التحكيم في منظمة التجارة العالمية
أصبح نظام التحكيم هو النظام الأساسي المتفق عليه في عقود التجارة الدولية بعد أن أثبت التحكيم فعاليته في حل النزاعات بصورة سريعة وناجزة، وذلك بسبب قصور نظام القضاء العادي في عدد من الجوانب في حل النزاعات التي تتسم بالطابع الدولي، فقد قامت منظمة التجارة العالمية بتطوير نظام تحكيم تجاري دولي مختص بالفصل في المنازعات التجارية الدولية داخل المنظمة على أن تكون قرارات هيئة التحكيم ملزمة. وسنتحدث هنا عن التحكيم في منظمة التجارة العالمية وخطوات حل النزاع وشروطه وأسسه.
جدول المحتويات
أولًا: تعريف التحكيم التجاري الدولي
ثانيًا: نظرة عامة على منظمة التجارة العالمية
رابعًا: شروط صحة التحكيم في المنظمة وفقا للاتفاقية السالف ذكرها
خامسًا: أهم أسس نظام التحكيم كوسيلة من وسائل فض النزاع في منظمة التجارة العالمية
وسنتحدث في هذا المقال عما يلي:
أولًا: تعريف التحكيم التجاري الدولي
التحكيم التجاري الدولي هو اتفاق الأطراف على اللجوء إلى نظام للفصل في النزاع غير النظام القضائي العادي لأي من أطراف النزاع، ويمكن أن يكون نظام التحكيم عبارة عن أي أشخاص يتم الاتفاق عليهم باعتبارهم محكمين للنزاع، أو يمكن أن تكون هيئة التحكيم تابعة لمنظمة دولية مثل منظمة التجارة العالمية على أن يكون أطراف النزاع عبارة عن دول وليس أشخاص معنوية خاصة، ويمكن أن يتم الاتفاق على اللجوء للتحكيم قبل نشوء النزاع عند إبرام العقد ويسمى في هذه الحالة شرط التحكيم، ويمكن أن يتم الاتفاق على اللجوء إلى التحكيم بعد نشوء النزاع ويسمى في هذه الحالة مشارطة التحكيم.
1 – معايير تجارية التحكيم وفقًا للقانون المصري
نصت المادة 2 من قانون التحكيم المصري على الآتي: “يكون التحكيم تجاريًا في حكم هذا القانون إذا نشأ النزاع حول علاقة قانونية ذات طابع اقتصادي، عقدية كانت أو غير عقدية، ويشمل ذلك على سبيل المثال توريد السلع أو الخدمات والوكالات التجارية وعقود التشييد والخبرة الهندسية أو الفنية ومنح التراخيص الصناعية والسياحية وغيرها ونقل التكنولوجيا والاستثمار وعقود التنمية وعمليات البنوك والتأمين والنقل وعمليات تنقيب واستخراج الثروات الطبيعية وتوريد الطاقة ومد أنابيب الغاز أو النفط وشق الطرق والإنفاق واستصلاح الأراضي الزراعية وحماية البيئة وإقامة المفاعلات النووية”.
وقد قضت محكمة النقض المصرية في الطعن رقم 194 لسنة 37 ق جلسة 15/2/1972 بالآتي :”للمتعاقدين الحق في الالتجاء الى التحكيم لنظر ما قد ينشأ بينهم من نزاع كانت تختص به المحاكم أصلا إذا نشأ النزاع حول علاقة قانونية ذات طابع اقتصادي، عقدية كانت أو غير عقدية، فاختصاص جهة التحكيم بنظر النزاع وإن كان يرتكن أساسا إلى حكم القانون الذي أجاز استثناء سلب اختصاص جهات القضاء إلا أنه ينبغي مباشرة وفي كل حالة على حدة على اتفاق الطرفين وهذه الطبيعة الاتفاقية التي يتسم بها شرط التحكيم، وتتخذ قواما لوجوده تجعله غير متعلق بالنظام العام، فلا يجوز للمحكمة أن تقضي بإعماله من تلقاء نفسها وإنما يتعين التمسك به أمامها ويجوز النزول عنه صراحة أو ضمنا ويسقط الحق فيه فيما لو أثير متأخرا بعد الكلام في الموضوع إذ يعتبر السكوت عن إبدائه قبل نظر الموضوع نزولًا ضمنيًا”
2 – معايير دولية التحكيم وفقا للقانون المصري
أوضحت المادة 3 من قانون التحكيم المصري معايير دولية التحكيم حيث نصت على أنه: “يكون التحكيم دولياً في حكم هذا القانون إذا كان موضوعه نزاعاً يتعلق بالتجارة الدولية وذلك في الأحوال الآتية:
أولاً: إذا كان المركز الرئيسي لأعمال كل من طرفي التحكيم يقع في دولتين مختلفتين وقت إبرام اتفاق التحكيم فإذا كان لأحد الطرفين عدة مراكز للأعمال فالعبرة بالمركز الأكثر ارتباطاً بموضوع اتفاق التحكيم وإذا لم يكن لأحد طرفي التحكيم مركز أعمال فالعبرة بمحل إقامته المعتاد.
