ضمانات المتهم أمام المحكمة الجنائية الدولية
تُعد المحكمة الجنائية محكمة حديثة من حيث النشأة، ومن الثوابت التي تضفي عليها استقرارًا وثباتًا هي الضمانات التي توفرها المحكمة للمتهم، إذ تعد العدالة الجنائية الغاية الأهم التي يسعى القانون دائمًا لتحقيقها، وفيما يلي استفاضة في تعريف المتهم الدولي وبيان لضماناته أمام المحكمة الجنائية الدولية.
جدول المحتويات
ثانيًا: الضمانات القانونية العامة للمتهم الدولي
أولًا: تعريف المتهم الدولي
قبل أن نتحدث عن تعريف المتهم الدولي سنتطرق لتعريف المتهم في اللغة وفي الاصطلاح وفي القانون وذلك كما يلي:
يُقصد بالمتهم في اللغة: من أدخلت عليه التهمة وظُنت به، واصطلاحًا: يقصد بالمتهم ذلك الذي يتم اتهامه بأنه ارتكب جريمة معاقب عليها في القانون الجنائي، أو هو الشخص المشتبه به بارتكابه أفعال مجرمة مع توافر الأدلة والقرائن الدالة على ارتكابه هذه الأفعال.
أما فقهًا وقانونًا فيُقصد بالمتهم أنه الطرف الثاني في الدعوى أو الخصم الذي يوجه إليه الاتهام عن طريق تحريك دعوى جنائية ضده، وقد أورد الفقه تعريفًا موسعًا للمتهم بأنه كل شخص أتُخذ إجراء قانوني ضده لمجرد الاشتباه بارتكابه أو مساهمته بفعل يُعد جريمة.
ووفقًا للتشريعات الوطنية العربية كمصر فقد استخدم المشرع مصطلح المتهم الحاضر الذي تتوافر أدلة كافية على اتهامه في الجنايات والجنح والمخالفات، وفى سوريا: فالقانون السوري يُطلق على المتهم لفظ المدعى عليه، وفى العراق استخدم المشرع لفظ متهم ضد كل من قدمت ضده دعوى جنائية وضد من صدر ضده تكليف بالحضور.
أما القانون الأردني فقد استخدم مصطلح المشتكى عليه في القضايا التي تدخل في اختصاص قاضى البداية، ومصطلح الظنيين في القضايا التي تدخل في اختصاص محكمة الصلح بصفتها الجزائية، واستخدم أيضًا لفظ المتهم في الدعاوى الجنائية.
والمهم هنا هو تعريف المتهم وفقًا للمحكمة الجنائية الدولية، فوفقًا للمادة (٥٥) فقد قصرت المحكمة الجنائية الدولية لفظ الشخص أثناء التحقيق دون التطرق للفظ المتهم أو المشتبه فيه ، ففي مرحلة البحث والتحري يطلق عليه لفظ مشتبه فيه، أما في إجراءات التحقيق فيطلق عليه صفة متهم وذلك أمر مفترض لإطلاق هذه الصفات بما للمدعى العام من سلطتي الاتهام والتحقيق أثناء البحث والتحقيق.
وبناءًا على ما سبق يمكن تعريف المتهم الدولي بأنه الشخص الذي تحرك ضده الدعوى الجزائية الدولية بهدف فرض الجزاء عليه عن الجريمة الموجهة إليه وذلك بشرط توفر الأدلة اللازمة التي تثبت إدانة هذا الشخص المنسوب إليه الاتهام.
تمييز المتهم الدولي عما يشتبه به من مصطلحات:
المتهم الدولي والمشتبه فيه:
تعددت التعريفات والمصطلحات الخاصة بالمتهم والمشتبه فيه في التشريعات المختلفة، ولكن يجب ألا يلتبس الأمر بين المقصود بالمتهم والمشتبه فيه حيث إن المشتبه فيه هو من تتوافر دلائل وأمارات ارتكابه جريمة ما لكن ليس على شكل اليقين.
أما المتهم فهو من تتوافر أدلة وقرائن قوية مادية ومعنوية تشير بصورة جدية إلى أنه هو من ارتكب هذا الفعل المكون للجريمة ففي مرحلة وإجراءات التحقيق الأولى يعد الشخص مشتبه فيه، أما أثناء التحقيق وتوجيه تهم جديه وعلى وجه اليقين إلى هذا الشخص الموجه إليه الاتهام يأخذ صفة المتهم.
