التضامُن بين المدينين

التضامُن بين المدينين

يُعد التضامن بين المدينين وضعاً استثنائيا، حيث إنه وفقا للقاعدة العامة أنه حال تعدد المدينين فإن الدين ينقسم بينهم كلاً بحسب حصته في الدين، ولكن الواقع العملي يُبين لنا أن الاستثناء قد طغى على الأصل، فعادة ما يُشترط على وجود التضامن بين المدينين حال تعددهم، بل أن القانون ذاته يتولى تقرير هذا التضامن بين المدينين بنصوص خاصة.

فالتضامن بين المدينين – على حد رأي الأستاذ الدكتور/السنهوري – هو أقوى ضرب من ضروب الكفالة الشخصية، حيث إن وجود مدينين متضامنين يُعد أفضل من أن يكون للدائن كفيل عادي، ذلك أن في التضامن يكون للدائن أن يرجع على أياً من المدينين بكامل الدين منفردين أو مُجتمعين، أما في حالة وجود كفيل عادي فحتى يتسنى للمدين أن يرجع على الكفيل لابد أولاً أن يُجرد المدين من أمواله حتى يتوقى أن يُدفَع في مواجهته بالتجريد من قبل الكفيل.

أولاً:مصدر التضامن بين المدينين:

1- الإتفاق كمصدر للتضامن بين المدينين:

أ- التضامن في المسائل المدنية:

ب- التضامن في المواد التجارية:

ج- إثبات التضامن:

2- نص القانون كمصدر للتضامن بين المدينين:

3- وحدة المحل وتعدد روابط الإلتزام التضامُني:

أ- تعدد الروابط:

ب- وحدة المحل:

ج- الإلتزام التضامُمي:

ثانياً: الآثار التي تترتب على تضامن المدينين:

1- العلاقة بين الدائن والمدين:

أ- إنقضاء الدين بالوفاء:

ب- إنقضاء الدين لسبب آخر غير الوفاء:

ج-الآثار الثانوية للتضامن بين المدينين:

2- علاقة المدينين ببعضهم البعض:

أ- إنقسام الدين في العلاقة الداخلية بين المدينين:

ب- الأساس القانوني لرجوع المدين على غيره من المدينين:

أولاً: مصدر التضامن بين المدينين:

تنص المادة (279) من القانون المدني المصري على أن: (التضامن بين الدائنين أو بين المدينين لا يفترض، وإنما يكون بناءً على اتفاق أو نص في القانون)، وكذلك فقد نصت المادة (426) من القانون المدني الأردني على أن (لا يكون التضامن بين المدينين إلا باتفاق أو بنص في القانون).

ومن ثم يتضح أن التضامن بين المدينين قد يكون مصدره الاتفاق بين أطراف الالتزام، أو قد يجد سنده في نص القانون.

1- الاتفاق كمصدر للتضامن بين المدينين:

أ- التضامن في المسائل المدنية:

التضامن بين المدينين لا يُفترض، لذلك فعلى الدائن الذي يرغب أن يقرر حالة تضامن بين المدينين أن يشترط ذلك عليهم، ويصح أن يوضع هذا الشرط في العقد الذي أنشأ الالتزام أو أن يقرر هذا الشرط باتفاق لاحق لنشأة الالتزام.

والاتفاق على وجود تضامن بين المدينين قد يكون صراحة أو ضمناً، حيث يكون الاتفاق صريح أذا تم النص على أن جميع المدينين متضامنين للوفاء بالدين في مواجهة الدائن، بل أن في الاتفاق الصريح لا يُشترط فيه استعمال مصطلح “التضامن” حيث قد تُستخدم عبارات تشير إلى وجود تضامن بين المدينين، كما لو تم الاتفاق – مثلاً – على أن كل مدين ملتزم في مواجهة الدائن بكامل الدين دون أن يكون له الحق في أن يتمسك بالتقسيم.

أما الاتفاق الضمني فيُفهم من ملابسات العقد بعبارات لا تدع مجالاً للشك بوجود التضامن بين المدينين، ويكون لمحكمة الموضوع سلطة تقديرية في تفسير عبارات العقد دون مُعقب عليها من محكمة النقض، وهذا ما تؤكده محكمة النقض المصرية في حكمها رقم ١٥ لسنة ١٢ قضائية الصادر بجلسة ١٩٤٢/١٠/٢٩ والتي قضت فيه بأن (لمحكمة الموضوع السلطة في تفسير عبارات العقود وتفهم نية المتعاقدين لاستنباط حقيقة الواقع فيها وتكييفها التكييف الصحيح، ولا رقابة لمحكمة النقض عليها فيما تراه سائغاً ولا يتنافى مع نصوص العقد).

