حجية أحكام محكمة العدل الدولية
إذا كان هدف الأحكام القضائية هو الوصول إلى وضع حد فاصل في النزاعات المطروحة على المحكمة بالنظر إلى تمتع الأحكام بقوة الشيء المقضي به بالنسبة لأطراف النزاع، فإنه مع ذلك تثور تساؤلات حول حجية أحكام محكمة العدل الدولية، باعتبارها الجهاز القضائي الأسمى في التنظيم الدولي الحالي.
وإذا كان صحيحا أن إرادة الدول هي التي ترتب آثارا قانونية لتلك الأحكام في نطاق القانون الدولي، فإن حجية تلك الأحكام تصل في سندها إلى ما يعلو إرادة الدول واتفاقها، ألا وهي المبادئ الأساسية للقانون الدولي العام، وعليه فان القانون هو الذي يرتب آثارًا لواقعة قانونية وهو ما ويربط تسوية النزاعات الدولية بواسطة الأحكام وهو ما سوف نلقي عليه الضوء في السطور التالية.
جدول المحتويات
الفقه الدولي المؤيد لجواز الطعن في الأحكام القضائية الدولية:
تنفيذ أحكام القضاء الدولي وأثر السيادة:
المحور الأول: التنفيذ الإرادي للأحكام محكمة العدل الدولية
المحور الثاني: التنفيذ الإجباري لأحكام محكمة العدل الدولية
حجية الأحكام القضائية الصادرة من محكمة العدل الدولية :
تبرز تساؤلات محورية حول حجية الأحكام القضائية وتأثيرها في سير النزاعات الدولية ولكن يمكن لنا القول أن الحكم الصادر في أروقة محكمة العدل الدولية ضمن سياقات النزاعات الدولية يرتب وضعًا قانونيًا جديدًا يقوم على فكرة الإلزام بسلوك معين من الواجب اتباعه من جانب طرفي النزاع، والمقصود بذلك السلوك هو تنفيذ الحكم القضائي واحترام حجيته ووضعه موضع التنفيذ، وهو أيضًا بمثابة تكييف قانوني للتصرفات القانونية المترتبة على صدور الأحكام و المرتبة للآثار قانونية السارية في مواجهة الأطراف أو الطرف الذي صدر الحكم ضده.
وللأحكام الصادرة عن القضاء الدولي سلطة الفصل في الموضوعات فقط ولا يجوز الطعن في إصدارها بالنقض أو الطعن، وقد نصت المادة 60 من النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية على أن يكون الحكم نهائياً وغير قابل للاستئناف عند الخلاف في معناه أو أهميته لتفسره المحكمة بناء على طلب أي من أطرافها، وبالمثل النظام الأساسي لمحكمة العدالة الإسلامية العالمية قد اعتمد في ميثاقه على نفس المبدأ في المادة 39 منه حيث تنص على أن الحكم نهائي وهي غير قابل للاستئناف بإقرارها أن الحكم يصدر نهائيًا بدون استئناف عند وجود اعتراض يتم التقدم بطلب لتفسيره.
الفقه الدولي المؤيد لجواز الطعن في الأحكام القضائية الدولية:
مؤيدو هذا الاتجاه ينطلقون من فرضية أن “الأصل في استعمال الدعوى لا يكون إلا على درجة واحدة، لكي يكون تقرير العدل بمنأى تام عن المصادفة، وعلى ذلك فالدعوى التي تُنظر على مرحلة واحدة تعد استثناء ولا يكون تقرير العدل فيها بمنأى تام عن المصادفة، ولذلك فإنها تنحصر في الدعوى قليلة الأهمية واستقرار مكانة الاستئناف في مضمون الدعوى القضائية حيث يبرز أن مبدأ التداعي على مرحلتين إنما هو مقتضى من مقتضيات العدل، أما نظر الدعوى على أكثر من مرحلتين يجعل تقرير العدل رهن المصادفة”.
