عقبات تحد من دور محكمة العدل الدولية في تسوية النزاعات
سنبين هنا ما هي العقبات التي تحد من دور محكمة العدل الدولية في تسوية المنازعات ، سواء من حيث عقبات الاختصاص ومن حيث كثرة الاستثناءات ومن حيث الدول الأعضاء نفسها التي تقيم أحيانا عقبات أمام المحكمة في تسوية المنازعات.
سعت الهيئة الرئيسية للأمم المتحدة إلى إنشاء محكمة عدل رائدة بشكل أساسي من أجل تسوية المنازعات الدولية بشكل سليم لأن الحلول العسكرية مستبعدة وفقًا لقواعد القانون الدولي ومبادئ العدل والإنصاف إذا اتفق الطرفان وفقاً لأحكام المادة (38) من النظام الأساسي للمحكمة بالإضافة إلى إبداء الرأي الاستشاري في الموضوعات القانونية المعروضة.
إن اتفاق الدول على عرض النزاع أمام المحكمة هو تعزيز لدور المحكمة فيما يتعلق بممارسة اختصاصاتها القضائية لتسوية المنازعات الدولية طالما أن النزاع خاضع لموافقة مسبقة من الدول ولا يكفي أن يتم رفع دعوى قضائية من قبل الدولة المتضررة دون اتفاق مع الطرف الآخر لكن يمكن للدول المتنازعة إبرام اتفاق فيما بينها لعرض النزاع أمام المحكمة.
والملاحظ أن المحكمة غير قادرة على الاستجابة للواقع الذي يعيشه المجتمع الدولي لأن صلاحياتها مرتبطة بإرادة الدول وحدها، حتى لو أراد أحد الطرفين رفع النزاع إلى القضاء ورفض الآخر فلا يمكن للمحكمة الاعتماد على الاختصاص القضائي بما في ذلك الحق في عدم قبول الاختصاص الدولي والرجوع إلى محاكمه.
جدول المحتويات
العقبة الأولى: معوقات تتعلق باختصاص محكمة العدل الدولية
العقبة الثانية: الاستثناءات الأولية كتعريف لاختصاص محكمة العدل الدولية
العقبة الثالثة: العقبات المتعلقة بالدول
العقبة الرابعة: قلة القضايا المطروحة على محكمة العدل الدولية
العقبة الخامسة: إحجام الدول عن المثول أمام محكمة العدل الدولية
العقبة الأولى: معوقات تتعلق باختصاص محكمة العدل الدولية
طالبت غالبية الدول بتكريس مبادئ اختصاص المحكمة، لكن هذا الطلب قوبل بالرفض من قبل القوى الكبرى بحجة أنه يؤثر على الحرية الفردية وحرية الإرادة ولهذا السبب يظل الاختصاص الاختياري هو الأساس الذي يستند اختصاص المحكمة إليه مهما كان، ولذلك ليس أمام الدول خيار سوى ضمان دعمها للتسوية القضائية للنزاعات الدولية وفق المبادئ القانونية من أجل دعم الدور الذي يمكن أن تلعبه المحكمة في النظام الدولي المعاصر لأنه يعني ببساطة استبعاد الحلول القائمة على استخدام القوة سواء كانت عسكرية أو اقتصادية، وكذلك تمكين الدول من تجريد نزاعاتها من طبيعتها السياسية بطريقة سلمية.
السلطات المقيدة للمحكمة في التصدي للنزاع:
المبدأ الأساسي في أسلوب التسوية القضائية سواء التحكيم أو اللجوء إلى المحاكم الدولية هو إرادة الدولة التي يعتبر قبولها شرطا أساسيا ومهما ومسبقا لأي تسوية قضائية، ولا تستطيع محكمة العدل الدولية حل النزاعات دون موافقة الدول بناءً على الفقرتين الأولى والثانية من المادة 36 من القانون الأساسي لنظام محكمة العدل الدولية، وهذا ما سنتعامل معه على النحو التالي:
أولاً: لا يجوز للمحكمة أن تنظر في النزاع الدولي إلا برضى أطراف النزاع
تتضمن الفقرة 1 من المادة 36 أن اختصاص المحكمة يمتد إلى جميع القضايا المتفق عليها ويجوز لأطراف النزاع إحالة قضايا النزاع إلى المحكمة وكذلك الحالات الخاصة المذكورة في ميثاق الأمم المتحدة أو في الاتفاقات والمعاهدات السارية.