وتؤكد محكمة التمييز الأردنية ذات المعني في حكمها رقم 6119 لسنة 2020 – محكمة التمييز بصفتها الحقوقية الصادر بتاريخ 2021-01-21 عندما قضت بأن (إذا كان هناك تفسير للعقد فيجب البحث عن النية المشتركة للمتعاقدين ودون الوقوف عند المعنى الحرفي للألفاظ مع الاستهداف في ذلك بطبيعة التعامل وبما ينبغي أن تتوافر من أمانة وثقة بين المتعاقدين وفقاً للعرف الجاري في المعاملات).

“فالعبرة في العقود للمعاني لا للألفاظ والمباني” لذلك يجوز أن يُستخلص التضامن من بين طيات نصوص التعاقد على أن يكون هذا الاستخلاص قائم على مسوغ لا يدع مجالاً للشك في توافره.

ومن ثم فالتضامن لا يُفترض ويترتب على ذلك أن:

  • على من يدعي وجود التضامن أن يشرع في إثباته.
  • عند الشك في وجود التضامن من عدمه فيرجح انتفاء التضامن، ذلك أنه “يُفسر الشك لصالح المدين”.
  • إذا قضى الحكم بوجود التضامن بين المدينين فعليه أن يُبين مصدر هذا التضامن وإلا أصبح حكما قاصر ويكون النعي عليه في محله.

ب- التضامن في المواد التجارية:

إن التضامن في المسائل التجارية هو أمر مُفترض، حيث لو تعدد أطراف العلاقة التعاقدية التجارية فإن المدينين يكون بينهم تضامن حتى لو تم إغفال النص على ذلك، وفي هذه الحالة يتعين على من يدعي انتفاء التضامن أن يشرع في إثبات ما يدعيه.

وهذا ما يقرره المشرع الأردني في المادة (53) من قانون التجارة والتي نصت على أن (المدينين معا في التزام تجاري يعدون متضامنين في هذا الالتزام، وتطبق هذه القرينة على كُفلاء الدين التجاري)، وذلك ما يقرره – أيضاً – المشرع المصري بنصه في المادة (72) من قانون المُعاملات التجارية والتي نصت على أن (إذا التزم شخصان أو أكثر بدين تجاري فأنهم يكونوا متضامنين في آدا هذا الدين ما لم ينص القانون أو الاتفاق على غير ذلك).

ج- إثبات التضامن:

على من يدعى التضامن أن يثبته، ويكون الإثبات – هنا – وفقا للقواعد العامة في إثبات الالتزامات التعاقدية المدنية، ففي القانون المصري إذا كانت قيمة التعاقد تزيد على ألف جنيه مصري فلا يجوز الإثبات إلا بالكتابة أو ما يقوم مقامها، أما إذا قلت قيمة التعاقد عن هذا الحد جاز الإثبات بكافة الطرق المبينة في القانون.

أما القانون الأردني فهو يُبين لنا كيفية إثبات الالتزامات التعاقدية بمقتضى نص المادة (28) من قانون البيانات وتعديلاته، والتي نصت على أن (إذا كان الالتزام التعاقدي في غير المواد التجارية تزيد قيمته على مئة دينار او كان غير محدد القيمة فلا تجوز الشهادة في اثبات وجود الالتزام او البراءة منه ما لم يوجد اتفاق او نص يقضي بغير ذلك).

أما إذا كان الالتزام يحمل الصفة التجارية فيجوز أن يتم إثبات التضامن بكافة طرق الإثبات أياً كانت قيمة التعاقد وذلك وفقا لكل من القانونين المصري والأردني.

2- نص القانون كمصدر للتضامن بين المدينين:

تناثرت النصوص القانونية التي تقضي بتقرير التضامن بين المدينين ويمكن أن نذكر بعضاً منها على النحو التالي:

  • تنص المادة (169) من القانون المدني المصري على أن (إذا تعدد المسئولون عن عمل ضار كانوا متضامنين في التزامهم بتعويض الضرر، وتكون المسئولية فيما بينهم بالتساوي، إلا إذا عيّن القاضي نصيب كل منهم في التعويض).
  • وكذلك يتضح افتراض التضامن من نص المادة (192/3) من القانون المدني المصري والتي نصت على أن (وإذا تعدد الفضوليون في القيام بعمل واحد، كانوا متضامنين في المسئولية).
  • وأيضاً نص المادة (712) من ذات التقنين والتي نصت على أن (إذا وكّل أشخاص متعددون وكيلاً واحداً في عمل مشترك كان جميع الموكِّلين متضامنين قبل الوكيل في تنفيذ الوكالة ما لم يتفق على غير ذلك)
  • وفي أحكام القانون الأردني نجد تطبيقات لافتراض التضامن بمقتضى نص المادة (26) من قانون الشركات رقم 22 لسنة 1997 وتعديلاته والتي نصت على أن (يُعتبرالشريك في شركة التضامن مسؤولاً بالتضامن والتكافل مع سائر شركائه عن الديون والالتزامات التي ترتبت على الشركة أثناء وجوده شريكاً فيها).
  • وايضاً في القانون الأردني نجد نص المادة (3) من تعليمات ترخيص أماكن تداول أو بيع خدمات مكافحة الآفات الزراعية وآفات الصحة العامة، والتي تنص على أن (يكون المهندس الزراعي أو حامل الدبلوم متفرغاً للعمل بصورة فعلية ودائمة وفي حالة التعاقد يكون المهندس أو حامل الدبلوم الزراعيمسئولاً بالتكافل والتضامن مع صاحب المكتب في كل ما يتعلق بتطبيق أحكام هذه التعليمات).

ويُعد أحد النصوص الجوهرية لافتراض التضامن في القانون المصري نص المادة (169) سالف الذكر والذي يُقرر حالة عامه لافتراض التضامن، حيث إنه يقضي بافتراض التضامن بين المُتسببين في إحداث ضرر ناجم عن عمل غير مشروع، وهذا النص نجد نظيره في التشريع الأردني والذي تم تقريره بمقتضى نص المادة (265) من القانون المدني الأردني والتي نصت على أن (إذا تعدد المسئولون عن فعل ضار، كان كل منهم مسئولاً بنسبة نصيبه فيه وللمحكمة أن تقضي بالتساوي أو بالتضامن والتكافل فيما بينهم).

ففي النص الأردني نجد أن المشرع يخول للمحكمة الحق في أن تقضي على المدينين المخطئين المتسببين في إحداث ضرر بالغير بالتضامن بينهم في جبر ما أحدثوه من أضرار.

ولكن يجب أن ننوه إلى أنه حتى يكون التضامن مفترض في تلك الحالة فلابد من توافر عدة شروط وهي:

  • أن يُنسب ارتكاب خطأً للمسئولين عن العمل الغير مشروع.
  • أن يكون هذا الخطأ قد ساهم في إحداث الضرر.
  • أن يكون الضرر الناجم عن خطأ كل منهم هو ضرر واحد.
  • لا يُشترط أن يكون بين المسئولين تواطؤ حتى يُحكم عليهم بالتضامن.
  • لا يُشترط أن تكون الأخطاء من ذات الجسامة، وقد يكون أحد الأخطاء عمدي والآخر غير عمدي.

بقي أن نشير إلى أن التضامن المُفترض بنص القانون لا يجد مجال إعماله في نصوص القانون المدني فقط، حيث إن المشرع المصري قد أجاز التضامن في الغرامة النسبية وغيرها من الغرامات التي يُحكم بها على مرتكبي الجرائم، وتطبيقا لذلك تنص المادة (44) من قانون العقوبات المصري على أن (إذا حكم على جملة متهمين بحكم واحد لجريمة واحدة فاعلين كانوا أو شركاء فالغرامات يحكم بها على كل منهم على انفراده خلافا للغرامات النسبية فإنهم يكونون متضامنين في الإلزام بها ما لم ينص في الحكم على خلاف ذلك).

وهو ذات ما ينتهجه المشرع الأردني الذي ينص في المادة (7) من قانون صيانة اسلاك البرق والهاتف وتعديلاته على أن (اذا فرضت غرامة مشتركة على سكان قرية او افراد عشيرة بمقتضى احكام المادة السابقة من هذا القانون فيعتبر جميع الذكور من سكان تلك القرية او افراد تلك العشيرة الذين لا تقل اعمارهم عن ثماني عشرة سنة مسؤولين عن دفع الغرامة بالتضامن والتكافل ، وتحصل منهم وفق احكام قانون تحصيل الاموال العامة).

3- وحدة المحل وتعدد روابط الالتزام التضامُني:

أ- تعدد الروابط:

إن تعدد المدينين في الالتزام من شأنه أن يُنشئ روابط متعددة تربط كل منهم بالدائن مما يترتب عليه أنه يمكن أن تكون إحدى هذه الروابط موصوفه وتكون الأخرى بسيطة، حيث قد يكون التزام أحد المدينين معلق على شرط واقف في حين يكون التزام مدين آخر مُنجز، ومن ثم لا يتمكن الدائن في هذه الحالة أن يُطالب الدائن المُعلق التزامه على شرط واقف إلا بعد تحقق هذا الشرط.

