الضرر في المسؤولية العقدية

الضرر في المسؤولية العقدية

تتمتع العقود بصفة عامة بقوة ملزمة تفرض على أطرافها تنفيذ ما يقع على عاتقهم من التزامات يقررها العقد المبرم بينهم، ويترتب على مخالفتهم لتنفيذ هذه الالتزامات أن يلجأ المتعاقدين معهم إلى القضاء للمطالبة بإلزامهم بتنفيذ تلك الالتزامات جبراً، وتعرف تلك الدعوى قانوناً بدعوى المسؤولية العقدية، وحتى تتحقق المسؤولية العقدية فإن ذلك يستلزم أن تتوافر مجموعة من الشروط، فيجب بداية أن يكون هناك عقداً صحيحاً وقائماً بين الطرفين، وأن يكون هناك إخلال من قبل أحد هذين الطرفين بتنفيذ التزامه الذي يفرضه عليه العقد، وأيضاً أن يصاب الدائن في الالتزام بالضرر نتيجة تحقق هذا الإخلال، وأخيراً أن يكون الضرر المتحقق للطرف الدائن مترتب على إخلال الطرف الآخر بالتزامه التعاقدي.

وسوف نتناول في هذا المقال الضرر المترتب على الإخلال بالالتزامات التعاقدية، وذلك باعتباره أحد العناصر الأساسية والشروط الجوهرية التي يلزم تحققها لقيام المسؤولية العقدية، لاسيما وأن الضرر يعد بمثابة جوهر تقرير المسؤولية العقدية والتي تقررت من حيث الأصل لجبر آثاره.

 

أولاً: تعريف المسؤولية العقدية

ثانياً: تعريف الضرر كركن من أركان المسؤولية العقدية

ثالثاً: أنواع الضرر

رابعاً: الشروط اللازم توافرها في الضرر التعاقدي

خامساً: ضمان الضرر التعاقدي

سادساً: نماذج من أحكام القضاء الأردني ذات العلاقة

سابعاً: الخاتمة

 

أولاً: تعريف المسؤولية العقدية

الأصل في العقود وفي تنفيذ ما يترتب عليها من التزامات هو أن ينفذ كلاً من المتعاقدين الالتزامات التي تقع على عاتقه بشكل طوعي أي دون ضغط أو إجبار، وعيني أي أن يقوم بتنفيذ عين وذات الالتزام الذي يقع على عاتقه، فلا يستبدله بشكل آخر من أشكال الالتزام ولا يبرأ منه إلا بتنفيذه وفقاً لما تم الاتفاق عليه في العقد، وفي خلال الأجل الزمني المحدد لتنفيذه بالعقد دون أي تأخر.

إلا أن الأمر لا يخلو من بعض الحالات التي يتخلف فيها المدين بالالتزام عن تنفيذ التزامه عينياً وبشكل اختياري، وقد يكون تخلفه هذا في شكل امتناع عن التنفيذ أو تأخير فيه عن الموعد المحدد لذلك، فلا يكون أمام الدائن بالالتزام عندئذ إلا أحد طريقين، الطريق الأول هو طريق التنفيذ العيني حيث يتم فيه إجبار المدين على تنفيذ التزامه المترتب على العقد بشكل جبري متى كان تنفيذه لايزال ممكناً، والطريق الثاني هو طريق التنفيذ بطريق التعويض[1]، ويعد الطريق الثاني هو جوهر المسؤولية العقدية.

وتعد المسؤولية العقدية هي أحد صورتي المسؤولية المدنية، وصورتها الأخرى هي المسؤولية التقصيرية، والمسؤولية العقدية تعرف بأنها ما يجب في ذمة الشخص لصالح غيره لجبر للضرر الذي أصاب هذا الغير من جراء مخالفة الشخص أو إخلاله بالتزاماته التي يقررها عليه العقد المبرم بينهما[2]، وبالتالي فإن المسؤوليتين العقدية والتقصيرية باعتبارهما صورتي المسؤولية المدنية يتفقان في أركانهما، فكليهما يتحققان بتحقق الخطأ والضرر وعلاقة السبية التي تربط بين الخطأ والضرر، والاختلاف يكون في منشأ الخطأ الذي يكون في المسؤولية العقدية هو خطأ تعاقدي ناشئ عن مخالفة أحكام العقد والتزاماته، بينما في المسؤولية التقصيرية يكون الخطأ متمثلاً في الفعل غير المشروع.

