التعويض عن جريمة الإتجار بالبشر

التعويض عن جريمة الإتجار بالبشر

تُعد جريمة الإتجار بالبشر واحدة من الجرائم الدولية التي تُرتكب لأسباب مُتعددة تتعلق أحيانا بالجانب الاقتصادي المُتمثل في الفقر وضعف الأجور وقلة فرص العمل والبطالة التي تجعل الأشخاص الفقراء عُرضة لاستغلالهم والإتجار فيهم، وتُرتكب تلك الجريمة أيضاً بسبب تفشي الفساد واندلاع الحروب وسيادة حالة من عدم الاستقرار مما يكون لذلك انعكاسات على ضبط الأمن الأمر الذي يؤدي إلى زيادة نشاط الجرائم الدولية والتي تنتمي إليها جرائم الإتجار بالبشر. وارتكاب تلك الجريمة يؤدي إلى نشأة حقين مُتعاصرين وهما حق الدولة – أو المجتمع الدولي – في عقاب الجناة، وحق المجني عليه في الحصول على تعويض عن جريمة الاتجار بالبشر لجبر ما أصابه من ضرر جراء وقوعه ضحية في تلك الجريمة.

أولاً: طرق حصول ضحايا جريمة الإتجار بالبشر على تعويضات:

ثانياً: أحكام تعويض المجني عليه في عمليات الإتجار بالبشر في القانون المصري والقانون الأردني:

أولاً: طرق حصول ضحايا جريمة الإتجار بالبشر على تعويضات:

1- طرق الحصول على التعويض طبقاً لإعلان المبادئ الأساسية لتوفير العدالة لضحايا الجريمة وإساءة استعمال السلطة:

تم اعتماد هذا الإعلان ونشره على الملأ بموجب القرار الصادر عن الجمعية العامة للأمم المُتحِدة في نوفمبر عام 1985، وبموجب نص المادة الأولى منه فإن مصطلح الضحية يشير إلى: (الأشخاص الذين أصيبوا بضرر فرديا أو جماعيا، بما في ذلك الضرر البدني، أو العقلي، أو المعاناة النفسية ،أو الخسارة الاقتصادية، أو الحرمان بدرجة كبيرة من التمتع بحقوقهم الأساسية، عن طريق أفعال أو حالات إهمال تشكل انتهاكا للقوانين الجنائية النافذة في الدول الأعضاء، بما فيها القوانين التي تحرم الإساءة الجنائية لاستعمال السلطة).

وقد ألزم هذا الإعلان الجناة يأن يدفعوا تعويضات لجبر ضرر المجني عليهم وذلك بمقتضى نص المادة (8) والتي نصت على أن: (ينبغي أن يدفع المجرمون أو الغير المسؤولون عن تصرفاتهم، حيثما كان ذلك مناسبا، تعويضا عادلاً للضحايا أو لأسرهم أو لمن يتولوا إعالتهم، وينبغي أن يشمل هذا التعويض إعادة الممتلكات ومبلغا لجبر ما وقع من ضرر أو خسارة، ودفع النفقات المتكبدة نتيجة للإيذاء، وتقديم الخدمات ورد الحقوق)

وقد بين الإعلان أن هناك طريقين لتعويض المجني عليهم في الجرائم الخطيرة والتي تُعد جريمة الإتجار بالبشر واحدة منها وهما:

  • الطريق الأول : أن يلتزم الجاني نفسه بدفع تعويض مالي يتناسب مع الضرر الواقع على المجني عليهم، ويكون دفع التعويض إلى الضحية محل الجريمة، وأسر المجني عليهم المتوفين أو الذين أصبحوا عاجزين وذلك إذا كانوا يُعيلون أسرهم.
  • الطريق الثاني : أن تكون الدولة مُلزمة بتعويض المجني عليهم وذلك في حالة أن كان الجاني موظفاً عاماً أو أن المضرور من الجريمة لم يتمكن من الحصول على تعويض كامل من الجاني.

2- التعويض في اتفاقية مجلس أوروبا لمكافحة الإتجار بالبشر:

أكدت اتفاقية مجلس أوروبا لمكافحة الإتجار بالبشر على حق الضحايا في الحصول على تعويضات لجبر ما أصابهم من ضرر جراء كونهم مجني عليهم في جريمة الإتجار بالبشر، الأمر الذي يُلزم دول الإتحاد الأوروبي بتعديل تشريعاتها الداخلية لتصبح مُتفقة مع ما تقرره الاتفاقية من التزامات بشأن مكافحة الإتجار بالبشر.

ويكون على الدول الأعضاء أن يشرعوا في إنشاء صناديق حكومية تضطلع بتعويض ضحايا الإتجار بالبشر.