- الاتفاق بين الدول الأعضاء على عرض النزاع على محكمة العدل الدولية
تكمن الصعوبة في إبرام اتفاقيات بين الدول لعرض النزاع على محكمة العدل الدولية خلال هذه الفترة الطويلة بين توقيع هذه الاتفاقيات ودخولها حيز التنفيذ، وفي بعض الحالات قد يؤخر إبرام اتفاق مشترك لإحالة النزاع إلى المحكمة التوصل لحل نزاع خطير يؤثر بالضرورة على المستقبل المشترك بين البلدين، ومثال على ذلك الخلاف الحدودي بين مالي وبوركينا فاسو الذي أدى إلى اشتباكات عسكرية عام 1974 ولم يتم الاتفاق على إحالته إلى المحكمة الدولية للحكم فيه حتى 17 سبتمبر 1983، وذلك بعد تحقيق نوع من الانفراج في العلاقات بين البلدين ومن بين أهم شروط الطرفين للتوصل إلى اتفاق لإحالة النزاع بين الدولتين إلى محكمة العدل الدولية هو توفر حسن النية.
- الاتفاق المسبق بين أطراف المعاهدة على عرض النزاع على المحكمة عند نشوئه
تم استخدام هذه الطريقة لعرض النزاعات على محكمة العدل الدولية في قضية الصيد الأيسلندي بين بريطانيا وألمانيا الغربية من جهة وأيسلندا من جهة أخرى وفقًا للاتفاقية الأيسلندية البريطانية الموقعة في 11 مارس 1961، والاتفاقية بين أيسلندا وألمانيا الغربية الموقعة في 19 يوليو 1961، والتي مكنت أحد الطرفين من إثارة النزاع وعندما مثلت أمام محكمة العدل الدولية ووفقًا لهاتين الاتفاقيتين، أصدرت المحكمة حكمين الأول بتاريخ 2 فبراير 1973، والثاني في 25 يوليو 1974 في الموضوع.
ثانيًا: لا يجوز للمحكمة أن تتعامل مع النزاع إجباريًا دون إذن اختياري
حيث يتحدث نص الفقرة الثانية من المادة 36 من النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية على أنه: “يجوز للدول الأطراف في هذا النظام أن تعلن في أي وقت أنها تمتع بحق التقاضي دون الحاجة إلى اتفاق يعترف بأن المحكمة لها اختصاص قضائي إلزامي للنظر في جميع النزاعات القانونية التي تنشأ بينها وبين الدولة التي تقبل نفس الالتزام عندما تتعلق هذه النزاعات القانونية بأمور … إلخ”.
وفي العادة تقبل الدول الالتزام بحق مطلق دون اتفاق اختصاص المحكمة في القضايا المتعلقة بالطبيعة القانونية لكن هذا السلوك مرتبط بقبول الدول الأخرى لنفس الالتزام حيث لا ينشأ ذلك المبدأ حقًا في حد ذاته ولكن يتعلق بإعلان قبول من البلد الآخر الذي يتصف بنفس الطبيعة، وعلى الرغم من أن الالتزام راجع إلى الإعلان الصادر بموجب المادة (36) من جانب طرف واحد في النظام الأساسي لمحكمة العدل إلا أنه يجب على الطرف الطالب أن يقوم بتقديم طلب كتابيًا إلى الأمين العام للأمم المتحدة ويلتزم بعمل نسخ من جميع الأطراف الموقعة على النظام الأساسي وتسجيل نسخة منه للمحكمة.
