المصلحة في الدعوى

تعددت الآراء بشأن الشروط التي يجب توافرها في الدعوى فذهب رأي الى انه يشترط لقبول الدعوى توافر الصفة والمصلحة والأهلية وذهب راي آخر الى انه لا يشترط لقبولها سوى المصلحة والصفة دون الأهلية، ولكن الراي السائد ان المصلحة هي الشرط الوحيد لقبول الدعوى. وقد أخذ المشرع الاردني بالرأي الأخير حيث نصت المادة 3/1 من قانون أصول المحاكمات المدنية على انه (لا يقبل اي طلب أو دفع لا يكون لصاحبة فيه مصلحة قائمة يقرها القانون.) فالمصلحة في الدعوى إذا هي شرط لقبول كافة الطلبات أصلية كانت أو عارضة وهي شرط أيضا لقبول جميع الدفوع شكلية كانت أو موضوعية أو عارضة مثلما هي شرط لقبول اي طعن.

مفهوم المصلحة في الدعوى:

عرفها بعض الفقهاء بانها الحاجة الى حماية القانون للحق المعتدى علية أو المهدد تهديدا جديا بالاعتداء علية والمنفعة التي يحصل عليها المدعي بتحقيق هذه الحماية.

وقد عرفها البعض الآخر بان المصلحة في الدعوى تعني الحاجة الى الحماية القضائية، على اعتبار ان القضاء سلطة من سلطات الدولة لا يباشر وظيفته في الحماية القضائية الا إذا كان هناك حاجة الى تلك الحماية.

على ان الراي الغالب يذهب الى ان المصلحة هي الفائدة أو المنفعة العملية المشروعة التي تعود على رافع الدعوى (طلبا كانت ام دفع) من الحكم له بطلباته أو دفوعه كلا أو جزءا. معتبرين ان الغاية التي رسمها القانون للمصلحة وسية لحماية الحق.

أوصاف المصلحة في الدعوى:

يجب ان تتوافر في المصلحة أوصاف معينة حتى تكون جديرة بالاعتبار، وتستخلص هذه الأوصاف من نص المادة 3 من قانون أصول المحاكمات المدنية:

أولا: ان تكون المصلحة قانونية

بحيث يكون موضوع الدعوى أو الغرض منها هو المطابة بهذا الحق، أو المركز القانوني ،أو رد الاعتداء علية ،أو التعويض عن الضرر الذي أصابه. وهذا ما أشارت اليه نص المادة 3/1 بقولها (مصلحة يقرها القانون) والغاية من هذا الشرط هي ان وظيفة القضاء هي حماية النظام القانوني وبالتالي حماية الحوق والمراكز القانونية، وتأسيسا على ذلك فلا تقبل الدعوى التي لا يكون محلها حقا أو مركزا قانونيا، كما لو رفعت دعوى للمطالبة بمصلحة اقتصادية بحته لا يحميها القانون على اعتبار انهها تتجاوز وظيفة القضاء. وقد قضت محكمة التمييز بانة (يشترط لقبول الدعوى ان يكون لصاحبها مصلحة في أقامتها وان تكون هذه المصلحة مستندة الى حق ذاتي حال ومباشر اي تهدف الى حماية حق أو منع التعدي على حق) وعلية فان المصلحة الجديرة بالحماية هي المصلحة التي تستند الى حق أو مركز يحميه القانون، فمثلا لا تقبل دعوى شخص المستندة الى عقد بينة وبين خليلته مضمونة استمرار هذه العلاقة بينهما لان الغاية من هذه العلاقة غير مشروعة لمخالفتها للنظام وحسن الآداب وبالتالي لا ينشا لاي منهما حق يحميه القانون. وطالما كانت المصلحة قانونية فأنها تكفي لقبول الدعوى، يستوي قي هذا ان تكون المصلحة مادية أو أدبية والمصلحة المادية هي تلك التي تحمي المنفعة المادية لرافع الدعوى كدعوى المطابة بالدين أو الفوائد، ودعوى المطالبة بتسليم المبيع ودعوى استرداد حيازة عقار. اما المصلحة الأدبية فهي التي تحمي حقا أدبيا لرافع الدعوى، كدعوى التعويض التي يرفعها الأبوين على منة قتل وحيدهما، وعن الضرر الأدبي الذي أصاب الشخص من السب أو القذف.