المتهم الدولي وأسير الحرب:
من حيث الأصل فلفظ أسير الحرب يطلق على الأشخاص العسكريين الذين تم أسرهم من الدولة المعادية أثناء الحرب، ولكن اتفاقية جنيف أضافت إلى من يشملهم هذا الوصف بعض المدنيين طبقًا لأحكام القانون الدولي.
فأسير الحرب ينتمي لدولة أو لجماعة معينة ويدافع عنها دفاعًا مسلحًا أثناء حرب أو نزاع، أما المتهم فهو شخص مطلوب للعدالة وتلاحقه السلطات المختصة لتوقيع الجزاء عليه عن فعل ارتكبه ويعاقب عليه القانون.
المتهم الدولي والمعتقل:
المتهم الدولي هو المرتكب للجرائم الدولية الأكثر خطورة والمحددة طبقًا للمحكمة الجنائية الدولية، بينما المعتقل هو الذي شارك في الجرائم المسلحة فهو المقاتل العدو الذي يقاتل بصفة غير شرعية لمصلحة الطرف العدو وذلك وفقًا لما ذهبت إليه اللجنة الدولية للصليب الأحمر.
ثانيًا: الضمانات القانونية العامة للمتهم الدولي
إن روح القانون تدعوا دائمًا إلى احترام آدمية الإنسان وإنسانيته حتى وإن كان تحت وطأة القانون بصفته متهمًا مرتكبًا لجرم ما، وبالتالي وفر القانون بعض الضمانات التي تكفل حق المتهم وتحميه من عسف وانحراف الجهات القضائية المختصة.
كما أن هذه الضمانات توفر المناخ المناسب في التحقيقات للوصول إلى الحل المناسب للكشف عن الجريمة والكشف عن ارتكاب المتهم للجريمة من عدمه.
وإذا كانت مرحلة التحقيق مهمة على الصعيد الوطني فإنها تزداد أهمية على الصعيد الدولي ولذلك فقد نص نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية على بعض الضمانات للمتهم خلال مرحلة التحقيق وسوف نتعرض لهذه الضمانات فيما يلي:
(١) احترام مبدأ استقلال القضاء.
(٢) احترام مبدأ الشرعية الجنائية.
(٣) احترام مبدأ براءة المتهم.
وفيما يلي توضيح لهذه الضمانات بشيء من التفصيل والإيضاح:
احترام مبدأ استقلال القضاء:
إن من سُبل تحقيق المحكمة المختصة للعدالة هو استقلاليتها ونزاهتها وحيادتها في الكشف عن مرتكب الجرائم بالمساواة وبدون محاباة لطرف قوى على طرف ضعيف أو طرف منتصر على طرف مهزوم.
وقد أقر نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية الذي تم إقراره في روما عام1998 الشخصية القانونية الدولية المستقلة للمحكمة الجنائية الدولية كونها محكمة غير تابعة لأي جهة تفرض إرادتها عليها.
بذلك تكون المحكمة الجنائية الدولية قد جسدت مبدأ الاستقلالية كونها محكمة غير تابعة لأي جهة تفرض عليها اتجاه أو سياسة معينة، بل هي خاضعة للقانون الذي يضمن تحقيق العدالة الجنائية بما يتلافى الانتقادات التي وجهت للمحاكم الجنائية الدولية السابقة.
وقد تم تأكيد استقلالية المحكمة الجنائية الدولية بالمادة الأولى من نظامها الأساسي التي نصت على الآتي: ” تنشأ بهذا محكمة جنائية دولية” ويخضع اختصاص المحكمة وأسلوب عملها لأحكام نظامها الأساسي وبذلك فإن نظام المحكمة الجنائية الدولية نظام مستقل غير تابع لهيئة الأمم المتحدة، بل تم إنشاء المحكمة الجنائية الدولية في معاهدة مستقلة بموجب نظام روما الأساسي المنعقد عام ١٩٩٨في روما.
وقد نصت المادة (٤٠) من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية على مجموعة من الالتزامات التي تؤكد حيادة واستقلالية المحكمة تتمثل في:
- يكون القضاة مستقلين في أدائهم لوظيفتهم.
- لا يزاول القضاة أي نشاط يكون من المحتمل أن يتعارض مع وظائفهم القضائية أو أن يؤثر على الثقة في استقلالهم.
- لا يزاول القضاة المطلوب منهم على أساس التفرغ بمقر المحكمة أي عمل آخر ذا طابع مهني.
- في تساؤل بشأن تطبيق الفقرتين (٢&٣) بقرار من الأغلبية المطلقة للقضاة، وعندما يتعلق التساؤل بقاض بعينه لا يشترك ذلك القاضي في اتخاذ القرار.