مما يمكننا معه أن نعرف المسؤولية العقدية باعتبارها واجب ضمان الضرر الذي يترتب على وقوع إخلال من أحد أطراف العقد بالالتزامات التعاقدية التي تقع على عاتقه.

ثانياً: تعريف الضرر كركن من أركان المسؤولية العقدية

كما سبق وأن أشرنا في البند أولاً من هذا المقال أن المسؤولية العقدية تقوم على ثلاث أركان هي الخطأ الذي يتمثل في إخلال المتعاقد بالتزاماته التعاقدية، والضرر الذي يصيب الطرف الآخر في التعاقد، وعلاقة السببية التي تربط بين ركني الخطأ والضرر، فما هو المقصود بالضرر باعتباره أحد أركان المسؤولية العقدية؟

تصدى الفقه الإسلامي لتعريف الضرر على أنه إلحاق مفسدة أو إيذاء للغير في أموالهم أو أجسادهم أو عرضهم أو عواطفهم[3]، ونتبين من هذا التعريف أن الفقه الإسلامي قد عرف الضرر بنوعيه المادي والمعنوي (الأدبي)، وسوف نتعرض إلى هذين النوعين عند الحديث عن أنواع الضرر.

وقد عرف الفقه القانوني الضرر بأكثر من تعريف، وهذه التعاريف وإن اختلفت في ظاهرها إلا أنها اتفقت في مضمونها، ومن أهم تلك التعريف نذكر ما يلي:

  • يقصد بالضرر ما يصيب الشخص من أذى سواء في أي حق من حقوقه أو في أي مصلحة من المصالح المشروعة الخاصة به، بغض النظر عما إذا كان ذلك الحق أو هذه المصلحة تتسم بأن لها قيمة مالية أم لا[4].
  • وعرف الضرر أيضاً بأنه الأذى الذي يصيب القرد في حقوقه أو مصالحه المشروعة التي تتعلق بسلامة جسده أو عاطفته أو حريته أو شرفه أو اعتباره[5].
  • وأيضاً عرف بأنه الأذى المترتب على عدم تنفيذ أحد أطراف العقد لالتزاماته التعاقدية أو تأخره في تنفيذها أو تنفيذه لها بصورة معيبة، ويستوي في ذلك أن يكون الأذى منصباً على مصلحة مالية أو أدبية للطرف الآخر.

ويتبين اتفاق تلك التعاريف حول مضمون الضرر وجوهره بأنه ما يقع من مساس بالمصالح أو الحقوق التي شرعها القانون وقررها للشخص مالية كانت أو أدبية، وتعد المصالح والحقوق مشروعة من عدمه وفقاً للنظام القانوني القائم في الدولة، والذي يختلف في تحديده لها من دولة إلى أخرى.

والضرر كركن من أركان المسؤولية العقدية يعد بمثابة محور وجوهر تلك المسؤولية، حيث أنه يمثل فكرة جبر وإصلاح ما ترتب من أذى على الإخلال المرتكب من قبل أحد المتعاقدين بالتزاماته التعاقدية، وتقوم المسؤولية العقدية من حيث الأصل لإزالته وإزالة ما يترتب عليه من آثار، وبناء على ذلك إذا تم ارتكاب خطأ من قبل أحد المتعاقدين ولكن ذلك الخطأ لم ينتج عنه أي ضرر للطرف الآخر فعندئذ تنتفي المسؤولية في حق المتعاقد المخطئ، وهناك العديد من الحالات التي قد لا يترتب فيها ضرر على خطأ المتعاقد، وعلى سبيل المثال لذلك أن يكون العقد المبرم بين الطرفين هو عقد نقل لسيارات سيتم المشاركة بها في سباق، ويتأخر الطرف الناقل عن تسليم السيارات في موعدها، ولكن يتبين أن السباق قد تم تأجيله إلى موعد لا حق على الموعد الذي تم التسليم الفعلي فيه، فعندئذ لا يتحقق الضرر على الرغم من خطأ الطرف الناقل ولا تقوم المسؤولية العقدية في حقه.