ثانياً: إذا اتفق طرفاً التحكيم على اللجوء إلى منظمة تحكيم دائمة أو مركز للتحكيم يوجد مقره داخل جمهورية مصر العربية أو خارجها.
ثالثاً: إذا كان موضوع النزاع الذي يشمله اتفاق التحكيم يرتبط بأكثر من دولة واحدة.
رابعاً: إذا كان المركز الرئيسي لأعمال كل من طرفي التحكيم يقع في نفس الدولة وقت إبرام اتفاق التحكيم وكان أحد الأماكن التالية واقعاً خارج هذه الدولة.
(أ) مكان إجراء التحكيم كما عينه اتفاق التحكيم أو أشار إلى كيفية تعيينه.
(ب) مكان تنفيذ جانب جوهري من الالتزامات الناشئة عن العلاقة التجارية بين الطرفين.
(ج) المكان الأكثر ارتباطاً بموضوع النزاع.
ثانيًا: نظرة عامة على منظمة التجارة العالمية
تعتبر منظمة التجارة العالمية هي المنظمة الرئيسية المنوطة بالتنسيق فيما بين الدول فيما يخص العلاقات التجارية، وتم إنشاؤها عام 1995 لتكون خلفا وتطويرا لمنظمة الجات، ويقع مقرها الرئيسي في مدينة جنيف سويسرا، ومن اهم مهامها تسوية المنازعات التجارية التي تنشأ بسبب العقود أو الاتفاقات التي تم إبرامها لأغراض التعاون التجاري الدولي، ومن وسائل تسوية المنازعات هو التحكيم
ثالثًا: خطوات حل النزاع في منظمة التجارة الدولية وفقًا لاتفاق التفاهم على القواعد والإجراءات المتعلقة بتسوية المنازعات الذي عقد في الأوروجواي
يعتبر التحكيم مرحلة لاحقة كحل للنزاع حيث لابد من اتخاذ أساليب حل النزاع الودية ابتداءًا وإذا فشلت فلًا مناص من اللجوء إلى التحكيم وهذه هي خطوات حل النزاع وفقًا للاتفاقية المذكورة.
1 – مرحلة إبداء الطلب للتشاور الودي:
حيث تناولت مادة 4 تفصيلا إجراءات التشاور بدءا من اقتراح بدأ المشاورات للوصول الى حل ودي مرورا بالمدد اللازمة للرد على طلب إجراء المشاورات انتهاءً بالوصول الى حل ودي للنزاع أو فشل المشاورات وهنا يتم الانتقال الى الخطوة التالية وهي طلب تشكيل هيئة للتحكيم.
2– مرحلة تشكيل هيئة للتحكيم:
من خلال اتفاق التفاهم على القواعد والإجراءات المتعلقة بتسوية المنازعات المتعلقة بمنظمة التجارة العالمية الذي عقد في الأوروجواي تم الاتفاق على وضع نظام للتحكيم يتلافى الأخطاء السابقة لمنظمة الجات والتي كان نظام التحكيم بها ونظام تسوية المنازعات لا يتسم بالإلزام مما يجعله نظام غير فعال وغير محقق للأهداف المنشودة، فعملت منظمة التجارة العالمية على وضع شروط وإجراءات حاسمة للفصل في النزاع حتى يصبح القرار الصادر ذو حجية قانونية نافذة في مواجهة جميع أطراف النزاع ولعل من أهم هذه الإجراءات هي تكوين هيئة التحكيم.
فمرحلة تكوين هيئة التحكيم تكون لاحقة لمرحلة فشل المفاوضات الودية بين أطراف النزاع، حيث نصت مواد الاتفاقية المذكورة على إجراءات التحكيم تفصيلًا، فوفقاً للمادة 6 فقرة 2 يجب على الطرف الشاكي أن يتقدم بطلب مكتوبًا إلى هيئة التسوية بالمنظمة مع بيان ما تم التوصل إليه من مفاوضات وكذلك توضيح موضوع النزاع مشفوعًا بالقواعد القانونية المتعلقة بموضوع النزاع، حتى يتسنى لهيئة تسوية النزاعات تشكيل هيئة تحكيم مستقلة تتوافر على المؤهلات اللازمة لموضوع النزاع، كما أوضحت المادة 7 مهام هيئة التحكيم، وهي فحص الأحكام ذات الصلة بالموضوع حتى تصل إلى نتائج تساعد جهاز التسوية من خلال توصيات أو الإشارة إلى نصوص الاتفاقيات المبرمة من قبل طرفي النزاع.
