الاختصاص الإفتائي لمحكمة العدل الدولية
لا تختص محكمة العدل الدولية بنظر المنازعات فقط، وإنما تختص – أيضًا – بإصدار الفتاوى التي تهدف إلى إماطة اللثام عن نص يعتريه الغموض، ومن ثم فلا يعد هذا الاختصاص إختصاص تشريعي وإنما يقتصر الأمر على مجرد التفسير المستند إلى إرادات الدول المشاركة في وضع النص. وهو ما يسمى الاختصاص الإفتائي لمحكمة العدل الدولية.
وهذا الاختصاص يقتصر مباشرته من قبل محكمة العدل الدولية على تقديم طلب من بعض الجهات المحددة على سبيل الحصر بمقتضى النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية، فضلًا عن أن إصدار الفتاوى لا يكون في كافة الموضوعات وإنما يقتصر الأمر على الموضوعات ذات الطابع القانوني.
أولا: الأشخاص أصحاب الحق في طلب الفتوى:
1-الأجهزة التي لها الحق في طلب فتوى من محكمة العدل الدولية:
أ- الأجهزة التي لها حق مباشر في طلب فتوى من محكمة العدل الدولية:
ب- الأجهزة التي لها حق غير مباشر في طلب فتوى من محكمة العدل الدولية:
2- الأجهزة التي لا يحق لها التقدم بطلب الحصول على فتوى من محكمة العدل الدولية:
ثانيا: الموضوعات التي يمكن طلب الفتوى بشأنها:
ثالثا: الطبيعة القانونية للفتوى:
أولا: الأشخاص أصحاب الحق في طلب الفتوى:
كان الوضع السائد في عصبة الأمم أن طلب الفتوى يقتصر على التقدم بطلب من قبل الجمعية العامة ومجلس الأمن فقط، ولكن الحال تغير في ظل منظمة الأمم المتحدة حيث ازداد عدد الجهات التي يحق لها التقدم بطلب فتوى من محكمة العدل الدولية وذلك على النحو التالي:
1-الأجهزة التي لها الحق في طلب فتوى من محكمة العدل الدولية:
وفقا لنص المادة (96) من ميثاق الأمم المتحدة فإنه يحق لكل من الجمعية العامة أو مجلس الأمن أن يتقدم بطلب فتوى من محكمة العدل الدولية، فضلًا عن أنه يحق لكافة الفروع والوكالات المرتبطة بالهيئة أن تطلب فتوى من محكمة العدل الدولية بعد الحصول على إذن بذلك من الجمعية العامة.
يتضح إذن أن الميثاق قد قرر بأن هناك أجهزة تستطيع التقدم بطلب مباشر للحصول على فتوى من محكمة العدل الدولية وهما الجمعية العامة ومجلس الأمن، ولكنه قرر أن هناك أجهزة أخرى لها حق التقدم بطلب الحصول على فتوى، ولكن بصورة غير مباشرة حيث يتعين عليها أولًا الحصول على إذن من الجمعية العامة بذلك.
ومن الأهمية بمكان أن نشير إلى أن سلطة كل من الجمعية العامة ومجلس الأمن مطلقة في طلب الفتوى، بمعنى أن لهم حق طلب الفتوى في أمر داخل في اختصاصهم أو خارج عنه، في حين أن باقي الفروع والوكالات يقتصر حقهم في طلب فتاوى من محكمة العدل الدولية على الأعمال التي تدخل في نطاق اختصاصهم.
وسنوضح الآن الأجهزة التي يكون لها حق التقدم بطلب فتوى من محكمة العدل الدولية بشيء من التفصل:
أ- الأجهزة التي لها حق مباشر في طلب فتوى من محكمة العدل الدولية:
منح ميثاق الأمم المتحدة حق التقدم بطلب فتوى من محكمة العدل الدولية بصورة مباشرة لكل من مجلس الأمن والجمعية العامة، وهذا الحق لا يجوز أن يسلب منهم إلا إذا حدث تعديل على ميثاق الأمم المتحدة ذاته.
ووفقًا لأحكام ميثاق الأمم المتحدة فإن اختصاصات كل من الجمعية العامة ومجلس الأمن ليست محدودة، ومن ثم يحق لهم طلب فتوى في شتى المجالات، بل حتى التي لا تدخل في اختصاصاتهم.
