مدى فاعلية محكمة العدل الدولية

مدى فاعلية محكمة العدل الدولية

تلعب محكمة العدل الدولية دوراً هاماً في حل وإنهاء النزاعات القائمة في نطاق المجتمع الدولي، وقد تم إنشاء محكمة العدل الدولية لتحقيق هذا الهدف، وذلك بمقتضى ميثاق الأمم المتحدة من خلال مادته (92)، وقد تم اعتبارها الجهاز القضائي الرئيسي لهيئة الأمم المتحدة، وقد سبقها إنشاء محكمة العدل الدولية الدائمة، والتي نُظر إليها بعين الاعتبار ظنًا منهم أنها ستحقق ما تنشده الهيئة من محاولة حل المشاكلات التي تنشأ بين الدول إلا أن ذلك لم يحدث، بل أصبحت مهملة من قِبل الدول ويظهر هذا جليًا من خلال قلة القضايا المعروضة على محكمة العدل الدولية، وأيضاً عدم امتثال بعض الدول لأمر المحكمة أثناء نظر القضايا المعروضة عليها.

وعلى الرغم من احترام الدول وتقديرها لمحكمة العدل الدولية، والذي أكد ذلك المناقشات التي أُجريت في الجمعية العمومية للمحكمة عام 1970 لمعرفة الدور الذي تقوم به محكمة العدل الدولية في المجتمع الدولي، إلا أن هذا الأمر قد خالف الواقع، ويتضح ذلك من خلال قلة القضايا المعروضة على المحكمة، وعدم رغبة الدول في المثول أمامها، وعدم ثقتهم بفاعليتها، وخير مثال على ذلك ما قامت به الولايات المتحدة الأمريكية، فبعد أن قامت بعرض قضية الرهائن على محكمة العدل الدولية وذلك في عام 1979، وأثناء نظر القضية من قِبل المحكمة قامت بتنفيذ عملية عسكرية في إيران عام 1980.

جدول المحتويات 

أولاً:- قلة القضايا المعروضة على محكمة العدل الدولية

ثانياً :- عدم مثول الدول أمام محكمة العدل الدولية :-

وسنبين من خلال مقالنا هذا مدى اقتناع الدول بفاعلية محكمة العدل الدولية ومحاولة الوقوف على الأسباب التي أدت إلى ذلك على النحو التالي:

أولاً:- قلة القضايا المعروضة على محكمة العدل الدولية

يظهر من قلة عدد القضايا التي يتم طرحها على محكمة العدل الدولية، عدم رغبة الدول في عرض قضاياها على محكمة العدل الدولية، ولرغبتهم في عرضها على أجهزة قضائية أخرى غير القضاء الدولي، وإلينا التفصيل التالي لتوضيح تلك الأسباب على النحو الآتي بيانه:-

1-رغبة الدول في نظر القضايا الخاصة بها أمام أجهزة قضائية أخرى:-

قد تقوم مجموعة من الدول التي تجمعها روابط خاصة بعرض خلافاتهم على محكمة دولية إقليمية مثل محكمة العدل للجماعات الاقتصادية الأوروبية، وقد تلجأ الكثير من الدول إلى التحكيم الدولي نظراً لما يمتاز به من السرعة والسرية وسهولة الإجراءات والكثير من الامتيازات الأخرى والتي سوف نتطرق لها بشكلٍ مُفصل على النحو التالي :-

  • محكمة العدل للجماعات الاقتصادية الأوروبية:-

تتنوع اختصاصات محكمة العدل الأوروبية، حيث هناك المجموعات الاقتصادية الأوروبية ومنها المجموعة الأوروبية للصلب والحديد، والمجموعة الأوروبية للطاقة النووية، والمجموعة الاقتصادية الأوروبية.

حيث إنه إذا نشبت منازعات بين هؤلاء الدول فيما يخص المعاهدة فإنه يتم طرح النزاع على المحكمة الأوروبية بموجب اتفاق ينشأ بينهم وفقاً للمادة (89 / 2 ) من معاهدة السوق الأوروبية المشتركة للصلب والحديد، وكذا معاهدة السوق الأوروبية المشتركة من خلال مادته (182)، إلى جانب المادة (154) من المعاهدة الأوروبية للطاقة النووية.

وقد نصت المادة (170) من معاهدة السوق الأوروبية المشتركة على أنه في حالة نشوء نزاع بين دولتين من الدول الموقعة على المعاهدة فيتم نظر الشكوى أمام محكمة العدل الأوروبية، وقد نصت على ذلك أيضاً المادة (142) من معاهدة السوق الأوروبية المشتركة للصلب والحديد.

ووفقاً لما نصت علية تلك المعاهدات من خلال المواد التالية :  المادة ( 87) من معاهدة السوق الأوروبية المشتركة للصلب والحديد، والمادة (219) من المعاهدة الأوروبية للسوق المشتركة، والمادة (193 ) من المعاهدة الأوروبية للطاقة النووية، فإنه بمقتضى هذه المواد فلا يمكن اللجوء لغير المحكمة المنصوص عليها في تلك المواد فيما يتعلق بتفسير أو تطبيق هذه المعاهدات الأوروبية .