ونود أن ننوه إلى أن الأمر يختلف بالنسبة لتحقق الضرر من عدمه في الحالة التي يكون فيها محل الالتزام هو مبلغ من النقود، كما هو الحال في تأخر أو تخلف المشتري عن سداد ثمن المبيع في الوقت المحدد بعقد البيع، ففي تلك الحالة اتفقت الغالبية العظمى من التشريعات على أن تحقق الضرر في تلك الحالة يكون مفترضاً دون الحاجة إلى أن يقوم الطرف المضرور بإثباته، ودون أن يتمكن المدين بالالتزام من نفي تحققه، ويكون الأمر عندئذ منحصراً في سداد فوائد تأخيرية على ذلك المبلغ، أو أن يتم سداد التعويض الاتفاقي المتفق عليه سلفاً بين الطرفين بالعقد، ويمكننا أن نعزي ذلك إلى طبيعة محل الالتزام في تلك الحالة وهو النقود، حيث أن تأخر حصول الدائن في الالتزام على نقوده يمنعه من استثمار تلك النقود ويحول دون حصوله على أرباح ذلك الاستثمار، ما يفترض تحقق الضرر من جراء ذلك.

ثالثاً: أنواع الضرر

ينقسم الضرر بوجه عام إلى نوعين، النوع الأول هو الضرر المادي، والنوع الثاني هو الضرر الأدبي أو كما يعرفه البعض بالضرر المعنوي.

1- الضرر المادي

يشار بالضرر المادي إلى الضرر الذي تكون آثاره منصبة على الذمة المالية للشخص سواء كان ذلك في شكل الانتقاص من حقوقه المالية أو في تفويت مصلحة مالية مشروعة عليه، أو تكون آثاره منصبة على جسده بأي صورة كانت سواء جرح أو إعاقة أو كسر أو غيرها من صور الضرر الذي يصيب سلامة الجسد.

وقد عرف القانون الأردني الضرر المادي المتمثل في الكسب المالي الفائت، حيث نص المشرع في المادة رقم (266) من القانون المدني الأردني على أنه (يقدر الضمان في جميع الأحوال بقدر ما لحق المضرور من ضرر وما فاته من كسب بشرط أن يكون ذلك نتيجة طبيعية للفعل الضار)، وهو ما يستدل منه على أن الكسب الفائت يعتبر أيضاً صورة من صور الضرر المادي الذي يعتد به المشرع الأردني في المسؤولية العقدية.

وقد يقع الضرر المادي بصورة مباشرة كما قد يقع أيضاً بصورة غير مباشرة، فالضرر المادي المباشر يقصد به الضرر الذي يتحقق بصورة مباشرة عن الإخلال بالالتزامات التعاقدية، بحيث يكون وقوع هذا الإخلال سبباً رئيسياً في حدوث الضرر وما كان ليتحقق الضرر إلا بوقوعه، وذهب غالبية الفقه القانوني إلى أن أي ضرر متوقع هو ضرر مباشر، في حين أن الضرر غير المباشر يقصد به الضرر الذي يتحقق بمنأى عن الإخلال بالالتزامات التعاقدية، فلا يكون هناك اتصال مباشر بين وقوع الإخلال وتحقق الضرر، وقد ذهب أيضاً جانب واسع من الفقه للقول بأن الضرر غير المتوقع هو ضرر غير مباشر.