ولقد تقدم مجلس الأمن بطلب فتوى من محكمة العدل الدولية عام 1971 بشأن قضية الآثار عندما استمر وجود دولة جنوب إفريقيا الغير مشروع في ناميبيا.
أما الجمعية العامة فقد طلبت من محكمة العدل الدولية عدة فتاوى، تعد أهم تلك الفتاوى ما يلي:
- ما تقدمت به عام 1948 لأخذ رأي محكمة العدل الدولية الإفتائي في مدى حق منظمة الأمم المتحدة في اللجوء إلى القضاء الدولي للمطالبة بالتعويض المترتب على حدوث أضرار لموظفيها، وذلك كان بسبب العدوان الصهيوني الواقع على مندوبي الأمم المتحدة، وكانت إجابة محكمة العدل الدولية عام 1949 أن المنظمات الدولية تتمتع بالشخصية المعنوية الدولية الوظيفية التي تؤهلها لاكتساب الحقوق والتحمل بالالتزامات في حدود الأغراض التي أنشأت من أجلها، ومن ثم يحق للمنظمة رفع تلك الدعوى أمام القضاء الدولي.
- وأيضًا من ضمن تلك الفتاوى طلب الجمعية العامة رأي محكمة العدل الدولية الاستشاري بخصوص مدى جواز تعليق قبول عضوية الدول على شروط أخرى غير تلك الواردة في ميثاق الأمم المتحدة وكان ذلك بخصوص الحرب الباردة بين الولايات المتحدة الأمريكية والإتحاد السوفيتي.
ب- الأجهزة التي لها حق غير مباشر في طلب فتوى من محكمة العدل الدولية:
وفقا لنص المادة (96/2) فإنه يحق لسائر فروع الهيئة والوكالات المتخصصة المرتبطة بها أن تطلب فتوى من محكمة العدل الدولية بعد الحصول على إذن من الجمعية العامة بذلك شريطة أن يكون موضوع الفتوى داخل في اختصاصها.
ونشير إلى أن الأمم المتحدة تتكون من أجهزة رئيسية وأخرى فرعية، بحيث تكون الأجهزة الرئيسية هي: الجمعية العامة ومجلس الأمن والمجلس الاقتصادي والاجتماعي ومجلس الوصاية ومحكمة العدل الدولية والأمانة العامة.
أما عن الأجهزة الفرعية فيكون إنشائها قيد الحاجة إليها وذلك وفقًا لما جاء في ميثاق إنشاء منظمة الأمم المتحدة.
ومن ثم تكون الأجهزة الرئيسية التي لها حق التقدم بطلب فتوى من محكمة العدل الدولية بصورة غير مباشرة هي:
المجلس الاقتصادي والاجتماعي:
ويكون الإذن الذي يمنح لهذا المجلس إما بناء على طلب منه أو بمبادرة من الجمعية العامة ذاتها، ويعد هذا المجلس أولى أجهزة الأمم المتحدة التي طلبت ترخيص من الجمعية العامة للحصول على فتوى من محكمة العدل الدولية بشأن المسائل القانونية التي تدخل في نطاق اختصاصه.
وفي عام 1974 تقدم المجلس بطلب الحصول على فتوى من محكمة العدل الدولية بشأن التمييز العنصري وحماية الأقليات.
مجلس الوصاية
منح هذا المجلس ترخيص للحصول على فتاوى من محكمة العدل الدولية بمقتضى مبادرة من الجمعية العامة والتي كانت عام 1947، ولكن نشير إلى أن مجلس الوصاية لم يستعمل هذا الترخيص حتى الآن.
أما عن الأجهزة الثانوية التي يحق لها الحصول على إذن من الجمعية العامة لطلب فتوى محكمة العدل الدولية فهي:
- اللجنة المؤقتة التي أنشأت عام 1947 والتي لم تستعمل هذا الترخيص حتى الآن.
- اللجنة الخاصة بطلبات إعادة النظر في أحكام المحكمة الإدارية للأمم المتحدة والتي أنشأت عام 1948.