ولا تعترض النصوص الموضوعية للقانون الدولي الحالي على تنظيم درجة الاستئناف للأحكام القضائية بشكل عام ولذلك يجب تقديم النزاع مرة أخرى إلى نفس المحكمة أو محكمة أخرى اقتضاءً بالأنظمة القضائية الداخلية، ويستند ذلك الاتجاه إلى العديد من الحجج الفقه ووجهات نظر الباحثين في نفس المجال، ومن أهمها ما يلي:
أ- أن الطبيعة البشرية لا تصل إلى الكمال واليقين المطلق، ومن هنا جاءت فكرة أن الأحكام الصادرة عن القضاة غير مكتملة، وذلك لأنها نابعة من إرادة بشرية قد ينتج عنها بعض الأخطاء كأن تصدر غير مكتملة وصدورها ناقص في أركانه وذلك إما في تحرير الحكم أو في درجة وضوحه بغض النظر عن مستوى المعرفة القانونية للقضاة وخبرتهم العملية. ويترتب على ذلك أن الاستئناف هو بمثابة ضمانة للمدعين ضد الأحكام القضائية الخاطئة بالطعن بالبطلان وذلك يبرر الأهمية الكبرى للاستئناف الذي يجب مراعاته.
ب- القول بأن الأحكام القضائية نهائية يتطلب تطبيق طرق الطعن لأنها حل منطقي يفرض نفسه فالتنظيم القضائي المتعدد هو ضمان فعال للغاية في تحقيق المزيد من العدالة.
ج- أن الثبات الواجب لمبدأ حجية الأمر المقضي يقتضي دوره في إرساء الأصول القانونية المستمدة من القانون الدولي وتطوره وهو ما يجعل الحكم أقرب ما يكون إلى الحقيقة عن طريق إتاحة كل الفرص للتحقق من صحة الحكم قبل اكتسابه لحجية الأحكام القانونية.
تنفيذ أحكام القضاء الدولي وأثر السيادة:
يرى الفقه الدولي أن مخالفة المحكمة لصلاحياتها التي سبق وأن حددتها شروط أطراف النزاع يؤدي إلى انعدام القدرة إلى تنفيذ حكمها والذي يعتبر خللًا ينتهك تجاوزات السلطة ويعتبر من أهم عيوب البطلان بالإضافة إلى خلل عدم الاختصاص، وعليه فإن الحكم القضائي الدولي يكتسب حجية المحكوم عليه ليكون بعد صدوره نهائياً وغير قابلًا للاستئناف مما يجعل تنفيذه حتميًا سواء أكان بإرادة الدولة التي صدر ضدها الحكم إلزاميًا أو غير إلزامي ومع ذلك قد تتذرع بعض الدول ببعض الحجج والمبررات لمنع التنفيذ وتندرج تلك الحجج بشكل عام في إطار القضايا الرئيسية وهي سلامة أحكام المحاكم الدولية.
وهناك عدد من الإجراءات المتبعة في إصدار الحكم القضائي الدولي يتم تحديدها بالاتفاق بين الأطراف المتنازعة، ولكن في حالة عدم الاتفاق عليها مسبقًا يتم الرجوع إلى اتفاقي لاهاي لعامي 1899 و1907. وقد ساهم الفقه القانوني الدولي بشكل كبير في تعظيم دور السيادة المتمثل في إرادة الدول الحرة لإنشاء ولاية قضائية من أجل العدالة الدولية، مما يجعل من الصعب التنصل من الالتزامات بالعدالة كمبادئ عامة، وفيما يلي سوف نلقي الضوء على ماهية تنفيذ أحكام محكمة العدل الدولية من خلال عدة محاور
المحور الأول: التنفيذ الإرادي للأحكام محكمة العدل الدولية
ويخضع التزام الدول بتنفيذ الأحكام القضائية الصادرة بحقها لعدد من المبادئ في القانون الدولي منها حسن النية وأن يكون العقد هو شريعة المتعاقدين وفقًا للعرف الدولي، وهو المرجع لتنفيذ الأحكام القضائية حيث إن تلك المبادئ تفرض على الدول التزامًا بالتنفيذ من خلال الرجوع إلى أحكام الاتفاقيات الدولية التي تحكمها مبادئ حسن النية واحترام الشرعية حيث تنص المادة 94/1 من الميثاق على ما يلي: “يتعهد كل عضو من أعضاء الأمم المتحدة بأن يلتزم بحكم محكمة العدل الدولية في أي قضية يكون طرفا فيها”. وهذا المبدأ هو مبدأ قديم ومستقر في الفقه والقضاء الدوليين.