ثانيا: ان تكون المصلحة شخصية ومباشرة

بمعنى ان يكون رافع الدعوى هو صاحب الحق المزعوم أو المركز القانوني المراد حمايته أو من ينوب عنه، كالولي بالنسبة للقاصر والوكيل بالنسبة للموكل، وهو ما درج الفقه والقضاء على التعبير عنة بشرط (الصفة) وما عبرت عنة المادة 3/1 من الأصول المدنية بقولها (يكون لصاحبة فيه مصلحة). وعله هذا الشرط انه ليس لاحد ان ينصب نفسه قيما مكان صاحب الحق أو المركز القانوني، فهو أقدر الناس على ترجيح مصلحته وهو الأقدر على تحديد الوقت المنسب لرفع دعواه وقد يرى عدم رفع الدعوى فليس من حق الغير ان يجبره على رفعها والا اعتبر ذلك فضولا منه.

ثالثا: ان تكون المصلحة قائمة وحالة (قاعدة واستثناء)

تنص المادة 3 من قانون أصول المحاكمات المدنية على انه (1-لا يقبل اي طلب أو دفع لا يكون لصاحبة فيه مصلحة قائمة يقرها القانون 2- تكفي المصلحة المحتملة اذا كان من الطلب الاحتياط لدفع ضرر محدق أو الاستيثاق لحق  يخشى زوال دليلة عند النزاع فيه) ويقصد بالمصلحة القائمة ان تكون مصلحة المدعي في الدعوى مؤكدة غير احتمالية لذا لا تقبل دعوى المطالبة بحق معلق على شرط واقف ، اما المصلحة الحالة فيقصد بها الا تكون المصلحة مستقبلية وتعتبر المصلحة كذلك اذا رفعت قبل الأوان ،مثل المطالبة بدين لم يحل اجل الوفاء به بعد أو الطعن في حكم غير منهي للخصومة قبل صدور الحكم في موضوعها. ومعنى المصلحة القائمة والحالة حسب الفقه ان يكون الاعتداء على الحق أو المركز القانوني أو المنازعة فيهما قد وقع بالفعل فيحقق الضرر الذي يبرر اللجوء للقضاء، فالضابط لتحقيق المصلحة القائمة والحالة هو وقوع الضرر بالفعل على الحق أو المركز القانوني كان يمتنع المؤجر عن تسليم العين المؤجرة، أو يغتصب شخص عين في حيازة شخص آخر أو يمتنع المدين عن الوفاء بدين حل اقله.

وقد أشارت المادة 3/2 أصول مدنية الى عده استثناءات فأجازت قبول الدعوى استنادا للمصلحة المحتملة في حالتين:

1 إذا كان الغرض من الطلب الاحتياط لدفع ضرر محدق.

ويشترط المشرع في هذه الحالة ان يكون الضرر محدقا اي على وشك الوقوع وهذا يعني ان تستند الدعوى الى خطر عاجل، وهو الخطر الذي يمكن ان يقع في اي لحظة كنتيجة مباشرة لأسباب قائمة بالفعل. ويندرج تحت هذه الحالة مجموعة من الدعاوي أهمها:

*دعوى وقف الأعمال الجديدة:

وهي احدى دعاوى الحيازة، وهي الدعوى التي يرفعها الحائز على من شرع في عمل لو تم لأصبح تعرضا للحائز في حيازته لعقار ويطلب فيها منعه من الاستمرار في هذا العمل والحيلولة دون تمامة. ومثال على ذلك لو بدا شخص في بناء حائط يؤدي لو اكتمل البناء الى سد مطل للجار فيطالب الجار بالحكم بوقف بناء هذا الحائط تفاديا لسد المطل. وتقبل هذه الدعوى في القانون الاردني لأنها من الدعاوى الوقائية التي يتوافر فيها هذا الشرط العام لقبول هذه الدعاوى وهو الاحتياط لدفع ضرر محدق الذي يتمثل هنا في بدء المدعى علية فعلا بالأعمال الجديدة، وذلك رغم كونها من الدعاوى غير المسماة. وهذا ما أكدته محكمة التمييز الأردنية في قرارها رقم 15/1958 تمييز حقوق (ان دعوى وقف الأعمال الجديدة التي ترفع على من شرع في عمل لمنعة من إتمامه تعتبر من الدعاوى الحقوقية الواقعية المقبولة لدى المحاكم العادية، لان الغرض منها الاحتياط لدفع ضرر محدق ومنع التعرض للحيازة، ولا يشترط لقبول هذه الدعوى وجود تعرض ما، بل تكون مقبولة حتى قيام التعرض إذا كانت الأعمال التي بدء فيها تؤدي حتما عند تمامها الى حصول التعرض وذلك على اعتبار ان للمدعي مصلحة في وقف العمل الذي سيؤدي الى التعرض لحيازته).

