عصبة الأمم

عصبة الأمم

 نشأت عصبة الأمم في أعقاب الحرب العالمية الأولى عام 1919، وتعود فكرة إنشاؤها إلى كلاً من الولايات المتحدة الأمريكية، والمملكة المتحدة لبريطانيا الكبرى، وأيرلندا الشمالية، لكن لم تكن هذه هي الفكرة الأولى تاريخياً لإنشاء عصبة الأمم، حيث دعا إليها الهولندي وكوكوس في كتابه ” قوانين الحرب والسلام ” والذي صدر عام 1625، كأول كتاب في القانون الدولي العام، و قد ذكر في كتابه أنه من الممكن عقد مؤتمر، أو تحكيم، أو إصدار قرار واجب التنفيذ من أجل الحيلولة دون حدوث أية حروب، وأشار أيضاً إلى أنه يحق لجميع الدول أن يكون هناك توازن في علاقاتهم الدولية وذلك بموجب قوانين معمول بها ومعروفة دولياً، وجسد أفكاره في إنشاء عصبة أمم صغيرة عام 1658 على ضفاف نهر الراين بين دويلات ألمانية صغيرة، بمقتضاها تعهدت جميع الدول الأعضاء فيها بحل جميع الخلافات التي تنشأ بينهم بالتراضي.

إلا أنه تم إنشاء عصبة الأمم عام 1919 بشكلٍ أوسع وهذا ما سنطرحه من خلال مقالنا التالي بشيء من التفصيل.

نشأة عصبة الأمم:

عهد عصبة الأمم:

حل عصبة الأمم:

سوف نتحدث من خلال مقالنا التالي عن عصبة الأمم، سنتناول نشأتها، وبعض البنود الهامة لعهد عصبة الأمم، ثم ننتقل بعد ذلك إلى أسباب حل عصبة الأمم وقيام هيئة الأمم المتحدة بدلاً منها، وذلك على النحو الآتي بيانه:

نشأة عصبة الأمم:

تم إنشاء عصبة الأمم في أعقاب الحرب العالمية الأولى عام 1919، وقد بزغت فكرة إنشائها عام 1916 حيث أيد ودور ويلسون رئيس الولايات المتحدة الأمريكية آنذاك فكرة إنشاؤها، وفي عام 1917 ألقي ودور ويلسون بياناً أمام الكونجرس الأمريكي أكد من خلاله إعلان الحرب بصفة رسمية على ألمانيا، وأكد أن الهدف من إعلان تلك الحرب هو تحقيق السيادة العالمية للحق بتوافق الشعوب الحرة على نحو من شأنه أن يحقق السلام والأمن للأمم كافة ويجعل العالم عالماً حراً.

وأشار إلى ضرورة الالتزام بإقامة رابطة عامة بين الدول، إلا أن الولايات المتحدة الأمريكية لم تنضم لتلك العصبة، وذلك لرفض مجلس الشيوخ الأمريكي معاهدة فرساي والتي تم دمج فكرة عصبة الأمم فيها.

وأيضاً فإن المملكة المتحدة لبريطانيا الكبرى وإيرلندا الشمالية من مؤسسي فكرة عصبة الأمم، فإن بريطانيا قد اقترحت إنشاء منظمة عالمية قبل أن يطرحها الأمريكان وذلك عام 1914، قبل اندلاع الحرب العالمية الأولى.