الوكالات المتخصصة
يمكن أن نعرف الوكالات المتخصصة استنادًا إلى نص المادة (57) من ميثاق الأمم المتحدة والتي نصت على أن الوكالات المتخصصة هي: (الوكالات المختلفة التي تنشأ بمقتضى اتفاق بين الحكومات والتي تضطلع بمقتضى نظامها الأساسية بتبعات دولية واسعة في الاقتصاد والاجتماع والثقافة والتعليم والصحة وما يتصل بذلك من الشؤون يوصل بينها وبين “الأمم المتحدة” وفقا لأحكام المادة 63).
ويحق لكافة وكالات الأمم المتحدة أن تطلب فتوى محكمة العدل الدولية فيما عدا اتحاد البريد العالمي حيث لم يطالب بحقه في الترخيص له بطلب فتوى محكمة العدل الدولية.
2- الأجهزة التي لا يحق لها التقدم بطلب الحصول على فتوى من محكمة العدل الدولية:
أ- الأمانة العامة:
لم يخول ميثاق الأمم المتحدة الأمانة العامة حق طلب فتوى محكمة العدل الدولية، ولكن نشير إلى أن للأمين العام للأمم المتحدة أن يسجل تساؤل أي جهاز ويطرحه في صورة طلب فتوى من محكمة العدل الدولية.
ويكون التقدم بطلب الفتوى من الأمين العام أو من الرئيس الإداري للجهاز الذي رخص له بطلب الفتوى من المحكمة.
وتكمن الحكمة من منع الأمانة العامة من طلب فتوى محكمة العدل الدولية في أنها لا تشكل من دول ومن ثم فليس لها حاجة في طلبات الفتاوى من المحكمة.
ب- الدول:
لا يحق لأي دولة في المجتمع الدولي أن تطلب فتوى محكمة العدل الدولية في أي مسألة، ذلك أن للدول الحق في اللجوء المباشر إلى رفع الدعاوى أمام محكمة العدل الدولية وذلك وفقًا للقواعد المنصوص عليها في ميثاق الأمم المتحدة والنظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية.
ثانيًا: الموضوعات التي يمكن طلب الفتوى بشأنها:
يقتصر طلب الفتاوى على الموضوعات القانونية دون السياسية وذلك على عكس الحق في رفع الدعاوى التي قد تكون فيها المنازعة ذات بعد قانوني أو سياسي.
ويعد من أهم المسائل التي يطلب فيها فتوى محكمة العدل الدولية تلك المتعلقة بتفسير المعاهدات الدولية أو نصوص ميثاق الأمم المتحدة، وعلى الرغم من دعم البعض أن هناك أمور تعرض على محكمة العدل الدولية لطلب الفتوى فيها تحمل في طياتها أبعاد سياسية إلا أن المحكمة رفضت هذا الدعم وصرحت بأن تفسير ميثاق الأمم المتحدة هو من صميم اختصاصها على اعتبار أنها الجهاز القضائي للأمم المتحدة.
وهناك من الفقه من ينادي بضرورة التزام المحكمة بالبعد عن إصدار فتاوى ذات أبعاد سياسية حتى لا ينال ذلك من الالتزام الأدبي بالفتاوى التي تصدرها المحكمة.
وجديرًا بالذكر أن الفتاوى لا يشترط فيها أن تكون متعلقة بنزاع قائم بالفعل، حيث لا مانع من طلب الفتاوى النظرية، بل أن المحكمة عادة ما تمتنع عن إصدار الفتاوى المتعلقة بالنزاعات، حيث يكمن هدف تلك الفتاوى في مساعدة الأمم المتحدة في ممارسة نشاطها وليس بعتباها وسيلة لحل المنازعات.
وينبغي التفرقة بين الفتاوى الإلزامية للمحكمة والفتاوى الاستشارية:
- فالفتاوى الإلزامية هي تلك التي ينص عليها في صلب معاهدة معقودة بين دول أو دول ومنظمات، يتفق فيها على اللجوء إلى محكمة العدل الدولية لطلب رأيها الاستشاري الذي يكون ملزم في هذه الحالة بناء على نص المعاهدة الدولية.