وقد تكون الحاجة إلى موافقة الدولة على رفع النزاعات إلى محكمة العدل الدولية عقبة ثانوية أمام تأكيد سلطة محكمة العدل الدولية في حال موافقة جميع الدول على اختصاص المحكمة، وعادة ما تكون مصحوبة بتحفظات تساهم بشكل كبير في تقليص دور المحكمة في مواجهة النزاعات وفضها وذلك راجع للأسباب الـآتية:
1. العدد الصغير من الإعلانات الاختيارية بشأن الولاية القضائية الإجبارية للمحكمة
تقودنا المقارنة بين الإعلانات الطوعية للولاية القضائية الإلزامية للمحكمة الدائمة للعدل الدولي ومحكمة العدل الدولية إلى القول إن هناك تراجعات خطيرة وملموسة في الإعلانات الاختيارية للاختصاص الإجباري في عهد محكمة العدل الدولية، وعلى الرغم من نداءات الجمعية العامة للأمم المتحدة والأمين العام من خلال التقارير السنوية عن أنشطة المنظمة من 1970 إلى 1974 وتلك التي أودعها المعهد في عام 1959 إلا أن عدد هذه الإعلانات أصبح ضئيلا في عرض عدد الدول الأعضاء في الأمم المتحدة والنظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية.
2. التقليل من فعالية محكمة العدل الدولية بسبب التحفظات الواردة في إعلانات الدول
يمكن القول إن نتيجة هذه التحفظات سلبية فيما يخص دور محكمة العدل لأن الدول استخدمتها كثيرًا في الانتقاص من صلاحيات المحكمة وربما كان أحد أكثر التحفظات إثارة للجدل هو التحفظات التلقائية التي تستبعد من اختصاص محكمة العدل الدولية النزاعات المتعلقة بالمسائل التي تخص السيادة الوطنية لدولة ما على النحو الذي تحدده وتم تضمين هذا البند لأول مرة في بيان الأمريكي في أغسطس 1946.
ومن الأمثلة على هذه التحفظات التحفظ الإسرائيلي المرفق بالإعلان الذي نفذته إسرائيل في 17 أكتوبر 1956، والذي يستثني من اختصاص المحكمة أي نزاع بين إسرائيل ودولة أخرى في حالة حرب معها أو لا تعترف بها ولا تريد إقامة علاقة دبلوماسية طبيعية مع إسرائيل.
ومن المؤسف القول إن محكمة العدل الدولية لم تقدم رأيها القانوني بشأن هذه التحفظات ففي قضية القرض النرويجي (فرنسا / النرويج) قبلت المحكمة في حكمها الصادر في 6 يوليو 1957 وجهة النظر النرويجية التي تقوم على مبدأ المعاملة بالمثل في الحجز التلقائي الفرنسي وطالبت النرويج بإزالة مسألة القروض من اختصاص المحكمة لأنها تقع ضمن اختصاصها وأعلنت محكمة العدل الدولية عدم اختصاصها دون النظر في شرعية ذلك التحفظ.
وتضعف التحفظات من فعالية البند الاختياري للولاية الإجبارية لمحكمة العدل الدولية الذي قد يؤدي إلى تدهورها جزئيًا. وقد أعرب الأمين العام للأمم المتحدة عن قلقه من فكرة أنه إذا لم يتم التقليل من نطاق التحفظات فبناء على ذلك الاختصاص الإجباري لمحكمة العدل الدولية يمكن أن يصبح هشًا وغير هام.
ولا شك في أنه إذا حدث تطور في آليات اللجوء إلى محكمة العدل الدولية فإن هذا سينتقل باللجوء للمحكمة من الطور الطوعي إلى الإلزامي وسيحقق تقدمًا حاسمًا في المجتمع الدولي، وكذلك الاعتراف بأن الولاية القضائية الإجبارية لمحكمة العدل الدولية وتأكيدها هو الذي يعبر عن السيادة الحاسمة والنهائية إلى القانون.