حيث دعا وزير الخارجية البريطاني السير إدوارد كري إلى إقامة نظام عالمي للأمن والنظام، بعد اندلاع الحرب بحوالي أسبوعين، أعلن الأديب البريطاني هربرت جورج ويلز صاحب روايات الخيال العلمي الشهيرة ومنها (آلة الزمن، وحرب العوالم) أن الوقت قد حان لإقامة عصبة للسلم، وقد نشر أستاذ العلاقات الدولية بجامعة كمبردج ما يمكن عَدَّه أول خطة مفصلة عن عصبة أمم أوروبية دائمة تضم مجلساً مركزياً مفتوحاً لجميع الدول يتحكم بالقوات المسلحة للدول الأعضاء وتكون قراراته واجهة للتنفيذ، إضافة إلى أطروحات أخرى، انتهت بإنشائها عام 1919، فقد دعا اللورد روبرت سيسل بمجلس الوزراء البريطاني، إلى إقامة منظمة دولية، بعد انتهاء الحرب العالمية، وقد كان لبريطانيا دوراً بارزاً في توجيه سياسات عصبة الأمم، حيث كانت تساهم بأكبر نسبة من نفقاتها والتي بلغت حوالي مليون جنيه إسترليني سنوياً.

وقد بلغ عدد الأعضاء الأصليين لدى عصبة الأمم المتحدة 28 دولة انضم إليهم عدد آخر من الدول إلى أن أصبح عددهم يقارب ستون دولة، وقد انضم إليها من الدول العربية جمهورية مصر العربية والعراق.

وقد انسحبت كل من ألمانيا واليابان وعدد من دول أمريكا اللاتينية من عضوية عصبة الأمم، وتم فصل روسيا عام 1939 بسبب حربها مع فنلندا.

ونجد أن عصبة الأمم تُعد أول اتفاق دولي يعمل على ترابط الدول فيما بينهم، والمضي قدماً نحو تحقيق الاستقرار والأمن الدوليين، واستبعاد فكرة الحرب.

عهد عصبة الأمم:

يتكون عهد عصبة الأمم من جزئين (مقدمة، ومواد)، ستناولهم فيما يلي:

المقدمة: نصت مقدمتها على ” أن الأطراف المتعاقدة السامية، رغبة في دفع التعاون العالمي قدماً وتحقيق السلام والأمن الدوليين تقبل الالتزام بعدم اللجوء إلى الحرب وبدء علاقات علنية، وعادلة، وشريفة بين الأمم، وإرساء راسخ لمفهوم القانون الدولي بوصفه قاعدة السلوك المتبع في الوقت الحاضر بين الحكومات مع المحافظة على العدل واحترام الالتزامات التعاهديه احتراما في علاقات الشعوب المنضمة الواحدة بالآخر، توافق على عهد عصبة الأمم هذا”

المواد: قد ضم عهد الأمم المتحدة (26) مادة، تضمنت إيضاح أغراضها ووظائفها واختصاصاتها وأجهزتها، وفيما يلي أهم مواد العهد:

فقد تمت الإشارة إلى شروط العضوية في العصبة بنص المادة الأولى والتي نصت على أن:

  1. الأعضاء الأصليون لعصبه الأمم هم الموقعون المذكورة أسماؤهم في ملحق العهد وكذلك الدول الأخرى المشار إلى أسمائها في الملحق والتي ستنضم دون أي تحفظ إلى هذا العهد يتم هذا الانضمام بترخيص يودع لدى السكرتارية خلال شهرين من دخول العهد في دور النفاذ، ويرسل إخطار بهذا إلى كل الدول الأخرى الأعضاء في العصبة.
  2. يجوز لأي دولة أو دوم نيون أو مستعمرة تتمتع بالحكم الذاتي الكامل لم يذكر إثمها في الملحق أن تصبح عضواً في العصبة إذا وافق على قبولها ثلثا أعضاء الدول في الجمعية بشرط أن تقدم ضمانات فعالة بنيتها الصادقة في مراعات التزاماتها الدولية، وأن تقبل النظم التي قد تضعها العصبة بشأن الأسلحة، والقوات الحربية ،والبحرية، والجوية.
  3. يجوز لأي عضو في العصبة أن ينسحب من العصبة بعد سنتين من تقديم إخطار بنيته هذه بشرط أن يكون نفذ جميع التزاماته الدولية، وجميع التزاماته وفقاً لهذا العهد في وقت الانسحاب.