وعليه يرى البعض أن ذلك النص كاشف عن مبدأ قديم وليس مبدأ جديد، بل هو توطيد لمبادئ العرف الدولي فيما يتعلق بالطبيعة الملزمة للأحكام والقرارات الدولية بشكل عام وخاصة الأحكام بجانب قرارات محكمة العدل الدولية، ونشير إلى أن هناك جدلاً واسعًا بين فقهاء القانون الدولي حول إيجاد معاني للحكم الوارد في نص المادة 94/1 من الميثاق، حيث يعتقد جانب من جوانب الفقه أن مصطلح الحكم في الواقع يشير فقط للقرارات، وحجتهم هي أن الكلمة موجودة بصيغة المفرد وليس بصيغة الجمع وبالتالي فإن ما يقصده واضعو الميثاق هو القرار النهائي للمحكمة وليس مجموع أحكامها وهو أيضًا يشمل الآراء والتوصيات من ناحية أخرى هناك رأي مخالف آخر وقد ورد في نفس المادة وفي الفقرة الثانية عبارة “قرار شكلي” التي تشير إلى القرار النهائي الصادر عن المحكمة.
التنفيذ التلقائي:
يرتبط اللجوء إلى العدالة الدولية أو التحكيم الدولي بشكل أساسي بإرادة الدول وبالتالي يتم اللجوء إلى العدالة الدولية من خلال إبداء الرغبة في حل النزاع عن طريق القضاء، حيث تعبر كل دولة عن رغبتها الأولية في قبول الحكم الذي سيصدر من قبل الهيئة المكلفة بدراسة القضية وهذا موضح في رأي العديد من فقهاء القانون الدولي، وينعكس الحكم الذي ترفض الدول تنفيذه عدم الاهتمام بمشكلة التنفيذ، لا سيما في نطاق النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية وليس هناك شك في أن من بين التزامات الدول الالتزام بتنفيذ حكم محكمة العدل الدولية في تنفيذه ليس بالموافقة الشفوية على الحكم بل بالأحرى تنفيذ متسق بروح الرضا بالأحكام القضائية على أساس مبدأ حسن النية وليس سوء النية.
وعلى الرغم من أن الحكم القضائي له حجية الأمر المقضي، إلا أن الواقع العملي يقول إن الأحكام القضائية تحتاج إلى السلطة التنفيذية لأن الدولة المعنية قد تنفذ الحكم، ولكن بسوء نية كأن يلزم الحكم الدولة على سبيل المثال إعادة التقاضي، أو قطع، أو آثار، أو صور قديمة كما حدث في حالة معبد “برياه فيهار بن” في تايلاند وكمبوديا. ومن ثم تجدر الإشارة إلى أنه إذا كان حكم المحكمة نهائيًا وملزمًا فلا مانع من أن اعفي الدولة التي صدر لمصلحتها الحكم الدولة الأخرى كليًا أو جزئيًا من واجب التنفيذ.
وبهذه الرؤية يمكن للدولة الصادر لصالحها الحكم أن تكتفي بالقيمة الأخلاقية وتتنازل عن التعويض المستحق لها تجاه الدولة المدينة ونجد أن محكمة العدل الدولية لا تشير في كثير من الأحيان في أحكامها إلى ضرورة الالتزام بتنفيذ الحكم، ولكنها كافية لنطق ما تمليه القواعد وتعتبر أن مسألة التنفيذ واجب معترف به مفروض بموجب القانون العالمي المتعارف عليه.
ولاهتمام الدول بمصالحها دورًا في التطبيق الطوعي للأحكام القضائية حيث تلتزم الدول بتنفيذها حفاظًا على مصالحها الحيوية، وذلك لأن مخالفتها للالتزام قد يؤدلج الرأي العام ضدها ويهدد مصالحها في المستقبل لذلك يضطرون للتضحية ببعض المصالح وذلك نتيجة تنفيذ التزاماتهم للحصول على مزايا أكبر وحماية مصالحهم والأهم من ذلك خوف الدولة من فرض عقوبات دولية عليها يدفعها إلى تنفيذ التزاماتها إلا أن هذه النقطة في الواقع لا يمكن أن تمس سوى الدول الضعيفة إذ إن فشلها في تنفيذ الأحكام الدولية الصادرة ضدها من الممكن أن يؤدي إلى عقوبات عسكرية أو اقتصادية أو دبلوماسية من أجل الحفاظ على السلم والأمن الدوليين من جهة وتحقيق الشرعية الدولية والعدالة من جهة أخرى لذا فإن إقصاء القوة في العمل الدولي لحل النزاع يتم فقط من خلال التزام الدول بمحض إرادتها بتنفيذ ما اتفق عليه أفراد المجتمع الدولي من خلال أجهزتها من أبرزها أن الدولة التي يسعى المحكوم عليه ضدها لتنفيذ التزامها بالاعتبارات المذكورة أعلاه وحماية مصالحها وتجنب العقوبات وتحريض الرأي العام ضدها من أجل تحقيق أهم مصلحة للمجتمع الدولي ككل وهي إرساء السلم والأمن الدوليين.