*دعوى قطع النزاع

ومثالها ان يثير شخص مزاعم يدعي بها حقا في مواجهه شخص أخر، ويشيع ذلك ويخشى المزعوم ضده مغبة هذا الادعاء فيرفع دعوى تسمى دعوى قطع النزاع على من يثير هذه المزاعم مطالبا اياه بالحضور أمام القضاء وإثبات صحة ما يدعيه والا حكم بعدم أحقيته فيما يدعيه وبالكف عن هذه المزاعم وامتنع علية بالتالي المطالبة به مستقبلا. وبسبب عدم وجود نص خاص حولها فقد ثار خلاف حول قبولها، فذهب راي الى عدم قبول هذه الدعوى لمخالفتها لقاعدة حق الأشخاص في اللجوء القضاء والتداعي إمامة ولكونها تؤدي الى نقل عبء الإثبات للمدعى علية وتكليفه بالإثبات في وقت لا يراه مناسبا. ولكن الراي الراجح يميل الى قبول هذه الدعوى لان من حق الشخص ان يضع حدا للمزاعم التي تضر بمركزة المالي والأدبي، ولا يجوز حرمان شخص يتعرض للإشاعات والأقاويل من الحماية القضائية بشرط ان لا تكون هذه المزاعم والادعاءات ليس لها إثر يعتد به وان تكون جدية وان تصدر بفعل علني وان تبلغ من التعيين والتحديد مبلغا يضر بمركز المزعوم ضده المالي والأدبي. ومثال ذلك ان يزعم شخص ما انه دائن لشخص آخر بمبالغ مالية كبيرة ويكون هذا الأخير تاجرا يتأثر ائتمانه بالإشاعات التي تثار حول مديونيته، ومثالها أيضا ان يزعم شخص انه مالك لعين مؤجرة من شخص آخر ويطلب من المستأجر عدم دفع الأجرة للمؤجر. ومن هذه الأمثلة يتبين ان مصلحة المزعوم ضده جلية في قبول الدعوى للاطمئنان على حقوقه بوضع حد لما يضر بها من أقاويل وإشاعات لا أساس لها من الصحة.

2 إذا كان الغرض من الطلب الاستيثاق لحق يخشى زوال دليلة عند النزاع فيه.

الأصل ان يقدم المدعي أدلته ويهدم ادله خصمة في الدعوى الموضوعية التي يطالب فيها بحقه، والأصل أيضا انه لا يجوز ان يطلب من القضاء إجراء تحقيق لإثبات دليل أو هدمه إذا تعلق الأمر بمنازعة مستقبلية لان وظيفته هي الفصل في المنازعات وليس جمع الأدلة للخصوم في مسائل ليست محل نزاع اما القضاء بعد. ولكن قد تطرأ ظروف تبرر فصل مسالة الدليل عن دعوى الحق ورفع دعوى مستقبلية بالدليل وحده وقبل المطالبة بالحق حيث تقتضي المصلحة بالإسراع بالمحافظة على دليل قد يفيد في نزاع مستقبل خشيه ضياعه. أو الإسراع بهدم دليل لمنع الاحتجاج به في نزاع، فالمدعي في كلتا الحالتين له مصلحة في الاطمئنان على حقوقه بالمحافظة على ما يتعلق بها من أدلة وهدم ما يزعزع استقرارها. فعلى المحكمة قبول الدعوى في مثل هذه الحالات حتى لا تضيع الأدلة بغير مبرر. ولذلك عني المشرع عناية خاصة بالدعاوى المتعلقة بالأدلة، فأورد في المادة 3 من الأصول المدنية قاعدة تجيز قبول الدعوى إذا كان الغرض منها الاستيثاق لحق يخشى زوال دليله عند النزاع فيه، وهو نص عام يجوز معه قبول هذه الدعاوى أيا كان نوع الإثبات المطلوب إجراءه.

 ومن أبرز الأمثلة على هذه الدعاوى

ا دعوى إثبات الحالة.

وتسمى الكشف المستعجل لإثبات الحالة ، وهي تهدف الى إثبات واقعة يخشى زوال معالمها اذا لم تثبت على وجه السرعة ، وقد أجاز القانون لمن يخشى ضياع معالم واقعة يحتمل ان تصبح محل نزاع أمام القضاء مستقبلا على نحو يستحيل معه استنباط الدليل منها ان يطلب من القضاء إثبات معالم هذه الواقعة والتحفظ على الدليل المستخلص منها ليتمكن من استخدامه دليلا عليها اذا ما عرض النزاع بشأنها أمام القضاء مستقبلا ومثالها إثبات ما أحدثه المستأجر من تلف بالعين المؤجرة عند أخلائها وذلك تمهيدا لرفع دعوى التعويض على المستأجر عما أصاب الماجور من ضرر .ويشترط لقبول هذه الدعوى

1 ان يكون موضوعها طلب إثبات واقعة مادية لا تقرير حق أو التزام.

2 ان تكون الواقعة المراد إثباتها من المحتمل ان تصبح محل نزاع أمام القضاء في المستقبل.