2- الضرر الأدبي

وعلى جانب آخر فهناك الضرر الأدبي أو المعنوي، وهذا الشكل من أشكال الضرر تعرض إلى التعريف به المشرع الأردني، وذلك في سياق ما جاء بنص المادة رقم (267/1) من القانون المدني، والتي تضمنت أنه (يتناول حق الضمان الضرر الأدبي كذلك، فكل تعد على الغير في حريته أو في عرضه أو في شرفه أو في سمعته أو في مركزه الاجتماعي أو في اعتباره المالي يجعل المتعدي مسؤولاً عن الضمان).

وبالتالي يعد الضرر الأدبي هو الأذى الذي يستهدف الشخص في سمعته أو مشاعره كشعوره بالألم أو في عرضه وشرفه أو مركزه الاجتماعي أو في عواطفه، ومن أبرز الأمثلة على ذلك الضرر الأدبي الذي يصيب المؤلف في سمعته نتيجة قيام الناشر بإدخال بعض التغييرات على أحداث ووقائع روايته التي ينشرها مخالفاً بذلك بنود واشتراطات عقد النشر، أو الأذى الذي يصيب سمعة فنان مشهور بسبب عدم وضع اسمه بشكل يتناسب مع شهرته على إعلانات العمل السينمائي الذي يشارك فيه وبصورة تخالف الاتفاق الوارد بالعقد، وغيرها من صور الضرر الأدبي الأخرى.

ونود أن نوضح أن الخطأ التعاقدي قد ينشأ عنه نوعي الضرر – المادي والأدبي – معاً، حيث يختلط هذين النوعين من الضرر محققين الضرر التعاقدي، فعلى سبيل المثال قيام النشر بالتغيير في أحداث ووقائع الرواية التي ينشرها يصيب المؤلف بأضرار مادية تتمثل في انخفاض نسبة الإقبال على شراء الرواية وعدم تحقيق أرباح، كما يصيبه بأضرار أدبية في سمعته كمؤلف نظراً لما يصيب روايته من انهيار لأحداثها وعدم تسلسلها بشكل يفقدها مصداقيتها لدى القراء وبالتالي يفقد المؤلف ثقة جمهوره بما يؤثر على سمعته وهو ما يعد ضرر أدبي جسيم.

رابعاً: الشروط اللازم توافرها في الضرر التعاقدي

لكي يكون الضرر بغض النظر عن نوعه مشمولاً بالضمان وموجباً للتعويض ومحققاً للمسؤولية العقدية، فإنه يلزم أن تتوافر وتتحقق به مجموعة من الشروط، وتتمثل هذه الشروط في أن يكون الضرر مباشراً، وأن يكون محقق الوقوع، وأن يستهدف حق مكتسب أو مصلحة مشروعة، وأخيراً شرط يتعلق بالضرر الأدبي دون المادي وهو أن يكون الضرر الأدبي متوقع.

1- أن يكون الضرر مباشراً

يقصد بكون الضرر مباشراً هو أن يكون الضرر المتحقق هو نتيجة حتمية لما وقع من إخلال بالالتزامات التعاقدية، بمعنى آخر أن يتصل الضرر بشكل رئيسي وأساسي في تحققه بوقوع الإخلال بالالتزامات التعاقدية، لاسيما وأن هناك بعض الحالات التي يتحقق فيها الضرر ولكنه لا يكون ناتجاً بشكل مباشر عن الإخلال التعاقدي.

وتعد مسألة تحديد نوع الضرر وما إذا كان مباشراً أم غير مباشر من المسائل الحساسة شديدة الدقة، مما حدا بجانب كبير من الفقه القانوني إلى القول بأن تحديد الخطأ المباشر والغير مباشر والتمييز بينهما لا يعد مسألة قانونية بقدر ما يعد مسألة فطنة وتقدير وقدرة على الاستدلال[6].