ولم تقدر محكمة العدل الدولية على معالجة القضايا الخاصة بالقانون الاقتصادي وخير مثال على ذلك ( قضية Oscar Chinn ) والتي تم القضاء فيها عام 1934، وقد أظهرت محكمة الجماعات الأوروبية نجاحاً في تطبيق هذا القانون .

  • لجوء الكثير من الدول إلى التحكيم الدولي لحل خلافاتها :-

السبب الرئيسي للجوء عدد كبير من الدول إلى التحكيم الدولي العديد من المزايا التي تتمثل في :

  • مرونة التحكيم، حيث يتيح التحكيم لطرفي الخصومة حرية اختيار المحكمين الذين يباشرون العملية التحكيمية.
  • قدرة المحكمين على إنهاء النزاع وذلك من خلال حكم عادل دون أن يجد ما يعرقله في القانون.
  • السرعة، حيث يتم البت في القضايا بشكلٍ أكثر سرعة من القضاء الذي قد يُشكل بطؤه عدم تحقق العدالة بصورة كاملة.
  • يمتاز أيضاً بالاستقلال.
  • من أهم ما يميزه أيضاً اختيار القانون الواجب التطبيق على المنازعة.

الأمر الذي يحقق العدالة الناجزة والتي يسعي إليها الكثيرون، وخير مثال على ذلك تأكيد عدد من المعاهدات الثنائية على ضرورة اللجوء إلى التحكيم من جانب الدول لإنهاء نزاعاتها، فقد وَقَّعت سويسرا على ثمانِ وعشرون معاهدة لحماية الاستثمارات مع دول العالم الثالث وذلك حتى عام 1987، والتي جاء فيها ضرورة عرض خلافاتها بين الدول الأعضاء على التحكيم.

وقد تضمنت العديد من المعاهدات على ضرورة اللجوء إلى التحكيم في حال ما إذا نشأ نزاع بين الدول الأعضاء الموقعين عليها، مثل ما نصت عليه المادة (16) من معاهدة حول تجارة الترانزيت للدول المحرومة، المُوقع عليها عام 1965 والتي تضمنت النص على ضرورة عرض النزاعات التي تنشأ بين الدول الأطراف إلى لجنة تحكيم تتكون من ثلاث أعضاء.

وخلال عامي 1977 – 1978 قد تم إصدار أربعة أحكام تحكيمية وهي :

  • قضية قناةBeagle والتي نشأت بين كلاً من الأرجنتين وتشيلي حول السيادة على القناة وبعد نشوب الخلاف تم اللجوء إلى بريطانيا لمحاولة إنهاء ذلك النزاع، وقد شكلت بريطانيا لجنة تحكيم من خمسة قضاة بمحكمة العدل الدولية وقد تم الحكم لصالح تشيلسي عام 1977.
  • قضية تحديد الجرف القاري بين كل من بريطانيا وفرنسا في الجزر الأنجلوسكسونية، وقد تم تشكيل هيئة تحكيم تتكون من محكم بريطاني وفرنسي، إلى جانب ثلاثة من الأعضاء المحايدين، وقد صدر حكمها عام 1977، الأمر الذي أدى بدوره إلى إصدارها حكم آخر في السنة التالية، وذلك لقيام بريطانيا بطلب تفسير وتعديل بعض أجزاء من الحكم السابق، وقامت بالفعل بتعديل الحكم، مع رفض تفسيره بأغلبية الأصوات
  • القضية المتعلقة بتفسير الاتفاق الجوي بين فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية

 هناك خلاف قد نشب بين كل من فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية، وقد تم التوقيع على الاتفاقية في آذار 1946، وقد تم اللجوء إلى التحكيم وصدر حكمها في 22 كانون الأول لعام 1963، إلا أنه نشب خلاف جديد بينهم حول تفسير القسم الثالث من ملحق باتفاقية 1946 ومنه فإنه بموجب اتفاقية جديدة تم التوقيع عليها في تموز لعام 1978 مكونة من محكم لكل من فرنسا وآخر أمريكي وثالث محايد تم صدور حكمها في كانون الأول عام 1978 .

2- عدم رغبة الدول في عرض قضاياها على محكمة العدل الدولية :-

بالنظر إلى تاريخ محكمة العدل الدولية، نجد أنه لم يعرض عليها القضايا الخطيرة التي حدثت في المجتمع الدولي، وإن عرضت فإنها لم تر النور إلى الآن، ومنها ما اقترحه مندوب سوريا في هيئة الأمم المتحدة بأن يقوم مجلس الأمن بطلب استشاري إلى محكمة العدل الدولية فيما يخص دولة فلسطين، إلا أن المندوب الإسرائيلي رفض الأمر.

وأيضاً فقد عرضت الهند على الصين اللجوء إلى محكمة العدل الدولية لإنهاء النزاع القائم بينهما والخاص بالحدود بينهما، لكنه قد تم رفض الطلب من طرف الصين، والأمثلة على ذلك كثيرة.