3- التعويض كعقوبة:

تأخذ أغلب التشريعات الوطنية باعتبار التعويض صورة من صور العقوبات التي توقع على مرتكبي جرائم الإتجار بالبشر وهو ما يُعرف “بالتعويض الإلزامي”، ومن ثم يتعين على المحكمة الجنائية المُختصة بنظر جريمة الإتجار بالبشر أن تصدر حكمها بإلزام الجناة بتعويض المجني عليهم فضلًا عن الحكم عليهم بما يُناسب فعلهم من عقوبات جنائية.

وبهذا الأمر يأخذ تشريع الولايات المُتحدة الأمريكية والتشريع القبرصي، وجديراً بالذكر أن الحكم بالتعويض في هذه الحالة يكون أمراً إلزامياً على المحكمة أن تقضي به حتى ولو لم يُطالب المجني عليهم.

4- التعويض المدني:

يكون للمجني عليهم أن يلجوا إلى القضاء المدني للمطالبة بحقهم في التعويض عما أصابهم من ضرر جراء ارتكاب جريمة الإتجار بالبشر، وهذا النظام يخضع للقواعد العامة الحاكمة لطلبات التعويضات المدنية أمام المحاكم المدنية.

5- الصندوق الحكومي:

وفقاً لإعلان الأمم المتحدة بشأن المبادئ الأساسية لتوفير العدالة لضحايا الجرائم فإنه تلتزم الدول الأعضاء بإنشاء صناديق لتعويض ضحايا الجرائم الخطيرة وتأتي على رأسها جريمة الإتجار بالبشر، وهذا ما تم تقريره بمقتضى نص المادة (13) والتي نصت على أن :(ينبغي تشجيع إنشاء وتعزيز وتوسيع الصناديق الوطنية المُخصصة لتعويض الضحايا. ويمكن أيضا، عند الاقتضاء، أن تنشأ صناديق أخرى لهذا الغرض، بما في ذلك الحالات التي تكون فيها الدولة التي تنتمي إليها الضحية عاجزة عن تعويضها عما أصابها من ضرر).

6- مصادرة الأصول التي ارتكبت بها الجريمة:

بمطالعة المعايير الدولية يتجلى لنا حرص المجتمع الدولي على ألا يستفيد الجاني مادياً من الجريمة التي ارتكبها، وفي سبيل ذلك يتعين أن تُصادر كل الأموال والأدوات التي استعملها الجاني – أو الجناة – في ارتكاب جرائمهم.

وفي هذا الصدد تنص المادة (14) من قانون منع الإتجار بالبشر الأردني على أن: (على المحكمة ان تقرر مصادرة أي أموال متأتية من ارتكاب أي من الجرائم المنصوص عليها في هذا القانون).

وهو ذات ما يقرره المشرع المصري بمقتضى المادة (13) من القانون رقم (64) لعام 2010 والتي نصت على أن: (يُحكم في جميع الأحوال بمصادرة الأموال، أو الأمتعة، أو وسائل النقل ،أو الأدوات المُتحصلة من أي من الجرائم المنصوص عليها في هذا القانون، أو التي استعملت في ارتكابها، مع عدم الإخلال بحقوق الغير حسن النية).

وهذا ما ذهب إليه القانون اللبناني والقطري، ولقد أضاف القانون السوداني والعُماني نصوص بمقتضاها تُعفي الضحايا من الرسوم القضائية الخاصة بدعاوى التعويض الخاص بجرائم الإتجار بالبشر.

وعلى الصعيد الدولي تنص المادة (12) من اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية على أن: (تعتمد الدول الأطراف، إلى أقصى حد ممكن في حدود نظمها القانونية الداخلية، ما قد يلزم من تدابير للتمكين من مصادرة:

  • عائدات الجرائم المتأتية من الجرائم المشمولة بهذه الاتفاقية، أو الممتلكات التي تعادل قيمتها قيمة تلك العائدات؛
  • الممتلكات أو المعدات أو الأدوات الأخرى التي استخدمت أو يراد استخدامها في ارتكاب جرائم مشمولة بهذه الاتفاقية.

ثانياً: أحكام تعويض المجني عليه في عمليات الإتجار بالبشر في القانون المصري والقانون الأردني:

1- المسئولية المدنية للأشخاص الاعتبارية عن تعويض ضحايا الإتجار بالبشر:

وفقا لنص المادة (11) من القانون المصري رقم 64 لسنة 2010 والتي نصت على أن :(يكون الشخص الاعتباري مسئولاً بالتضامن عن الوفاء بما يحكم به من عقوبات مالية وتعويضات إذا كانت الجريمة قد ارتكبت من أحد العاملين به باسمه ولصالحه ، وتأمر المحكمة في الحكم الصادر بالإدانة بنشر الحكم علي نفقة الشخص الاعتباري في جريدتين يوميتين واسعتي الانتشار ، ويجوز للمحكمة أن تقضي بوقف نشاط الشخص الاعتباري لمدة لا تجاوز سنة).