وعلى سبيل المثال للضرر غير المباشر أن يتفق شخص مع متعهد نقل على أن يقوم بنقل بضائع إلى المحل الخاص به ليقوم ببيعها، وأثناء نقل متعهد النقل للبضائع تتعرض السيارة المحملة بها لحادث يترتب عليه تلفها، فيصاب صاحب البضائع بصدمة قلبية تودي بحياته عند علمه بذلك الخبر، فالضرر المباشر هنا هو تلف البضائع، بينما يعد ضرراً غير مباشر وفاة صاحب البضائع ولا يدخل في إطار الضمان الخاص بالمسؤولية العقدية، وهو ما تواترت عليه أحكام محكمة التمييز الأردنية في صدورها[7].

2- أن يكون الضرر محقق الوقوع

يلزم أيضاً في الضرر حتى تقوم بشأنه المسؤولية العقدية ويشمله الضمان أن يكون محقق الوقوع، ويقصد بمحقق الوقوع هنا أن يكون الضرر قد تحقق بالفعل أو أن يكون مؤكد التحقق، وبالتالي فإن الضرر الاحتمالي باعتباره ضرر غير محقق الوقوع لا يعد من قبيل الضرر الذي تقوم بشأنه المسؤولية العقدية، ولا يدخل في إطار الضمان[8].

والضرر محقق الوقوع يدخل في إطاره الضرر الحال، والضرر الحال هو الضرر الذي يقع بالفعل، وعلى سبيل المثال له أن تصاب البضائع التي يتم نقلها بموجب عقد نقل بتلفيات أو أن تهلك تماماً، فالضرر هنا قد تحقق بمجرد تحقق التلف أو الهلاك للبضائع.

أما الضرر مؤكد التحقق فهو الضرر الذي تتحقق كافة الأسباب المؤدية إليه والتي تؤكد أنه على الرغم من عدم تحققه بعد إلا أن تحققه مستقبلاً أمر مؤكد، فتقوم وتتحقق أسبابه وتتراخى آثاره لتظهر في فترة لاحقة وبصورة مؤكدة لا مجال للشك أو الاحتمال بشأن تحققها، وعلى سبيل المثال لذلك أن يتم إبرام عقد نقل لبضائع عن طريق البحر وتكون تلك البضائع ذات طبيعة تجعلها تتلف بمجرد ملامستها للماء، وأثناء النقل تغرق سفينة النقل قبالة الشاطئ، فيتأكد هنا أن البضائع سيلحقها الضرر ويتحقق بشأنها حتى وإن تم انتشالها من الماء نظراً لأن طبيعتها تحتم ذلك، وبالتالي يكون الضرر مشمولاً بالضمان حتى قبل أن يتم انتشال البضائع من الماء.

ولا نغفل صورة أخرى من صور الضرر المحقق التي يشملها الضمان وهي صورة تفويت الفرصة على المتعاقد للكسب، فعلى سبيل المثال أن يتعاقد المؤلف مع الناشر على نشر كتابه في مدة محددة، إلا أن الناشر يتراخى في نشر الكتاب لمدة طويلة، فإنه يفوت على المؤلف فرصة الكسب لعدم تسويق الكتاب لمدة طويلة، ويكون الضرر هنا ضرراً محققاً يشمله الضمان.

3– أن يكون الضرر مستهدفاً لحق مكتسب أو مصلحة مشروعة

يمثل هذا الشرط جوهر فكرة الضرر ويعد هو المبرر لاعتبار الضرر أحد العناصر الأساسية لقيام المسؤولية العقدية، حيث أن الضرر لا يشكل أي أهمية ولا يقتضي الضمان إلا إذا كان الشخص الذي أصابه الضرر قد أضير في وضع كان يعود عليه بالفائدة، أو في نفع كان يتحصل عليه وتأثر سلبياً نتيجة وقوع الإخلال التعاقدي، وهو ما يؤكد ضرورة أن يكون الضرر المتحقق عن هذا الإخلال التعاقدي قد استهدف حق من الحقوق المكتسبة للمضرور أو لمصلحة من مصالحه التي تعود عليه بالفائدة.