وكذلك قد يكون التزام أحد المدينين مُستحق في حين يكون التزام مدين آخر مُضاف إلى أجل، الأمر الذي يترتب عليه امتناع مطالبة الأخير قضائياً إلا بحلول الأجل المُتفق عليه، وهذا ما تقرره المادة (285) من القانون المدني المصري والتي نصت على أن (يجوز للدائن مطالبة المدينين المتضامنين بالدين مجتمعين أو منفردين، ويراعى في ذلك ما يلحق رابطة كل مدين من وصف يعدّل من أثر الدين).

ويترتب – أيضاً – على تعدد الروابط بين المُتضامنين أن تكون هناك رابطة مشوبة بأحد عيوب الإرادة وتكون باقي الروابط صحيحة، ويترتب على ذلك إمكان أن تكون هناك علاقة باطلة دون أن ينسحب هذا البطلان على باقي الروابط.

وعليه، فإنه يمكن أن تنقضي إحدى الروابط وتبقى الروابط الأخرى قائمة، كما لو انقضت إحدى الروابط بالمقاصة أو الإبراء فإن ذلك لا يؤثر على استمرارا قيام الروابط الأخرى.

ب- وحدة المحل:

إن وحدة المحل بين المتضامنين هو جوهر فكرة التضامن، حيث يكون كافة المُلتزمين المتضامنين مسئولين عن نفس الدين، فوحدة المحل هو العنصر الجوهري الذي تتبلور حوله كافة أحكام التضامن.

ويترتب على ذلك أنه لو تخلل محل الالتزام بطلان فيترتب على ذلك أن يبرأ كافة المُلتزمين المتضامنين من الالتزام.

ج- الالتزام التضامُمي:

تتجلى فكرة الالتزام التضامُمي في الحالة التي يوجد فيها عدة أشخاص مُلزمين بذات الدين (أي بينهم وحدة محل) ولكنهم مُختلفين فيما بينهم فيما يتعلق بمصدر نشأت هذا الالتزام (حيث تتعدد بينهم المصادر)، وذلك كما في حالة أن يكون هناك أكثر من كفيل لذات الدائن ولكن كل منهم مرتبط مع هذا الدائن بعقد كفالة مستقل عن الكُفلاء الآخرين، ففي هذه الحالة لا يمكن أن يكون الكُفلاء ملزمين بالتضامن حيث إن التضامن يقتضي وحدة المصدر، ولكنهم يكونوا مُلزمين بالتضامم.

ويترتب على وجود التزام تضاممي أن يكون للدائن الحق في أن يُطالب أياً من الملتزمين بكامل الدين، ويكون وفاء أحدهم مبرءً لذمة باقي المُلتزمين.

أما عن جوهر الاختلاف بين الالتزام التضامني والالتزام التضامُمي فيتمثل في أنه في الالتزام التضامُمي لا توجد نيابة تبادلية بين المُلتزمين فإذا ما قام أحد الملتزمين باتخاذ إجراء ترتب عليه تحسين في مركزه القانوني فإن الاستفادة من هذا الإجراء تقتصر عليه وحده دون أن يكون لباقي الملتزمين أن يستفيد من هذا الإجراء.

وهذا يعد أمراً منطقيا لأنه في الالتزام التضامُمي تتعدد المصادر بين المدينين ومن ثم فلا تنشأ بينهم مصلحة مشتركة على عكس الأمر في الالتزام التضامني.

ثانياً: الآثار التي تترتب على تضامن المدينين:

1- العلاقة بين الدائن والمدين:

تتجلى العلاقة التضامنية التي تربط المدينين في مواجهة الدائن أن للأخير أن يرجع على أياً من المدينين المتضامنين بكامل الدين، بل ويحق له أن يُطالبهم جميعاً بالدين في دعوى قضائية واحدة، وهذا ما تقرره المادة (428) من القانون المدني الأردني والتي نصت على أن (للدائن أن يُطالب بدينه كل المدينين المتضامنين أو بعضهم مراعيا ما يلحق علاقته بكل مدين من وصف يؤثر في الدين)، وكذلك نص المادة (285) من القانون المدني المصري والتي نصت على أن (يجوز للدائن مطالبة المدينين المتضامنين بالدين مجتمعين أو منفردين، ويراعى في ذلك ما يلحق رابطة كل مدين من وصف يعدّل من أثر الدين).

وإذا كان وفاء أحد المدينين بالدين من شأنه أن يُبرئ ذمة باقي المدينين فإن هذا الأمر لا ينطبق على أسباب الوفاء الأخرى كالمقاصة أو التقادم أو اتحاد الذمة، حيث لا يحتج بتلك الوسائل على الدائن إلا بقدر حصة المدين الذي انقضى التزامه استنادا إلى أياً من تلك الوسائل.