العقبة الثانية: الاستثناءات الأولية كتعريف لاختصاص محكمة العدل الدولية
سنحدد الاستثناءات الأولية (أولاً)، ثم نتطرق إلى الاستخدام المفرط لهذه الاستثناءات (ثانيا).
أولاً: تحديد الاستثناءات المبدئية أو الأولية
يجوز لبلد ما التذرع باستثناءات منصوص عليها لا تخضع لاختصاص محكمة العدل الدولية وهذه الاستثناءات تؤدي إلى تأجيل إصدار حكم في الأمر حتى تنظر المحكمة في ذلك وفقًا للمادة 79 من لوائحها الداخلية المعتمدة مع إصدار حكم يمكن أن يحتوي على الاحتمالات التالية:
– يجوز للمحكمة أن تقرر استثناء واحد أو عدة استثناءات، وفي هذه الحالة لا يمكن للمحكمة معالجة قضية الصراع.
– يجوز للمحكمة رفض الاستثناءات ومن ثم يمكن للمحكمة أن تنظر في القضية النزاع.
– يجوز للمحكمة أن تعتبر أن اعتراضًا واحدًا أو أكثر لا يمثل اعتراضات ابتدائية.
– ترفض المحكمة الاستثناء الأولي أو تقرر أن الاعتراض ليس أوليًا وعليه يتم تحديد موعدًا للاستئناف.
وتطلب الدول أحيانًا من محكمة العدل الدولية تكييف الاستثناء من حيث المبدأ بالتناغم مع موضوعات النزاع بحيث يتم تضمينه في الدعوى، وقد لقي هذا الإجراء موقفاً سلبياً بمناسبة قضية برشلونة تراكشن حيث قررت المحكمة تنفيذ الإجراء وحكمت في الدفع الأولي بعد أن فرض الطرفان مناقشة متعمقة للمسألة مما أدى إلى إطالة الإجراءات وجعلها مكلفة دون أن ينتج عنه أي فائدة فظهرت عيوب وقيود الإجراءات، وأثيرت سلبيات الإجراء مرة أخرى.
ثانيًا: الإفراط في استخدام الاستثناءات الأولية
تم استخدام الاستثناءات المبدئية بشكل مفرط من قبل الدول في حالة مضيق كورفو (بريطانيا / ألبانيا) وقد احتجت ألبانيا أمام محكمة العدل الدولية على أن التوصية الصادرة عن مجلس الأمن فيما يتعلق بعرض النزاع على محكمة العدل الدولية ليست سوى توصية ولا تشكل أساسًا للولاية القضائية للمحكمة، وقد احتجت بريطانيا في قضيتها مع اليونان فيما عرف بقضية (أمبتيلوس) بعدم اختصاص محكمة العدل الدولية لوجود قرار بإحالة النزاع بينها وبين اليونان إلى التحكيم.
وفي قضية أخرى من أجل الطعن في اختصاص محكمة العدل الدولية بالنظر في موضوع نزاعها مع بلجيكا بالقول إن هذه المحكمة ليست مختصة لأن تنازل بلجيكا عن القضية في عام 1961 منعها من إحالتها وعادت القضية إلى محكمة العدل الدولية، وبالرجوع إلى معاهدة عام 1927 التي اعتمدت بلجيكا عليها أصبح الخلاف بشأن المحكمة باطلاً، كما استندت إسبانيا إلى أن بلجيكا لم تكن لديها القدرة على توفير وسائل الحماية القضائية الإسبانية (BT) للمصالح البلجيكية في هذه القضية.