علاوة على ذلك فيجب أن يكون الحق أو المصلحة التي ينصب عليها الضرر مشروعة، ويقصد بمشروعة هنا ألا تكون متضمنة لأي مخالفة للنظام العام أو الآداب العامة، حيث أن القانون لا يسبغ الحماية على أي حقوق أو مصالح تتسم بكونها غير مشروعة، لذلك فإن تحديد مشروعية الحق أو المصلحة يختلف من دولة إلى أخرى، وذلك لاختلاف مفهوم النظام العام والآداب العامة من قانون إلى آخر باعتبار تأثر ذلك بالظروف والعادات وغيرها من الظروف الاجتماعية التي تختلف بين دول العالم.

4– أن يكون الضرر الأدبي متوقع

يقتصر هذا الشرط على الضرر الأدبي دون الضرر المادي، فلا يشترط في وقوع الضرر المادي أن يكون متوقعاً، بل يكون الضرر المادي مشمولاً بالضمان حتى وإن كان تحققه غير متوقع، بينما في الضرر الأدبي يلزم لكي يشمله الضمان أن يكون تحققه هو أمر متوقع لدى طرفي التعاقد، فإن كان الضرر الأدبي غير متوقع لدى أياً من طرفي العقد فإن تحققه لا يجعله مشمولاً بالضمان ولا تتحقق عنه المسؤولية العقدية.

ويعد المعيار الذي يتم الاستناد إليه في تحديد مدى كون الضرر الأدبي متوقعاً أم لا هو معيار الشخص العادي، بحيث يتم النظر إلى مدى تحقق الضرر الأدبي من منظور الشخص العادي الذي متى تواجد في ذات الظروف سيتبين أن وقوع الضرر الأدبي متوقع أم لا، ولذلك فإن تحديد مدى توقع حدوث الضرر الأدبي من عدمه يعود غالباً إلى السلطة التقديرية للقاضي المعروض عليه دعوى المسؤولية.

خامساً: ضمان الضرر التعاقدي

متى وقع إخلال بالتزام تعاقدي من أحد طرفي العقد وثبت أن ذلك الإخلال قد ترتب عليه ضرر للطرف الآخر سواء كان هذا الضرر مادياً أو أدبياً، فعندئذ يضمن الطرف المخل بالتزاماته التعاقدية ما تسبب فيه إخلاله من ضرر.

وفي الضرر المترتب على المسؤولية العقدية يكون الضمان في أحد صورتين، إما أن يكون ضمان اتفاقي، وإما أن يكون ضمان قضائي.

1- الضمان الاتفاقي للضرر

يقصد بالضمان الاتفاقي للضرر الشرط الجزائي الذي يتضمنه العقد المبرم بين الطرفين، والذي يحددا فيه مقدماً قيمة الضمان أو التعويض الذي يقع على عاتق أياً من طرفي العقد متى أخل بتنفيذ التزاماته التعاقدية لصالح الطرف الآخر في العقد، وقد أقر المشرع الأردني هذا النوع من الضمان بنص المادة رقم (364/1) من القانون المدني الأردني، والتي نص فيها على أنه (1- يجوز للمتعاقدين أن يحددا مقدماً قيمة الضمان بالنص عليها في العقد أو في اتفاق لاحق مع مراعاة أحكام القانون).

ويلزم أن يكون هذا التعويض الاتفاقي مقرراً قبل أن يقع الإخلال بالالتزام التعاقدي المترتب عليه الضرر المضمون، وهو أمر طبيعي ومنطقي لكونه لو تم بعد حدوث الإخلال بالالتزام التعاقدي فإنه يخرج من نطاق الضمان ويعد بمثابة صلح.

وقد أجاز القانون أن يكون الاتفاق على تقرير الضمان وقيمته وارداً بالعقد المبرم بين الطرفين، كما أجاز أن يكون في اتفاق مستقل لاحق على العقد طالما كان هذا الاتفاق اللاحق سابقاً على تحقق الإخلال التعاقدي الناتج عنه الضرر المضمون.