وتنشأ بين المدينين المُتضامنين نيابة تبادلية فيما ينفع لا فيما يضر، بحيث تكون التصرفات النافعة منشأه لآثارها في مواجهة كافة المدينين فيستفيدوا جميعاً منها، أما التصرفات الضارة فيقتصر أثرها على المدين الذي قام بإجرائها.

أ- انقضاء الدين بالوفاء:

تنص المادة (284) من القانون المدني المصري على أن (إذا كان التضامن بين المدينين فإن وفاء أحدهم بالدين مبرئ لذمة الباقين)، وهو ذات ما يقرره المشرع الأردني بنصه في المادة (427) من القانون المدني على أن (إذا أوفى أحد المدينين المتضامنين الدين بتمامه برئ الآخرون).

يتضح إذاً أن لأي مدين أن يوفي بكامل الدين الأمر الذي يترتب عليه انقضاء الدين بالنسبة لباقي المدينين في مواجهة الدائن، ولا يحق للأخير أن يرفض وفاء أحد المدينين بكامل الدين حيث إن جميعهم مُلزمين بكامل الدين في مواجهته.

ومن الناحية الأخرى يكون للدائن أن يُطالب أياً من المدينين المتضامنين بكامل الدين، دون أن يكون لأحدهم الحق في أن يدفع في مواجهة الدائن باقتصار المطالبة على حصته فقط.

إلا أن الدائن عندما يطالب المدينين بالوفاء يجب عليه أن يراعي الأحكام الخاصة بكل رابطة من الروابط التي تربطه بالمدينين على حده – وذلك على النحو الذي بيناه سابقا – حيث لا يحق له أن يرجع على أحد المدينين إذا كان التزامه مضاف إلى أجل قبل حلول هذا الأجل.

ولكن ما الحكم في حالة وفاة أحد المدينين؟

الواقع من الأمر أن “قاعدة لا تركة إلا بعد سداد الديون” كافية للإجابة على هذا التساؤل، حيث إن التركة لن يتم توزيعها إلا بعد أن يحصل الدائن على حقه، وفي هذه الحالة يحق للدائن أن يتقاضى كامل حقه من تركة المدين المتضامن المُتوفى وذلك بغض النظر عن أن الدين يقبل أم لا يقبل الانقسام.

بقي أن نشير إلى أن المدين المُطاَلب بالوفاء يحق له أن يتمسك بنوعين من الدفوع، يتمثل النوع الأول في طائفة الدفوع المبنية على علاقته الشخصية بالدائن، كما لو كانت تلك العلاقة مشوبة بأي عيب من عيوب الإرادة، أو أن هذا المدين كان ناقص الأهلية لحظة التوقيع على العقد المُنشئ للالتزام، أما الطائفة الثانية من الدفوع فتتمثل في الدفوع المشتركة بين المدينين والنابعة من وحدة محل الالتزام، حيث يحق لأي منهم أن يتمسك بالدفوع المتمثلة في عدم مشروعية محل أو سبب الالتزام.

وفي هذا المقام تجدر الإشارة إلى أنه ليس للمدين المُطاَلب بالوفاء أن يحتج في مواجهة الدائن بالدفوع الخاصة بدائن آخر، حيث إن التضامن يقوم على فكرة تعدد الروابط.

ب- انقضاء الدين لسبب آخر غير الوفاء:

إذا انقضى الدين بالنسبة لأحد المدينين لسبب آخر غير الوفاء فإنه يقتصر الانقضاء على حصة هذا المدين فقط إلا إذا احتفظ الدائن بحقه قبلهم، ونجد تطبيقا لذلك في نص المادة (286) من القانون المدني المصري والتي تنص على أن (يترتب على تجديد الدين بين الدائن وأحد المدينين المتضامنين أن تبرأ ذمة باقي المدينين، إلا إذا احتفظ الدائن بحقه قبلهم)، وفي التشريع الأردني تنص المادة(429) من القانون المدني على أن (إذا اتفق الدائن مع أحد المدينين المتضامنين على تجديد الدين برئت ذمة الباقين إلا إذا احتفظ بحقه قبلهم جميعا).

فتجديد الدين يترتب عليه أن ينقضي الالتزام بكافة توابعه سواء كان التجديد بتغيير الدين أو بتغيير المدين أو بتغيير الدائن، وطالما أن التجديد يترتب عليه انقضاء الدين القديم فإن ذلك من شأنه أن يبرئ ذمة المدينين ويُنهي علاقة التضامن بينهم، إلا أن المشرع أجاز للدائن أن يحتفظ بحقه في الرجوع عليهم متضامنين على الرغم من تجديد الدين.