التنفيذ عن طريق التفاوض:
إن الدولة التي صدر الحكم لصالحها قد تلجأ إلى عدد من الوسائل منها أن تنفِّذ الدولة الخاسرة الحكم بالقوة بعد رفضها تنفيذ إرادتها الحرة وتتقيد بآثاره. لذا فإن التنفيذ التفاوضي لقرارات محكمة العدل الدولية في الممارسة الدولية هو تطبيق للدبلوماسية الرسمية بين الدول المتنازعة، حيث يمكن أن تجري المفاوضات مباشرة أو من خلال وساطة طرف ثالث له تأثير على الأطراف المشاركة في القرار، وهذه الطريقة موجودة بشكل خاص في حالات التعويض عن الأضرار لتحديد طريقة الأداء المتناسبة مع كلا الطرفين. والمثال على ذلك هو حالة المناطق الحرة بين فرنسا وسويسرا في عهد المحكمة الدائمة للعدل الدولي، وكذلك في محكمة العدل الدولية المسؤولة عن مسألة الحدود بين مالي وبوركينا فاسو بالاستعانة بلجنة خاصة كونتها المحكمة بناءً على توصية صادرة عنها بتاريخ 9 أبريل 1987 بمساهمة مالية من الاتحاد السويسري، ومن ثم ينطبق الأمر نفسه على النزاع الحدودي بين ليبيا وتشاد.
وذلك مع الإشارة إلى احتمالية أن تلجأ الدول الصادرة لصالح القرار إلى إجراءات أحادية الجانب لإجبار الطرف الآخر على تنفيذ القرار القضائي، مثل اللجوء إلى ضغوط دبلوماسية أو اقتصادية مثل قطع العلاقات الدبلوماسية أو التجارية، ومثال على ذلك ما فعلته بريطانيا مع الاتحاد السوفيتي، وقد تضغط الدولة المنتصرة في النزاع على الدولة الخاسرة لتلتزم بتنفيذ حكم المحكمة. وتأخذ هذه الضغوط أشكالاً عديدة أهمها الضغوط الاقتصادية التي قد تتعاون فيها دول أخرى مع الدولة الشرعية حيث تعمل تلك الدول على لفت انتباه الدولة الخاسرة إلى ضرورة التنفيذ بالوسائل الدبلوماسية التقليدية بشكل مباشر كالمفاوضات الثنائية أو غير المباشرة كاللجوء إلى الوساطة والمصالحة في حال إذا لم تنجح في ذلك فسوف تصعد موقفها بقطع العلاقات الدبلوماسية والضغط على المحاكم الدولية واستخدام نفوذها للحصول على مساعدة من دول أخرى التي لها علاقة مميزة مع الدولة الرافضة للتنفيذ.
المحور الثاني: التنفيذ الإجباري لأحكام محكمة العدل الدولية
يعتبر الدور الذي تلعبه الأمم المتحدة من الأدوار البارزة في تنفيذ الأحكام القضائية الدولية حيث أنها تأسست على أسس الحفظ على السلم والأمن الدوليين من خلال تسوية النزاعات الدولية بالطرق الودية وأن رفض الدولة لتنفيذ الحكم يتطلب الرجوع إلى التنفيذ الإجباري ومما لا شك فيه أن تنفيذ الأحكام الصادرة عن محكمة العدل الدولية يثير عدة صعوبات، خاصة عندما يحاول الخاسرون الخروج عن الحكم أو المماطلة في تنفيذه بحيث تكون الوسائل من بينها إجبار الدولة المتعنتة على تنفيذ الحكم الصادر بحقها خلافا لاستقرار الوضع في حكم المحاكم الداخلية حيث يتم تنفيذ الحكم بالإكراه من قبل السلطات العامة في الدولة.
