متوافقة مع نطاق هذه الدعوى في القانون الفرنسي، من حيث إن للمشترى الأخير الحق في المطالبة بالتعويض وفسخ العقد عن طريق الدعوى المباشرة ([54]).

الهوامش 

([1]) حامد زكي – دروس في الالتزامات – سنة 1947 – ط1 – ص 198, فيصل زكي عبد الواحد – المسئولية المدنية في إطار الأسرة العقدية – دار الثقافة الجامعية – طبعة عام 1991 – ص 21.

([2]) د. عبد الرسول عبد الرضا ص347 فقرة 24.

([3]) السنهوري الوسيط 196 ج1 ص596.

([4]) نص المادة 450 من القانون المدني المصري.

([5]) Aref. Op. Cit.Paris 1936. P 65

([6]) المادة 337 من مجلة الأحكام العدلية.

([7]) محمود عبد الحكم رمضان الخن – رسالة سابقة –فقرة 122 – ص179.

([8]) محمود عبد الحكم رمضان – رسالة سابقة ص181 فقرة 124.

([9]) الشيباني – الأصل – لمحمد بن حسن الشيباني- القسم الأول (البيوع). حققه د.  شفيق شحاتة – مطبعة جامعة القاهرة سنة 1954 ص201.

([10]) الخرشي- مرجع سابق ج5 ص149.

([11]) Baudry Et Saignat, Op.Cit.. N.330 Bis. وكذلك الشيباني – مرجع سابق ص200.

([12]). Op.Cit. Paris 1887. P 90 De Bernon

([13]) محمود عبد الحكم رمضان الخن – رسالة سابقة – ص181 فقرة 124.

([14]) محمود عبد الحكم رمضان الخن – رسالة سابقة – ص192 فقرة 134.

([15]) الدسوقي المرجع السابق ج3 ص382 وكذلك محمود عبد الحكم رمضان الخن – رسالة سابقة – ص192.

([16]) الخرشي- المرجع السابق ج6 ص72.

([17]) أبن همام –المرجع السابق ج6 ص109.

([18]) نص المادة 489 من مجلة الأحكام العدلية. أرجع لمحمود عبد الحكم رمضان الخن – رسالة سابقة – ص192 فقرة 134.

([19]) أبن نجيم – المرجع السابق ج6 ص40.

([20]) الشيرازي- مرجع سابق ج1 ص539.

([21]) عبد المنعم البدراوي الالتزامات – مرجع سابق – طبعة عام 1968 ج1 ص149.

([22]) عبد الرسول عبد الرضا محمد – مرجع سابق – ص350.

([23]) محمود عبد الحكم رمضان الخن – رسالة سابقة ص193 فقرة 135.

([24]) رواه النسائي والترمذي.

([25]) بدران أبو العنين بدران – تاريخ الفقه الإسلامي ونظرية الملكية والعقود- طبعة سنة 1968 ص545.

([26]) أبن همام – مرجع سابق ج5 ص125.

([27]) محمود عبد الحكم رمضان الخن – مرجع سابق- ص182.

([28]) المقالة السابقة بن22- Saint – Alary

([29]) وإليك نص المادة 145 من القانون المدني المصري ” ينصرف أثر العقد إلى المتعاقدين والخلف العام. دون إخلال بالقواعد المتعلقة بالميراث ، ما لم يتبين من العقد أو من طبيعة التعامل أو من نص القانون أن هذا الأثر لا ينصرف إلى الخلف العام “.

([30]) Jean Lepargneur: De L’effet a Legard De L’ayant Cause Particulier Des Contrats Generateurs D’obligation Relatifs Aubien Transmis Rev. Trim. De Dr. Civil 1924. P. 484

([31]) Op.Cit. P 171: Charlin

([32]) نقلا عبد الرسول عبد الرضا محمد – رسالة سابقة – ص357.

([33]) السنهوري الوسيط – مرجع سابق – ج4 ص730.

([34]) عبد الرسول عبد الرضا محمد رسالة سابقة – ص356.

([35]) محمود عبد الحكم رمضان الخن – رسالة سابقة – ص183.

([36]) نص المادة 1122 من القانون المدني الفرنسي.

([37]) Lepargjneur بحث في المجلة الفعلية للقانون المدني 1924 ص487 وص488.

([38]) نص المادة 146 من التقنين المدني المصري.

([39]) محمود عبد الحكم رمضان الخن – رسالة سابقة – فقرة 129 ص 184.

([40]) محمود عبد الحكم رمضان الخن – رسالة سابقة – ص 185.

([41]) نقلا عن عبد الرسول عبد الرضا محمد – رسالة سابقة – ص 359

([42]) GROSS.Op. Cit P 185.

([43]) إليك نص المادة 146 من القانون المدني المصري- ” إذا أنشأ العقد التزامات وحقوقا شخصية تتصل بشيء أنتقل بعد ذلك إلى ، خلف خاص ، فإن هذه الالتزامات والحقوق تنتقل إلى هذا الخلف في الوقت الذي ينتقل فيه الشيء ، إذا كانت من مستلزماته وكان الخلف الخاص يعلم بها وقت انتقال الشيء إليه “

([44]) خليل أحمد قدارة – أثر العقد بالنسبة للخلف الخاص وفقا لأحكام القانون المدني المصري – رسالة دكتوراة – جامعه القاهرة 1982 – فقرة 90 ص 243

([45]) محمد على عمران- المرجع السابق – ص140.

([46]) MALINVOU: Note Sous Cass.27 Paris 1973. Precite

([47]) Savatier.Op, Cit.J.C.P 1973 -2 – 17445.

([48]) Malinvaud: Op. Cit. P.138, Coumu Observe. Trin. Dr.Civ.1973p.582

([49]) محمود عبد الحكم رمضان الخن – رسالة سابقة – ص190

([50]) Malinvaud, Op. Cit. P.138, Coumu Observe. Trin. Dr.Civ.1973p.582

([51]) Cass. 17-5-1982. J.C.P.1982 Tv P.268

([52]) محمد نبيل شنب – مرجع سابق – ص233 فقرة 181.

([53]) محمود عبد الحكم رمضان الخن – رسالة سابقة – ص190 فقرة 132.

([54]) محمود عبد الحكم رمضان الخن – الرسالة السابقة -الموضع السابق.

إعداد الدكتور عمرو دبش

ضمان العيوب

Scroll to Top