ولا يحول تحديد قيمة الضمان في العقد دون سلطة المحكمة المعروض عليها دعوى المسؤولية في تعديل قيمة الضمان المتفق عليه بين طرفي العقد، لاسيما إذا كانت قيمة الضرر المتحقق تفوق قيمة الضمان المتفق عليه أو العكس، لذلك منح المشرع للمحكمة سلطة تعديل قيمة الضمان المتفق عليه بنص المادة (364/2) من القانون المدني، والتي نصت على أن (2- ويجوز للمحكمة في جميع الأحوال بناء على طلب أحد الطرفين أن تعدل في هذا الاتفاق بما يجعل التقدير مساوياً للضرر ويقع باطلاً كل اتفاق يخالف ذلك).

أي أن المشرع قد قيد سلطة المحكمة في ذلك بأن يطلب منها أحد طرفي العقد التدخل بالتعديل في قيمة الضمان، سواء كان بطلب تخفيض قيمة الضمان أو زيادته تبعاً لظروف الحال، ولم يترك لها حق التدخل من تلقاء ذاتها.

2- الضمان القضائي للضرر

متى خلا العقد المبرم بين الطرفين من تحديد لقيمة الضمان الذي يستحق عند حدوث ضرر تعاقدي، ولم يتم تحرير اتفاق مستقل بين الطرفين بهذا الشأن، فإن الأمر يصبح بين يدي المحكمة المعروض عليها دعوى المسؤولية لتقوم بتقدير قيمة الضمان الذي يتناسب مع الضرر المتحقق من جراء الإخلال التعاقدي، وهو ما يطلق عليه الضمان القضائي للضرر.

وقد قرر المشرع الأردني الضمان القضائي بنص المادة رقم (363) من القانون المدني بقوله (إذا لم يكن الضمان مقدراً في القانون أو العقد فالمحكمة تقدره بما يساوي الضرر الواقع فعلاً حين وقوعه).

وبالتالي فإن الضمان القضائي يختلف عن الضمان الاتفاقي للضرر التعاقدي في أكثر من وجه، أهمها أن الضمان القضائي يتم تحديده من قبل المحكمة المعروض عليها دعوى المسؤولية العقدية، بينما الضمان الاتفاقي يحدد من قبل طرفي العقد، كما أن الضمان الاتفاقي يحدد بشكل سابق على تحقق الضرر، في حين أن الضمان القضائي يتم تقديره بشكل لاحق على تحقق الضرر.

ولا يتم اللجوء إلى الضمان الاتفاقي إلا في حالة أن يخلو العقد من ثمة ضمان اتفاقي تم تحديده من قبل طرفي العقد، وأيضاً متى خلا القانون من نص يحدد فيه قيمة الضمان الذي يلزم المحكمة أن تقضي به، ويتم تحديد قيمة الضمان بحيث يتناسب مع جسامة الضرر التعاقدي المتحقق.

وفي معرض حديثنا عن ضمان الضرر التعاقدي فقد يتساءل البعض عن شخص من يتم مطالبته بإثبات الضرر المتحقق، فلابد لكي يتأكد وقوع الضرر التعاقدي أن يتم إثباته، غمن هو الملتزم بإثبات تحقق هذا الضرر؟

استناداً إلى قاعدة “البينة على من ادعى واليمين على من أنكر”، ووفقاً لقواعد الإثبات التي تفرض على المدعي أن يقوم بإثبات دعواه، فإن المكلف بإثبات تحقق الضرر هو الطرف المضرور، وذلك باعتباره هو المدعي في دعوى المسؤولية التعاقدية، وإن كان الأمر كما سبق وأن أشرنا في صدر هذا المقال يختلف في حالة أن يكون الالتزام التعاقدي الذي تم الإخلال به يتمثل في مبلغ من النقود فيكون الضرر هنا مفترضاً دون حاجة إلى إثباته بمجرد تأخر المدين بالالتزام عن أداء التزامه في موعده المحدد.