ونظمت المادة السابعة مسألة الامتيازات والحصانات الدبلوماسية الممنوحة لموظفي ومندوبي العصبة حيث نصت على:

  1. أن تكون جنيف بجمهورية سويسرا الإتحادية المقر الدائم للعصبة.
  2. للمجلس أن يقرر في أي وقت نقل مقر العصبة إلى مكان آخر.
  3. تفتح جميع الوظائف الداخلية في عمل العصبة أو المتصلة بها، ومن بينها الأمانة العامة للرجال والنساء وذلك على قدم المساواة.
  4. يتمتع المندوبون من أعضاء العصبة وموظفوها أثناء قيامهم بمهامهم بالمزايا والحصانات الدبلوماسية.
  5. تكون مصونة حرمة المباني والأموال الأخرى التي تشغلها العصبة أو موظفوها أو المندوبون الذين يشتركون في اجتماعاتها.

وأوضحت المادة الثامنة الأهداف التي قامت من أجلها العصبة حيث نصت على أنه:

  1. يقرر أعضاء العصبة بأن حفظ السلام يتطلب تخفيض الأسلحة الوطنية إلى أقل مستوى يتفق مع الأمن القومي والتنفيذ الجبري للالتزامات الدولية عن طريق القيام بعمل مشترك.
  2. يقوم المجلس مع الأخذ بعين الاعتبار الموقع الجغرافي والظروف الخاصة بكل دولة لإعداد المقترحات الخاصة بهذا التخفيض لكي تقوم الحكومات بالنظر فيها والقيام بما يلزم من عمل.
  3. يجوز إعادة النظر في هذه المقترحات وتعديلها مرة على الأقل كل 10 سنوات.
  4. لا يجوز تجاوز نسب الأسلحة التي حددت وفقاً للمقترحات التي أقرتها الحكومات إلا بموافقة المجلس.
  5. يوافق أعضاء العصبة على أن صنع الذخائر وأدوات الحرب بواسطة الشركات الخاصة يثير اعتراضات شديدة، ويقوم المجلس ببحث الوسائل الكفيلة بالقضاء على الآثام التي تصاحب هذه الصناعة مع الأخذ بعين الاعتبار بمطالبة أعضاء العصبة الذين ليسوا في وضع يسمح لهم بصنع الذخائر وأدوات الحرب الضرورية لسلامتهم.
  6. يتعهد أعضاء العصبة بتبادل البيانات الكاملة والصريحة عن نسبة أسلحتهم وبرامجهم الحربية والبحرية والجوية، ووضع صناعتهم القابلة للتمويل للأغراض الحربية.

كما أوضحت المادة العاشرة أنه على جميع الدول المصدقة على العهد الالتزام بالمحافظة على سلامة أقاليم جميع الأطراف، واستقلالهم السياسي، وإذا حدث عدوان أو تهديد من أي نوع، فإن المجلس يضع الوسائل التي من خلالها يتم تنفيذ هذا البند.

وتشير المادة الثانية عشر في فقرتها الأولى إلى أساليب فض النزاعات التي قد تنشأ بين الأعضاء، ففي حال نشوب أية نزاعات يتم اللجوء إلى التحكيم، أو التسوية القضائية، أو التحقيق بوساطة المجلس، ويقرون بعدم لجوئهم إلى الحرب قبل مرور ثلاثة أشهر على صدور قرار التحكيم أو الحكم القضائي أو تقرير المجلس.

وفي حال ما إذا خالف أحد الأعضاء ما تعهد به بتصديقه على العهد، وأعلن الحرب على الدولة الأخرى، فإنه بذلك يعد معلناً الحرب على جميع الدول الأعضاء ومرتكباً جريمة من جرائم الحرب، ويتم قطع جميع العلاقات التجارية والمالية، وتُحَّرم أية اتصالات بين رعايا الدول الأعضاء ورعايا الدولة المخالفة للعهد، بالإضافة إلى منع الاتصالات الشخصية والمالية والتجارية بينها وبين الدول الأخرى الغير أعضاء بالعصبة، هذا ما تم ذكره بالمادة السادسة عشر في فقرتها الأولى.