العقبة الثالثة: العقبات المتعلقة بالدول
يكمن الدور المتواضع لمحكمة العدل الدولية في تسوية الخلافات في عدم قناعة بعض الدول بالدور الرئيسي هو أن المحكمة يمكن أن تستخدم كوسيلة فعالة لحل الصراعات القائمة بين الدول والسبب في ذلك يعود لاعتباراتها السياسية والفنية، فهذه الدول تحرص عادة على دعم سيادتها واستقلالها ولهذا قد تقرر لأسباب سياسية ترك النزاع معلقًا دون حل، خاصة إذا كان اللجوء إلى المحكمة قد يؤدي إلى صدور الحكم النهائي ضدها ولا يمكن التهرب من تنفيذه بحجج سياسية أو لأسباب فنية.
وعادة ما تظهر تلك القناعات في إجراءات التقاضي أمام المحكمة مما قد يستغرق الكثير من الوقت والنفقات المالية، كما ويعود الأمر أيضًا إلى شكوك حول توافر عنصر العدالة في حكم المحكمة بناءً على قواعد القانون الدولي القائم على الأعراف أو الاتفاقيات الدولية التي تنشأ في ظل ظروف كانت فيها دول الاستعمار هي المسيطرة على إدارة العلاقات الدولية وأن هذه القواعد في حد ذاتها لا تضمن العدالة والمساواة أمام القضاء.
ويعتقد بعض الفقهاء أن بعض الدول الكبرى غير مقتنعة بالدور الذي يمكن أن تلعبه المحكمة كوسيلة فاعلة في تسوية الخلافات الدولية ويعود ذلك بالدرجة الأولى إلى حرص هذه الدول على الالتزام بسيادتها على الرغم من مطالبتها بالسعي للحفاظ على السلم والأمن الدوليين وغيرها في ظل تفاقم الصراعات الدولية والتي تؤدي إلى عدم الاستقرار العلاقات الدولية وخلق مناخ سياسي قد يغري باستخدام أساليب القوة أو الوسائل التي قد تؤدي إلى استخدامها.
ويتجلى ذلك بقلة القضايا المعروضة عليها، بجانب وجود جهات قضائية أخرى مثل (المحكمة الاقتصادية، ومحكمة التحكيم الدولي … إلخ) وكذلك عدم رغبة الدول في إثارة نزاعاتها، وعليه يمكن تفسير ندرة القضايا المعروضة على محكمة العدل الدولية برغبة الدول في عرض الخلافات على جهات قضائية غير هذه المحكمة، أو عدم الاستعداد النهائي لعرضها على القضاء الدولي.
العقبة الرابعة: قلة القضايا المطروحة على محكمة العدل الدولية
من الملاحظ أن الدول تفضل استخدام وسائل أخرى لتسوية خلافاتها بطرق أقل تكلفة وأقصر وقت وإمكانية لتسوية أشمل وترك المجال مفتوحا إذا كان الحل غير مقبول، لأن المنظمات قد تقدم النزعة الإقليمية على أي اعتبار آخر أو تقدم حلولاً أو إجراءات غير قضائية كحل سريع، وحتى لا تتهم الدول بإهمال مصالح شعبها أو وتعريضها لضغوط القوى الكبرى، ولتجنب خطر التورط في إجراءات المحكمة ولا يتم حل النزاع أو تسويته خارج المحكمة بدلاً عن الحكم القضائي.
ومن الممكن بالوسائل الدبلوماسية أن تتوصل دول النزاع إلى تسوية أو اتفاق أفضل من الذهاب إلى المحكمة وإصدار حكم لا يمكن التحايل عليه أو التهرب منه بسهولة مع إمكانية تغيير الوضع الذي نشأ فيه الصراع.
وهناك إشكالية أخرى هي أن الإحالة إلى المحكمة قد تستغرق وقتًا طويلاً يتراوح بين سنة وثلاث سنوات وفي بعض الحالات استغرق الأمر 11 عامًا وتجب على الدول دفع رسوم القضية بالإضافة إلى ذلك هناك عدد من الدول التي لديها روابط خاصة تفضل عرض خلافاتها فيما بينها على محكمة دولية إقليمية وأهم مثال على ذلك محكمة العدل الأوروبية.