- أما الأثراء الاستشارية العادية – التي تعد الأصل العام للفتاوى – فإنه يتم اللجوء إليها في عدة أحوال وهي:
أ- للحصول على تفسير رسمي لأحكام ونصوص ميثاق الأمم المتحدة.
ب- للمساعدة في أعمال الأجهزة المرخص لها بطلب تلك الفتاوى، وذلك مثل الفتوى المتعلقة بالتحفظات على اتفاقية منع جريمة إبادة الأجناس لعام 1951.
ج- لبيان أمر ذات طبيعة قانونية محضة وذلك مثل رأي محكمة العدل الدولية عام 1996 المتعلق بمشروعية التهديد بالأسلحة النووية أو باستعمالها.
ويكون السؤال المطروح الآن هو هل تلتزم محكمة العدل الدولية بالرد على طلبات الفتاوى المقدمة إليها ممن يملك ذلك قانونًا؟
نجد الإجابة في نص المادة (65/1) التي نصت على أن: (للمحكمة أن تفتي في أية مسألة قانونية بناء على طلب أية هيئة رخص لها ميثاق “الأمم المتحدة” باستفتائها، أو حصل الترخيص لها بذلك طبقا لأحكام الميثاق المذكور)، يتضح إذن أن للمحكمة الحق في رفض الإجابة على الفتوى المقدمة إليها فالأمر يرجع إلى سلطة المحكمة التقديرية.
ولكن يجب الإشارة إلى أنه من الناحية العملية والقانونية لا يحق للمحكمة أن تمتنع عن الرد على الفتاوى إلا إذا:
- كان موضوع المسألة لا يتعلق بالقانون.
- تعلق الموضوع محل الفتوى بالاختصاص الوطني للدولية.
- تعلق الموضوع محل الفتوى بنزاع قائم.
ثالثًا: الطبيعة القانونية للفتوى:
لا يكون للفتوى ثمة قوة إلزامية حيث يكون لمن طلب الفتوى أن يعدل عن رأي المحكمة ويعمل بخلافه، بل أن الفتوى لا يكون لها حجة أمام محكمة العدل الدولية ذاتها التي تستطيع أن تقضي في نزاع بعكس ما أصدرته من فتوى سابقًا.
ولكن على الرغم من ذلك فإن الفتاوى التي تصدرها المحكمة تتمتع بقوة إلزامية أدبية أو معنوية، حيث إن الجهة التي تطلب الفتوى عادة ما تلتزم بها، حيث تكون العبارات الصادرة عن محكمة العدل الدولية عبارات ذات سلطة.
ولقد إثري تساؤل في الفقه حول ما إذا كان للمحكمة أن تصدر فتوى ملزمة ( في الحالة التي أشرنا اليها ) تتعلق برفض أحد الدول لاختصاص المحكمة بحيث تصدر المحكمة فتوى تلزم بها تلك الدولة على أن تقبل إختصاص محكمة العدل الدولية القضائي؟
رفضت محكمة العدل الدائمة عام 1923 أن تصدر فتوى في قضية كاريلا الشرقية وذلك عندما طلبت فلندا فتوى المحكمة بخصوص إلزام الإتحاد السوفييتي بقبول إختصاص المحكمة بالنزاع، إلا أن المحكمة رفضت إصدار الفتوى معللة ذلك بأنها تمتنع عن إصدار الفتاوى التي تتعلق بجوهر نزاع قائم بين دولتين ترفض أحدهما إختصاص المحكمة بنظره.
ولكن كان لمحكمة العدل الدولية رأي مغاير أعربت عنه عام 1950 بخصوص تفسير منازعات الصلح حينما قررت أن ليس لأي دولة منع المحكمة من إصدار فتاوى تساعد الأمم المتحدة في القيام بالعمل الموكلة به.
إذن فإن الفتاوى – كقاعدة عامة – لا تتمتع بصفة الإلزام، ولكن ذلك لا يقدح في أن لها قوة أدبية أو معنوية تجعلها – في بعض الأحيان – ذات حجية أقوى من تلك التي تتمتع بها الأحكام القضائية، حيث تكون ذات حجية في مواجهة كافة أعضاء المجتمع الدولي.
إعداد/ أحمد منصور والمحامي سامي العوض.