أما عن عدد المحكمين فإنه وفقا للمادة 8 فقرة 5 فان هيئة التحكيم تتكون من 3 أشخاص إذا لم يتفق الأطراف على غير ذلك.
ووفقا للمادة 8 فقرة 9 فإن المحكمين يمارسون أعمالهم بصفتهم الشخصية لا بصفتهم ممثلين عن حكوماتهم أو عن أي منظمة أخرى.
وقد انحازت الاتفاقية للدول النامية حيث نصت في الفقرة 10 من المادة 8 على الاتي: “حين يكون النزاع بين عضو من البلدان النامية وعضو من البلدان المتقدمة، يجب أن يكون أحد أعضاء الفريق على الأقل من البلدان النامية، إذا طلب العضو من البلدان النامية ذلك”
ويجب عند التحكيم الأخذ في الاعتبار مصلحة الدول الأعضاء الأخرى حيث كفلت المادة 10 من الاتفاقية حق الدول الأعضاء الأخرى التي قد يمسها موضوع النزاع حيث أوجبت إعلان جميع الدول قبل الإجراءات بفترة كافية، كما أجازت لأي دولة بالانضمام بعد موافقة الدول أطراف النزاع الرئيسية.
أما عن مدة التحكيم فقد حددت المادة 12 فقرة 8 مدة التحكيم في 6 شهور في الحالات العادية و3 شهور في الحالات المستعجلة، وذلك منذ تشكيل الهيئة وحتى صدور القرار النهائي لهيئة التحكيم، ووفقًا للمادة 12 فقرة 9 إذا وجدت هيئة التحكيم أنها لا تستطيع استصدار التقرير خلال 6 شهور يجب عليها إخطار جهاز التسوية بأسباب التأخير، وإيضاح المدة اللازمة لإصداره ولا يجوز بأي حال من الأحوال أن تستغرق المدة بين انشاء هيئة التحكيم واستصدار التقرير النهائي 9 شهور.
وعند اعتماد التقرير فإنه طبقا للمادة 16 جهاز التسوية لا يعتمد التقرير إلا بعد مرور20 يوم من إعلان الأعضاء حتى يتسنى لهم دراسة التقرير وإبداء اعتراضهم إذا كان هناك اعتراض من إحدى الدول، ويتم تعميم الاعتراضات قبل 10 أيام على الأقل من اجتماع جهاز التسوية، ويعتمد الجهاز قراره بعد 60 يوم إذا لم يخطر أحد الأطراف بأنه تم استئناف قرار هيئة التحكيم، ولا يعتمد جهاز التسوية قرار نهائي بالفصل في النزاع إلا بعد قرار هيئة الاستئناف.
3 – مرحلة الاستئناف:
يوجد بجهاز التسوية بمنظمة التجارة العالمية جهاز دائم للاستئناف مختص بالنظر في قرارات التحكيم المستأنفة، وتتكون الهيئة الاستئنافية من 7 أشخاص، يخصص ثلاثة منهم لكل قضية من القضايا ويعمل جهاز الاستئناف بالتناوب فيما بينهم طبقًا للمادة 17 فقرة 1 من الاتفاقية المذكورة.
ويعتمد جهاز التسوية تقرير هيئة الاستئناف ويجب على الأطراف تقبل قرار هيئة الاستئناف دون شرط في غضون 30 يوم بعد عرضه على الأعضاء، وذلك وفقًا للمادة 17 فقرة 14 من الاتفاقية المذكورة.
4 – بدائل لإجراءات التسوية:
تُعتبر المساعي الحميدة والتوفيق والوساطة وفق المادة 5 من الاتفاقية المذكورة بدائل مناسبة.