أولًا: دور الأمم المتحدة في تنفيذ أحكام محكمة العدل الدولية
إن اللجنة القانونية المكلفة بموضوع تنفيذ أحكام محكمة العدل الدولية لم تعط أولوية له وذلك أثناء إعداد مواثيق الأمم المتحدة حيث اكتفت بالإشارة إلى مبادئ حسن النية لدى الدولة في تنفيذ التزاماتها الدولية وقد خلصت لجنة الحقوقيين المكلفة بإعداد مشاريع قوانين محكمة العدل الدولية إلى ما يلي: ” لقد لفت الأعضاء نظر اللجنة إلى أهمية تنفيذ أحكام المحكمة الحالية في سيادة القانون وحفظ السلام وتسائل عما إذا كان من المناسب أن يتضمن النظام الأساسي لها نصًا يتعلق بأساليب خاصة في ضوء فعالية أحكامها”.
وتسهم أجهزة الأمم المتحدة الأخرى في تنفيذ أحكام العدالة الدولية، لكن دورها يختلف من حيث أهميتها ونجد من بين هذه الهيئات الجمعية العامة والمجلس الاقتصادي والاجتماعي بالإضافة إلى الوكالات الدولية المتخصصة الدولية مثل منظمة الطيران المدني ومنظمة العمل الدولية وصندوق النقد الدولي بالنظر إلى الدور الذي يقومون به على المستوى الدولي تكون مساهمتها على النحو التالي:
1.دور الجمعية العامة:
بموجب المادة 10 من ميثاق الأمم المتحدة تهتم الجمعية العامة بجميع الأمور والمسائل التي تدخل في نطاق الميثاق مما جعل ولايتها تتسع لتشمل جميع اهتمامات المنظمة بما في ذلك مشكلة عدم الامتثال للتنفيذ.
2.دور المجلس الاقتصادي والاجتماعي والأمين العام:
تساعد الأجهزة الأخرى في الأمم المتحدة مثل المجلس الاقتصادي والاجتماعي والأمين العام للأمم المتحدة كل من الجمعية العامة ومجلس الأمن في أداء هذه المهمة كما ينبه الأمين العام مجلس الأمن بموجب المادة 99 من الميثاق حول أي مشكلة قد تهدد السلم والأمن الدوليين وهذا يشمل ضمنيًا مشكلة الإعدام.
3.دور الوكالات الدولية المتخصصة
بالاشتراك مع الجمعية العامة ومجلس الأمن والمجلس الاقتصادي والاجتماعي والأمانة العامة للسلطة تلعب الوكالات الدولية المتخصصة دورًا في عملية التنفيذ، حيث إنها مرتبطة باتفاقات توافقية مع الأمم المتحدة على أساس ضوابط يضعها المجلس الاقتصادي والاجتماعي.
ثانيًا: سلطة مجلس الأمن في تنفيذ أحكام محكمة العدل الدولية
إن تولي دور مجلس الأمن لتنفيذ الحكم ينبع من سعي واضعي نظامه لتحقيق استقرار السلم والأمن الدوليين بمعناهما الواسع وليس ذلك المفهوم الذي يقتصر على مجرد استخدام القوة أو التهديد بها وفق أحكام المادة 39 من القانون الأساسي وميثاق القانون الدولي مع مراعاة أن الحكم المطلوب تنفيذه قد استوفى المتطلبات الشكلية والموضوعية.
ومن الوسائل المتاحة دوليًا وقانونًا لإجبار الدولة الرافضة لتنفيذ حكم المحكمة الدولية اللجوء إلى مجلس الأمن لأنه الهيئة التنفيذية للمنظمة بأكملها بالرجوع للميثاق الذي ينص على أن عملية التنفيذ تتمثل في العملية السياسية التي تتبع عملية إصدار الحكم وهي عملية قانونية تنهي ارتباط المحكمة بالقرار بمجرد صدوره، ولا يحق لها تحديد وسائل التنفيذ إلا إذا طلب أطراف النزاع وتحديد وسائل التنفيذ أو المساعدة في ذلك بالاتفاق بينهم إذا طالب أطراف النزاع ذلك صراحة.