سادساً: نماذج من أحكام القضاء الأردني ذات العلاقة

1- حكم محكمة التمييز الأردنية بصفتها الحقوقية رقم 383 لسنة 1987 والصادر بجلسة 26/5/1987، والمتضمن أنه (يتوجب على المدعية في دعوى الضمان الناشئة عن المسؤولية العقدية بسبب اخلال المدعى عليها بشروط العطاء المحال على المدعية ان تثبت انها تكبدت دفع قيمة الآلات المصنعة لغايات العطاء، اذ لا يكفي مجرد قيام المديونية لثبوت الضرر الفعلي للضمان لان المديونية يمكن ان تسوى برد المبيع او باستبداله او بتسويته).

2- حكم محكمة التمييز الأردنية بصفتها الحقوقية رقم 475 لسنة 1999 والصادر بجلسة 23/9/1999، والمتضمن أنه (إذا لم يكن الضمان عن المسؤولية العقدية مقدرا في القانون أو في العقد فتقدره المحكمة بما يساوي الضرر الواقع فعلا حين وقوعه عملا بالمادة (363) من القانون المدني وحيث أن الأضرار التي لحقت بصاحب العمل نتيجة مخالفة المقاول لأصول الصنعة وذلك حين وقوعها وحسب ما بينه الخبراء تتمثل في ثمن المواد المستعملة في البناء الذي تقرر إزالته وطالما أن العقد الموقع من الطرفين لم يتضمن الإشارة إلى مقدار التعويض عن أية أضرار أخرى في حال وقوعها فان إلزام المدعى عليه بقيمة الأضرار الواقعة فعلا وعدم الحكم للمدعي باجر مثل البناء المتعاقد على إنشائه في محله وموافق للقانون).

3- حكم محكمة التمييز الأردنية بصفتها الحقوقية رقم 1775 لسنة 2006 والصادر بجلسة 17/12/2006، والمتضمن أنه (استقر الاجتهاد القضائي على أنه يشترط للتعويض عن الضرر الواجب التعويض عنه أن يكون الضرر محقق الوقوع أما الضرر المحتمل وهو ضرر غير محقق قد يقع وقد لا يقع فلا يجوز التعويض عنه لأن الضرر الاحتمالي غير مضمون ولذلك فإن التعويض عنه أمر غير جائز قانوناً).

سابعاً: الخاتمة

بعد أن تعرضنا إلى الضرر كركن من أركان المسؤولية العقدية يمكننا أن نتبين أن المشرع الأردني قد أولى جانب كبير من اهتمامه إلى تنظيم هذا الركن من أركان المسؤولية المدنية بوجه عام، وبذل جهداً محموداً في توضيح حالاته وشروطه بشكل لا يدع مجالاً للقصور أو الغموض في إمكانية تحديده والوقوف على تحققه من عدمه.

كتابة: أحمد عبد السلام

[1] – ياسين الجبوري – الوجيز في شرح القانون المدني الأردني: مصادر الحقوق الشخصية – دار الثقافة للنشر – الأردن – 2008 – ص402.

[2] – محمد سراج – ضمان العدوان في الفقه الإسلامي- المؤسسة الجامعية للدراسات – لبنان – 1993 – ص56.

[3] – مسعود جبران – معجم الرائد – دار العلم للملايين – لبنان – 2003 – ص564.

[4] – بلحاج العربي – النظرية العامة للالتزام في القانون المدني الجزائري – ديوان المطبوعات الجامعية – الجزائر – ج1 – 2001 – ص284.

[5] – عبد الحكيم فودة – التعويض المدني: المسؤولية المدنية التعاقدية والتقصيرية في ضوء الفقه وأحكام محكمة النقض – دار المطبوعات الجامعية – مصر – 1998 – ص7.

[6] – محمد المحاسنة – المادة (360) مدني أردني والتعويض عن الضرر الأدبي – مجلة الحقوق – ع (3) – س 24 – 2000 – ص247.

[7] – يراجع البند سادساً من هذا المقال – الحكم رقم (2).

[8] – يراجع البند سادساً من هذا المقال – الحكم رقم (3).

Scroll to Top