رابعًا: شروط صحة التحكيم في المنظمة وفقا للاتفاقية السالف ذكرها
1 – وجوب عضوية دول النزاع في منظمة التجارة العالمية:
يقتصر التحكيم عن طريق منظمة التجارة العالمية على الدول الأعضاء بالمنظمة ويكون اللجوء إلى التحكيم اختياريًا حيث يمكن فض النزاع بوسيلة أخرى من الوسائل المذكورة بمذكرة الاتفاق، ويشترط أن يتم الاتفاق بين الدول المتنازعة على اللجوء إلى التحكيم في حالة نشوب النزاع وذلك على الرغم من الإشارة إلى التحكيم بمذكرة المنظمة، فلا يجوز أن تطلب دولة الفصل في نزاع بينها وبين دولة أخرى منفردة دون إرادة الدولة الأخرى، وبناءًا على ذلك فلا يجوز للأشخاص المعنوية الخاصة أن تلجأ إلى التحكيم في بمنظمة التجارة العالمية، كما يترتب على هذا الشرط أن جميع أطراف النزاع لابد وأن يكونوا أعضاء بالمنظمة فلا يجوز أن يتم اللجوء إلى التحكيم الخاص بمنظمة التجارة العالمية إذا كانت دولة ليست عضوًا طرفاً في النزاع، أنما يتم حسم النزاع عن طريق وسائل تحكيم أخرى.
2 – أن يكون النزاع بسبب أحد الاتفاقات التجارية المتعلقة بالمنظمة:
اشترطت قواعد المنظمة لقبول التحكيم أن يكون النزاع القائم بسبب الاتفاقيات التجارية الواردة على ميثاق منظمة التجارة العالمية، ويعتبر هذا شرط أساسي لصحة التحكيم من خلال المنظمة فإذا كان النزاع تجاريًا، ولكن خارج اتفاقيات المنظمة فيتم اللجوء إلى هيئة تحكيم أخرى للفصل في النزاع، وهناك نوعان من اتفاقيات المنظمة، النوع الأول هو اتفاقيات تجارية متعددة الأطراف وهي اتفاقيات ملزمة لجميع الدول الأعضاء، والنوع الثاني هو اتفاقيات تجارية جماعية ويكون حكم التحكيم الناتج عنها ملزم لهذه الدول فقط دون غيرها.
3 – وجوب إعلان جميع الدول الأعضاء بالمنظمة باتفاق التحكيم:
يعتبر إعلان جميع الدول الأعضاء بالمنظمة باتفاق التحكيم من الشروط الشكلية الأساسية لصحة التحكيم التي نصت عليه مذكرة الاتفاق، ويشترط أن يتم الإعلان قبل افتتاح التحكيم بوقت كافي والسبب في هذا الشرط هو أعلام باقي الدول الأعضاء بوجود نزاع وهو ما يمنحهم الفرصة للانضمام إلى التحكيم اذا كان موضوع النزاع يمس مصلحة تجارية جوهرية لدولة أخرى مختلفة عن أطراف النزاع الأساسية التي تقدمت بطلب التحكيم، ويُعتبر هذا الشرط أساسي في أي وسيلة من وسائل فض النزاع بالمنظمة، ويشترط موافقة الدول أطراف النزاع الرئيسية بانضمام دول أخرى كأطراف للنزاع في اتفاق التحكيم.
وتجدر الإشارة إلى أن التحكيم يُمكن أن يتم داخل مقر المنظمة بمدينة جنيف سويسرا أو خارجها ولا يؤثر على صحة التحكيم المكان الذي تم فيه طالما تم تحت وفقًا لقواعد منظمة التجارة العالمية.
خامسًا: أهم أسس نظام التحكيم كوسيلة من وسائل فض النزاع في منظمة التجارة العالمية
تلتزم الدول أطراف النزاع بتنفيذ نتيجة التحكيم، ويمكن انضمام دول أخرى في التحكيم بعد موافقة أطراف النزاع الأصليين، ويتم اللجوء إلى التحكيم بعد اتفاق الأطراف على ذلك، ويجب إعلان جميع الدول الأعضاء الاتفاق على التحكيم قبل بداية الإجراءات بوقت كافي.
ويتسم حكم التحكيم الصادر بالطابع الإلزامي، ويحق للمحكوم ضده الطعن على قرار التحكيم أمام هيئة استئنافية دائمة، ولا يصدر القرار النهائي من جهاز التسوية بالمنظمة إلا بعد صدور قرار الهيئة الاستئنافية حيث يصبح قرار الاستئناف نهائيًا وملزمًا لأطراف النزاع بعد اعتماده من جهاز تسوية المنازعات بالمنظمة مع الإعلان عن الإجراءات اللازمة لتنفيذ حكم التحكيم.
وفي حالة رفض التنفيذ من جانب الدولة الصادر ضدها الحكم يحق للدولة المتضررة الحصول على تعويض من جهاز التسوية بالمنظمة على أن تقوم بالتعويض الدولة الممتنعة عن تنفيذ الحكم الصادر ضدها.
إعداد : أحمد الشريف