وما نود الإشارة إليه أن السائد في المجتمع الدولي هو عدم اللجوء إلى محكمة العدل الدولية من أجل تغير مفاجئ بينها وبين دولة أخرى، على الرغم من أن المحكمة قد سهلت الأمر من خلال قرار الجمعية العمومية في توصيتها رقم 3232 لعام 1974 والتي نصت على أن محكمة العدل الدولية قد قامت بتعديل تنظيمها الداخلي بشكل يؤدي إلى تسهيل عرض النزاعات عليها من أجل حلها.

وتجدر بنا الإشارة إلى أن رأي الدول في الدور الذي تلعبه محكمة العدل الدولية يكمن في رغبة الدول في اللجوء أو عدم اللجوء إليها حيث قامت فرنسا بالإجابة على هذا السؤال ” بأن النصوص الجديدة والوسائل المختلفة لا تؤدي إلى نتيجة ملموسة إذا لم تقرر الدول اللجوء إلى محكمة العدل الدولية.”.

ثانياً :- عدم مثول الدول أمام محكمة العدل الدولية :-

فقد رأى البروفسور شارل روسو إن عدم مثول فرنسا أمام محكمة العدل الدولية فيما يخص قضية التجارب النووية في المحيط الهادي بأنها خطوة تفتقر إلى احترام وتقدير وقداسة القانون، والمحكمة.

وهذا الأمر ليس مستحدث على محكمة العدل الدولية، حيث إن لهم فيما سبق قضية بين الصين وبلجيكا، وكانت هذه القضية خاصة بنقض الاتفاقية الصينية، وقد تم طرح القضية أمام محكمة العدل الدولية، إلا أن الصين لم تمتثل لأمر المحكمة.

ومنه أيضاً قضية شركة كهرباء صوفيا وبلغاريا، وتم التخلف عن الحضور أمام المحكمة من قِبل ممثل حكومة بلغاريا، وقد بررت الحكومة البلغارية سبب عدم تواجدها بأنها أسباب خارجة عن إرادتها، لكن المحكمة لم تقبل هذا السبب، وذلك لأنها لم تكن المرة الأولى لبلغاريا في عدم إجابة أمر المحكمة.

وهناك الكثير من القضايا لبلدان تخلفت عن الحضور أمام محكمة العدل الدولية ومنها على سبيل المثال لا الحصر، قضية مضيق كورفو عام 1949 حيث قامت ألبانيا بالطعن بعدم اختصاص المحكمة.

وقد قامت محكمة العدل الدولية بتطبيق المادة (53) من النظام الأساسي للمحكمة، ولأول مرة حيث نصت على أنه:” في حالة عدم المثول لأحد الأطراف أو عدم قيامه بتقديم وجهة نظره فإن الطرف الآخر له الحق أن يطلب من المحكمة أن تقوم بالنظر في مطالبه “

وقد قامت بريطانيا أيضاً بعرض النزاع الخاص بها وإيران على محكمة العدل الدولية وذلك عام 1951 إلا أن إيران تخلفت عن الحضور أمام المحكمة.

وكذا القضية التي يُطلق عليها Yottaohm لم تمتثل غواتيمالا أمام المحكمة، ولم تعين ممثل لها واكتفت بالدفع بعدم اختصاص المحكمة.

وما يخص أيسلندا في قضية المصاعد الأيسلندية، فقد امتنعت أيسلندا من الحضور أمام المحكمة، بقولها إن اتفاقيات 1961 قد انتهت صلاحيتها.

أما ما يخص قضية محاكمة مجرمي الحرب الباكستانيين، فقد رفضت الهند الامتثال لرأي المحكمة والحضور أمامها، حيث كانت القضية أن قامت الهند بتسليم بعضاً من الضباط الأسرى الباكستانيين، نظراً لارتكابهم جرائم حرب، الأمر الذي استدعى إلى لجوء باكستان إلى المحكمة.

وقضية التجارب النووية الفرنسية، وهنا فقد اختلف الأمر قليلاً، فقد قامت فرنسا بإرسال خطاب إلى المحكمة تخبرها فيه بعدم مثولها أمام المحكمة، بعد تلقيها دعوة قد رُفعت من قِبل أستراليا ونيوزلندا،  وقد حدث ذلك عام 1973.

إلى جانب تركيا والتي رفضت تلبية الدعوي والحضور أمام المحكمة، وعدم إرسال ممثلها، وذلك فيما يخص قضية النزاع على الجرف القاري لبحر إيجة، وقد نشأ الخلاف بينها وبين اليونان، وقد تم صدور حكم من قِبل محكمة لاهاي والذي صدر في 19 كانون الأول عام 1978، وقد تم تطبيق المادة (53).

وأيضاً قضية احتجاز الدبلوماسيين الأمريكيين بإيران، فأرسلت إيران رسالة إلى محكمة العدل الدولية بأنها لن تمتثل بالحضور أمام المحكمة فيما يخص تلك القضية.

ومنه يتضح لنا الإهمال والرعونة التي لاقتها محكمة العدل الدولية من قِبل المجتمع الدولي، ويظهر هذا جلياً من خلال التطبيقات العملية والتي أشرنا إليها فيما سبق.

كتابة نسمة مجدي والمحامي سامي العوض

Scroll to Top