وتطبيقا آخر نجده في نص المشرع المصري في المادة (287) من القانون المدني المصري والتي نصت على أن (لا يجوز للمدين المتضامن أن يتمسّك بالمقاصة التي تقع بين الدائن ومدين متضامن آخر، إلا بقدر حصة هذا المدين)، وكذلك أيضاً نص المشرع في المادة (288) على أن (إذا اتحدت الذمة بين الدائن وأحد مدينيه المتضامنين، فإن الدين لا ينقضي بالنسبة إلى باقي المدينين، إلا بقدر حصة المدين الذي اتحدت ذمته مع الدائن).

وهو الأمر ذاته المُتبع في قيام المدين بإبراء أحد المدينين المُتضامنين، حيث يقتصر الإبراء على حصة المدين الذي أبرئه الدائن ولا يكون لباقي المدينين التمسك بهذا الإبراء إلا في حدود حصة المدين الذي تم إبراؤه من الدين.

ويُجمع المشرع الأردني تلك التطبيقات السابقة في المادة (430) من القانون المدني والتي نصت على أن (إذا انقضت حصة أحد المدينين المتضامنين في الدين بطريق المقاصة أو اتحاد الذمتين أو الإبراء فإن الدين لا ينقضي بالنسبة لباقي المدينين إلا بقدر حصة هذا المدين).

وأيضاً يُطبق ذات الحكم السابق على التقادم، حيث تنص المادة (292) من القانون المدني المصري على أن (إذا انقضى الدين بالتقادم بالنسبة إلى أحد المدينين المتضامنين، فلا يستفيد من ذلك باقي المدينين إلا بقدر حصة هذا المدين)، وهو ذات ما يقرره المشرع الأردني بنص المادة (434/1) من القانون المدني والتي نصت على أن (عدم سماع الدعوى لمرور الزمان بالنسبة لأحد المدينين المتضامنين لا يفيد باقي المدينين إلا بقدر حصة ذلك المدين).

ج-الآثار الثانوية للتضامن بين المدينين:

لما كان المدينين المتضامنين تربطهم مصلحة مشتركة تنبع من وحدة الدين المُلزمين به لذلك تقوم بينهم نيابة تبادلية فيما ينفع لا فيما يضر حيث يستفيد جميع المدينين من التصرف النافع الذي يتخذه أحدهم، في حين لا يعود عليهم ضرر إذا قام أحدهم إجراء يسبب له ضرر.

وتلك الصورة من النيابة التبادلية يضع لها كل من المشرع الأردني ونظيره المصري العديد من التطبيقات التي يمكن أن نستخرجها من بين طيات النصوص القانونية، وتلك التطبيقات نذكر مهنا:

بالنسبة لانقطاع التقادم:

تنص المادة (292/2) من القانون المدني المصري على أن (وإذا انقطعت مدة التقادم أو وقف سريانه بالنسبة إلى أحد المدينين المتضامنين، فلا يجوز للدائن أن يتمسّك بذلك قبل باقي المدينين)، وهذا النص يقابله نص المادة (434/2) من القانون المدني الأردني والتي نصت على أن (وإذا انقطع مرور الزمان أو وقف سريانه إلى أحد المدينين المتضامنين فليس للدائن أن يتمسك بذلك قبل الباقين).

فقد يتخذ الدائن إجراءً في مواجهة أحد المدينين يترتب عليه انقطاع التقادم كأن يطالبه بالدين قضائياً، فطالما أن هذا المدين لا يمثل باقي المدينين في الأمور التي تعود عليهم بالضرر فإن انقطاع التقادم يسري أثره في مواجهة هذا المدين فقط دون أن يكون له أثر في مواجهة باقي المدينين، ويترتب على ذلك أنه من الممكن أن ينقضي الدين بالتقادم لبعض المدينين دون البعض الآخر.

خطأ أحد المدينين المتضامنين في تنفيذ التزامه:

تنص المادة (435) من القانون المدني الأردني على أن (المدين المتضامن مسؤول في تنفيذ التزامه عن فعله وإذا أعذره الدائن أو قاضاه فلا أثر لذلك بالنسبة الى باقي المدينين أما إعذار أحد المدينين المتضامنين للدائن فإنه يفيد الباقين)، وهو ذات الحكم الذي يقرره المشرع المصري بنصه في المادة (293) على أن (لا يكون المدين المتضامن مسئولاً في تنفيذ الالتزام إلا عن فعله).