ويشير نطاق نص المادة 94 إلى أن الإلزام بالتنفيذ ليس قاصراً على أعضاء الأمم المتحدة الذين اختصتهم الفقرة الأولى ولكنه يتسع ليشمل غير الأعضاء حيث ذكرت الفقرة الثانية من المادة “أحد المتقاضين” طالما أنه بإمكان غير الأعضاء اللجوء الى محكمة العدل الدولية وفقا للضوابط التي وضعها مجلس الأمن والجمعية العامة فيكون من المحتمل إلزام هؤلاء بالتنفيذ سواء كانوا مصادقين على النظام الأساسي للمحكمة أو لا.
ويعتقد البعض أن محتوى المادة 94 من الميثاق يمنح مجلس الأمن حرية واسعة في التصرف وفق ما يراه مناسبا ولها أن تمتنع عن اتخاذ أي إجراء ولها أن توصي الطرف الآخر بتنفيذ الحكم، ولها أن تتخذ إجراءات معينة حسب تقديرها، وعلى العكس من ذلك يجادل البعض الآخر بأن المجلس ملزم بالعمل وأن التقييم المتأصل في عبارة “إذا بدا ضروريًا” يشير إلى حريته في الاختيار بين التوصية أو تقرير إجراءات معينة لتنفيذ الحكم على أساس أن الدولة التي ترفض هذه التوصيات قد لا تقبل بتنفيذ القرار.
لذلك يتوجب على المجلس إصدار قرارات ملزمة بموجب المادة 25 من ميثاق الأمم المتحدة وفي حال إذا أصدر المجلس توصيته بشأن الموضوع وكان نظام مجلس الأمن يقتضي إجراء التصويت وفق نظم محددة لاتخاذ القرارات الموضوعية، وذلك نظراً لأن معظم تلك الإجراءات التي يتخذها المجلس ليست إجراءات إجرائية فهي تمثل مناقشات موضوعية خاضعة للتصويت ونتيجة لذلك لا يوجد التزام على أي طرف بالامتناع عن هذا التصويت في حالة وجود توصية أو قرار محدد يتم اتخاذه.
ووفقًا للمادة 94 فإن أي دولة عضو دائمة تكون طرفًا في حكم صدر ضده يمكن أن يمنع صدور قرارات من المجلس باستخدام حق (الفيتو) وبالتالي يستحيل واقعيًا تقديم أي توصية بشأن موضوع يتم نظره وفقا لأحكام المادة 94 لأن حق الفيتو هو حق للدراجين من الأعضاء الدائمين وهذا ما حدث بالفعل خلال حالة الأنشطة العسكرية وشبه العسكرية في نيكاراغوا حيث تستخدم الولايات المتحدة حق النقض في مشروع قرار يلزمها بتنفيذ حكم محكمة العدل الدولية الصادر ضدها لصالح نيكاراغوا، وحاولت الجمعية العمومية فيما بعد المطالبة بعدم تنفيذ حق النقض ضد أي موقف يتعلق بهذه المادة لكن تلك المحاولة باءت بالفشل.
وقد أوكلت هذه المهمة إلى مجلس الأمن لخطورتها البالغة حيث إن رفض الدولة الامتثال لقرار المحكمة الصحيح هو خطأ دولي وخرق لالتزام راسخ بالقانون الدولي العرفي وانتهاك خطير لمبادئ العدالة، ومن الواضح أن ذلك قد ينطوي على تهديد خطير للسلام والعدالة القانون وذلك لأنه يمثل ضوابط لعمل الأمم المتحدة وعليه يتوجب تفسير المادة 94 الفقرة الثانية على أنها تلزم مجلس الأمن بالتصرف والتعامل مع الوضع وفقًا لما يراه ضمن الحدود التي وضعها الميثاق في المادة (24) وهي حفظ السلم وعدم المساس بالعدالة.
وفي هذا الصدد يمكن للمجلس حسب الرأي السائد في الفقه أن يستخدم تدابير القمع لتلافي تبعات رفض الامتثال لقرارات المحكمة إذا اعتبر أن ذلك يشكل خطرا على حفظ السلم والأمن الدوليين لأنه السلطة في هذا الصدد لا تستند إلى معاقبة انتهاك التزام قانوني أو القائمة على إمكانية استخدامه كأداة لتنفيذ أحكام المحاكم فقط، بل تمتد إلى ما هو أبعد من ذلك.