ومن ثم ففي حالة قيام أحد العاملين في الأشخاص المعنوية أو المسؤولين عن الإدارة الفعلية لتك الأشخاص – شركات كانت أو جمعيات – بارتكاب جريمة اتجار بالبشر أو العلم بارتكابها فإن الشخص المعنوي يكون مسئولاً بالتضامن مع هؤلاء الأشخاص عن دفع المبالغ المالية التي يُحكم عليهم بها سواء تمثلت في تعويضات أو غرامات مالية.

وجديراً بالذكر أن مسئولية الشخص المعنوي تمتد لتنسحب على الأفعال التي يقوم بها ممثليه في حدود اختصاصاتهم أو بمناسبتها، أما ما يرتكبه هؤلاء الأشخاص بعيداً عن نشاط الشخص المعنوي فإن المسئولية المقررة بمقتضى أحكام هذا القانون تقتصر عليهم وحدهم دون أن تنسحب إلى الشخص المعنوي.

أما في التشريع الأردني فقد اقتصر المشرع على عقاب الشخص المعنوي بالغرامة دون الإشارة إلى إلزامه بالتعويضات، ويتجلى ذلك في نص المادة (11) من قانون منع الإتجار بالبشر والتي نصت على أن: (يُعاقب الشخص الاعتباري بغرامة لا تقل عن عشرة الأف دينار ولا تزيد على خمسين الف دينار إذا ارتكب إحدى الجرائم المنصوص عليها في هذا القانون وذلك دون الإخلال بمسؤولية ممثله الذي ارتكب هذه الجريمة، بالإضافة الى العقوبات المنصوص عليها في هذا القانون ، للمحكمة ان تقضي بوقف الشخص الاعتباري عن العمل كليا أو جزئيا مدة لا تقل عن شهر ولا تزيد على سنة إذا ارتكب إحدى الجرائم المنصوص عليها في المادتين (8) و(9) من هذا القانون، وفي حال تكرار الشخص الاعتباري ارتكاب إحدى الجرائم المنصوص عليها في المادتين (8) و (9) من هذا القانون ، وللمحكمة أن تقرر إلغاء تسجيله أو تصفيته ، ويمنع كل من رئيس وأعضاء مجلس إدارته ، أو رئيس وأعضاء هيئة مديريه حسب مقتضى الحال ، ومديره وأي شريك يثبت مسؤوليته شخصيا عن ارتكاب هذه الجريمة من المشاركة أو المساهمة في رأسمال أي شخص اعتباري له غايات مماثلة أو الاشتراك في إدارته).

2- صندوق مساعدة ضحايا الإتجار بالبشر في مصر:

وفقا لنص المادة (27) من القانون رقم (64) لسنة 2010 فإنه تلتزم جمهورية مصر العربية بمقتضى تلك المادة بإنشاء صندوق يكفل مساعدة ضحايا الإتجار بالبشر، حيث نصت تلك المادة على أن (ينشأ صندوق لمساعدة ضحايا الإتجار بالبشر , تكون له الشخصية الاعتبارية العامة, يتبع رئيس مجلس الوزراء, ويتولى تقديم المساعدات المالية للمجني عليهم ممن لحقت بهم أضرار ناجمة عن أي من الجرائم المنصوص عليها في هذا القانون، ويصدر بتنظيم هذا الصندوق وتحديد اختصاصاته الأخرى وموارده ومصادر تمويله قرار من رئيس الجمهورية، وتؤول حصيلة الغرامات المقضي بها في الجرائم المنصوص عليها في هذا القانون, والأموال والأدوات ووسائل النقل التي يحكم بمصادرتها إلى الصندوق مباشرة , وللصندوق أن يقبل التبرعات والمنح والهبات من الجهات الوطنية والأجنبية).

ووفقاً لقانون زرع الأعضاء البشرية رقم (5) لسنة 2010 فإنه يكون لضحايا زرع الأعضاء البشرية – والتي تُعد صورة من صور الإتجار بالبشر – أن يحصلوا على تعويضات إما من الصندوق المُشار إليه أو اللجوء إلى الدعوى المدنية أمام القاضي المدني أو اللجوء إلى الادعاء المُباشر أمام القاضي الجنائي.

إعداد/ أحمد منصور.

error: حقوق الطبع محفوظة لشركة المحامي سامي العوض © Copy Right Protected