يترتب على خطأ المدين في تنفيذ التزامه إثارة مسئوليته أمام الدائن وإلزامه بدفع تعويض للدائن، وهذا الخطأ يكون المسؤول عنه المدين وحده دون إمكانية إثارة مسئولية باقي المدينين لاقتصار النيابة التبادلية التي تقوم بينهم على الأمور التي تعود عليهم بالنفع دون تلك التي تعود عليهم بالضرر.

صدور حكم على أحد المدينين المتضامنين أو لصالحه:

تنص المادة (438) من القانون المدني الأردني على أن (إذا صدر حكم على أحد المدينين المتضامنين فلا أثر له على الباقين وإنما يستفيدون منه إذا صدر لصالحه إلا إذا بني على سبب خاص به)، وهو ذات ما يقرر المشرع المصري بنص المادة (296) على أن (إذا صدر حكم على أحد المدينين المتضامنين، فلا يحتّج بهذا الحكم على الباقين، أما إذا صدر الحكم لصالح أحدهم، فيستفيد منه الباقون إلا إذا كان الحكم مبنياً على سبب خاص بالمدين الذي صدر الحكم لصالحه).

فالحكم الذي يصدر على أحد المدينين لا يُضار منه باقي المدينين شريطة ألا يكونوا داخلين في الدعوى التي صدر فيها الحكم، حيث يكون الحكم حُجة على كل من كان طرفاً في دعوى وذلك ليس إلا تطبيقاً لمبدأ نسبية آثار الأحكام القضائية.

أما المدينين الذين لا يكونوا أطرافاً في الدعوى فإن الحكم الصادر لا يمس مركزهم القانوني طالما كان يعود بالضرر على من صدر ضده.

والعكس صحيح، حيث لو كان الحكم الصادر لأحد المدينين يُحسن من مركزه القانوني فإن باقي المدينين يستفيدون من هذا الحكم تطبيقاً لمبدأ النيابة التبادلية بين المدينين فيما ينفع لا فيما يضر، ومن ثم يكون لهم في هذه الحالة أن يحتجوا بهذا الحكم على الدائن.

الصلح مع أحد المدينين المتضامنين:

تنص المادة (436) من القانون المدني الأردني على أن (لا ينفذ الصلح الذي يعقده أحد المدينين المتضامنين مع الدائن إذا رتب في ذمتهم التزاما جديدا أو زاد في التزامهم إلا إذا قبلوه. ويستفيدون من الصلح إذا تضمن إبراء من الدين أو براءة الذمة منه بأي وسيلة أخرى)، وهذا النص يقابله في التشريع المصري نص المادة (294) والتي نصت على أن (إذا تصالح الدائن مع أحد المدينين المتضامنين وتضمّن الصلح الإبراء من الدين أو براءة الذمة منه بأية وسيلة أخرى، استفاد منه الباقون. أما إذا كان من شأن هذا الصلح أن يرتب في ذمتهم التزاماً أو يزيد فيما هم ملتزمون به، فإنه لا ينفذ في حقهم إلا إذا قبلوه).

فلو افترضنا أن الالتزام التضامني أثير بشأنه نزاع بين المدينين والدائن فقام أحد المدينين بإجراء صلح مع الدائن ترتب عليه نزول الأخير عن جزء من هذا الدين فإن جميع المدينين الآخرين يستفيدون من ذلك ويُستنزل هذا الجزء من الدين برمته.

أما لو ترتب على الصلح زيادة في الالتزام الأصلي فإن هذا الصلح لا يسري في حق باقي المدينين إلا إذا قبلوه، ولا يكون للدائن – قبل هذا القبول – أن يحتج عليهم بهذا الصلح.

2- علاقة المدينين ببعضهم البعض:

أ- انقسام الدين في العلاقة الداخلية بين المدينين:

تنص المادة (439) من القانون المدني الأردني على أن (لمن قضى الدين من المدينين المتضامنين حق الرجوع على اي من الباقين بقدر حصته فإن كان أحدهم معسرا تحمل مع الموسرين من المدينين المتضامنين تبعه هذا الاعسار دون اخلال بحقهم في الرجوع على المعسر عند ميسرته)، وهو ذات الحكم الذي قرره المشرع المصري بنصه في المادة (298) من القانون المدني على أن (إذا أعسر أحد المدينين المتضامنين تحمّل تبعة هذا الإعسار المدين الذي وفّى بالدين، وسائر المدينين الموسرين، كلٌ بقدر حصته)

يتضح إذن أنه في العلاقة بين المدينين وبعضهم البعض ينتفي التضامن بحيث ينقسم الدين بينهم كلاً بحسب حصته في الدين، ويحق للمدين المُتسبب في إبراء ذمة المدينين الآخرين – سواء تم ذلك بالوفاء أو ما يقوم مقامه – أن يرجع عليهم كل بقدر حصته في الدين.