ويجب التمييز بين أربع حالات تدخل فيها مجلس الأمن الدولي:
1.الدولة طرف في الميثاق أو النظام الأساسي الذي صدر الحكم من أجلها ويجوز لها أن تلجأ إلى المجلس لإجبار الطرف الآخر على تنفيذ الحكم كما يجوز لها عدم القيام بذلك عندما يشكل عدم التنفيذ تهديدًا دوليًا.
2.إذا ترتب على عدم التنفيذ تهديد للسلم أو انتهاك له أو عمل من أعمال العدوان حسب تقدير الطرف الآخر الذي يجوز له عرض الأمر على مجلس الأمن وما إذا كان الحكم صادرًا عن محكمة العدل الدولية أو هيئة تحكيم أخرى لأن المجلس مهتم بفحص مدى آثار عدم الامتثال.
3.لا يقرر المجلس من تلقاء نفسه أن عدم امتثال أي طرف لحكم المحكمة أو أي جهاز قضائي أو تحكيم آخر يهدد بحدوث احتكاك دولي أو يهدد السلم والأمن الدوليين وفي هذه الحالة يمارس المجلس سلطته بموجب الفصل السادس.
- يقرر المجلس أن عدم الامتثال لقرار قضائي أو تحكيمي هو تهديد للسلم الدولي أو انتهاك له أو عمل من أعمال العدوان فيقوم بممارسة صلاحياته وفقاً للفصل السابع وخاصة المادة 39 وبعضها.
ثالثًا: دور المنظمات الإقليمية في تنفيذ أحكام القضاء الدولي
تشارك المنظمات الإقليمية بدور هام وبارز في الحفاظ على السلم والأمن الدوليين بالإضافة إلى مساهمات الأمم المتحدة كمنظمة عالمية، حيث ينص الميثاق على هذه المساهمة في مادته 52 بالقول إن مجلس الأمن يجب أن يشجع انتشار الحلول السلمية للنزاعات المحلية من خلال هذه المنظمات سواء بناء على طلب الدول المعنية أو من خلال الإحالة إليها من قبل مجلس الأمن كما في المادة 53 التي فُرضت على الدول الأعضاء ويجب على الأمم المتحدة أن تشارك مع هذه المؤسسات لبذل كل جهد لترتيب الحلول السلمية للنزاعات المحلية من خلال المنظمات التي هي طرف فيها قبل أن يرفع الأمر إلى مجلس الأمن والتي خلقت اتفاقيات إنشاء أو إبرام هذه المنظمات داخليًا التزامًا بحل الخلافات بينها بالوسائل السلمية وقضاياها، ويتبع تنفيذ الأحكام الناتجة عن هذه التسويات وكافة الوسائل المباشرة وغير المباشرة لممارسة الضغط السياسي ، كما حدث في حالة الخلاف بين “هندوراس ونيكاراغوا” على الحدود بينهما.
خاتمة :
بعد أن تحدثنا عن حجية أحكام محكمة العدل الدولية وتنفيذ الحكم وآليات تنفيذه يمكن القول إن ما ورد لا يمثل كافة الحلول وليست الحلول السابقة هي الوحيدة المتاحة لتنفيذ أحكام محكمة العدل الدولية، ولكن هناك طرق مثل الاستعانة بمنظمات دولية أخرى إقليمية أو متخصصة يمكنها ضمان تنفيذ تلك القرارات وفق ما نص عليه ميثاق إنشاء كل منها ضمن اختصاص كل منظمة كمنظمة العمل الدولية في المادة 26 وما يليها لإنشاء آليات لحل النزاعات بين أعضائها ووفقًا لتلك الآليات قد تشمل تنفيذ قرارات محكمة العدل الدولية.
ويُعتقد أن الدولة المتضررة يمكن أن تحصل على قرار من المجلس يطالب أعضاء الأمم المتحدة بالاستيلاء على ممتلكات الدولة المنتهكة والواقعة تحت ولايتها الإقليمية لكن بالنسبة لدولة ثالثة متأثرة بالفشل في تنفيذه يمكن أن تتخذ تدابير الضغط للقوة على الدولة المخالفة تنفيذ قرار المحكمة إذا كانت لها مصلحة في تسوية النزاع مع مراعاة عرض النزاع على المحكمة.
كتابة: أميرة سعيد