ووفقاً للمادة (17) أنه في حالة نشوء نزاع بين أي من أعضاء العصبة، ودولة ليست طرفاً لديها، يتم تقديم دعوة إلى الدولة أو الدول التي ليست طرفاً في العصبة للموافقة على التزامات العصبة، فإذا ما تمت الموافقة، فتطبق عليهم أحكام المواد (12) و (16) مع بعض التعديلات التي قد يراها المجلس لازمة.

وقد رأت العصبة أنه من الضروري وجود محكمة دائمة تختص بما ينشأ من نزاعات دولية بين أطرافها، لذا فقد تم إنشاء محكمة العدل الدولية، فهي تختص أيضاً بالنظر فيما يُعرض عليها من نزاعات من قبل المجلس أو الجمعية، وقد نظمت ذلك المادة (14) من عهد عصبة الأمم.

وقد نصت المادة (24) بفقرتها الأولى بأن توضع جميع المكاتب الدولية تحت إشراف العصبة والتي سبق وأن أُنشأت بمقتضى معاهدات عامة، ولكن بشرط موافقة أعضاء تلك المعاهدات، إلى جانب كافة المكاتب الدولية واللجان الناشئة والخاصة بما له شأن بما تسعى إليه العصبة.

كما أن أطراف العصبة يوافقون على تشجيع إنشاء منظمات الصليب الأحمر والتي تعمل على تطوير الشئون الصحية والقضاء على الأمراض، وتخفيف الآلام بجميع أنحاء العالم، وقد أشارت إلى ذلك المادة (25).

حل عصبة الأمم:

نظراً لعدم استطاعة عصبة الأمم على السيطرة على قراراتها، أمام قوة الدول العظمى، حينما تتعارض مصالح تلك الدول مع ما تُصدره العصبة من قرارات، فكانوا يرفضون التصديق على القرارات المتعارضة مع مصالحهم، أو الخضوع لها، حيث افتقار العصبة لقوة مسلحة تعينها على الهيمنة وتحقيق السلم والأمن الدوليين والذي أنشأت العصبة لأجله، لذا فإنها كانت تعتمد على القوى العسكرية لتلك الدول العظمى لتنفيذ قراراتها؛ فكانوا يُظهرون تحدياً واحتقارا لقرارات المجلس، الأمر الذي جعل العصبة غير قادرة على فرض هيمنتها على جميع الدول الأطراف.

ونَتَج عن ذلك التأثير على قراراتها، ولم يعد هناك ثقة في تلك القرارات وتنفيذها، حيث كان هناك تعارضاً بين ما نص عليه عهدها وبين ما هو مطبق على أرض الواقع، لما كان من تحقيق وسائل وغايات الدول العظمى على حساب الدول الضعيفة، ولم نكن نرى إنصافاً لدولة ضعيفة تحتاج إلى مساعدة، إذا تعارض ذاك مع مصلحة دولة عظمى.

وقد ساهم قيام الحرب العالمية الثانية عام (1939) في إثبات فشل عصبة الأمم، فبمجرد إعلان الحرب تم حل عصبة الأمم لتحل محلها هيئة الأمم المتحدة، حيث اجتمع مندوبون كلاً من الولايات المتحدة الأمريكية، وبريطانيا العظمى وروسيا والصين، خلال مؤتمر موسكو عام 1943، وقد نجم عن هذا الاجتماع تصريح سوف نعرض منه الفقرة الآتية: ” إن هذه الدول تعترف بضرورة التعجيل بإنشاء هيئة دولية عالمية تقوم على أساس المساواة في السيادة بين جميع الدول المحبة للسلم، وتنضم إلى عضويتها هذه الدول، لا فرق فيها بين دولة عظمى ودولة صغرى، لتضمن استقرار الأمن والسلم الدوليين “.

كتابة : نسمة مجدي

error: حقوق الطبع محفوظة لشركة المحامي سامي العوض © Copy Right Protected