إلا أن ذلك لا ينطبق على حالة الإبراء بالدين، ذلك أن الإبراء لا يعد من صور الوفاء بالدين ولا يعد صورة من صوره، ففي هذه الحالة يكون للدائن أن يرجع على باقي المدينين بعد استنزال حصة المدين الذي أبرأ ذمته مالم يكن قد احتفظ بحقه في الرجوع على المدينين بكامل الدين.

وجديرًا بالذكر أنه إذا كان أحد المدينين مُعسراً وقت الرجوع عليه فإن جميع المدينين بما فيهم المدين الموفي يتحملون تبعة هذا الإعسار بينهم، حيث تقسم حصة المدين المُعسر على جميع المدينين بالتساوي بينهم إذا كانت حصصهم في الدين الأصلي متساوية، أما إذا كانت تلك الحصص غير متساوية فيجري التقسيم وفقاً لنسبة حصة كل مدين في الدين.

ونشير – أخيراً – إلى أن للمدينين أن يرجعوا على المدين المُعسر حال يساره بحصته التي تولوا دفعها عنه.

ب- الأساس القانوني لرجوع المدين على غيره من المدينين:

الرجوع بالدعوى الشخصية:

لما كان المدينين أصحاب مصلحة مشتركة فإنه يكون وفاء أحدهم بكامل الدين يُعد إما وكيلاً عنهم فيكون رجوعه عليهم في هذه الحالة بمقتضى قواعد دعوى الوكالة، أو أن يكون فضولياً فيكون رجوعه بمقتضى قواعد دعوى الفضالة.

وتتميز هذه الدعوى أنها تُمكن المدين من الرجوع على المدينين ويتقاضى فوائد عما دفعه للدائن من يوم الدفع وليس من يوم المُطالبة القضائية.

الرجوع بدعوى الحلول:

تنص المادة (309) من القانون المدني الأردني على أن: (من أوفى دين غيره بأمره كان له الرجوع على الآمر بما أداه عنه وقام مقام الدائن الاصلي في مطالبته به سواء اشترط الرجوع عليه أم لم يشترط)، وايضا تنص المادة (439) من القانون المدني الأردني فإنه (لمن قضى الدين من المدينين المتضامنين حق الرجوع على أي من الباقين بقدر حصته فإن كان أحدهم معسرا تحمل مع الموسرين من المدينين المتضامنين تبعه هذا الإعسار دون إخلال بحقهم في الرجوع على المعسر عند ميسرته)، وهو ذات الحكم الذي اتخذه المشرع المصري بنصه في المادة (326) على أن (إذا قام بالوفاء شخص غير المدين، حلّ الموفي محل الدائن الذي استوفى حقه في الأحوال الآتية: (أ) إذا كان الموفي ملزماً بالدين مع المدين أو ملزماً بوفائه عنه).

ومن ثم يكون للمدين الموفي أن يحل محل الدائن في الرجوع على المدينين الآخرين بما وفاه، وتميز تلك الدعوى أنها تمكن المدين الموفي من الاستفادة بالضمانات التي قدمها المدينين الآخرين للدائن، وهذا ما يقرره المشرع المصري عندما نص في المادة (329) من القانون المدني المصري على أن (من حلّ قانوناً أو اتفاقاً محل الدائن كان له حقه بما لهذا الحق من خصائص، وما يلحقه من توابع، وما يكفله من تأمينات، وما يردّ عليه من دفوع، ويكون هذا الحلول بالقدر الذي أدّاه من ماله من حل محل الدائن).

ولكن قد يؤثر المدين أن يرجع بالدعوى الشخصية لسببين:

  • الأول أنه بمقتضى الدعوى الشخصية يحق له تقاضي فوائد على المبلغ الذي قام بدفعه ويكون زائدا عن حصته للدائن من يوم الدفع، أما في دعوى الحلول فإنه لا يتقاضى إلا فوائد الدين الأصلي إذا كان مُتفق عليها.
  • والسبب الثاني يتمثل في أن التقادم بالنسبة للدعوى الشخصية يسري من وقت وفاء المدين بالدين للدائن، أما بالنسبة لدعوى الحلول فإن التقادم الدين ساريا من وقت استحقاقه وبالتالي قد تتقادم دعوى الحلول قبل تقادم الدعوى الشخصية.

إعداد/ أحمد منصور.

مراجعة وتدقيق/ المحامي سامي العوض.

اذا كان لديك ملاحظة اكتبها هنا

error: حقوق الطبع والنشر محفوظة لشركة حماة الحق © Copy Right Protected