كما أن هناك زيادة ملحوظة في لجوء الدول إلى التحكيم الدولي لحل خلافاتها، حيث نجد عددًا من الدول تؤكد المعاهدات الثنائية المنعقدة فيما بينهم على ضرورة لجؤهم إلى التحكيم الدولي لحل نزاعاتهم، على سبيل المثال عام 1978 وقعت سويسرا 28 اتفاقية لحماية الاستثمار مع دول العالم الثالث وتحتوي هذه المعاهدات على بند يتعلق بإحالة النزاعات بين الدول الأعضاء إلى التحكيم.
وإذا نظرنا في قائمة القضايا المعروضة على محكمة العدل الدولية ندرك أنه لم يُطلب من محكمة لاهاي النظر في النزاعات التي حدثت في أجزاء خطيرة من المجتمع الدولي، وفي مناسبات عديدة لم يتم التفكير فيها لعرض الخلافات الدولية الخطيرة على هذه المحكمة. وقد اقترحت الهند على جمهورية الصين الشعبية عرض النزاع الحدودي بين البلدين الذي أدى إلى اشتباكات خطيرة في عام 1962 على محكمة العدل الدولية ورفضت الصين الشعبية هذا الطلب برسالة موجهة إلى الحكومة الهندية في 20 فبراير 1963.
كانت معظم النزاعات التي نظرت فيها المحكمة قضايا عادية عندما نشأت ولم تهدد السلام كما كانت النزاعات التي حكمت فيها المحكمة بعيدة كل البعد عن المشاكل الدولية الكبرى، خلال الفترة بين عامي 1946 و1975 وتم عرض 26 نزاعًا دوليًا فقط أمام المحكمة. ومضى 12 عام لم تصدر فيها المحكمة أي قرار من أي نوع فضلًا عن 17 عاما لم تقدم المحكمة خلالها رأي استشاري وخلال حقبة التحرر من الاستعمار والصراع.
العقبة الخامسة: إحجام الدول عن المثول أمام محكمة العدل الدولية
إن ظاهرة عدم مثول الدول الأطراف في النزاع أمام محكمة العدل الدولية ليست ظاهرة جديدة فسابقتها مرت بهذه الظاهرة مرتين، في حالة التنديد بـ (الاتفاقية الصينية البلجيكية) التي قدمتها بلجيكا ضد الصين لم تمتثل الصين لمحكمة العدل الدولية الدائمة وفي قضية شركة كهرباء صوفيا غاب ممثل الحكومة البلغارية عن جلسة محكمة العدل الدولية الدائمة وعليه رفضت المحكمة مراعاة وجهة النظر الحكومة البلغارية لسلوكها السلبي السابق أمام المحكمة.
هناك حالات تغيبت فيها الدول عن المثول أمام محكمة العدل الدولية ويمكن للقضية الأولى في قضية مضيق كورفو في عام 1949 حيث طعنت ألبانيا في اختصاص المحكمة بشأن قرار التعويض، ومحكمة العدل الدولية طبقت لأول مرة المادة (53) من نظامها الأساسي، وذلك خلال عام1951، وقدمت بريطانيا نزاعها مع إيران حول تأميم الشركة الأنجلو إيرانية إلى محكمة العدل ورفضت إيران المثول أمام المحكمة.
كما رفضت أيسلندا في قضية مصائد الأسماك الأيسلندية المثول أمام محكمة العدل الدولية وانتهت صلاحية اتفاقيات عام 1961 التي أعطت الاختصاص للمحكمة للنظر في أي نزاع بين الطرفين، وفي قضية محاكمة مجرمي الحرب الباكستانيين سلمت الهند عددا من الضباط الباكستانيين الأسرى أولئك الذين ارتكبوا جرائم حرب في البنغال الشرقية إلى بنغلاديش وباكستان وقدّموا شكوى إلى المحكمة ورفضت الهند المثول أمام محكمة العدل الدولية.
كتابة: أميرة سعيد