كما يلاحظ أن القضاة غير تابعين لدولهم ولا يتم تعينهم بناءًا على ذلك، بل يتم تعينهم وفقا لمؤهلاتهم، ولا يجوز لأي قاضى مباشرة عمل يمس بقدسية ونزاهة مكانتهم القضائية التي تحفظها لهم المحكمة الجنائية الدولية، وأيضًا لا يجوز لأي قاضى العمل في أي جهة حكومية أو يترافع عن أي جهة بصفته محام عنها.
وتأكيدًا على مبدأ استقلالية المحكمة الجنائية الدولية نتطرق لنص المادة (١٣) من نظامها الأساسي الذي يشير إلى أنه يجوز لمجلس الأمن طبقًا للبند السابع أن يطلب من المدعى العام التحقيق في جريمة أو أكثر ولم يحدد نظام المحكمة طبيعة المجلس بالإحالة إلى المحكمة على ما إذا كان يشمل الدول الأعضاء أم لا.
احترام مبدأ الشرعية الجنائية:
يُقصد بمبدأ الشرعية الجنائية أنه لا جريمة إلا بنص وكذلك لا عقاب إلا بنص يحدده القانون، بالتالي فلا يعاقب شخص على فعل لم يكن مجرمًا وقت أن وقد أكدت ذلك المادتان (٢٢&٢٣) من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.
ويتبين من احترام مبدأ الشرعية الجنائية حماية الأشخاص المتهمين حماية حقيقة حيث إنهم لا يسئلون جنائيًا عن فعل لم ينص القانون على أنه يمثل جريمة يعاقب عليها القانون، ولهذا المبدأ أهمية كبيرة في نطاق القانون الدولي الذي يحرص على الحماية والعدالة الاجتماعية للماثلين أمام المحاكم المختصة.
وقد نصت الفقرة الأولى من المادة ٢٢ من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية على: ” لا يسأل الشخص جنائيًا بموجب هذا النظام الأساسي مالم يشكل السلوك المعنى وقت وقوعه جريمة تدخل في اختصاص هذه المحكمة”.
ووفقًا لنص المادة ٢٢من النظام الأساسي للمحكمة فإنه لا تفرض على المتهم إلا العقوبات المنصوص عليها في المواد (٧٧-٨٠) وهذه العقوبات هي:
- السجن لعدد محدود من السنوات لفترة أقصاها ٣٠ سنه.
- السجن المؤبد حيث ما تكون هذه العقوبة مبررة بالخطورة البالغة للجريمة وبالظروف الخاصة للشخص المدان.
- وبالإضافة إلى السجن فإنه يجوز للمحكمة أن تأمر بما يلي:
- فرض غرامة بموجب المعايير المنصوص عليها في القواعد الإجرائية وقواعد الإثبات.
ب- مصادرة العائدات والممتلكات والأصول الناتجة بصورة مباشرة أو غير مباشرة من تلك الجريمة دون المساس بحقوق الأطراف الثانية الحسنة النية.
احترام مبدأ براءة المتهم:
إن احترام مبدأ براءة المتهم يتمثل في القول بأن المتهم برئ حتى تثبت براءته وهذه ضمانه قوية يوفرها القانون وينص عليها في المادة 66 من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية حيث نصت على:
- الإنسان برئ إلى أن تثبت إدانته أمام المحكمة وفقا للقانون الواجب التطبيق.
- يقع على المدعى العام عبء إثبات أن المتهم مذنب.
- يجب على المحكمة أن تقتنع بأن المتهم مذنب ودون شك قبل إصدار حكم بإدانته.
ولا يُعد سكوت الشخص دليل على ارتكابه فعل مجرم، بل على المدعى العام عبء إثبات ارتكاب الشخص المتهم لهذا الفعل، وكما ذكرنا أن الأصل أن الإنسان برئ فإذا لم يتيقن قاضى الموضوع من إدانة الشخص فإنه يميل إلى الأصل وهو براءة المتهم مما هو منسوب إليه، حيث إن الشك يفسر لمصلحة المتهم.
وبالتالي فإن إعمال أن الأصل في الإنسان براءته مما ينسب إليه من قول أو فعل حتى تثبت إدانته يحقق مصلحة خاصة للمتهم ومصلحة عامة للمجتمع ويتمثل تحقيق المصلحتين معًا بالعدل والإنصاف على دور القضاء المختص.
كتابة : عمار سعداوي والمحامي سامي العوض