3 ان تكون من الوقائع المتغيرة المعالم، بحيث يخشى ضياع معالمها إذا انتظر الخصم حتى يعرض النزاع على الحق أمام القضاء.

4 ان لا يقتضي الفصل في الدعوى المساس بالموضوع إذ ان هذه الدعوى هي دعوى وقتية مستعجلة ويختص بها قاضي الأمور المستعجلة سندا للمادة 32/3 أصول مدنية.

ب دعوى سماع شاهد.

الغاية من هذه الدعوى هو المحافظة على الدليل المستخلص من شهادة شاهد من الضياع إذا لم يتم سماع شهادته في الحال. ومثال ذلك ان يكون الشاهد المطلوب الاستماع لشهادته مريضا مرض لا يرجى معه شفاؤه ويوشك ان يؤدي الى موته، أو شخص مقبلا على الهجرة أو السفر لمده طوية لبلد ما. ويشترط لقبول هذه الدعوى:

1 ان تكون الواقعة موضوع الشهادة لم تعرض بعد أمام القضاء ويحتمل عرضها علية مستقبلا.

2 ان تكون هذه الواقعة مما يجوز إثباتها بالشهادة.

3 وان يخشى لأسباب جدية فوات فرصة الاستشهاد بالشاهد أو جعلها امرأ عسيرا عند نظر الدعوى الموضوعية، وهو امر يترك تقديره لقاضي الأمور المستعجلة.

ان المطلوب في هذه الدعوى هو مجرد اتخاذ تدابير وقتيه بسماع الشاهد دون التعرض لأصل الحق ولذلك فان دعوى سماع شهادة الشاهد تعتبر من الدعاوى الوقتية ويختص بها قاضي الأمور المستعجلة سندا لنص المادة 32/4 أصول مدنية.

المصلحة هي مناط أي دعوى

1- لا يقبل أي طلب أو دفع لا يكون لصاحبه فيه مصلحة قائمة يقرها القانون فالمصلحة هي مناط أي دعوى عملا بالمادة الثامنة من قانون أصول المحاكمات المدنية فاذا كانت محكمة البداية قد ردت الدعوى عن احد المدعى عليهما فيتوجب رد الاستئناف المقدم منه.

2- اذا اتفق المحكوم له في القضية البدائية مع احد المحكوم عليهما على عدم استئناف المحكوم عليه الحكم وتعهد المحكوم له بعدم التنفيذ ضد المحكوم عليه ، فقام المحكوم له بتنفيذ ذلك الحكم واعترض المحكوم عليه على التنفيذ أمام دائرة الإجراء ولم يجد اعتراضه تفهما فلجأ الى إقامة هذه الدعوى لمنع المدعى عليهما من مطالبته فان دعواه لا تعتبر طعنا بالحكم المكتسب الدرجة القطعية وليس طريقا من طرق الطعن العادية أو غير العادية لإلغائه فهي دعوى صحيحة وتتفق أقامتها مع أحكام القانون وتقوم على سبب جديد حدث بعد صدور الحكم والطلب فيها يختلف عن الطلب الذي يرد عادة عند سلوك طرق الطعن العادية أو غير العادية بالأحكام التي لم تكتسب الدرجة القطعية وللمدعي فيها مصلحة قائمة يقرها القانون وهي الحيلولة دون تنفيذ الحكم لانقضاء اثره القانوني بالإقرار الصادر عن المحكوم له وإبرائه لذمة المحكوم عليه من المبلغ المحكوم به وبذلك يصبح هذا الحكم مجردا من الحماية القانونية اي غير قابل للتنفيذ إذ ان انقضاء الأحكام يكون بالتنفيذ الطوعي أو الجبري أو بإبراء المحكوم عليه ، وعليه فان إبراء صاحب الحق الثابت بالحكم القطعي ذمة المحكوم عليه يقع صحيحا ومتفقا وأحكام القانون لأنه حرفي التصرف بحقوقه بعد ثبوتها ومثل هذا التصرف من حقوق الخصوم وغير ممنوع قانونا وغير مخالف للآداب أو النظام العام ، وبعد حصول هذا التصرف يمتنع على الخصم الذي صدر عنه الرجوع فيه لتعلقه بالخصم الآخر طالما انه أضاع فرصة الطعن بالحكم قبل اكتسابه الدرجة القطعية إذ لولا الإبراء الثابت بالإقرار لتمكن المدعي في هذه الدعوى من الطعن بالحكم الصادر ضده بطريق الاستئناف وعلى ذلك تكون أسباب التمييز غير واردة على الحكم المميز مستوجبة الرد موضوعا .

الموضوع: المصلحة في الدعوى

إعداد: المحامي المتدرب صهيب المساعدة